الدب الروسي ينتفض..؟!

::cck::1110::/cck::
::introtext::

بمجرد انهيار (الاتحاد السوفييتي) السابق عام 1991م، ظهرت هناك خمس عشرة جمهورية، كانت تكوّن معاً (إضافة لبعض المقاطعات) ذلك الاتحاد الذي قام عام 1917م، واستمر لحوالي ثلاثة أرباع القرن. وكانت جمهورية روسيا الاتحادية أكبر وأهم هذه الجمهوريات، وهي الجمهورية التي كانت تقود الاتحاد السوفييتي، الدولة العظمى السابقة. إن مساحة روسيا تقدر بـ (17.075.400 كم2) أي حوالي ضعف مساحة الولايات المتحدة الأمريكية ( 9.666.532 كم2) وبما يمثل 76 في المائة من كامل مساحة الاتحاد السوفييتي المنتهي… وهي تمتد من بحر البلطيق غرباً إلى المحيط الهادي شرقاً. ومن حدود الصين والجمهوريات الإسلامية (السوفييتية- سابقاً)  جنوباً، إلى المحيط المتجمد الشمالي شمالاً.

 

::/introtext::
::fulltext::

بمجرد انهيار (الاتحاد السوفييتي) السابق عام 1991م، ظهرت هناك خمس عشرة جمهورية، كانت تكوّن معاً (إضافة لبعض المقاطعات) ذلك الاتحاد الذي قام عام 1917م، واستمر لحوالي ثلاثة أرباع القرن. وكانت جمهورية روسيا الاتحادية أكبر وأهم هذه الجمهوريات، وهي الجمهورية التي كانت تقود الاتحاد السوفييتي، الدولة العظمى السابقة. إن مساحة روسيا تقدر بـ (17.075.400 كم2) أي حوالي ضعف مساحة الولايات المتحدة الأمريكية ( 9.666.532 كم2) وبما يمثل 76 في المائة من كامل مساحة الاتحاد السوفييتي المنتهي… وهي تمتد من بحر البلطيق غرباً إلى المحيط الهادي شرقاً. ومن حدود الصين والجمهوريات الإسلامية (السوفييتية- سابقاً)  جنوباً، إلى المحيط المتجمد الشمالي شمالاً.

تسيطر روسيا على حوالي 85 في المائة من مجموع أسلحة الدمار الشامل السوفييتية 

 وتحتوي هذه المساحة الشاسعة على ثروات وموارد طبيعية ضخمة… إذ تضم روسيا أكثر من 50 في المائة من مجموع الأراضي الصالحة للزراعة في الاتحاد السوفييتي السابق . وتنتج ما يوازي 60 في المائة من مجموع الإنتاج الزراعي السوفييتي . كما تنتج حوالي 68 في المائة من إنتاج الطاقة السوفييتية، وتحتوي على أكثر من 70 في المائة من احتياطي المعادن الرئيسية، في الاتحاد السوفييتي السابق.

 وتمثل البنية الصناعية فيها ما يعادل 62 في المائة من كامل البنية الصناعية السوفييتية . ويقدر سكانها حالياً بحوالي150 مليوناً… أي ما كان يعادل 53 في المائة  من سكان الاتحاد السوفييتي. وتسيطر روسيا (ذات التاريخ العريق كدولة كبرى سابقة) على حوالي 85 في المائة من مجموعة أسلحة الدمار الشامل التي كان يملكها الاتحاد السوفييتي الزائل. وقامت روسيا بسحب معظم الأسلحة النووية الموجودة في الجمهوريات السوفييتية الأخرى السابقة.

