الانتخابات الإيرانية: ديمقراطية تحت الوصاية

::cck::1169::/cck::
::introtext::

أينما يممت النظر اليوم وإن كنت دارساً أو مراقباً للحياة السياسية في العالم وخصوصاً في دول الجنوب إلا وجدت انتخابات تشريعية هنا ورئاسية هناك وبلدية في مكان ما: انتخابات رئاسية في إيران وبلدية في المغرب وقبلها بأسبوع انتخابات تشريعية في لبنان وقبلها في الكويت والجزائر.. إلخ.

::/introtext::
::fulltext::

أينما يممت النظر اليوم وإن كنت دارساً أو مراقباً للحياة السياسية في العالم وخصوصاً في دول الجنوب إلا وجدت انتخابات تشريعية هنا ورئاسية هناك وبلدية في مكان ما: انتخابات رئاسية في إيران وبلدية في المغرب وقبلها بأسبوع انتخابات تشريعية في لبنان وقبلها في الكويت والجزائر.. إلخ.

لم يكن هذا المشهد معروفاً قبل عقود قليلة، حيث أينما يممت النظر إلا وجدت انقلاباً عسكرياً أو ثورة أسوأ من انقلاب أو حرباً أهلية أو أنظمة راكدة ركود قرى أمريكا الجنوبية التي تحدّث عنها غابرييل غارسيا في رائعته (مائة عام من العزلة) أو مدن الملح التي تحدث عنها الروائي عبدالرحمن منيف. إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه هل إن هذا التوجه نحو الانتخابات بكل أشكالها ومستوياتها يعكس تحولاً حقيقياً نحو الديمقراطية؟ أو بشكل آخر هل الانتخابات في دول العالم الثالث رديف الديمقراطية؟

من المعروف أن الديمقراطية تقوم على أساس المشاركة السياسية إن لم تكن هي المشاركة السياسية الواسعة للشعب بالإضافة إلى ما تنتجه من ثقافة وقيم، والانتخابات آلية تُمكن الأحزاب والمواطنين من المشاركة الفعالة في الحياة السياسية والنظام السياسي، لكن فلسفة ومنطق الانتخابات لا بد أن يؤديا إلى التداول السلمي على السلطة وإلا ستفقد المشاركة السياسية معناها، فالانتخابات أداة لإعمال الديمقراطية أو تطبيق جوهرها وهو التداول على السلطة، فإن لم تؤد الانتخابات إلى تغيير دوري لهرم السلطة -رئيس أو حزب أو نخبة- فيجب البحث عن تفسير غير الديمقراطية للانتخابات. لذا فإن الانتخابات وحدها لا تعني وجود ديمقراطية وإلا لاعتبرنا كل دول العالم تقريباً أنظمة ديمقراطية، حيث لا تخل دولة بشكل من أشكال الانتخابات أو الاستفتاءات الشعبية. وهذا لا يعني التقليل من أهمية الانتخابات التي تجرى اليوم في الدول العربية وفي دول الجنوب بشكل عام، لأنها مؤشر إلى وجود قابلية للاحتكام للشعب وإلا ما لجأت الأنظمة والأحزاب الحاكمة إلى الانتخابات، وحتى مع افتراض أن لجوء الأنظمة السياسية إلى الانتخابات سببه الضغوط الخارجية أو في إطار المناورة والتضليل لإضفاء شرعية مفقودة على النظام، فإن الانتخابات قد تخلق حراكاً سياسياً وعملية فرز واستقطاب في الساحة السياسية ستكرس مع مرور الوقت ثقافة مغايرة لثقافة الاستبداد والخضوع وعلاقة الراعي والرعية التي حكمت شعوب الجنوب لعقود.

