فرنسا في الخليج العربي… لماذا الآن؟
::cck::1108::/cck::
::introtext::
جاء افتتاح فرنسا لقاعدة عسكرية لها في الإمارات بالخليج العربي ليعكس ويعيد للأذهان عودتها إلى الشرق عسكرياً عبر تلك القاعدة التي تعد الأولى منذ ما يقرب من خمسين عاماً من التوقف عن بناء قواعد عسكرية خارج الأراضي الفرنسية، وقد صاحب تلك الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية وصفقات بيع السلاح للإمارات. فمنذ مجيء ساركوزي وتوليه الرئاسة وهو يعمل على إدخال فرنسا مباشرة في التفاعلات الدولية في منطقة الخليج والشرق الأوسط بعد أن كانت قاصرة على حوض البحر المتوسط ومجموعة الفرنكفونية، وجعل باريس لاعباً قوياً في منطقة الخليج التي تعتبر تقليدياً منطقة نفوذ إنجلوسكسونية، وهذا ما عبر عنه ساركوزي بالقول إن فرنسا تريد إظهار أنها مستعدة لتحمل مسؤولياتها في ضمان أمن منطقة الخليج.
::/introtext::
::fulltext::
جاء افتتاح فرنسا لقاعدة عسكرية لها في الإمارات بالخليج العربي ليعكس ويعيد للأذهان عودتها إلى الشرق عسكرياً عبر تلك القاعدة التي تعد الأولى منذ ما يقرب من خمسين عاماً من التوقف عن بناء قواعد عسكرية خارج الأراضي الفرنسية، وقد صاحب تلك الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية وصفقات بيع السلاح للإمارات. فمنذ مجيء ساركوزي وتوليه الرئاسة وهو يعمل على إدخال فرنسا مباشرة في التفاعلات الدولية في منطقة الخليج والشرق الأوسط بعد أن كانت قاصرة على حوض البحر المتوسط ومجموعة الفرنكفونية، وجعل باريس لاعباً قوياً في منطقة الخليج التي تعتبر تقليدياً منطقة نفوذ إنجلوسكسونية، وهذا ما عبر عنه ساركوزي بالقول إن فرنسا تريد إظهار أنها مستعدة لتحمل مسؤولياتها في ضمان أمن منطقة الخليج.
أدركت فرنسا ومنذ فترة مبكرة أهمية منطقة الخليج العربي وخاصة بعد حرب الخليج الثانية
وعلى الرغم من الوجود السياسي والاقتصادي والثقافي الفرنسي في المنطقة، فإن الرغبة الفرنسية في إيجاد مواطئ قدم دائمة فعلية لها في الخليج العربي من أجل حماية مصالحها أصبحت كبيرة بافتتاح القاعدة العسكرية. كما أن التوجه الفرنسي ناحية الخليج العربي لم يكن جديداً من نوعه أو حديث العهد، فقد أدركت فرنسا ومنذ فترة مبكرة أهمية منطقة الخليج العربي وخاصة بعد حرب الخليج الثانية، إذ قامت بعقد اتفاقية عسكرية عام 1991 وألحقت باتفاقية للدفاع المشترك عام 1995 تم تجديدها خلال افتتاح الرئيس الفرنسي للقاعدة العسكرية، وتضمنت الصيغة الجديدة للاتفاقية على (أن تقرر الدولتان بشكل مشترك القيام بردود محددة ومناسبة بما في ذلك عسكرية، عندما يتم التعرض لأمن وسيادة ووحدة أراضي الإمارات واستقلالها). ولعل الرغبة الفرنسية في الوجود العسكري وافتتاح قاعدتها في الإمارات ترجع لعدة اعتبارات وهي:
– ما تمثله منطقة الخليج من أهمية كبيرة في إنتاج النفط والغاز إذ تعد المنطقة الأولى في العالم من حيث إنتاج موارد الطاقة، كما يمر عن طريقها 40 في المائة من النفط المستهلك عالمياً وبالتالي فإن الوجود العسكري الفرنسي هناك ضروري في حال نشوب أي مواجهات أو توترات من شأنه أن يؤثر في إمدادات الطاقة العالمية خاصة في حالة حدوث مواجهة مع إيران، وتهديد الأخيرة بإغلاق مضيق هرمز وعرقلة الملاحة فيه.