السياسات الروسية تجاه أمريكا والغرب أضحت أقرب إلى سياسات الاتحاد السوفييتي السابق  

 كل هذا كان سيدعم ظهور روسيا فوراً كدولة كبرى، وربما (عظمى) في المستقبل القريب. ولكن روسيا واجهت مشاكل وأزمات اقتصادية وسياسية خانقة، منذ انفصالها عن الاتحاد السوفييتي.. تمثلت في تدهور اقتصادي حاد، نجم عن التحول نحو النظام الرأسمالي، وسوء الإدارة والفساد. كما عانت من صعوبات الانتقال للنظام الديمقراطي / الرئاسي، وما نتج عن ذلك من مشاكل وعوائق وأزمات كبرى… أسهمت في إضعافها، وتخلفها، ومواجهتها لكوارث حادة، وصلت إلى حد المعاناة من الإفلاس، وانفصال بعض أجزائها، واختراق الاستخبارات الأمريكية والغربية لمعظم مؤسساتها.

 وكانت (مرحلة انتقالية) صعبة… في أثناء رئاسة بوريس يلتسين ، وبداية رئاسة فلاديمير بوتن . إذ كانت روسيا خلالها عبارة عن دولة متخلفة، تعصف بها أزمات مدمرة، وتمتلك ترسانة نووية هائلة. ونتيجة لذلك، كانت روسيا خلال هذه الفترة (1991 – 2001م) في موقف جد ضعيف، في مواجهة أمريكا وحلفائها. ولم يكن أمامها من خيار سوى الرضوخ لإملاءات أمريكية وغربية مذلة.

بدات روسيا تبرز كمنافس جديد للولايات المتحدة وليس كشريك استراتيجي 

 نعم، نتيجة لما عانت منه روسيا في الفترة الانتقالية ( 1989- 2001م ) بدا الغرب ( بزعامة أمريكا) يمارس شتى مظاهر الابتزاز والهيمنة على روسيا التي اضطرت للتوجه نحو الغرب محاولة الاستفادة الاقتصادية منه، ومساعدتها للوقوف على قدميها، لتجاوز كبوة التحول المريعة. وانطلاقا من ذلك، كانت روسيا تتسامح مع سياسات الولايات المتحدة، وتعمل جاهدة على تجنب المواجهة معها، كما كان يحدث أيام الاتحاد السوفييتي، وخلال فترة (الحرب الباردة). 

وعند حدوث أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، أعلنت روسيا تحالفها مع الولايات المتحدة لـ (محاربة الارهاب). وجنت روسيا من هذا التحالف فوائد اقتصادية وسياسية كثيرة، من أهمها: الحصول على مساعدات اقتصادية مهمة، من أمريكا والاتحاد الأوروبي.. مكنت روسيا من التخفيف من معاناة التحول لاقتصاد السوق الحر، ودعمتها في حربها ضد انفصاليي الشيشان، وغيرهم. وتم إنشاء مجلس (ناتو – روسيا) المشترك، لتنسيق التعاون الأمني والسياسي بين حلف الناتو وروسيا. ومقابل ذلك، كانت روسيا في منتهى التسامح مع السياسات الأمريكية، بما فيها سياسات رأى البعض أنها تضر بمصالح روسيا، في المدى الطويل.

وفي هذه الأثناء،  تنامى الشعور القومي الروسي، وتعالت الأصوات الروسية المنادية بـ (الحفاظ على الكرامة الروسية)، ووقف (الإهانات الأمريكية والغربية).  وجاءت تلك الدعوات من قبل اليمين الروسي الذي بدأت سطوته تقوى في الساحة السياسية الروسية.  الأمر الذي أدى إلى ظهور سياسة روسية جديدة، تحاول التصدي لأمريكا والغرب، واستعادة هيبة روسيا السابقة. ونلقي بعض الضوء على هذه السياسة فيما يلي.

 محاولات استعادة مكانة سابقة

نتيجة لما عانت منه روسيا في (الفترة الانتقالية) بدأت أمريكا وحلف الناتو يمارسان شتى مظاهر السيطرة على روسيا التي كانت قد اتجهت نحو الغرب، محاولة الاستفادة الاقتصادية منه، ومساعدتها للوقوف على قدميها، لتجاوز كبوة التحول المرهقة. وانطلاقاً من ذلك، كانت روسيا تتسامح مع سياسات الولايات المتحدة (وبعضها مذل ومهين لروسيا، ومضر لمصالحها- كما ذكرنا) وتعمل جاهدة على تجنب التحدي والمواجهة معها، كما كان يحدث أيام الاتحاد السوفييتي، وخلال فترة الحرب الباردة (1945- 1989م).