لا يجوز لشخص من غير الطائفية الشيعية التقدم للانتخابات الرئاسية في إيران

إن كانت العلاقة بين الانتخابات والديمقراطية علاقة تلازمية: بنيوية وتأسيسية بحيث لا يمكن تصور إحداهما من دون الأخرى، وإن كانت الانتخابات في دول العالم الثالث في وقتنا الراهن تعد مؤشراً إلى الاستعداد لملامسة استحقاقات الديمقراطية، إلا أن الانتخابات لا تعني بالضرورة وجود ديمقراطية، حيث لاحظنا أنه في كثير من الدول تلجأ الأنظمة إلى انتخابات موجهة وتحت الضبط لتضفي على نفسها شرعية دستورية وديمقراطية لتحل محل شرعيات تآكلت وأصبحت متجاوزة كما هي الحال عند أنظمة الحكم التقليدية والملكية المزمنة أو تكتسب شرعية تضفيها على سلطة حصلت عليها بالانقلاب أو الثورة، أو تلجأ الأنظمة إلى الانتخابات كوسيلة لإرضاء نخب سياسية واجتماعية صاعدة باستيعابها في النظام من دون تمكين هذه النخب من القرار السياسي، فتكون الأنظمة السياسية قد حققت هدفين معاً: أظهرت نفسها كأنها تؤمن بالديمقراطية وتحتكم للجماهير، ومن جهة أخرى تستوعب نخباً جديدة داخل بنية النظام، أو تقصي وتحد من نفوذ عناصر وقوى معيقة لمصالح وسياسات النظام.

ما لفت انتباهنا وما هو محط أنظار المراقبين في العالم هو الانتخابات الإيرانية التي جرت مؤخراً، حيث إن ما جرى في إيران يعطينا نموذجاً خاصاً لنظام سياسي يحاول التوفيق ما بين بعض آليات الديمقراطية كالانتخابات ومرجعية دينية للنظام (ولاية الفقيه) لا يمكن التمرد عليها، ولا تستطيع حتى الانتخابات أن تؤسس شرعية أقوى من شرعيتها أو بديلاً عنها. هذه الانتخابات ومن حيث علاقتها بالديمقراطية تستدعي الملاحظات التالية وخصوصاً أنها المرة العاشرة التي تجرى بها انتخابات في إيران منذ ثورة الخميني:

أولاً: لا توجد في إيران تعددية حزبية، بل تيارات سياسية داخل المرجعيات نفسها التي تحكم الدولة الإيرانية، وبالتالي فإن المرشحين الأربعة لا يمثلون أحزاباً أو حتى إيديولوجيات سياسية، بل وجهات نظر مختلفة داخل ثوابت متفق عليها، فمير حسين موسوي شغل منصب رئيس الوزراء في بداية عهد الثورة.

ثانياً: النظام الإيراني نظام ديني، بمعنى إنه محكوم بمرجعية أو ثوابت دينية كولاية الفقيه، فولاية الأمة بيد الفقيه أو المرشد، وليس بيد الرئيس أو أي من المؤسسات المنتخبة، والفقيه لا يخضع للانتخابات، بل يتم تعيينه ضمن آليات معقدة ويستمر مدى الحياة، وشرعيته فوق كل الشرعيات الأخرى، وله سلطات دينية وزمنية، وتتجسد سلطته من خلال: مجلس صيانة الدستور ومجلس تشخيص مصلحة النظام اللذين يرجعان مباشرة إليه نظراً لسلطته الكبيرة في تعيين أعضائهما وعزلهم.

ثالثاً: على الرغم من عدم الحديث عن طائفية سياسية، كما هو الأمر في لبنان، إلا أنه لا يجوز لشخص من غير الطائفة الشيعية التقدم للانتخابات الرئاسية، كما أن المرشح يجب أن يحظى بمواصفات تتوافق من شروط دينية يحددها المرشد الأعلى ومجلس المحافظة على الدستور، ومن هنا لاحظنا أنه تم انتقاء أربعة مرشحين من بين 470 تقدموا للترشح للرئاسة.

رابعاً: الانتخابات الرئاسية أو التشريعية لا تحدد موئل شرعية النظام وإن كانت تضفي شرعية جديدة، وهي على هذا المستوى تعتبر خطوة مهمة قد يبنى عليها لاحقاً لإعادة النظر بشرعية ولاية الفقيه أو على الأقل قد تثير تساؤلات حولها. والحديث عن تزوير وتلاعب بالانتخابات وتوجيه انتقادات حتى لمؤسسة المرشد بأنها منحازة لأحمدي نجاد وما شهدته مدن إيرانية من مظاهرات وانقسام داخل الشعب وعند النخبة السياسية كلها أمور تظهر الحراك السياسي المهم الذي أوجدته الانتخابات.