– إن وجود قاعدة فرنسية ثابتة في أبوظبي سيتيح لفرنسا وسائل استخباريه فاعلة وميدانية في منطقة عريضة بين دكار (السنغال) والخليج، وبينهما نجامينا (تشاد) وجيبوتي بجوار الصومال، وهي دائرة تضم معظم الساحل الإفريقي والعربي، حيث تتمركز مخاطر العمليات الإرهابية خارج أفغانستان والباكستان. كما ستدعم القاعدة الجديدة الوجود الفرنسي في منطقة غرب المحيط الهندي انطلاقا من وجود 3 قواعد فرنسية عسكرية وبحرية دائمة تشكل مثلثاً يسهل من وصول القوات الفرنسية في زمن قياسي لأهدافها في شرق إفريقيا وغرب المحيط الهندي والخليج العربي وتتمثل زوايا ذلك المثلث الفرنسي في القاعدة الفرنسية في الإمارات، والقاعدة الفرنسية في جيبوتي عند باب المندب جنوب البحر الأحمر، إضافة للقاعدة الفرنسية في جزيرة مايوت.
التوجه الفرنسي ناحية الخليج العربي لم يكن جديداً من نوعه أو حديث العهد
– إن هذه القاعدة ستكون أقرب القواعد الأجنبية إلى الساحل الإيراني، وهذا يحمل مؤشراً رمزياً في سياق احتمالات تطور النزاع الأمريكي – الإيراني وقيام واشنطن أو تل أبيب بقصف محتمل لمواقع عسكرية ونووية إيرانية.
– إدراك باريس الكامل أن واشنطن لا تعترض على تحرك فرنسا في المنطقة أو وجود عسكري لها خاصة بعد تجربتها العسكرية الفاشلة بالعراق. ويأتي الدخول الفرنسي إلى الأراضي والمياه والأجواء الخليجية مترافقاً مع عودة باريس إلى الحلف الأطلسي الذي كان الرئيس ديغول قد انسحب من جناحه العسكري العام 1966 بعد تصادمه مع الرئيس الأمريكي آنذاك ليندون جونسون الذي رفض وجود أي مستوى من الندية في العلاقات بين البلدين، وكثيراً ما تجاهل المصالح الفرنسية.
– إن الوجود العسكري الفرنسي يأتي متزامناً مع قرب موعد الانسحاب الأمريكي من العراق حسبما أعلن الرئيس الأمريكي أوباما واتباعه استراتيجية تقلص التدخل الأمريكي الخارجي بنحو خمسين بالمائة، وهو ما ينبغي تحمله من قبل حلفائها وفي مقدمتهم فرنسا.
جيوبولوتيكية القاعدة:
القاعدة الفرنسية التي افتتحت في مايو الماضي يطلق عليها اسم (السلام)، وتمتد هذه القاعدة على مساحة تبلغ حوالي 12 هكتاراً، وهي مزودة بمراسي تنتشر على طول 300 متر، مهمتها استقبال السفن الحربية الفرنسية. وتم اختيار موقع متميّز لإقامة القاعدة حيث شيدت بالقرب من مضيق هرمز في مقابل إيران، وتضم أكثر من 400 عسكري في ثلاثة مواقع هي قاعدة بحرية في ميناء أبوظبي، وقاعدة جوية ستكون مقراً لثلاث مقاتلات على الأقل إضافة إلى معسكر للتدريب على القتال في المدن وفي المناطق الصحراوية. كما ستكون داعمة للمكونات الجوية والبرية الملحقة بها، وسيضم الجزء الجوي منها عدداً من الطائرات الفرنسية من طراز (ميراج 2000) و(رافال) التي ستجثم على جزء من خليج قاعدة (ضفرة) الإماراتية المزودة بمنظومة رادارات تتيح لها الهبوط والإقلاع. واستغرق بناؤها 18 شهراً منذ الاتفاق عليها في يناير من العام الماضي.

دوافع إماراتية:
ظلت الساحة الإماراتية وحتى وقت قريب بعيدة عن التحالفات والأحداث السياسية، بل إن الإمارات من الدول التي تتميز بخلوها من الضباب السياسي الذي يسود معظم إن لم يكن كل دول العالم بصفة عامة والدول العربية بصفة خاصة، إلا أنه نتيجة لجملة التطورات والإفرازات التي تلت عملية احتلال أمريكا للعراق وما تبعها من سيطرة حالة من عدم الاستقرار في المنطقة، ناهيك عن تزايد حدة التوترات بين أمريكا وإيران من جهة، إضافة إلى تنامي التوتر العربي الإيراني بوجه زادت فيه الرغبة لدى الإمارات في إيجاد تنوع بتحالفاتها مع القوى العالمية المختلفة. ولم تكن دولة الإمارات الأولى خليجياً التي تستضيف قاعدة أجنبية ولم تكن الأخيرة، فالدول الخليجية في مجموعها تتمركز فيها قواعد أجنبية (أمريكية أو فرنسية)، ولعل ذلك ناتج عن هشاشة النظام الأمني في تلك المنظومة الخليجية مقارنة بالمنظومة الأمنية على الساحل المقابل، وقد لجأت الدول الخليجية واستعاضت عن ضعف الإمكانيات وضعف المنظومة الأمنية فيها بعقد عدد من معاهدات الدفاع والتحالف واستضافة قواعد عسكرية على أراضيها، ولعل إدراك القيادة الإماراتية لمكامن الخطر والتهديد المباشر للأمن القومي الإماراتي قادها تلقائياً إلى عقد تحالفات والبحث عن وجود عسكري دولي تضيفه إلى الوجود الأمريكي من باب تنويع العلاقات العسكرية، وفرنسا وفق السياسة الخارجية الإماراتية هي الشريك الغربي الآخر المناسب إلى جانب الأمريكي، خاصة أن الوحدات البحرية الفرنسية ترسو30 مرة كل عام قبالة السواحل الإماراتية، كما يتم إرسال الطيارين العسكريين الفرنسيين إلى الإمارات مرتين في العام للقيام بدورات تدريبية.
الرد الإيراني:
تسود الجانب الإيراني حالة من القلق والهاجس الأمني من جراء تنامي الوجود الأجنبي في الخليج، ولعل ذلك نتيجة لما يمثله هذا الوجود من تهديد للأمن الإيراني إضافة إلى تحجيم لدوره في المنطقة والحد من حركته في المستقبل، وقد كان الرد الإيراني على افتتاح تلك القاعدة رافضاً لها ومعتبراً أنها لن تخدم الأمن والاستقرار في منطقة الخليج، إذ اعتبر المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن إقامة القاعدة (إجراء لا يخدم الأمن في المنطقة). كما حذر المسؤولون الإيرانيون من مغبة الالتحاق بركب سياسات الأجانب في المنطقة من خلال منحهم قاعدة عسكرية، واصفين هذا الإجراء بأنه غير قابل للفهم، ولا يمكن اعتباره خطوة في إطار أمن المنطقة. كما قامت إيران وبعد أقل من أسبوع على افتتاح القاعدة الفرنسية بنشر ثلاث غواصات حديثة قبالة دولة الإمارات، إلى جانب 18 زورقاً سريعاً وعدد من الطائرات من دون طيار. والانزعاج الإيراني ليس من الجنود الفرنسيين البالغ عددهم 400 جندي الذين سيمثكون في هذه القاعدة، وإنما من الالتزام الفرنسي السياسي والعسكري حيال أمن الإمارات ودول الخليج العربية بشكل عام.
الاقتصاد يقود السياسة:
القاعدة المذكورة ليست التطور الوحيد في المشهدين السياسي والعسكري في هذه المنطقة التي مابرحت مسرحاً للاحتقانات السياسية والمواجهات العسكرية التي لم تتوقف تماماً على مدى عقود ثلاثة متواصلة. فقد سبق زيارة ساركوزي للإمارات وافتتاح القاعدة توقيع الطرفين صفقة سلاح عملاقة تتجاوز قيمتها 10 -12 مليار دولار، تقوم فرنسا بموجبها بتزويد دولة الإمارات بـ 60 طائرة مقاتلة من طراز (رفايل Rafael) تضاف إلى 60 طائرة أخرى من طراز (ميراج) سلمت ضمن صفقة سابقة، وجاءت الصفقة الأخيرة في ضوء فشل محاولة فرنسية قبل ثلاث سنوات لتزويد السعودية بـ 80 طائرة من الطراز نفسه. وكانت الإمارات قد وقعت في شهر فبراير الماضي اتفاقاً آخر مع شركة (ريثيون) الأمريكية لتزويدها بصواريخ مضادة للطائرات تطلق من منصات أرضية أو من الجو، وصواريخ جو جو من صنع الشركة نفسها، بهدف إقامة نظام دفاعي صاروخي متعدد الطبقات. كما تم الاتفاق خلال الزيارة على بيع 380 دبابة «لوكلير» مقابل 9 مليارات دولار. إضافة إلى ذلك تم الاتفاق على مساعدة الإمارات في بناء وبيع مفاعلين نوويين لها بقيمة تتراوح بين 25 و50 مليار يورو في منتصف سبتمبر المقبل، سبق وأن تم الاتفاق عليهما في أثناء الزيارة السابقة لساركوزي والتي جرت العام الماضي. وسوف تقوم شركتا توتال وسويس صانعة المفاعلات النووية المملوكة للحكومة الفرنسية بإنشاء المفاعلين النوويين من الجيل الثالث في دولة الإمارات.
هذه الصفقات جاءت برغم ما تواجهه الإمارات من حالة ركود اقتصادي نتيجة للأزمة المالية العالمية، كما أنها تأتي في ضوء تراجع أسعار النفط وتضاؤل مدخولات الدول النفطية، وتطرح تساؤلات كثيرة ليس عن مدى ضرورة تلك الصفقات العملاقة، بل عما إذا كان عقدها بهدف الدفاع عن دولة الإمارات ومصالحها، أم للاستعداد لتصعيد عسكري ضد إيران من قبل الدول الغربية. لقد استطاع ساركوزي أن يحقق عدة مكاسب جراء تلك الزيارة تداخلت ما بين المكاسب السياسية والعسكرية والاقتصادية، وأصبح الوجود العسكري الفرنسي أمراً واقعاً يضاف إلى الوجود الأنجلوسكسوني في الخليج.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1108::/cck::
::introtext::
جاء افتتاح فرنسا لقاعدة عسكرية لها في الإمارات بالخليج العربي ليعكس ويعيد للأذهان عودتها إلى الشرق عسكرياً عبر تلك القاعدة التي تعد الأولى منذ ما يقرب من خمسين عاماً من التوقف عن بناء قواعد عسكرية خارج الأراضي الفرنسية، وقد صاحب تلك الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية وصفقات بيع السلاح للإمارات. فمنذ مجيء ساركوزي وتوليه الرئاسة وهو يعمل على إدخال فرنسا مباشرة في التفاعلات الدولية في منطقة الخليج والشرق الأوسط بعد أن كانت قاصرة على حوض البحر المتوسط ومجموعة الفرنكفونية، وجعل باريس لاعباً قوياً في منطقة الخليج التي تعتبر تقليدياً منطقة نفوذ إنجلوسكسونية، وهذا ما عبر عنه ساركوزي بالقول إن فرنسا تريد إظهار أنها مستعدة لتحمل مسؤولياتها في ضمان أمن منطقة الخليج.
::/introtext::
::fulltext::
جاء افتتاح فرنسا لقاعدة عسكرية لها في الإمارات بالخليج العربي ليعكس ويعيد للأذهان عودتها إلى الشرق عسكرياً عبر تلك القاعدة التي تعد الأولى منذ ما يقرب من خمسين عاماً من التوقف عن بناء قواعد عسكرية خارج الأراضي الفرنسية، وقد صاحب تلك الزيارة توقيع عدد من الاتفاقيات الاقتصادية وصفقات بيع السلاح للإمارات. فمنذ مجيء ساركوزي وتوليه الرئاسة وهو يعمل على إدخال فرنسا مباشرة في التفاعلات الدولية في منطقة الخليج والشرق الأوسط بعد أن كانت قاصرة على حوض البحر المتوسط ومجموعة الفرنكفونية، وجعل باريس لاعباً قوياً في منطقة الخليج التي تعتبر تقليدياً منطقة نفوذ إنجلوسكسونية، وهذا ما عبر عنه ساركوزي بالقول إن فرنسا تريد إظهار أنها مستعدة لتحمل مسؤولياتها في ضمان أمن منطقة الخليج.
أدركت فرنسا ومنذ فترة مبكرة أهمية منطقة الخليج العربي وخاصة بعد حرب الخليج الثانية
وعلى الرغم من الوجود السياسي والاقتصادي والثقافي الفرنسي في المنطقة، فإن الرغبة الفرنسية في إيجاد مواطئ قدم دائمة فعلية لها في الخليج العربي من أجل حماية مصالحها أصبحت كبيرة بافتتاح القاعدة العسكرية. كما أن التوجه الفرنسي ناحية الخليج العربي لم يكن جديداً من نوعه أو حديث العهد، فقد أدركت فرنسا ومنذ فترة مبكرة أهمية منطقة الخليج العربي وخاصة بعد حرب الخليج الثانية، إذ قامت بعقد اتفاقية عسكرية عام 1991 وألحقت باتفاقية للدفاع المشترك عام 1995 تم تجديدها خلال افتتاح الرئيس الفرنسي للقاعدة العسكرية، وتضمنت الصيغة الجديدة للاتفاقية على (أن تقرر الدولتان بشكل مشترك القيام بردود محددة ومناسبة بما في ذلك عسكرية، عندما يتم التعرض لأمن وسيادة ووحدة أراضي الإمارات واستقلالها). ولعل الرغبة الفرنسية في الوجود العسكري وافتتاح قاعدتها في الإمارات ترجع لعدة اعتبارات وهي:
– ما تمثله منطقة الخليج من أهمية كبيرة في إنتاج النفط والغاز إذ تعد المنطقة الأولى في العالم من حيث إنتاج موارد الطاقة، كما يمر عن طريقها 40 في المائة من النفط المستهلك عالمياً وبالتالي فإن الوجود العسكري الفرنسي هناك ضروري في حال نشوب أي مواجهات أو توترات من شأنه أن يؤثر في إمدادات الطاقة العالمية خاصة في حالة حدوث مواجهة مع إيران، وتهديد الأخيرة بإغلاق مضيق هرمز وعرقلة الملاحة فيه.
– إن وجود قاعدة فرنسية ثابتة في أبوظبي سيتيح لفرنسا وسائل استخباريه فاعلة وميدانية في منطقة عريضة بين دكار (السنغال) والخليج، وبينهما نجامينا (تشاد) وجيبوتي بجوار الصومال، وهي دائرة تضم معظم الساحل الإفريقي والعربي، حيث تتمركز مخاطر العمليات الإرهابية خارج أفغانستان والباكستان. كما ستدعم القاعدة الجديدة الوجود الفرنسي في منطقة غرب المحيط الهندي انطلاقا من وجود 3 قواعد فرنسية عسكرية وبحرية دائمة تشكل مثلثاً يسهل من وصول القوات الفرنسية في زمن قياسي لأهدافها في شرق إفريقيا وغرب المحيط الهندي والخليج العربي وتتمثل زوايا ذلك المثلث الفرنسي في القاعدة الفرنسية في الإمارات، والقاعدة الفرنسية في جيبوتي عند باب المندب جنوب البحر الأحمر، إضافة للقاعدة الفرنسية في جزيرة مايوت.
التوجه الفرنسي ناحية الخليج العربي لم يكن جديداً من نوعه أو حديث العهد
– إن هذه القاعدة ستكون أقرب القواعد الأجنبية إلى الساحل الإيراني، وهذا يحمل مؤشراً رمزياً في سياق احتمالات تطور النزاع الأمريكي – الإيراني وقيام واشنطن أو تل أبيب بقصف محتمل لمواقع عسكرية ونووية إيرانية.
– إدراك باريس الكامل أن واشنطن لا تعترض على تحرك فرنسا في المنطقة أو وجود عسكري لها خاصة بعد تجربتها العسكرية الفاشلة بالعراق. ويأتي الدخول الفرنسي إلى الأراضي والمياه والأجواء الخليجية مترافقاً مع عودة باريس إلى الحلف الأطلسي الذي كان الرئيس ديغول قد انسحب من جناحه العسكري العام 1966 بعد تصادمه مع الرئيس الأمريكي آنذاك ليندون جونسون الذي رفض وجود أي مستوى من الندية في العلاقات بين البلدين، وكثيراً ما تجاهل المصالح الفرنسية.
– إن الوجود العسكري الفرنسي يأتي متزامناً مع قرب موعد الانسحاب الأمريكي من العراق حسبما أعلن الرئيس الأمريكي أوباما واتباعه استراتيجية تقلص التدخل الأمريكي الخارجي بنحو خمسين بالمائة، وهو ما ينبغي تحمله من قبل حلفائها وفي مقدمتهم فرنسا.
جيوبولوتيكية القاعدة:
القاعدة الفرنسية التي افتتحت في مايو الماضي يطلق عليها اسم (السلام)، وتمتد هذه القاعدة على مساحة تبلغ حوالي 12 هكتاراً، وهي مزودة بمراسي تنتشر على طول 300 متر، مهمتها استقبال السفن الحربية الفرنسية. وتم اختيار موقع متميّز لإقامة القاعدة حيث شيدت بالقرب من مضيق هرمز في مقابل إيران، وتضم أكثر من 400 عسكري في ثلاثة مواقع هي قاعدة بحرية في ميناء أبوظبي، وقاعدة جوية ستكون مقراً لثلاث مقاتلات على الأقل إضافة إلى معسكر للتدريب على القتال في المدن وفي المناطق الصحراوية. كما ستكون داعمة للمكونات الجوية والبرية الملحقة بها، وسيضم الجزء الجوي منها عدداً من الطائرات الفرنسية من طراز (ميراج 2000) و(رافال) التي ستجثم على جزء من خليج قاعدة (ضفرة) الإماراتية المزودة بمنظومة رادارات تتيح لها الهبوط والإقلاع. واستغرق بناؤها 18 شهراً منذ الاتفاق عليها في يناير من العام الماضي.

دوافع إماراتية:
ظلت الساحة الإماراتية وحتى وقت قريب بعيدة عن التحالفات والأحداث السياسية، بل إن الإمارات من الدول التي تتميز بخلوها من الضباب السياسي الذي يسود معظم إن لم يكن كل دول العالم بصفة عامة والدول العربية بصفة خاصة، إلا أنه نتيجة لجملة التطورات والإفرازات التي تلت عملية احتلال أمريكا للعراق وما تبعها من سيطرة حالة من عدم الاستقرار في المنطقة، ناهيك عن تزايد حدة التوترات بين أمريكا وإيران من جهة، إضافة إلى تنامي التوتر العربي الإيراني بوجه زادت فيه الرغبة لدى الإمارات في إيجاد تنوع بتحالفاتها مع القوى العالمية المختلفة. ولم تكن دولة الإمارات الأولى خليجياً التي تستضيف قاعدة أجنبية ولم تكن الأخيرة، فالدول الخليجية في مجموعها تتمركز فيها قواعد أجنبية (أمريكية أو فرنسية)، ولعل ذلك ناتج عن هشاشة النظام الأمني في تلك المنظومة الخليجية مقارنة بالمنظومة الأمنية على الساحل المقابل، وقد لجأت الدول الخليجية واستعاضت عن ضعف الإمكانيات وضعف المنظومة الأمنية فيها بعقد عدد من معاهدات الدفاع والتحالف واستضافة قواعد عسكرية على أراضيها، ولعل إدراك القيادة الإماراتية لمكامن الخطر والتهديد المباشر للأمن القومي الإماراتي قادها تلقائياً إلى عقد تحالفات والبحث عن وجود عسكري دولي تضيفه إلى الوجود الأمريكي من باب تنويع العلاقات العسكرية، وفرنسا وفق السياسة الخارجية الإماراتية هي الشريك الغربي الآخر المناسب إلى جانب الأمريكي، خاصة أن الوحدات البحرية الفرنسية ترسو30 مرة كل عام قبالة السواحل الإماراتية، كما يتم إرسال الطيارين العسكريين الفرنسيين إلى الإمارات مرتين في العام للقيام بدورات تدريبية.
الرد الإيراني:
تسود الجانب الإيراني حالة من القلق والهاجس الأمني من جراء تنامي الوجود الأجنبي في الخليج، ولعل ذلك نتيجة لما يمثله هذا الوجود من تهديد للأمن الإيراني إضافة إلى تحجيم لدوره في المنطقة والحد من حركته في المستقبل، وقد كان الرد الإيراني على افتتاح تلك القاعدة رافضاً لها ومعتبراً أنها لن تخدم الأمن والاستقرار في منطقة الخليج، إذ اعتبر المتحدث الرسمي باسم وزارة الخارجية الإيرانية أن إقامة القاعدة (إجراء لا يخدم الأمن في المنطقة). كما حذر المسؤولون الإيرانيون من مغبة الالتحاق بركب سياسات الأجانب في المنطقة من خلال منحهم قاعدة عسكرية، واصفين هذا الإجراء بأنه غير قابل للفهم، ولا يمكن اعتباره خطوة في إطار أمن المنطقة. كما قامت إيران وبعد أقل من أسبوع على افتتاح القاعدة الفرنسية بنشر ثلاث غواصات حديثة قبالة دولة الإمارات، إلى جانب 18 زورقاً سريعاً وعدد من الطائرات من دون طيار. والانزعاج الإيراني ليس من الجنود الفرنسيين البالغ عددهم 400 جندي الذين سيمثكون في هذه القاعدة، وإنما من الالتزام الفرنسي السياسي والعسكري حيال أمن الإمارات ودول الخليج العربية بشكل عام.
الاقتصاد يقود السياسة:
القاعدة المذكورة ليست التطور الوحيد في المشهدين السياسي والعسكري في هذه المنطقة التي مابرحت مسرحاً للاحتقانات السياسية والمواجهات العسكرية التي لم تتوقف تماماً على مدى عقود ثلاثة متواصلة. فقد سبق زيارة ساركوزي للإمارات وافتتاح القاعدة توقيع الطرفين صفقة سلاح عملاقة تتجاوز قيمتها 10 -12 مليار دولار، تقوم فرنسا بموجبها بتزويد دولة الإمارات بـ 60 طائرة مقاتلة من طراز (رفايل Rafael) تضاف إلى 60 طائرة أخرى من طراز (ميراج) سلمت ضمن صفقة سابقة، وجاءت الصفقة الأخيرة في ضوء فشل محاولة فرنسية قبل ثلاث سنوات لتزويد السعودية بـ 80 طائرة من الطراز نفسه. وكانت الإمارات قد وقعت في شهر فبراير الماضي اتفاقاً آخر مع شركة (ريثيون) الأمريكية لتزويدها بصواريخ مضادة للطائرات تطلق من منصات أرضية أو من الجو، وصواريخ جو جو من صنع الشركة نفسها، بهدف إقامة نظام دفاعي صاروخي متعدد الطبقات. كما تم الاتفاق خلال الزيارة على بيع 380 دبابة «لوكلير» مقابل 9 مليارات دولار. إضافة إلى ذلك تم الاتفاق على مساعدة الإمارات في بناء وبيع مفاعلين نوويين لها بقيمة تتراوح بين 25 و50 مليار يورو في منتصف سبتمبر المقبل، سبق وأن تم الاتفاق عليهما في أثناء الزيارة السابقة لساركوزي والتي جرت العام الماضي. وسوف تقوم شركتا توتال وسويس صانعة المفاعلات النووية المملوكة للحكومة الفرنسية بإنشاء المفاعلين النوويين من الجيل الثالث في دولة الإمارات.
هذه الصفقات جاءت برغم ما تواجهه الإمارات من حالة ركود اقتصادي نتيجة للأزمة المالية العالمية، كما أنها تأتي في ضوء تراجع أسعار النفط وتضاؤل مدخولات الدول النفطية، وتطرح تساؤلات كثيرة ليس عن مدى ضرورة تلك الصفقات العملاقة، بل عما إذا كان عقدها بهدف الدفاع عن دولة الإمارات ومصالحها، أم للاستعداد لتصعيد عسكري ضد إيران من قبل الدول الغربية. لقد استطاع ساركوزي أن يحقق عدة مكاسب جراء تلك الزيارة تداخلت ما بين المكاسب السياسية والعسكرية والاقتصادية، وأصبح الوجود العسكري الفرنسي أمراً واقعاً يضاف إلى الوجود الأنجلوسكسوني في الخليج.
::/fulltext::
::cck::1108::/cck::