 وذلك أدى إلى تنامي الشعور القومي الروسي، وتعالي الأصوات الروسية المنادية بـ (الحفاظ على الكرامة الروسية) الأمر الذي أدى إلى ظهور سياسة روسية جديدة (يتزعمها اليمين القومي الروسي)، تحاول التصدي لأمريكا والغرب، واستعادة هيبة روسيا السابقة، أو أكبر قدر ممكن منها.

ويمكن القول: إن أهم أسباب ظهور هذه السياسة الروسية (الجديدة) هي:

1- تنامي المد القومي الروسي، ووجود قيادة روسية وطنية…تعمل جاهدة على جعل روسيا دولة كبرى، وبما يتناسب مع إمكاناتها البشرية والمادية ( قيادة بوتن – ميدفيديف) وحزب روسيا الموحدة (الحاكم الآن).

2- تجاوز روسيا، بشيء من النجاح، للمرحلة الانتقالية الصعبة: التي تمثلت اقتصادياً في التحول من الاشتراكية إلى الرأسمالية (ذات الضوابط) وسياسياً: في التحول من ديكتاتورية الحزب الواحد إلى (الديمقراطية)، ويعود ذلك إلى عدة أسباب، من أهمها:

أ‌- تزايد دخل روسيا من تصدير النفط، بسبب تزايد أسعار النفط، سابقاً.

ب‌- قيادة (بوتن) الوطنية والصارمة.

3- إمعان أمريكا والغرب في اتخاذ سياسات استفزازية بالنسبة إلى روسيا. وفي هذا الصدد اتخذت الولايات المتحدة (بزعامة بوش الابن خاصة، وحلف الناتو) سياسات استفزت الروس، ونمت فيهم مشاعر الاعتزاز الوطني، والتصدي لما أسموه بـ (محاصرة وتطويق روسيا). ولعل أهم هذه السياسات الغربية هي:

أ‌- توسيع حلف الناتو شرقاً، ليضم معظم ما كان يعرف بـ (أوروبا الشرقية). وهي مناطق نفوذ سابقة للاتحاد السوفييتي ومتاخمة لروسيا.

ب‌- تأييد أمريكا والغرب لاستقلال (كوسوفو) وانفصالها عن جمهورية صربيا، الحليف المقرب لموسكو. وذلك رغم المعارضة الروسية والصربية الحادة لهذا الاستقلال.

جـ – محاولة الولايات المتحدة تهميش دور روسيا على الساحة الدولية، وجعلها مجرد تابع للولايات المتحدة – أمنياً وسياسياً.

 د – إصرار الولايات المتحدة على بناء ما يعرف بـ (الدرع الصاروخي) في كل من بولندا وتشيكيا، والذي تقول الولايات المتحدة إن الغرض منه هو صد الصواريخ التي قد تطلقها الدول (المارقة) (إيران، كوريا الشمالية) باتجاه أمريكا والغرب..! بينما يرى الروس أن الهدف الحقيقي منه هو تطويق روسيا صاروخياً. حيث يرون أن ما تقوله الولايات المتحدة هو مجرد ادعاء، لأن الهدف الحقيقي لهذا الدرع الصاروخي هو تحييد وإعاقة القوة الصاروخية الروسية- كما يقول الزعماء الروس.

وقد تجسدت هذه السياسة الروسية الجديدة في عدة أقوال وأفعال، أهمها:

– الاجتياح الروسي لجورجيا وتقديم الدعم السياسي والعسكري لإقليمي (أوسيتيا الجنوبية)، و(أبخازيا).

– دعم روسيا لما يعرف (أمريكياً) بـ (محور الشر) (إيران، كوريا الشمالية، سوريا) .