خامساً: على الرغم مما سبق، فإن التنافس الشديد بين المرشحين والنسبة الكبيرة للمشاركة في الانتخابات تفوق 70 في المائة وخصوصاً الشباب ومشاركة النساء، حيث تظهر الإحصائيات أن نسبة مشاركة النساء تفوق الرجال، وتدل على الرغبة في التغيير وخصوصاً على مستوى السياسات الداخلية. فمن تابع الحملات الانتخابية وما رُفع بها من شعارات سيلاحظ أنها تركز على شؤون داخلية كالفقر والبطالة والحريات الشخصية والثقافية، بل تناولت ملفات فساد، فيما غابت الاختلافات حول السياسة الخارجية، والغياب عن الحملة الانتخابية لا يعني أنها غير موجودة.

سادساً: إن كانت الانتخابات في إيران لا تعني وجود ديمقراطية بمفاهيمها ومرتكزاتها الليبرالية الغربية، إلا أنها تؤسس لديمقراطية موجهة أو أبوية جديدة أو ديمقراطية تحت الوصاية، وهذا النمط من الديمقراطية مرت به غالبية الأنظمة الديمقراطية في بداياتها وهو السائد اليوم في العديد من الأنظمة حديثة العهد بالديمقراطية، فتركيا تعرف ديمقراطية موجهة من الجيش وكذا الأمر في الجزائر، والأنظمة الملكية كالمغرب والأردن والكويت تعرف ديمقراطية موجهة من الملك، إلا أن هامش الحرية والتعددية في إيران أقل والوصاية أشد مما هو في الحالات الأخرى.

 سابعاً: ما يعطي للانتخابات الإيرانية أهمية ليس ما تضيفه إلى العملية الديمقراطية في الشرق الأوسط فقط، بل أيضاً أنها جاءت متزامنة مع توتر لعلاقات إيران الخارجية وخصوصاً مع تل أبيب وواشنطن ومتزامنة تقريباً مع انتخابات لبنانية خسر فيها حزب الله وقوى 8 آذار لصالح الموالاة، لذا نعتقد أن هذه العوامل الخارجية كانت وراء التدخل القوي للمرشد العام لإنجاح أحمدي نجاد، ذلك أن فقدان التيار المحافظ للانتخابات بعد هزيمة حلفائه في لبنان قد يرسل رسالة خطيرة حول مكانة إيران وحلفائها في المنطقة، وبالتالي كان قرار الأوصياء جاهزاً لإنجاح أحمدي نجاد.

ثامناً: وجود مرجعية وشرعية أعلى من مرجعية وشرعية إرادة الأمة المُعبر عنها من خلال انتخابات نزيهة هو الخلل الاستراتيجي في الديمقراطيات الموجهة والأبوية، حيث القرار النهائي ليس للأمة من خلال انتخابات حرة وغير مشروطة بل بيد مرجعيات تنصّب نفسها صاحبة ولاية على الأمة. لذا لا نستبعد صحة ما ذهب إليه المرشح مير موسوي من وجود تلاعب وتزييف وتوجيه للأمور لإنجاح نجاد.

ونخلص مما سبق إلى أن الانتخابات الإيرانية على الرغم مما شابها ومن خضوعها لمرجعيات غير ديمقراطية، إلا أنها تمثل حالة تستحق التوقف عندها من المفكرين والكتّاب المهتمين بالديمقراطية بشكل عام وبالتحولات الديمقراطية في العالم العربي، ذلك أن ما بين الاستبداد المطلق والديمقراطية المثالية أو الكاملة –مع أنه لا توجد ديمقراطية كاملة- درجات من التنمية السياسية والانتقال الديمقراطي يجب المرور عليها. صحيح أن الانتخابات في إيران محكومة بثوابت ومرجعيات لا تخضع لأسس الديمقراطية، كما هي معروفة بالغرب، لكن أليست الديمقراطية في الغرب محكومة أيضاً بثوابت ومرجعيات لا يجوز تجاوزها كالعلمانية والرأسمالية، وحتى الاعتراف بالهلوكوست أصبح ثابتاً لا يجوز التشكيك به من طرف أي من الأفراد أو الأحزاب التي تشارك في الحياة السياسية في بعض الدول الغربية؟

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1169::/cck::
::introtext::

أينما يممت النظر اليوم وإن كنت دارساً أو مراقباً للحياة السياسية في العالم وخصوصاً في دول الجنوب إلا وجدت انتخابات تشريعية هنا ورئاسية هناك وبلدية في مكان ما: انتخابات رئاسية في إيران وبلدية في المغرب وقبلها بأسبوع انتخابات تشريعية في لبنان وقبلها في الكويت والجزائر.. إلخ.

::/introtext::
::fulltext::

أينما يممت النظر اليوم وإن كنت دارساً أو مراقباً للحياة السياسية في العالم وخصوصاً في دول الجنوب إلا وجدت انتخابات تشريعية هنا ورئاسية هناك وبلدية في مكان ما: انتخابات رئاسية في إيران وبلدية في المغرب وقبلها بأسبوع انتخابات تشريعية في لبنان وقبلها في الكويت والجزائر.. إلخ.

لم يكن هذا المشهد معروفاً قبل عقود قليلة، حيث أينما يممت النظر إلا وجدت انقلاباً عسكرياً أو ثورة أسوأ من انقلاب أو حرباً أهلية أو أنظمة راكدة ركود قرى أمريكا الجنوبية التي تحدّث عنها غابرييل غارسيا في رائعته (مائة عام من العزلة) أو مدن الملح التي تحدث عنها الروائي عبدالرحمن منيف. إلا أن السؤال الذي يفرض نفسه هل إن هذا التوجه نحو الانتخابات بكل أشكالها ومستوياتها يعكس تحولاً حقيقياً نحو الديمقراطية؟ أو بشكل آخر هل الانتخابات في دول العالم الثالث رديف الديمقراطية؟

من المعروف أن الديمقراطية تقوم على أساس المشاركة السياسية إن لم تكن هي المشاركة السياسية الواسعة للشعب بالإضافة إلى ما تنتجه من ثقافة وقيم، والانتخابات آلية تُمكن الأحزاب والمواطنين من المشاركة الفعالة في الحياة السياسية والنظام السياسي، لكن فلسفة ومنطق الانتخابات لا بد أن يؤديا إلى التداول السلمي على السلطة وإلا ستفقد المشاركة السياسية معناها، فالانتخابات أداة لإعمال الديمقراطية أو تطبيق جوهرها وهو التداول على السلطة، فإن لم تؤد الانتخابات إلى تغيير دوري لهرم السلطة -رئيس أو حزب أو نخبة- فيجب البحث عن تفسير غير الديمقراطية للانتخابات. لذا فإن الانتخابات وحدها لا تعني وجود ديمقراطية وإلا لاعتبرنا كل دول العالم تقريباً أنظمة ديمقراطية، حيث لا تخل دولة بشكل من أشكال الانتخابات أو الاستفتاءات الشعبية. وهذا لا يعني التقليل من أهمية الانتخابات التي تجرى اليوم في الدول العربية وفي دول الجنوب بشكل عام، لأنها مؤشر إلى وجود قابلية للاحتكام للشعب وإلا ما لجأت الأنظمة والأحزاب الحاكمة إلى الانتخابات، وحتى مع افتراض أن لجوء الأنظمة السياسية إلى الانتخابات سببه الضغوط الخارجية أو في إطار المناورة والتضليل لإضفاء شرعية مفقودة على النظام، فإن الانتخابات قد تخلق حراكاً سياسياً وعملية فرز واستقطاب في الساحة السياسية ستكرس مع مرور الوقت ثقافة مغايرة لثقافة الاستبداد والخضوع وعلاقة الراعي والرعية التي حكمت شعوب الجنوب لعقود.

لا يجوز لشخص من غير الطائفية الشيعية التقدم للانتخابات الرئاسية في إيران

إن كانت العلاقة بين الانتخابات والديمقراطية علاقة تلازمية: بنيوية وتأسيسية بحيث لا يمكن تصور إحداهما من دون الأخرى، وإن كانت الانتخابات في دول العالم الثالث في وقتنا الراهن تعد مؤشراً إلى الاستعداد لملامسة استحقاقات الديمقراطية، إلا أن الانتخابات لا تعني بالضرورة وجود ديمقراطية، حيث لاحظنا أنه في كثير من الدول تلجأ الأنظمة إلى انتخابات موجهة وتحت الضبط لتضفي على نفسها شرعية دستورية وديمقراطية لتحل محل شرعيات تآكلت وأصبحت متجاوزة كما هي الحال عند أنظمة الحكم التقليدية والملكية المزمنة أو تكتسب شرعية تضفيها على سلطة حصلت عليها بالانقلاب أو الثورة، أو تلجأ الأنظمة إلى الانتخابات كوسيلة لإرضاء نخب سياسية واجتماعية صاعدة باستيعابها في النظام من دون تمكين هذه النخب من القرار السياسي، فتكون الأنظمة السياسية قد حققت هدفين معاً: أظهرت نفسها كأنها تؤمن بالديمقراطية وتحتكم للجماهير، ومن جهة أخرى تستوعب نخباً جديدة داخل بنية النظام، أو تقصي وتحد من نفوذ عناصر وقوى معيقة لمصالح وسياسات النظام.

ما لفت انتباهنا وما هو محط أنظار المراقبين في العالم هو الانتخابات الإيرانية التي جرت مؤخراً، حيث إن ما جرى في إيران يعطينا نموذجاً خاصاً لنظام سياسي يحاول التوفيق ما بين بعض آليات الديمقراطية كالانتخابات ومرجعية دينية للنظام (ولاية الفقيه) لا يمكن التمرد عليها، ولا تستطيع حتى الانتخابات أن تؤسس شرعية أقوى من شرعيتها أو بديلاً عنها. هذه الانتخابات ومن حيث علاقتها بالديمقراطية تستدعي الملاحظات التالية وخصوصاً أنها المرة العاشرة التي تجرى بها انتخابات في إيران منذ ثورة الخميني:

أولاً: لا توجد في إيران تعددية حزبية، بل تيارات سياسية داخل المرجعيات نفسها التي تحكم الدولة الإيرانية، وبالتالي فإن المرشحين الأربعة لا يمثلون أحزاباً أو حتى إيديولوجيات سياسية، بل وجهات نظر مختلفة داخل ثوابت متفق عليها، فمير حسين موسوي شغل منصب رئيس الوزراء في بداية عهد الثورة.

ثانياً: النظام الإيراني نظام ديني، بمعنى إنه محكوم بمرجعية أو ثوابت دينية كولاية الفقيه، فولاية الأمة بيد الفقيه أو المرشد، وليس بيد الرئيس أو أي من المؤسسات المنتخبة، والفقيه لا يخضع للانتخابات، بل يتم تعيينه ضمن آليات معقدة ويستمر مدى الحياة، وشرعيته فوق كل الشرعيات الأخرى، وله سلطات دينية وزمنية، وتتجسد سلطته من خلال: مجلس صيانة الدستور ومجلس تشخيص مصلحة النظام اللذين يرجعان مباشرة إليه نظراً لسلطته الكبيرة في تعيين أعضائهما وعزلهم.

ثالثاً: على الرغم من عدم الحديث عن طائفية سياسية، كما هو الأمر في لبنان، إلا أنه لا يجوز لشخص من غير الطائفة الشيعية التقدم للانتخابات الرئاسية، كما أن المرشح يجب أن يحظى بمواصفات تتوافق من شروط دينية يحددها المرشد الأعلى ومجلس المحافظة على الدستور، ومن هنا لاحظنا أنه تم انتقاء أربعة مرشحين من بين 470 تقدموا للترشح للرئاسة.

رابعاً: الانتخابات الرئاسية أو التشريعية لا تحدد موئل شرعية النظام وإن كانت تضفي شرعية جديدة، وهي على هذا المستوى تعتبر خطوة مهمة قد يبنى عليها لاحقاً لإعادة النظر بشرعية ولاية الفقيه أو على الأقل قد تثير تساؤلات حولها. والحديث عن تزوير وتلاعب بالانتخابات وتوجيه انتقادات حتى لمؤسسة المرشد بأنها منحازة لأحمدي نجاد وما شهدته مدن إيرانية من مظاهرات وانقسام داخل الشعب وعند النخبة السياسية كلها أمور تظهر الحراك السياسي المهم الذي أوجدته الانتخابات.

خامساً: على الرغم مما سبق، فإن التنافس الشديد بين المرشحين والنسبة الكبيرة للمشاركة في الانتخابات تفوق 70 في المائة وخصوصاً الشباب ومشاركة النساء، حيث تظهر الإحصائيات أن نسبة مشاركة النساء تفوق الرجال، وتدل على الرغبة في التغيير وخصوصاً على مستوى السياسات الداخلية. فمن تابع الحملات الانتخابية وما رُفع بها من شعارات سيلاحظ أنها تركز على شؤون داخلية كالفقر والبطالة والحريات الشخصية والثقافية، بل تناولت ملفات فساد، فيما غابت الاختلافات حول السياسة الخارجية، والغياب عن الحملة الانتخابية لا يعني أنها غير موجودة.

سادساً: إن كانت الانتخابات في إيران لا تعني وجود ديمقراطية بمفاهيمها ومرتكزاتها الليبرالية الغربية، إلا أنها تؤسس لديمقراطية موجهة أو أبوية جديدة أو ديمقراطية تحت الوصاية، وهذا النمط من الديمقراطية مرت به غالبية الأنظمة الديمقراطية في بداياتها وهو السائد اليوم في العديد من الأنظمة حديثة العهد بالديمقراطية، فتركيا تعرف ديمقراطية موجهة من الجيش وكذا الأمر في الجزائر، والأنظمة الملكية كالمغرب والأردن والكويت تعرف ديمقراطية موجهة من الملك، إلا أن هامش الحرية والتعددية في إيران أقل والوصاية أشد مما هو في الحالات الأخرى.

 سابعاً: ما يعطي للانتخابات الإيرانية أهمية ليس ما تضيفه إلى العملية الديمقراطية في الشرق الأوسط فقط، بل أيضاً أنها جاءت متزامنة مع توتر لعلاقات إيران الخارجية وخصوصاً مع تل أبيب وواشنطن ومتزامنة تقريباً مع انتخابات لبنانية خسر فيها حزب الله وقوى 8 آذار لصالح الموالاة، لذا نعتقد أن هذه العوامل الخارجية كانت وراء التدخل القوي للمرشد العام لإنجاح أحمدي نجاد، ذلك أن فقدان التيار المحافظ للانتخابات بعد هزيمة حلفائه في لبنان قد يرسل رسالة خطيرة حول مكانة إيران وحلفائها في المنطقة، وبالتالي كان قرار الأوصياء جاهزاً لإنجاح أحمدي نجاد.

ثامناً: وجود مرجعية وشرعية أعلى من مرجعية وشرعية إرادة الأمة المُعبر عنها من خلال انتخابات نزيهة هو الخلل الاستراتيجي في الديمقراطيات الموجهة والأبوية، حيث القرار النهائي ليس للأمة من خلال انتخابات حرة وغير مشروطة بل بيد مرجعيات تنصّب نفسها صاحبة ولاية على الأمة. لذا لا نستبعد صحة ما ذهب إليه المرشح مير موسوي من وجود تلاعب وتزييف وتوجيه للأمور لإنجاح نجاد.

ونخلص مما سبق إلى أن الانتخابات الإيرانية على الرغم مما شابها ومن خضوعها لمرجعيات غير ديمقراطية، إلا أنها تمثل حالة تستحق التوقف عندها من المفكرين والكتّاب المهتمين بالديمقراطية بشكل عام وبالتحولات الديمقراطية في العالم العربي، ذلك أن ما بين الاستبداد المطلق والديمقراطية المثالية أو الكاملة –مع أنه لا توجد ديمقراطية كاملة- درجات من التنمية السياسية والانتقال الديمقراطي يجب المرور عليها. صحيح أن الانتخابات في إيران محكومة بثوابت ومرجعيات لا تخضع لأسس الديمقراطية، كما هي معروفة بالغرب، لكن أليست الديمقراطية في الغرب محكومة أيضاً بثوابت ومرجعيات لا يجوز تجاوزها كالعلمانية والرأسمالية، وحتى الاعتراف بالهلوكوست أصبح ثابتاً لا يجوز التشكيك به من طرف أي من الأفراد أو الأحزاب التي تشارك في الحياة السياسية في بعض الدول الغربية؟

 

::/fulltext::
::cck::1169::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *