إيران والعرب أزمة ثقة أم عدم إدراك متبادل؟!
::cck::1109::/cck::
::introtext::
ثمة علاقة معجمة تربط بين العرب والإيرانيين منذ قديم الأيام يعزوها المتخصصون إلى الخميرة الثقافية التي تتشكل منها بنية الأمتين منذ القدم، لم يستطع الدين الإسلامي العظيم بالرغم من جمعهما في بوتقة مستجدة واحدة أن يفك ألغازها، وإن تمكن من كشف الغطاء عن كثير من الأغشية المحيطة بها، وقرب من أفئدة العامة وآلف بينها لفترات لا بأس بها!
::/introtext::
::fulltext::
ثمة علاقة معجمة تربط بين العرب والإيرانيين منذ قديم الأيام يعزوها المتخصصون إلى الخميرة الثقافية التي تتشكل منها بنية الأمتين منذ القدم، لم يستطع الدين الإسلامي العظيم بالرغم من جمعهما في بوتقة مستجدة واحدة أن يفك ألغازها، وإن تمكن من كشف الغطاء عن كثير من الأغشية المحيطة بها، وقرب من أفئدة العامة وآلف بينها لفترات لا بأس بها!
لقد ظن العرب بعد التقدم الباهر الذي تحقق لهم بفضل الإسلام، أن الأمم القديمة قد انطوت حقبتها التأريخية ودورتها الحضارية بصورة نهائية لا رجعة فيها، لكنهم سرعان ما اكتشفوا عدم دقة مثل ذلك الحكم المستعجل على حركة التأريخ في ميدان الممارسة والتفاعل بين الأمم!
الحرب العراقية ـ الإيرانية وما رافقها من مرارات أحدثت فجوة كبيرة بين العرب والإيرانيين
فالإيرانيون مثلاً، وإن كانوا قد التحقوا بدعوة الإسلام ودانوا لقيمه السامية التي وصلت إليهم بوسائل وطرق شتى، إلا أنهم لم يتعربوا كما حصل مع المصريين مثلاً، كما انهم ليس فقط لم يتخلوا تماماً عن كل ما هو قديم ضارب في أعماق مدنيتهم وحضارتهم الفارسية، بل إنهم سرعان ما طوعوا الكثير من مفاهيم ومقولات وقيم الفاتح الجديد، بل وألبسوها لباساً (إيرانياً) ما يمكن وضعه في دائرة مقولة (توطين) الدين الجديد أي جعله يبدو محلياً ومن صنع داخلي وليس (ديناً مستورداً)!
المتخصصون هنا مرة أخرى، يعزون ذلك إلى قوة وتالياً استمرارية حضور وسكون المدنية الإيرانية القديمة والتي لا تخلو من عصور الازدهار التي تفتخر بها الأمة الإيرانية على العموم في عقول وأفئدة أتباع الدين الجديد من الإيرانيين.
وإذا كان زعماء القوم من كل جانب وعقلاؤهم ووجهاؤهم قد قدروا آنذاك أهمية وحساسية اللحظة التأريخية التي كانت تمر بها البشرية في ظل حضور الدين الجديد بحيويته الدفاقة وقدرته الفائقة على استيعاب كل ما هو خير من القديم وتدوين حقبة تقدم بشرية جديدة بالاستعانة بكل الأعراق والأقوام والألسنة على حد سواء، فإن ذلك لم يكن كذلك على كافة مستويات حركة المجتمع على الجانبين!
فجزء من (أمة الدعوة) وهم من العرب لم يلتفتوا إلى أهمية مقولة (الأحكام الإمضائية) في الإسلام أي الأحكام التي كان الإسلام يصادق على صحتها رغم كونها تعود إلى القديم من الثقافات أو الحضارات أو الأديان، فيما كان جزءاً من أمة الحضارة العريقة وهم الفرس هنا، يبدي توجساً لا داعي له تجاه كل ما هو (ثوري) أو تجديدي من المقولات التي أخذت تتدفق عليهم مع الدين الجديد في إطار (الأحكام التشريعية) أي المستجدة مع الدين الجديد أي الإسلام!
هذه المقدمة كان لا بد منها لكل من يريد أن يعرف سبب العلاقة (المعجمة) التي تسود بين العرب والإيرانيين على العموم بغض النظر عن المستويات أو مديات العجمة أو الوضوح!
فبعد قيام الثورة الإسلامية الإيرانية الحديثة في العام 1979 حصل ما يشبه الحالة المشار إليها في المقدمة آنفة الذكر، مع الفارق في الحيثيات والظروف والمواقع بالطبع!
فالمسرح هنا إذ تتكرر بعض مشاهده، إلا أن اللاعبين هذه المرة يبدون وكأنهم قد تبادلوا المواقع، فإيران تأتي هذه المرة وكأنها حاملة لدين جديد! في إطار مقولة أو فلسفة (الثورة الإسلامية) في وقت بدا فيه العرب بعامة ـ النظام العربي ـ وكأنهم يستعدون لمغادرة (مسرح عمليات الثورة) لظروف ليس هنا محل مناقشتها، وتبدأ الهوة والفجوة بالكبر والاتساع مع الزمن لتصل إلى واقعة الحرب العراقية الإيرانية الشهيرة والتي كان فيها الاصطفاف عنيفاً وقاسياً على كل المستويات!
لكن ذلك لم يكن كل شيء ولم يكن الوجه الوحيد، كيف؟
فالإيرانيون كانوا في أوج اعتزازهم فيما كانوا يعتبرونه (العودة إلى الذات) وتجديد هويتهم الحضارية التي حاول عهد الشاه البائد تهميشها وتشويهها وإلحاقها بركب المدنية الغربية الاستئصالية، وهم يتوقعون قوة استقبال أمة الدعوة أي العرب لهم، فإذا بهم يستقبلون بجفاء الحكام وقلقهم وريبتهم وتهمة (تصدير الثورة) وكأن المطلوب معاقبتهم على فعلتهم بدل إثابتهم كما كانوا يتوقعون!
وهو ما حصل على الوجه الآخر من العلاقة بين الحكم الإيراني الجديد والكتل الجماهيرية العربية الكبرى التي استبشرت خيراً بالظاهرة الجديدة وقرأتها كما أراد حكامها الجدد أن تقرأ، وهذا مازاد في الطين بلة على الجانب الآخر من الحدود حيث زاد من الريبة وانعدام الثقة والشكوك من جانب النظام العربي عامة تجاه الحكم الإيراني الجديد!
ولما كان الإيرانيون من أتباع المذهب الشيعي على العموم وفلسفة قيامهم وثورتهم ومنهج قادتهم الجدد تقوم أساساً على مقولات وفلسفة الثورة الحسينية في (قالب خميني) وما تحمله هذه المقولات من موروث تأريخي وتداعيات فكرية سياسية، فإن الأمر صار أكثر تعقيداً وصعوبة مع الزمن، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار عدداً لا بأس به من الأخطاء المنهجية للحكام الجدد والدور الخطير الذي أخذته القوى الاستعمارية على عاتقها في نبش كل ماهو قديم مختلف عليه بين المذاهب من جهة وتوظيف كل خطأ جديد في إطار خطة عملية ممنهجة لتدمير مسير ومسار النهضة الإسلامية الجديدة التي توسم الكثيرون في الشرق أنها ستنطلق من إيران لتعم العالمين العربي والإسلامي من طنجة إلى جاكارتا!
ظهور إيران كقوة إقليمية عظمى زاد عملياً من الشقة والهوة بين العرب وإيران
أما العرب من جهتهم فقد كانوا مشتتين وفي حالة شديدة من انعدام الوزن، بسبب خروج مركز ثقلهم الأساسي و(أم الدنيا) وأم الثورات، أي مصر، من معادلة الصراع الأساسي بسبب معاهدة كامب ديفيد الشهيرة، ما جعلهم غير مهيئين تماماً وكما ينبغي للاستفادة من الظاهرة الجديدة أو توظيفها في أي مشروع، ناهيك عن القدرة على السيطرة على أمواجها أو حصرها بالحدود الدنيا، ولذلك حصل نوع من الطلاق بين الحكام وشعوبهم من جهة وبينهم وبين النظام الإيراني الجديد، ما دفعهم إلى الاستعانة بعدوهم التأريخي سواء القادم من ما وراء البحار أو المستوطن بين ظهرانيهم!
ولما كانت الأحداث والوقائع التأريخية لا تحصل في إطار مختبر نموذجي قابل للسيطرة، فقد أحدثت الحرب العراقية ـ الإيرانية من جهة وما رافقها من معاناة مرارات قاسية، والصراع السياسي والفكري والتفاعلات المرافقة له على أكثر من صعيد من جهة أخرى، نوعاً من الفجوة التي بدأت تكبر مع الأيام أكثر فأكثر بين العرب والإيرانيين على العموم، وليس بين النظام الإيراني الجديد والنظام العربي الرسمي فحسب!
هذا لا يعني بالضرورة أن شرخاً كبيراً أو ثمة قطيعة كبرى قد حصلت أو هوة سحيقة قد حفرت بين العرب والإيرانيين، لا مجال لسدها أو ردمها!
لكن أحداث 11 سبتمبر الشهيرة وما تلاها من غزوات استعمارية لكل من أفغانستان والعراق، والتي ظلت فيها إيران محافظة على هدوئها التأريخي فيها مستعملة كل احتياطي خميرتها الثقافية المشار إليها في المقدمة، دارسة الإسلام السياسي الإيراني الشيعية امتدت شيئاً فشيئاً لتفرز وتبلور ظاهرة ثورية وأصولية في منطقة هي في غاية الأهمية والحساسية والتعقيد ألا وهي لبنان، لبنان الذي طالما حاولت القوى الغربية الاستعمارية انطلاقاً منه الانقضاض على إمبراطوريات الشرق المتنفذة والقوية ومنها الدولة العثمانية، فإذا به اليوم يتحول إلى متراس من الوزن الثقيل للدفاع عن إحدى (إمبراطوريات) الشرق الجديدة، أي إيران، وذلك من خلال العلاقة الاستراتيجية التي تم بناؤها وتعزيزها بما يجعل المشروع الغربي في المنطقة معرضاً للاهتزاز إذا لم يكن للهزيمة. وهذا الأمر يزيد عملياً في مدى القلق الذي يلف بالقوى العربية القومية على الأخص، والأخرى المنبهرة بالغرب عموماً من قوى ليبرالية وعلمانية، الأمر الذي يدفع باتجاه مزيد من الشكوك والريبة وانعدام الثقة بين العرب والإيرانيين، رغم كل الحماس والحميمية اللذين يربطان حركات التحرر العربية الأصيلة مع المشروع الإيراني الإسلامي النهضوي!

وهكذا نستطيع القول هنا بأنه كلما كان يتقدم حزب الله الذي هو بمثابة الحليف الاستراتيجي لإيران في بلاد الشام، كان ذلك يزيد ليس فقط في قلق وريبة واضطراب القوى العربية الرسمية التقليدية من منظورات وأفق المشروع الإيراني، بل ويدفع بالغرب الاستعماري الذي لا يريد أن يرى الشرق ينهض من جديد، إلى مزيد من زرع الشقاق والفرقة واللعب على أوتار الخلافات المذهبية والطائفية وتسويق مشاريع الفتن المتنقلة، انطلاقاً من العراق ومحاولة عرقنة الحالة اللبنانية قدر الإمكان، وذلك تحت عنوان عريض اسمه هذه المرة (الإيران فوبيا)!
ثم إن الفراغ الاستراتيجي الذي بدأ يظهر نتيجة تعثر المشروع الأمريكي في أكثر من ساحة من ساحات العالم العربي، ودخول إيران سواء مباشرة أو بالوكالة، على مهمة ملء الفراغ المذكور، ما كان يعني عملياً ظهور إيران كقوة إقليمية عظمى، زاد عملياً من الشقة والهوة بين العرب ككتلة إقليمية مشتتة وممزقة وقلقة، وبين إيران كقوة صاعدة تشغل بال العرب أجمعين!
لذلك كان من السهولة الترويج لخطر إيراني يستهدف العرب كقوة إقليمية! وكذلك الترويج لفتنة شيعية ـ سنية يقال إن إيران هي المسبب لها باعتبارها دخلت في كل ساحة أو ملف عربي أو حتى في كل بيت، وذلك كما قلنا، سواء مباشرة أو بالوكالة، لا سيما إذا ما علمنا بأن قوة وتأثيرات التحالف الإيراني مع قوى الثورة والتغيير العربي صارت على ساحل المتوسط وعند المضائق الاستراتيجية العربية الأساسية من مضيق هرمز إلى مضيق جبل طارق، من دون استئذان أو استشارة مع أحد من قوى الثقل العربي الرسمي!
إن إدراك حقيقة التحول الإيراني الذي وقع في العام 1979 من جانب العرب، والتسليم بوجود تفاوت ثقافي وفكري قديم رغم القواسم الدينية والتأريخية الكثيرة، معزز بتفاوت مستجد في الرؤية السياسية والاستراتيجية بسبب انتقال إيران من موقع التابع لتوازنات العالم الخارجي، إلى موقع القوة المستقلة والمكتسبة ذاتياً، يمكن أن يشكل القاعدة الحقيقية والمؤثرة في ردم الهوة وتجسير الثقة بين العرب وجيرانهم الإيرانيين!
من جهة أخرى، فإن إدراك الإيرانيين لموقع العرب الجيو سياسي والجيو استراتيجي المهم، ودور ذلك في أية نهضة إيرانية إسلامية، تريد الإسهام في نقل الشرق من عالم الانفعال إلى عالم الفعل، يمكن أن يشكل العمود الآخر الذي لا بد منه لإقامة جسر التعاون وبناء الثقة المتبادلة بين جارين لا مكان لأحدهما في عالم التقدم والرخاء، ناهيك عن عالم الاستقلال الناجز دون الآخر، لا سيما إذا ما سلَّم الطرفان بأنهما الضحية المشتركة الدائمة لاستمرار الاستعمار الإسرائيلي الصهيوني لفلسطين، فلسطين التأريخ والجغرافيا والنهضة والقيامة الكبرى للعرب كما للمسلمين باعتبارها الحلقة الأقوى في الجمع كما في التفريق بين العرب والإيرانيين!
وحده الإدراك الصحيح وتقدير الموقف الدقيق ورسم اتجاه البوصلة السليم من جانب الطرفين، كفيل في إعادة وصل ما انقطع بين حلفاء المصير وشركاء القدر المحتوم!
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1109::/cck::
::introtext::
ثمة علاقة معجمة تربط بين العرب والإيرانيين منذ قديم الأيام يعزوها المتخصصون إلى الخميرة الثقافية التي تتشكل منها بنية الأمتين منذ القدم، لم يستطع الدين الإسلامي العظيم بالرغم من جمعهما في بوتقة مستجدة واحدة أن يفك ألغازها، وإن تمكن من كشف الغطاء عن كثير من الأغشية المحيطة بها، وقرب من أفئدة العامة وآلف بينها لفترات لا بأس بها!
::/introtext::
::fulltext::
ثمة علاقة معجمة تربط بين العرب والإيرانيين منذ قديم الأيام يعزوها المتخصصون إلى الخميرة الثقافية التي تتشكل منها بنية الأمتين منذ القدم، لم يستطع الدين الإسلامي العظيم بالرغم من جمعهما في بوتقة مستجدة واحدة أن يفك ألغازها، وإن تمكن من كشف الغطاء عن كثير من الأغشية المحيطة بها، وقرب من أفئدة العامة وآلف بينها لفترات لا بأس بها!
لقد ظن العرب بعد التقدم الباهر الذي تحقق لهم بفضل الإسلام، أن الأمم القديمة قد انطوت حقبتها التأريخية ودورتها الحضارية بصورة نهائية لا رجعة فيها، لكنهم سرعان ما اكتشفوا عدم دقة مثل ذلك الحكم المستعجل على حركة التأريخ في ميدان الممارسة والتفاعل بين الأمم!
الحرب العراقية ـ الإيرانية وما رافقها من مرارات أحدثت فجوة كبيرة بين العرب والإيرانيين
فالإيرانيون مثلاً، وإن كانوا قد التحقوا بدعوة الإسلام ودانوا لقيمه السامية التي وصلت إليهم بوسائل وطرق شتى، إلا أنهم لم يتعربوا كما حصل مع المصريين مثلاً، كما انهم ليس فقط لم يتخلوا تماماً عن كل ما هو قديم ضارب في أعماق مدنيتهم وحضارتهم الفارسية، بل إنهم سرعان ما طوعوا الكثير من مفاهيم ومقولات وقيم الفاتح الجديد، بل وألبسوها لباساً (إيرانياً) ما يمكن وضعه في دائرة مقولة (توطين) الدين الجديد أي جعله يبدو محلياً ومن صنع داخلي وليس (ديناً مستورداً)!
المتخصصون هنا مرة أخرى، يعزون ذلك إلى قوة وتالياً استمرارية حضور وسكون المدنية الإيرانية القديمة والتي لا تخلو من عصور الازدهار التي تفتخر بها الأمة الإيرانية على العموم في عقول وأفئدة أتباع الدين الجديد من الإيرانيين.
وإذا كان زعماء القوم من كل جانب وعقلاؤهم ووجهاؤهم قد قدروا آنذاك أهمية وحساسية اللحظة التأريخية التي كانت تمر بها البشرية في ظل حضور الدين الجديد بحيويته الدفاقة وقدرته الفائقة على استيعاب كل ما هو خير من القديم وتدوين حقبة تقدم بشرية جديدة بالاستعانة بكل الأعراق والأقوام والألسنة على حد سواء، فإن ذلك لم يكن كذلك على كافة مستويات حركة المجتمع على الجانبين!
فجزء من (أمة الدعوة) وهم من العرب لم يلتفتوا إلى أهمية مقولة (الأحكام الإمضائية) في الإسلام أي الأحكام التي كان الإسلام يصادق على صحتها رغم كونها تعود إلى القديم من الثقافات أو الحضارات أو الأديان، فيما كان جزءاً من أمة الحضارة العريقة وهم الفرس هنا، يبدي توجساً لا داعي له تجاه كل ما هو (ثوري) أو تجديدي من المقولات التي أخذت تتدفق عليهم مع الدين الجديد في إطار (الأحكام التشريعية) أي المستجدة مع الدين الجديد أي الإسلام!
هذه المقدمة كان لا بد منها لكل من يريد أن يعرف سبب العلاقة (المعجمة) التي تسود بين العرب والإيرانيين على العموم بغض النظر عن المستويات أو مديات العجمة أو الوضوح!
فبعد قيام الثورة الإسلامية الإيرانية الحديثة في العام 1979 حصل ما يشبه الحالة المشار إليها في المقدمة آنفة الذكر، مع الفارق في الحيثيات والظروف والمواقع بالطبع!
فالمسرح هنا إذ تتكرر بعض مشاهده، إلا أن اللاعبين هذه المرة يبدون وكأنهم قد تبادلوا المواقع، فإيران تأتي هذه المرة وكأنها حاملة لدين جديد! في إطار مقولة أو فلسفة (الثورة الإسلامية) في وقت بدا فيه العرب بعامة ـ النظام العربي ـ وكأنهم يستعدون لمغادرة (مسرح عمليات الثورة) لظروف ليس هنا محل مناقشتها، وتبدأ الهوة والفجوة بالكبر والاتساع مع الزمن لتصل إلى واقعة الحرب العراقية الإيرانية الشهيرة والتي كان فيها الاصطفاف عنيفاً وقاسياً على كل المستويات!
لكن ذلك لم يكن كل شيء ولم يكن الوجه الوحيد، كيف؟
فالإيرانيون كانوا في أوج اعتزازهم فيما كانوا يعتبرونه (العودة إلى الذات) وتجديد هويتهم الحضارية التي حاول عهد الشاه البائد تهميشها وتشويهها وإلحاقها بركب المدنية الغربية الاستئصالية، وهم يتوقعون قوة استقبال أمة الدعوة أي العرب لهم، فإذا بهم يستقبلون بجفاء الحكام وقلقهم وريبتهم وتهمة (تصدير الثورة) وكأن المطلوب معاقبتهم على فعلتهم بدل إثابتهم كما كانوا يتوقعون!
وهو ما حصل على الوجه الآخر من العلاقة بين الحكم الإيراني الجديد والكتل الجماهيرية العربية الكبرى التي استبشرت خيراً بالظاهرة الجديدة وقرأتها كما أراد حكامها الجدد أن تقرأ، وهذا مازاد في الطين بلة على الجانب الآخر من الحدود حيث زاد من الريبة وانعدام الثقة والشكوك من جانب النظام العربي عامة تجاه الحكم الإيراني الجديد!
ولما كان الإيرانيون من أتباع المذهب الشيعي على العموم وفلسفة قيامهم وثورتهم ومنهج قادتهم الجدد تقوم أساساً على مقولات وفلسفة الثورة الحسينية في (قالب خميني) وما تحمله هذه المقولات من موروث تأريخي وتداعيات فكرية سياسية، فإن الأمر صار أكثر تعقيداً وصعوبة مع الزمن، خاصة إذا ما أخذنا بعين الاعتبار عدداً لا بأس به من الأخطاء المنهجية للحكام الجدد والدور الخطير الذي أخذته القوى الاستعمارية على عاتقها في نبش كل ماهو قديم مختلف عليه بين المذاهب من جهة وتوظيف كل خطأ جديد في إطار خطة عملية ممنهجة لتدمير مسير ومسار النهضة الإسلامية الجديدة التي توسم الكثيرون في الشرق أنها ستنطلق من إيران لتعم العالمين العربي والإسلامي من طنجة إلى جاكارتا!
ظهور إيران كقوة إقليمية عظمى زاد عملياً من الشقة والهوة بين العرب وإيران
أما العرب من جهتهم فقد كانوا مشتتين وفي حالة شديدة من انعدام الوزن، بسبب خروج مركز ثقلهم الأساسي و(أم الدنيا) وأم الثورات، أي مصر، من معادلة الصراع الأساسي بسبب معاهدة كامب ديفيد الشهيرة، ما جعلهم غير مهيئين تماماً وكما ينبغي للاستفادة من الظاهرة الجديدة أو توظيفها في أي مشروع، ناهيك عن القدرة على السيطرة على أمواجها أو حصرها بالحدود الدنيا، ولذلك حصل نوع من الطلاق بين الحكام وشعوبهم من جهة وبينهم وبين النظام الإيراني الجديد، ما دفعهم إلى الاستعانة بعدوهم التأريخي سواء القادم من ما وراء البحار أو المستوطن بين ظهرانيهم!
ولما كانت الأحداث والوقائع التأريخية لا تحصل في إطار مختبر نموذجي قابل للسيطرة، فقد أحدثت الحرب العراقية ـ الإيرانية من جهة وما رافقها من معاناة مرارات قاسية، والصراع السياسي والفكري والتفاعلات المرافقة له على أكثر من صعيد من جهة أخرى، نوعاً من الفجوة التي بدأت تكبر مع الأيام أكثر فأكثر بين العرب والإيرانيين على العموم، وليس بين النظام الإيراني الجديد والنظام العربي الرسمي فحسب!
هذا لا يعني بالضرورة أن شرخاً كبيراً أو ثمة قطيعة كبرى قد حصلت أو هوة سحيقة قد حفرت بين العرب والإيرانيين، لا مجال لسدها أو ردمها!
لكن أحداث 11 سبتمبر الشهيرة وما تلاها من غزوات استعمارية لكل من أفغانستان والعراق، والتي ظلت فيها إيران محافظة على هدوئها التأريخي فيها مستعملة كل احتياطي خميرتها الثقافية المشار إليها في المقدمة، دارسة الإسلام السياسي الإيراني الشيعية امتدت شيئاً فشيئاً لتفرز وتبلور ظاهرة ثورية وأصولية في منطقة هي في غاية الأهمية والحساسية والتعقيد ألا وهي لبنان، لبنان الذي طالما حاولت القوى الغربية الاستعمارية انطلاقاً منه الانقضاض على إمبراطوريات الشرق المتنفذة والقوية ومنها الدولة العثمانية، فإذا به اليوم يتحول إلى متراس من الوزن الثقيل للدفاع عن إحدى (إمبراطوريات) الشرق الجديدة، أي إيران، وذلك من خلال العلاقة الاستراتيجية التي تم بناؤها وتعزيزها بما يجعل المشروع الغربي في المنطقة معرضاً للاهتزاز إذا لم يكن للهزيمة. وهذا الأمر يزيد عملياً في مدى القلق الذي يلف بالقوى العربية القومية على الأخص، والأخرى المنبهرة بالغرب عموماً من قوى ليبرالية وعلمانية، الأمر الذي يدفع باتجاه مزيد من الشكوك والريبة وانعدام الثقة بين العرب والإيرانيين، رغم كل الحماس والحميمية اللذين يربطان حركات التحرر العربية الأصيلة مع المشروع الإيراني الإسلامي النهضوي!

وهكذا نستطيع القول هنا بأنه كلما كان يتقدم حزب الله الذي هو بمثابة الحليف الاستراتيجي لإيران في بلاد الشام، كان ذلك يزيد ليس فقط في قلق وريبة واضطراب القوى العربية الرسمية التقليدية من منظورات وأفق المشروع الإيراني، بل ويدفع بالغرب الاستعماري الذي لا يريد أن يرى الشرق ينهض من جديد، إلى مزيد من زرع الشقاق والفرقة واللعب على أوتار الخلافات المذهبية والطائفية وتسويق مشاريع الفتن المتنقلة، انطلاقاً من العراق ومحاولة عرقنة الحالة اللبنانية قدر الإمكان، وذلك تحت عنوان عريض اسمه هذه المرة (الإيران فوبيا)!
ثم إن الفراغ الاستراتيجي الذي بدأ يظهر نتيجة تعثر المشروع الأمريكي في أكثر من ساحة من ساحات العالم العربي، ودخول إيران سواء مباشرة أو بالوكالة، على مهمة ملء الفراغ المذكور، ما كان يعني عملياً ظهور إيران كقوة إقليمية عظمى، زاد عملياً من الشقة والهوة بين العرب ككتلة إقليمية مشتتة وممزقة وقلقة، وبين إيران كقوة صاعدة تشغل بال العرب أجمعين!
لذلك كان من السهولة الترويج لخطر إيراني يستهدف العرب كقوة إقليمية! وكذلك الترويج لفتنة شيعية ـ سنية يقال إن إيران هي المسبب لها باعتبارها دخلت في كل ساحة أو ملف عربي أو حتى في كل بيت، وذلك كما قلنا، سواء مباشرة أو بالوكالة، لا سيما إذا ما علمنا بأن قوة وتأثيرات التحالف الإيراني مع قوى الثورة والتغيير العربي صارت على ساحل المتوسط وعند المضائق الاستراتيجية العربية الأساسية من مضيق هرمز إلى مضيق جبل طارق، من دون استئذان أو استشارة مع أحد من قوى الثقل العربي الرسمي!
إن إدراك حقيقة التحول الإيراني الذي وقع في العام 1979 من جانب العرب، والتسليم بوجود تفاوت ثقافي وفكري قديم رغم القواسم الدينية والتأريخية الكثيرة، معزز بتفاوت مستجد في الرؤية السياسية والاستراتيجية بسبب انتقال إيران من موقع التابع لتوازنات العالم الخارجي، إلى موقع القوة المستقلة والمكتسبة ذاتياً، يمكن أن يشكل القاعدة الحقيقية والمؤثرة في ردم الهوة وتجسير الثقة بين العرب وجيرانهم الإيرانيين!
من جهة أخرى، فإن إدراك الإيرانيين لموقع العرب الجيو سياسي والجيو استراتيجي المهم، ودور ذلك في أية نهضة إيرانية إسلامية، تريد الإسهام في نقل الشرق من عالم الانفعال إلى عالم الفعل، يمكن أن يشكل العمود الآخر الذي لا بد منه لإقامة جسر التعاون وبناء الثقة المتبادلة بين جارين لا مكان لأحدهما في عالم التقدم والرخاء، ناهيك عن عالم الاستقلال الناجز دون الآخر، لا سيما إذا ما سلَّم الطرفان بأنهما الضحية المشتركة الدائمة لاستمرار الاستعمار الإسرائيلي الصهيوني لفلسطين، فلسطين التأريخ والجغرافيا والنهضة والقيامة الكبرى للعرب كما للمسلمين باعتبارها الحلقة الأقوى في الجمع كما في التفريق بين العرب والإيرانيين!
وحده الإدراك الصحيح وتقدير الموقف الدقيق ورسم اتجاه البوصلة السليم من جانب الطرفين، كفيل في إعادة وصل ما انقطع بين حلفاء المصير وشركاء القدر المحتوم!
::/fulltext::
::cck::1109::/cck::