– تهديد بعض دول الجوار (وبخاصة أوكرانيا) وتحذيرها من مغبة التمادي في التعاون مع الغرب ضد روسيا.

– دعم فنزويلا بأسلحة عسكرية روسية، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة معها.

– إعادة تفعيل تحركاتها العسكرية في المياه الدولية، عبر تسيير رحلات روتينية روسية لبعض قاذفاتها العسكرية.

– العمل على تحديث السلاح الروسي الاستراتيجي، وإنتاج أجيال متقدمة من الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى.

كل هذه السياسات والإجراءات أصبحت تعني أن السياسة الخارجية الروسية، وخاصة تجاه أمريكا والغرب،  قد تغيرت، وأضحت أقرب إلى سياسات الاتحاد السوفييتي، في أثناء فترة (الحرب الباردة) الماضية. وبدت روسيا تبرز كمنافس (جديد) للولايات المتحدة، وليس كشريك استراتيجي.

انتهى إذاً عصر الوفاق التام مع أمريكا والغرب، وبدأ (على استحياء) سباق التنافس، والخلاف بين الجانبين، وخاصة في وحول ما يعرف بالحديقة الخلفية لروسيا.  ويبدو أن روسيا ما زالت تريد علاقات اقتصادية وثيقة مع الغرب بعامة، ولكنها ترفض التبعية السياسية الروسية لأمريكا. كما أن الروس قلقون من حقيقة التحالف الأوروبي – الأمريكي، ويشيرون إلى (عداء تقليدي) أوروبي متأصل ضد روسيا. وهذا ما  قد يزيد من سياساتهم المستقلة الجديدة، ويدفعهم لمقاومة حلف الناتو الذي ينظرون إليه الآن (ورغم التعاون الرسمي معه) بعيون ملؤها الشك والريبة. ولكن، هل يعني كل هذا قيام (حرب باردة) جديدة  فعلاً…؟! هذا ما قد نحاول التطرق إليه في  مقال قادم.

 

 

::/fulltext::

russa-8a4
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1110::/cck::
::introtext::

بمجرد انهيار (الاتحاد السوفييتي) السابق عام 1991م، ظهرت هناك خمس عشرة جمهورية، كانت تكوّن معاً (إضافة لبعض المقاطعات) ذلك الاتحاد الذي قام عام 1917م، واستمر لحوالي ثلاثة أرباع القرن. وكانت جمهورية روسيا الاتحادية أكبر وأهم هذه الجمهوريات، وهي الجمهورية التي كانت تقود الاتحاد السوفييتي، الدولة العظمى السابقة. إن مساحة روسيا تقدر بـ (17.075.400 كم2) أي حوالي ضعف مساحة الولايات المتحدة الأمريكية ( 9.666.532 كم2) وبما يمثل 76 في المائة من كامل مساحة الاتحاد السوفييتي المنتهي… وهي تمتد من بحر البلطيق غرباً إلى المحيط الهادي شرقاً. ومن حدود الصين والجمهوريات الإسلامية (السوفييتية- سابقاً)  جنوباً، إلى المحيط المتجمد الشمالي شمالاً.

 

::/introtext::
::fulltext::

بمجرد انهيار (الاتحاد السوفييتي) السابق عام 1991م، ظهرت هناك خمس عشرة جمهورية، كانت تكوّن معاً (إضافة لبعض المقاطعات) ذلك الاتحاد الذي قام عام 1917م، واستمر لحوالي ثلاثة أرباع القرن. وكانت جمهورية روسيا الاتحادية أكبر وأهم هذه الجمهوريات، وهي الجمهورية التي كانت تقود الاتحاد السوفييتي، الدولة العظمى السابقة. إن مساحة روسيا تقدر بـ (17.075.400 كم2) أي حوالي ضعف مساحة الولايات المتحدة الأمريكية ( 9.666.532 كم2) وبما يمثل 76 في المائة من كامل مساحة الاتحاد السوفييتي المنتهي… وهي تمتد من بحر البلطيق غرباً إلى المحيط الهادي شرقاً. ومن حدود الصين والجمهوريات الإسلامية (السوفييتية- سابقاً)  جنوباً، إلى المحيط المتجمد الشمالي شمالاً.

تسيطر روسيا على حوالي 85 في المائة من مجموع أسلحة الدمار الشامل السوفييتية 

 وتحتوي هذه المساحة الشاسعة على ثروات وموارد طبيعية ضخمة… إذ تضم روسيا أكثر من 50 في المائة من مجموع الأراضي الصالحة للزراعة في الاتحاد السوفييتي السابق . وتنتج ما يوازي 60 في المائة من مجموع الإنتاج الزراعي السوفييتي . كما تنتج حوالي 68 في المائة من إنتاج الطاقة السوفييتية، وتحتوي على أكثر من 70 في المائة من احتياطي المعادن الرئيسية، في الاتحاد السوفييتي السابق.

 وتمثل البنية الصناعية فيها ما يعادل 62 في المائة من كامل البنية الصناعية السوفييتية . ويقدر سكانها حالياً بحوالي150 مليوناً… أي ما كان يعادل 53 في المائة  من سكان الاتحاد السوفييتي. وتسيطر روسيا (ذات التاريخ العريق كدولة كبرى سابقة) على حوالي 85 في المائة من مجموعة أسلحة الدمار الشامل التي كان يملكها الاتحاد السوفييتي الزائل. وقامت روسيا بسحب معظم الأسلحة النووية الموجودة في الجمهوريات السوفييتية الأخرى السابقة.

السياسات الروسية تجاه أمريكا والغرب أضحت أقرب إلى سياسات الاتحاد السوفييتي السابق  

 كل هذا كان سيدعم ظهور روسيا فوراً كدولة كبرى، وربما (عظمى) في المستقبل القريب. ولكن روسيا واجهت مشاكل وأزمات اقتصادية وسياسية خانقة، منذ انفصالها عن الاتحاد السوفييتي.. تمثلت في تدهور اقتصادي حاد، نجم عن التحول نحو النظام الرأسمالي، وسوء الإدارة والفساد. كما عانت من صعوبات الانتقال للنظام الديمقراطي / الرئاسي، وما نتج عن ذلك من مشاكل وعوائق وأزمات كبرى… أسهمت في إضعافها، وتخلفها، ومواجهتها لكوارث حادة، وصلت إلى حد المعاناة من الإفلاس، وانفصال بعض أجزائها، واختراق الاستخبارات الأمريكية والغربية لمعظم مؤسساتها.

 وكانت (مرحلة انتقالية) صعبة… في أثناء رئاسة بوريس يلتسين ، وبداية رئاسة فلاديمير بوتن . إذ كانت روسيا خلالها عبارة عن دولة متخلفة، تعصف بها أزمات مدمرة، وتمتلك ترسانة نووية هائلة. ونتيجة لذلك، كانت روسيا خلال هذه الفترة (1991 – 2001م) في موقف جد ضعيف، في مواجهة أمريكا وحلفائها. ولم يكن أمامها من خيار سوى الرضوخ لإملاءات أمريكية وغربية مذلة.

بدات روسيا تبرز كمنافس جديد للولايات المتحدة وليس كشريك استراتيجي 

 نعم، نتيجة لما عانت منه روسيا في الفترة الانتقالية ( 1989- 2001م ) بدا الغرب ( بزعامة أمريكا) يمارس شتى مظاهر الابتزاز والهيمنة على روسيا التي اضطرت للتوجه نحو الغرب محاولة الاستفادة الاقتصادية منه، ومساعدتها للوقوف على قدميها، لتجاوز كبوة التحول المريعة. وانطلاقا من ذلك، كانت روسيا تتسامح مع سياسات الولايات المتحدة، وتعمل جاهدة على تجنب المواجهة معها، كما كان يحدث أيام الاتحاد السوفييتي، وخلال فترة (الحرب الباردة). 

وعند حدوث أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001م، أعلنت روسيا تحالفها مع الولايات المتحدة لـ (محاربة الارهاب). وجنت روسيا من هذا التحالف فوائد اقتصادية وسياسية كثيرة، من أهمها: الحصول على مساعدات اقتصادية مهمة، من أمريكا والاتحاد الأوروبي.. مكنت روسيا من التخفيف من معاناة التحول لاقتصاد السوق الحر، ودعمتها في حربها ضد انفصاليي الشيشان، وغيرهم. وتم إنشاء مجلس (ناتو – روسيا) المشترك، لتنسيق التعاون الأمني والسياسي بين حلف الناتو وروسيا. ومقابل ذلك، كانت روسيا في منتهى التسامح مع السياسات الأمريكية، بما فيها سياسات رأى البعض أنها تضر بمصالح روسيا، في المدى الطويل.

وفي هذه الأثناء،  تنامى الشعور القومي الروسي، وتعالت الأصوات الروسية المنادية بـ (الحفاظ على الكرامة الروسية)، ووقف (الإهانات الأمريكية والغربية).  وجاءت تلك الدعوات من قبل اليمين الروسي الذي بدأت سطوته تقوى في الساحة السياسية الروسية.  الأمر الذي أدى إلى ظهور سياسة روسية جديدة، تحاول التصدي لأمريكا والغرب، واستعادة هيبة روسيا السابقة. ونلقي بعض الضوء على هذه السياسة فيما يلي.

 محاولات استعادة مكانة سابقة

نتيجة لما عانت منه روسيا في (الفترة الانتقالية) بدأت أمريكا وحلف الناتو يمارسان شتى مظاهر السيطرة على روسيا التي كانت قد اتجهت نحو الغرب، محاولة الاستفادة الاقتصادية منه، ومساعدتها للوقوف على قدميها، لتجاوز كبوة التحول المرهقة. وانطلاقاً من ذلك، كانت روسيا تتسامح مع سياسات الولايات المتحدة (وبعضها مذل ومهين لروسيا، ومضر لمصالحها- كما ذكرنا) وتعمل جاهدة على تجنب التحدي والمواجهة معها، كما كان يحدث أيام الاتحاد السوفييتي، وخلال فترة الحرب الباردة (1945- 1989م).

 وذلك أدى إلى تنامي الشعور القومي الروسي، وتعالي الأصوات الروسية المنادية بـ (الحفاظ على الكرامة الروسية) الأمر الذي أدى إلى ظهور سياسة روسية جديدة (يتزعمها اليمين القومي الروسي)، تحاول التصدي لأمريكا والغرب، واستعادة هيبة روسيا السابقة، أو أكبر قدر ممكن منها.

ويمكن القول: إن أهم أسباب ظهور هذه السياسة الروسية (الجديدة) هي:

1- تنامي المد القومي الروسي، ووجود قيادة روسية وطنية…تعمل جاهدة على جعل روسيا دولة كبرى، وبما يتناسب مع إمكاناتها البشرية والمادية ( قيادة بوتن – ميدفيديف) وحزب روسيا الموحدة (الحاكم الآن).

2- تجاوز روسيا، بشيء من النجاح، للمرحلة الانتقالية الصعبة: التي تمثلت اقتصادياً في التحول من الاشتراكية إلى الرأسمالية (ذات الضوابط) وسياسياً: في التحول من ديكتاتورية الحزب الواحد إلى (الديمقراطية)، ويعود ذلك إلى عدة أسباب، من أهمها:

أ‌- تزايد دخل روسيا من تصدير النفط، بسبب تزايد أسعار النفط، سابقاً.

ب‌- قيادة (بوتن) الوطنية والصارمة.

3- إمعان أمريكا والغرب في اتخاذ سياسات استفزازية بالنسبة إلى روسيا. وفي هذا الصدد اتخذت الولايات المتحدة (بزعامة بوش الابن خاصة، وحلف الناتو) سياسات استفزت الروس، ونمت فيهم مشاعر الاعتزاز الوطني، والتصدي لما أسموه بـ (محاصرة وتطويق روسيا). ولعل أهم هذه السياسات الغربية هي:

أ‌- توسيع حلف الناتو شرقاً، ليضم معظم ما كان يعرف بـ (أوروبا الشرقية). وهي مناطق نفوذ سابقة للاتحاد السوفييتي ومتاخمة لروسيا.

ب‌- تأييد أمريكا والغرب لاستقلال (كوسوفو) وانفصالها عن جمهورية صربيا، الحليف المقرب لموسكو. وذلك رغم المعارضة الروسية والصربية الحادة لهذا الاستقلال.

جـ – محاولة الولايات المتحدة تهميش دور روسيا على الساحة الدولية، وجعلها مجرد تابع للولايات المتحدة – أمنياً وسياسياً.

 د – إصرار الولايات المتحدة على بناء ما يعرف بـ (الدرع الصاروخي) في كل من بولندا وتشيكيا، والذي تقول الولايات المتحدة إن الغرض منه هو صد الصواريخ التي قد تطلقها الدول (المارقة) (إيران، كوريا الشمالية) باتجاه أمريكا والغرب..! بينما يرى الروس أن الهدف الحقيقي منه هو تطويق روسيا صاروخياً. حيث يرون أن ما تقوله الولايات المتحدة هو مجرد ادعاء، لأن الهدف الحقيقي لهذا الدرع الصاروخي هو تحييد وإعاقة القوة الصاروخية الروسية- كما يقول الزعماء الروس.

وقد تجسدت هذه السياسة الروسية الجديدة في عدة أقوال وأفعال، أهمها:

– الاجتياح الروسي لجورجيا وتقديم الدعم السياسي والعسكري لإقليمي (أوسيتيا الجنوبية)، و(أبخازيا).

– دعم روسيا لما يعرف (أمريكياً) بـ (محور الشر) (إيران، كوريا الشمالية، سوريا) .

– تهديد بعض دول الجوار (وبخاصة أوكرانيا) وتحذيرها من مغبة التمادي في التعاون مع الغرب ضد روسيا.

– دعم فنزويلا بأسلحة عسكرية روسية، وإجراء مناورات عسكرية مشتركة معها.

– إعادة تفعيل تحركاتها العسكرية في المياه الدولية، عبر تسيير رحلات روتينية روسية لبعض قاذفاتها العسكرية.

– العمل على تحديث السلاح الروسي الاستراتيجي، وإنتاج أجيال متقدمة من الصواريخ متوسطة وبعيدة المدى.

كل هذه السياسات والإجراءات أصبحت تعني أن السياسة الخارجية الروسية، وخاصة تجاه أمريكا والغرب،  قد تغيرت، وأضحت أقرب إلى سياسات الاتحاد السوفييتي، في أثناء فترة (الحرب الباردة) الماضية. وبدت روسيا تبرز كمنافس (جديد) للولايات المتحدة، وليس كشريك استراتيجي.

انتهى إذاً عصر الوفاق التام مع أمريكا والغرب، وبدأ (على استحياء) سباق التنافس، والخلاف بين الجانبين، وخاصة في وحول ما يعرف بالحديقة الخلفية لروسيا.  ويبدو أن روسيا ما زالت تريد علاقات اقتصادية وثيقة مع الغرب بعامة، ولكنها ترفض التبعية السياسية الروسية لأمريكا. كما أن الروس قلقون من حقيقة التحالف الأوروبي – الأمريكي، ويشيرون إلى (عداء تقليدي) أوروبي متأصل ضد روسيا. وهذا ما  قد يزيد من سياساتهم المستقلة الجديدة، ويدفعهم لمقاومة حلف الناتو الذي ينظرون إليه الآن (ورغم التعاون الرسمي معه) بعيون ملؤها الشك والريبة. ولكن، هل يعني كل هذا قيام (حرب باردة) جديدة  فعلاً…؟! هذا ما قد نحاول التطرق إليه في  مقال قادم.

 

 

::/fulltext::
::cck::1110::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *