ديناميات التنمية الثقافية في الخليج العربي من ثقافة الممانعة إلى ثقافة الانطلاق

::cck::1186::/cck::
::introtext::

يعرف (كانت) الثقافة بأنها مجموعة من الغايات الكبرى التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية، انطلاقاً من طبيعته العقلانية. وهكذا تكون الثقافة في نظر (كانت) أعلى ما يمكن للطبيعة أن ترقى إليه، حيث تأخذ الثقافة الإنسانية صورة فلسفة تنموية إنسانية ترقى بالإنسان إلى أعلى ما يمكن للطبيعة الإنسانية أن ترتقي إليه من سمو أخلاقي وروحي. فالإنسان لا يصير إنساناً إلا بالثقافة، بل هو ما صنعت منه الثقافة.

 

::/introtext::
::fulltext::

يعرف (كانت) الثقافة بأنها مجموعة من الغايات الكبرى التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية، انطلاقاً من طبيعته العقلانية. وهكذا تكون الثقافة في نظر (كانت) أعلى ما يمكن للطبيعة أن ترقى إليه، حيث تأخذ الثقافة الإنسانية صورة فلسفة تنموية إنسانية ترقى بالإنسان إلى أعلى ما يمكن للطبيعة الإنسانية أن ترتقي إليه من سمو أخلاقي وروحي. فالإنسان لا يصير إنساناً إلا بالثقافة، بل هو ما صنعت منه الثقافة.

الإنسان يشكل غاية التنمية ومنطلقها في كافة الشرائع التنموية المعاصرة، وهذا يعني أنه يجب على العملية التنموية أن تخاطب البعد العقلاني والأخلاقي في الإنسان. وهذا يلزم التنمية، في أية صيغة أو تعريف تأخذه، أن تتخذ الإنسان غايتها بوصفه الكائن الأسمى في الوجود. فغاية التنمية تكمن في تفجير الطاقات الإنسانية الكامنة في الإنسان وتحقيق مطلق الازدهار والتكامل في شخصه الإنساني. ومن هذا المنطلق فإن تنمية الجوانب المادية والاقتصادية والأمنية تشكل الإطار الموضوعي لهذه الأنسنة الثقافية التي لا تكون، ولا يمكن أن تكون، إلا فعلاً ثقافياً يتجلى في منظومة من القيم الأخلاقية والإنسانية التي تحقق التوازن بين الإنسان والوجود.

الجوهر الثقافي للتنمية الإنسانية

يقول دانييل باتريك موينيهان إن (الثقافة هي التي تحدد وتقرر نجاح وتقدم المجتمع وليس السياسة). فالثقافة تتفاعل جوهرياً مع التنمية وتشكل المناخ الحيوي لكل فعل تنموي. وقد ألح ماكس فيبر على أهمية البعد الثقافي للتنمية والحضارة حيث كان يقول (إننا لو استطعنا أن نتعلم شيئاً من تاريخ التنمية الاقتصادية فإن ذلك الشيء هو أن الثقافة هي التي تصنع كل التغيرات والاختلافات).

وتأسيساً على هذه الرؤية (فإن دور الثقافة في التنمية يجب ألا يفهم على أنه يؤلف جزءاً من التنمية، أو دوراً ثانوياً يساعد على إنجاز التنمية بنجاح فحسب، وإنما يجب أن ينظر إليه على أنه هو جوهر العملية التنموية، التي هي عملية إنسانية في جوهر الأمر وحقيقته، وهذه التنمية تتوخى كياناً ووجوده وكرامته بوصفه مصدر التنمية ومقصدها). وكان قد سبق لماكس فيبر أن أعلن في كتابه (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية) عام 1904، أن القيم البروتستانتية كانت منطلق التنمية الاقتصادية الحديثة في أوروبا، وأن النهضة الحضارية في أوروبا تدين للقيم البروتستانتية التي حضّرت المجتمع الغربي لنهضته الصناعية عبر القيم الثقافية الجديدة التي أوجدتها في مجال العمل والزمن والمسؤولية والمغامرة والمطالعة والتثقيف.

ومهما يكن الأمر فإن التنمية تأخذ جوهرها في مضمونها الثقافي، حيث يرتهن نجاحها أو إخفاقها بالمضامين الثقافية السائدة في المجتمع، ولا سيما في منظومته القيمية في العادات والتقاليد السائدة فيه، وفي معايير الفلسفات التي تحدد موقف أفراده من الحياة والوجود. وتأسيساً على هذا التصور أرجع ماكس فيبر نجاح عمليات التحديث التي شهدتها أوروبا والعالم الجديد في عصر النهضة إلى القيم التي رسختها البروتستانتية كقيم: الفردية، والادخار، والنجاح، والربح، والمغامرة، والإحساس بالمسؤولية، والنظرة الائتمانية، وكانت هي القيم التي شكلت الجدار الاستنادي للتطور الاقتصادي والاجتماعي الذي شهدته المجتمعات الأوروبية في عصر النهضة وكانت مرتكزاً للثورة الصناعية الكبرى وتشكيل النظام الرأسمالي الجديد. ومن هذا المنطلق الحيوي لأهمية التكوينات الثقافية والقيمية يدعو عالم الذرة الباكستاني عبدالقدير خان، المشرف على برنامج باكستان النووي، الدول الإسلامية للمزيد من الإنفاق في مجال الثقافة والتعليم حيث يقول (كنت أكرر دائماً وما زلت أكرر بأن على العالم الإسلامي أن يتجه نحو الاستثمار في الثقافة والتعليم وفي رأس المال البشري إذا أراد أن يسترجع هيبته المفقودة وحماه المستباح. فالتعليم في الإنسان وتشكيل الإنسان وفقاً لروح ثقافية جديدة يمثل رأس المال الذي يجب إنماؤه والسهر عليه بوصفه الثراء الذي لا تضاهيه ثروة أو ثراء في العالم المعاصر).

الممانعة الثقافية للتنمية في الخليج العربي

تشكل الثقافة الجدار الاستنادي لأية عملية تنموية، ولا يمكن لأية محاولة تنموية أن تحقق أهدافها ما لم تنطلق من الثقافة وترتد إليها في صيغة تفاعل بين الغايات والوسائل، بين الإنسان كغاية ثقافية عليا وبين متطلبات وجوده المادي والمعيشي، حيث تكون الثقافة منطلقاً للعملية التنموية ترسم للتنمية غاياتها ودينامياتها من أجل التحضير لعملية بناء الإنسان في أكمل وجه وأسمى صورة.

لقد أصبح من الصعوبة بمكان تحقيق نجاحات فعلية في مجال التنمية من دون التركيز على البعد الثقافي لهذه التنمية، فثقافة التنمية تشكل مهمازاً لانطلاق الحداثة والتقدم والحضارة، وهذا يعني أن الثقافة الحقيقية، أي ثقافة الانطلاق، تشكل الضمان الحيوي للعملية التنموية والحضارية برمتها.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما الثقافة التي يمكن أن يعول عليها في عملية التنمية الإنسانية المنشودة؟

يميز الباحثون بين نمطين من الثقافة، أحدهما يحضّ على التنمية ويعزز مسارها، بينما يكبح الآخر متطلباتها ويعرقل تقدمها. فهناك ثقافات دينامية تتميز بقدرة عناصرها على الحركة والتوالد والانتشار خارج إطارها الجغرافي، حيث تتميز بقدرتها على الإقناع والتحدي وتلبية حاجات الأفراد. وهناك ثقافات تقليدية، وهي ثقافات جامدة منغلقة مناهضة للتغيير متشبعة بعناصر قيمية مضادة للتنمية والتطوير، كالتواكل والاتكالية والتعصب والعصبية والجمود والسلفية والقداسة والقدسية والتقشف والتصوف والتمييز والإيمان بالسحر والخرافة.

وتبين الدراسات الجارية حول التجارب التنموية في مختلف أنحاء المعمورة، أن البيئة الثقافية قد تمارس دوراً سلبياً يعطل عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويضعف مسارها، وقد تشكل هذه البيئة نفسها مناخاً مواتياً ومشجعاً على العملية التنموية وتحقيق نجاحها.

لقد مارست الثقافة التقليدية دوراً سلبياً في عملية منح الحقوق السياسية للمرأة في الكويت على سبيل المثال وليس الحصر، حيث كان القرار السياسي بمنح المرأة حقوقها السياسية، متقدماً على الثقافة التقليدية السائدة في المجتمع أي هذه التي تبخس المرأة هذه الحقوق، ولاحظنا أن صدور التشريعات الخاصة بالحقوق السياسية للمرأة قد مرّ في أتون عاصفة كبيرة من الجدل السياسي والثقافي انتهت أخيراً بانتصار المدّ الحضاري لحقوق المرأة السياسية، ومع أن المرأة تتمتع اليوم بحقوقها السياسية تحت الضغوط السياسية للدولة، فإن الدراسات تبين أن وصول المرأة إلى مجلس الأمة ما زال يعاني من مقاومة ثقافية لوجود ثقافة استلابية راسخة ورافضة لحقوق المرأة في العمل السياسي التشريعي.

ويرى كثير من المفكرين أن هيمنة الثقافات التقليدية تعيق عملية التنمية الحقيقية وتؤدي إلى استمرار التخلف والجمود، وقد وصفت هذه الثقافات التقليدية بالغيبية أو القدرية أو السلبية أو الأبوية أو السلطوية أو التواكلية، ووفقاً لهذا التصور فإن الثقافة التقليدية السائدة في الخليج العربي تشكل ثقافة الممانعة بامتياز بوصفها ثقافة جامدة ومنغلقة ومتشبعة بعناصر قيمية مضادة للتنمية، كالتواكل والاتكالية والتعصب والعصبية والجمود والسلفية والقداسة والقدسية والتقشف والتصوف والتمييز الاجتماعي والإيمان بالسحر والخرافة.

وتتمثل الأزمة الثقافية في الخليج بتقدم الواقع على الفكر في كثير من الأحيان، وفي التناقض ما بين العادات والتقاليد ومتطلبات التنمية الشاملة. وعلى هذا المنوال يمكن القول إن الوعي هو وعي التخلف، أي أن الثقافة ثقافة متخلفة في جوهرها وبنيتها الأنثروبولوجية، وهذا ناجم عن وضعية التخلف الفكري الراسخ في الحياة الاجتماعية التقليدية والذي يتمثل في نسق من القيم والعادات والتقاليد السلبية التي تعرقل مسار النماء الإنساني في مستوى الفرد والجماعة والمجتمع. ويمكن تفسير هذه الوضعية بما تركته عصور الانحطاط الطويلة من مفاهيم متخلفة ومن مقومات نفسية واجتماعية تحول دون التقدم. مثل التواكل، والتفسير السحري للأشياء، وسيطرة الشكل والمظهر على المضمون والجوهر في شتى جوانب السلوك، وتعطيل دور المرأة، وسيادة التسلط والقسر والإحجام عن العمل اليدوي وغياب النزعة العقلانية، وغير تلك من أنماط السلوك السلبية في المجتمع.

ويعلن عدد كبير من المفكرين عن هيمنة كبيرة لثقافة الممانعة في بلدان الخليج العربية كما هو الحال في مختلف البلدان العربية، وتتمثل ثقافة الممانعة في أنماط الثقافات التقليدية التراثية الماضوية العشائرية القبلية التواكلية والتي تنطوي على عناصر ثقافية ممانعة لعملية الأنسنة والتنمية بمختلف تجلياتها وتنوعاتها.

وفي هذا الصدد يقول أحمد مجدي حجازي: في المجتمعات الخليجية نجد ثقافة متخلفة غير مبدعة لا تقوى على إيجاد فكر اجتماعي مستقل قادر على التجديد رغم وجود مظاهر التحديث المادي مثل: زيادة أعداد المتعلمين، وظاهرة الاستهلاك الترفي، بل إن قيم الثراء أصبحت قيما كمية لا نوعية وأصبح الثراء سلطاناً على الثقافة والمعرفة والقيم، والحال ليس بأفضل في بقية المجتمع العربي. فالشخصية الخليجية شخصية تقليدية محافظة نتيجة للتركيبة الاجتماعية القبلية والعشائرية، وقد أدت عوامل التغير السريع إلى تشويه القيم الإيجابية في الشخصية الخليجية فتحول الكرم إلى تبذير، والرجولة إلى رفض لدور المرأة في المجتمع، والاعتدال إلى تطرف، والجدّ إلى الكسل، والتوكل إلى تواكل، وقوة العزيمة إلى مهادنة، والاعتماد على الذات إلى الاعتماد على الغير. ومثل هذا التصور نجده لدى علي خليفة الكواري الذي يقرّ بوجود أزمة قيم في الخليج العربي تتمثل في ظهور قيم جديدة قوامها استشراء الروح الاتكالية، والانتهازية، والارتزاق، والمضاربة، والبطالة المقنعة، وشعور اللامبالاة، والانغماس في ماديات الحياة على حساب إمكانات السمو المعنوي والأدبي للأفراد والجماعات.

فالثقافات التقليدية في الخليج لا تزال تدور في فلك المحافظة والجمود الثقافي على الرغم من طفرات التنمية الاقتصادية، والحق يقال (إن ظاهرة المحافظة ورفض التغير والتجديد من أخطر ظواهر التخلف وأعمقها لكونها ظاهرة يصعب تغيرها، ذلك أنها تضرب بجذورها في أعماق حياة الإنسان، إذ ترتبط بما ألفه الفرد وما عرفه وما تأصل فيه، وبما ألف آباؤه وأجداده وعرفوه، وتحمل بالتالي جانباً من القدسية أو ضرباً من نشوة الحنين إلى الماضي). والثقافة الخليجية، كما يرى علي عبدالله خليفة، تنطوي على مجموعة من القيم والمعايير والبنى الذهنية التي تناهض عملية التنمية ومنها: رفض العمل اليدوي والحر ولا سيما أعمال المخابز والمتاجر وخدمة الآليات وأعمال النظافة وغيرها. فكيف تكون التنمية في مجتمع يرفض القيام بخدمة نفسه وأداء الأعمال الحيوية في مجال الحياة الاجتماعية. وهذا ما يؤكده فوستر في أبحاثه حول الثقافات التقليدية وصدمة التغير التكنولوجي والحداثي، حيث يرى أن القيم والاتجاهات الثقافية التقليدية مثل: الكبرياء والكرامة والتمركز حول الذات، تشكل أخطر المعوقات في وجه النماء الحضاري لهذه المجتمعات.

يقول أحمد خضر أبو هلال في هذا السياق (الإنسان التقليدي يخضع للطبيعة ولا يعشق التغيير بل يخشاه، إنه يؤمن بالسحر والغيبيات، ويرغب في الابتعاد عن السلطة وعن مراكز المسؤولية، إنه متواكل إلى درجة التخاذل ولا يبحث في المستقبل لأنه يعيش بالماضي وينعزل فيه. وعلى خلاف ذلك فإن الإنسان في المجتمعات المتطورة نشيط يحب العمل وتحمل المسؤولية، ويخطط للمستقبل ويعتقد بإمكانية التحكم فيه، يؤمن بالتغيير ويعشق المغامرة). ومما لا شك فيه أن التكوين الثقافي للإنسان في الخليج العربي تقليدي فرضته عوامل وظروف تاريخية ضاربة الجذور والأبعاد وهذا يعني أن الثقافة السائدة هي ثقافة ممانعة لعملية التنمية الحقيقية التي يجب أن تكون في هذه المراحل التاريخية من تطور هذه المجتمعات.

فالثقافة العربية التقليدية (ثقافة خرافية تميل إلى الإعجاز أكثر من ميلها إلى العلم، وتميل إلى الدين فيما هو تسليمي أو استسلامي أكثر من ميلها إلى المنحى التحريري. والبرجوازية العربية تشيع هذا النمط الخرافي من التفكير وتساعد على بثه بهدف إضعاف الفكر العلمي لدى الطبقات الشعبية، فيسهل تخويفها والسيطرة عليها).

وباختصار يمكن القول إن الثقافات التقليدية السائدة في الخليج كما هو الحال في العالم العربي برمته غرست نسقاً من القيم السلبية المناهضة للتنمية مثل الخضوع للأمر الواقع، القدرية، الاتكالية، القبلية، العشائرية، الطائفية، القبول بما هو قائم، وأن هذه الثقافات تعمل على تجريد الفرد من روح المبادرة، وتغييب حس المسؤولية، وإضفاء الطابع القدسي على أغلب جوانب الحياة وتغييب الروح النقدية.

مفارقة النمو والتنمية

لقد شاع في الخليج العربي عدد كبير من مظاهر التحديث الذي اتخذ صورة من التسابق في تشييد الأبراج العملاقة الشاهقة كأبراج دبي، وبناء منشآت ضخمة هائلة، ومبان رائعة تأخذ أحدث أشكال وطراز العمارة الأجنبية الحديثة، وفي التأسيس للمجمعات التجارية التي تفوق ما عداها في أوروبا وآسيا. لقد انطلقت هذه التغيرات الحضارية المادية الهائلة بوتائر متسارعة من دون أن ترافقها تنمية ثقافية وعقلية وذهنية في الكيان الاجتماعي مما ولد شروخاً وتصدعات كبيرة في بنية الحياة الحضارية بين ثقافة تقليدية ساكنة جامدة وبين نمو مالي واقتصادي بنيوي هائل متسارع يتميز بالعمق والشمول، وقد أدت هذه الوضعية إلى انشطار كبير بين الوعي الاجتماعي والتقدم المادي بين ثقافة تقليدية ونقلة حضارية مادية نوعية تفوق حدود الوصف من حيث قوتها وسرعتها وتقدمها، وأخذت الحضارة في الخليج صورة مادية صنعية لا روح فيها ولا معنى أو دلالة إنسانية.

وإذا كان العلم يشكل وعياً بالحضارة فإن النقلة الطفرية النوعية للنمو الاقتصادي في الخليج لم تترافق حتى اليوم بتوطين العلم والمعرفة العلمية أو بتكوين العقول والخبرات الوطنية المبدعة كما يجب، حيث بقي العقل الأجنبي هو مبتدأ هذه النهضة وخبرها .

ولو سألنا اليوم من هم المهندسون والخبراء الذين قاموا بتشييد أبراج دبي والمآثر العمرانية في الخليج العربي لما تردد أحد بالإجابة أن الخبرات والعقول هي خبرات وعقول أجنبية بامتياز، وأنهم الخبراء والأجانب ليسوا عرباً أو خليجيين على الأغلب، فالأبراج والمنشآت صناعة أجنبية ونحن نفخر بكل ما هو أجنبي ولا فخر. وأريد هنا أن أسوق مثالاً يوضح هذه المفارقة بين برج دبي وبين برج إيفيل في فرنسا، فعندما تصعد إلى برج إيفيل ترى أن الفرنسيين يفتخرون بمهندسهم إيفيل أكثر بألف مرة من البرج ككيان مادي، وقد خصصوا في البرج مكاناً شامخاً للمهندس وزوجته ومساعديه وظروف عمله وتاريخه، وذلك هو الجانب الأهم في برج إيفيل، فهل نجد مثل هذا في أبراج دبي وغيرها من الأبراج التي تصدم الخيال بقوتها وعظمتها؟

لو كان الأمر في مساره الصحيح لوجب علينا أن نفخر بعدد العلماء والمبدعين والمفكرين من أبناء الوطن والمؤسسات العلمية والفكرية والأكاديمية الوطنية التي يمكنها أن تنهض بالتنمية الحقيقية وأن تستجيب لمتطلباتها. وأيضاً لو كان من فخر لكان علينا أن نعمل على توطين المعرفة والخبرات العلمية واستثمار بعض المال في بناء العقول والأدمغة والخبرات الوطنية التي تشكل مبتدأ النهضة وخبرها. ولو كان علينا أن نفخر لكان علينا أن نفخر بعملية بناء الإنسان الخليجي والاستثمار في بنائه الثقافي على صورة الإنسان الفاعل المبدع المخطط المنتج المغامر الخلاق الذي يرسم الحضارة وستحضر القيم الخلاقة المؤسسة للنهضة الإنسانية وهنا تكمن روح الحضارة وعبقريتها.

تنمية مشوهة: صدام التحديث والحداثة

لقد عملت دول الخليج العربية منذ عهد الاستقلال على تحديث مجتمعاتها وتنميتها، وقد شهدت هذه المجتمعات في حقيقة الأمر عملية تنموية اقتصادية وعمرانية لا مثيل لها، فرضتها عوامل متعددة أهمها الوفرة الاقتصادية المتمثلة في الثروة النفطية لهذه البلدان، وتدفق اليد العاملة الحيوية الماهرة الرخيصة، وتراكم الخبرات العمرانية والفنية والاقتصادية القادمة من مختلف أنحاء العالم. واستطاعت هذه الدول خلال عقود قليلة أن تؤسس لعملية نمو عمراني واقتصادي مذهل بكل المعايير والمقاييس، وأن تنتقل بمجتمعاتها ? في مستويات التطور العمراني والمادي- عبر عملية حرق المراحل من مجتمعات بدوية صحراوية إلى مجتمعات تضاهي أحدث دول العالم عمراناً وبناء ومؤسسات لتختصر مسافات حضارية بلغت مئات السنين بمقاييس الحضارة الإنسانية، حيث أصبحت المنشآت الاقتصادية والمالية والتجارية تضاهي باريس ولندن وروما. لكن المشكلة هي أن هذه النقلة الحضارية لم ترافقها نقلة حضارية في ما يتعلق بالحداثة الفكرية والثقافية، حيث بقيت الثقافات التقليدية البدوية المحلية والصحراوية تحتل مكان الأهمية والصدارة في الحياة الاجتماعية من دون تغيير يذكر. بل على خلاف ذلك كله فإن المؤشرات الثقافية تدل على أن حركة التجديد هذه قد أدت إلى تحديث القديم وتطويره من دون تغييره جذرياً، وما يراد بهذا القول أن ثمة قيماً تقليدية ممانعة وجدت نوعاً من التأصيل تحت ضغط مبررات أيديولوجية متعددة أبرزها قيم الانكفاء والانغلاق والعودة إلى النماذج الأصولية، فالخليج العربي يعيش حالة تناقض وانشطار وجودي كبير تتمثل في التصادم بين أحدث مظاهر الحياة الحضارية الغربية المتقدمة وبين ثقافات تقليدية ما قبل صناعية تحكمها الروح القبلية السابقة للحضارة بمعاييرها وقيمها وتجلياتها المختلفة، وهذا يعني وجود انشطار كبير بين روح الحضارة وكينونتها المادية. ومن الواضح أن هذا التناقض يمثل صورة المفارقة القائمة بين منتهى التقدم الحضاري ومبتداه، حيث يأخذ هذا التناقض في وجهه صورة ثقافة تقليدية من غير أسس مادية، كما يأخذ في وجهه الثاني صورة حضارة مادية من غير أسس ثقافية حداثية. وهذا التناقض المزدوج يولد بالضرورة مشاعر التناقض الكبير والتصادم الثقافي الذي يؤسس لأزمة هوية تتسم بالعمق والشمول.

فالإنسان في الخليج يعيش خصوصياته الثقافية التقليدية في الوقت الذي يرفل فيه بمعطيات الحضارة الغربية حتى الثمالة، فنحن كما يقول علي حرب (عرب أو مسلمون في ما يتصل بالمقدسات والمحرمات؛ لكننا غربيون في ما يتعلق باستيراد الأدوات والسلع والصور والمتع التي توفرها أجهزة الفيديو وأفلام (البورنو)… أي في كل ما يتصل بمادة الحياة وأسباب الحضارة). فثقافة الحداثة تركز على العقلانية والفردية والإيمان بالعلم والقيم الديمقراطية، أما ثقافتنا التقليدية فهي ثقافة ما قبل الحضارة الزراعية ثقافة البداوة وهي ثقافة جمعية عاطفية ترفض مبدأ الفردانية وتستمد نسغ وجودها من الإيمان بالأساطير والخرافات والقيم التقليدية التي لا تتوافق مع قيم الحضارة المادية الغربية.

لقد عبر الكاتب والمفكر الكويتي عبدالله النفيسي خير تعبير عن هذا الانشطار وتلك الإشكالية في طبيعة العلاقة بين الحداثة والتحديث بين النمو والتنمية حيث يقول (في القبيلة تسود قيم قد لا تتماشى مع كينونة الدولة وتراكيبها، فقيم الدخالة والعصبية والفزعة والنهوة والفخر والهجاء والطاعة والنصر والحماية والحلف وغيرها من قيم القبيلة لا يمكن أن تتحمل فكرة الدولة العصرية وتواجدها). وفي إشارة منه إلى واقع التطور في الكويت يرى النفيسي – وهذا الرأي يعود إلى مرحلة الثمانينات من القرن الماضي، لكنه برأينا ما زال يحمل دلالة معاصرة تشمل دول الخليج العربية برمتها ? أن بعض (بعض دول الخليج) ما زالت في طور الانتقال من كونها القبلي إلى كونها العصري في شكل الدولة. وحتى الآن لم تحقق (بعض هذه الدول) العبور الكامل من القبيلة إلى الدولة.

إنه لمن البساطة بمكان القول إن التنمية الحقيقية تقاس بمدى حضور القيم الثقافية التنموية في سلوك الناس ومدى تجليها في أنماط حياتهم ووجودهم، ووفقاً لهذا المعيار يمكن القول إن ثقافة التنمية لا تأخذ موقع الهيمنة في الحياة العامة للناس، فأنماط السلوك لا تزال تستمد وجودها من ثقافات تقليدية قبلية إثنية أو طائفية وإقليمية في غالب الأمر، ويتمثل ذلك في ضعف الولاء للدولة وقيمها بالمقارنة بقيم الولاء للطائفة والقبيلة وغيره من الولاءات الصغرى. وينبئنا واقع الحال أن التنمية لم تنجز بعد كثقافة حياة ووجود وبقيت تنمية تنظيمية للحياة مرهونة بمؤسسات الدولة وقوانينها وممارساتها اليومية.

وهذا يعني أن التنمية الحقيقية في الخليج العربي ما زالت في أمسّ الحاجة إلى دمج النبضة الوجدانية والروحية الحداثية في بنية الحياة المادية والاقتصادية، وباختصار يمكن القول هنا إن هذا الانشطار بين الحضارة المادية وروحها يشكل التحدي التاريخي الأول الذي يواجه عملية تنمية وطنية حقيقية متكاملة وشاملة، حيث تعمل هذه التناقضات الكبرى ما بين الثقافة التقليدية البدوية الشرقية والحضارة المادية الغربية على توليد مشاعر القلق والضياع والتوتر في العمق الإنساني للإحساس بالهوية والانتماء. وأخيراً فإن المصالحة بين روح الحضارة وجسدها تشكل اليوم أحد أكبر وأهم وأخطر التحديات التي تواجهها دول الخليج العربية، ولا تكون هذه المصالحة إلا بترسيخ ثقافة العقلانية والروح التنويرية التي يمكنها أن تشكل منطلق هذه المصالحة الحضارية مع الذات والوجود والهوية. وعلى هذا النحو فإن الخليج مطالب اليوم باستخدام الطاقة النقدية والعقلانية والديمقراطية، ومطالب أيضاً بتوظيف العلم والمعرف العلمية وكذلك بتوظيف كل القيم الإنسانية الخلاقة في مواجهة تحديات التنمية وغيرها من التحديات الكبرى للمحافظة على الهوية والكينونة والوجود وتحقيق تنمية شاملة متكاملة.

إن ثقافة التنمية تحتاج إلى (عقل منفتح غير متعصب، ونقدي يقبل الاختلاف وينتج الاختلاف، ويسعى إلى الاتفاق على أسس مقبولة عقلية وعقلانية، فنحن إذا محتاجون إلى تفتح فكري وروح نقدية، ومحتاجون أيضاً إلى فكر يحارب الإحباط الذي في أنفسنا أو الذي في نفوس بعضنا). إننا (بحاجة إلى التحديث وإلى الانخراط بعصر العلم والثقافة كفاعلين ومساهمين. لكننا بحاجة أيضاً إلى مقاومة ثقافة الاختراق وحماية هويتنا القومية وخصوصيتنا الثقافية من الانحلال والتلاشي تحت تأثير موجات الغزو الذي يمارس علينا وعلى العالم أجمع بوسائل العلم والثقافة. والوسيلة في كل ذلك واحدة هي اعتماد الإمكانات اللامحدودة التي توفرها العولمة نفسها، أعني الجوانب الإيجابية منها وفي مقدمتها العلم والتقانة).

ثقافة الانطلاق

لقد رسخ في مختلف التجارب التنموية أن رأس المال وحده لا يمكنه أن يكون كافياً في العملية التنموية أو حتى في عملية الإنتاج ذاتها، وبات واضحاً أن النشاط الذهني بمادته وقدراته المعلوماتية هو أساس الإنتاج في حين أصبح رأس المال مجرد عنصر من عناصره وهو بذلك فقد عنصر الأولوية الرئيسية كما كان الاعتقاد في العصر الصناعي. وقد كان للاقتصادي الإنكليزي آدم سميث فضل السبق على معاصريه في الإشارة إلى أهمية رأس المال البشري ودوره في الدخل الاقتصادي القومي، والذي سبق له القول إن الرجل المؤهل علمياً يمكن أن يقارن بإحدى الآلات المتطورة والحديثة والمكلفة في مجال الإنتاج والتوظيف والاستثمار. وهذا يعني أنه لا يمكننا أن نتحدث عن تنمية حقيقية من دون الاستثمار في مناجم العقول وبناء البشر، وهو ما لا يتم دون التطوير الجذري للتعليم كي يصبح تعليماً منتجاً للمعرفة ومنتجاً للثقافة، وكي يكون سلاح الأمة التي تواجه به كل تيارات الغزو الثقافي ومحاولات التغريب وطمس الهوية وهو صمام الأمان في أمنها الثقافي ومستقبلها.

إن أخطر ما يمكن أن يستقر في العقل العربي هو الاعتقاد بأن توفر المال والرجال يضمن في حد ذاته مستقبلاً مشرقاً للعالم العربي، وهذا يعني أن البلدان العربية في الخليج العربي وغيرها تحتاج إلى ترسيخ ثقافة تنموية جديدة تنهض بالإنسان والمجتمع ثقافة تنموية تقوم على أنقاض الثقافة التقليدية المناهضة للتقدم والتنمية وتتجاوزها. فكل النهضات الإنسانية المعروفة تاريخياً بدأت بنوع من الثورة إلإبيستيمولوجية التي غيرت من نظرة الإنسان إلى نفسه ومجتمعه وإلى العالم من حوله، سواء تحدثنا عن النهضة الإسلامية أو النهضة الأوروبية أو النهضة اليابانية، حيث ابتدأت هذه النهضات بثورة إبيستيمولوجية غيرت من العلاقة الذهنية بين الكائن والمحيط الذي يعيش فيه فكانت النهضة والإبداع والعقل الخطابي. ولم تتم نهضة في التاريخ إلا وكانت مسبوقة بثورة إبيستيمولوجية غيرت من نسق القيم والمفاهيم والتصورات السائدة في هذه المرحلة أو في ذلك المجتمع.

وهذا هو حال الثورة الثقافية التي شهدتها الصين في عصر ماوتسي تونغ في السبعينات من القرن الماضي، أي عندما أعلن ماوتسي الثورة على الثقافة التقليدية القديمة الممانعة لنهضة الصين وحركتها، ومن أجل ذلك رسم خريطة ثقافية جديدة تتعلق بالعمل والجد والنظام والقيم والعمل اليدوي وترفض قيم الاتكالية والهزيمة والكسل والقداسة والخرافة والسحر والشعوذة من أجل بناء ثقافة تنموية كبرى تمهد لعملية النهضة الحضارية الشاملة. وهذا هو حال الصين اليوم أمة تفوق الأمم في مدى قوتها وحضارتها وعظمتها.

ونحن في الخليج اليوم في أشد الحاجة لثورة ثقافية جديدة من أجل بناء ثقافة تنموية تنطلق بنا جميعاً إلى مشهد حضاري إنساني يسمو بالأفراد والمجتمعات إلى آفاق حضارية إنسانية جديدة.

وهنا ومن أجل بناء ثقافة الحضارة والانطلاق يمكن (للتعليم أن يلعب دوراً كبيراً في تصحيح الخلل الذي يعانيه نسق القيم الراهن من أجل إرساء قيم تنموية واتجاهات مجتمعية تساعد المنطقة على مواجهة التحدي الذي أفرزه تصدع قيم العمل والإنتاج وانفكاك الارتباط بين الحوافز والإنتاج، والجهد والإنتاجية، وتراجع القيم المعنوية والمجتمعية لصالح القيم المادية والفردية والأنانية ولا سيما نمط الإنتاج التفاخري الراهن.

إن تغيير الذهنية لا يمكنه أن يكون تحولاً شكلياً يتم من الخارج، بل هو حالة تغير ذاتي في الجسد الاجتماعي الذي يغير تدريجياً طريقة عمله. وهذا يعني أن إحداث التحول في داخل الذهنية لا يمكنه أن يكون تحولاً في الثقافة بل هو تحول في داخل الثقافة نفسها. ومن أجل ذلك يجب البحث في الجذور الثقافية عن مفاتيح التغير في الذهنية، حيث إن تغيير الذهنية يعني تنشيط منطق ثقافي مضمر من أجل تعزيز طرق جديدة في التفكير عن طريق القيم والمشاعر.

إن الثقافة التي تقتضيها هذه المرحلة التاريخية هي الثقافة العلمية، ثقافة الانطلاق التي ترتكز على العقل والتجربة والحرية والقيم الإنسانية الخلاقة، إنها الثقافة التي تنطوي على قيم الحق والخير والعدالة والحرية، ثقافة الإيمان بقيمة العمل والإبداع والمغامرة، ثقافة الرفض لكافة مظاهر الترف والإسراف والمباهاة والاستهلاك والتملك والتزلف والتصنع والاستكبار والغش والخداع والواسطة والمحسوبية والفساد والمفاخرة والاعتزاز والفزعة والتعصب والانكسار واحتقار المرأة والمتعة، إنها ثقافة المواطنة والإيمان بالوطن، ثقافة العدالة والتضحية والمعرفة والإيمان بالعلم رفضاً للخرافات والسحر، إنها باختصار ثقافة النهضة بل ثقافة الانطلاق في مواجهة ثقافة الممانعة والجمود والانغلاق.

إن تنمية حقيقية في الخليج العربي يجب أن تأخذ اليوم توجهات ثقافية بالدرجة الأولى، فلقد حققت هذه الدول انتصارات هائلة في مجال تراكم الثروة والمال، وانعكس ذلك على مختلف مظاهر الحياة في الصحة والدخل والتعليم والخدمات، ولم يبق أما شعوب الخليج العربي غير التنمية الثقافية، وهي تنمية في البشر والإنسان، وهذه هي التنمية التي تشكل أسّ الحضارة الحقيقية ومنطلقها، وهذا كله لا يتحقق إلا بإرساء قيم العدالة والحق والخير والحرية والمساواة والإيمان بالقيم الإنسانية الخلاقة كلها، فالتنمية الحقيقية تحتاج اليوم إلى تثوير العادات والتقاليد لتنسجم مع معطيات التنمية ومتطلبات الحضارات ودواعي التقدم الإنساني، وهذا يتطلب بالضرورة رفض منطق التعصب والتحزب والمباهاة والإسراف والبذخ والتبذير والتبديد واللامبالاة. إذ لا بد من تنمية الإحساس بالمسؤولية والإيمان بالوطن فوق كل الانتماءات، وبناء الإنسان على قيم التسامح والمواطنة، ورفض الطائفية والعشائرية والانتماءات الصغرى، والإيمان بقيمة العمل اليدوي والفكري والإنساني، والنظر إلى الكون بعقلانية راسخة وإيمان عظيم، وتلك هي صورة عامة لثورة ثقافية تنموية خلاقة تقتلع أورام التخلف، وتطهر الثقافة الوطنية من أعشاب الثقافة المرضية التي تثقل على الحياة والوجود في خليجنا العربي الأصيل.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1186::/cck::
::introtext::

يعرف (كانت) الثقافة بأنها مجموعة من الغايات الكبرى التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية، انطلاقاً من طبيعته العقلانية. وهكذا تكون الثقافة في نظر (كانت) أعلى ما يمكن للطبيعة أن ترقى إليه، حيث تأخذ الثقافة الإنسانية صورة فلسفة تنموية إنسانية ترقى بالإنسان إلى أعلى ما يمكن للطبيعة الإنسانية أن ترتقي إليه من سمو أخلاقي وروحي. فالإنسان لا يصير إنساناً إلا بالثقافة، بل هو ما صنعت منه الثقافة.

 

::/introtext::
::fulltext::

يعرف (كانت) الثقافة بأنها مجموعة من الغايات الكبرى التي يمكن للإنسان تحقيقها بصورة حرة وتلقائية، انطلاقاً من طبيعته العقلانية. وهكذا تكون الثقافة في نظر (كانت) أعلى ما يمكن للطبيعة أن ترقى إليه، حيث تأخذ الثقافة الإنسانية صورة فلسفة تنموية إنسانية ترقى بالإنسان إلى أعلى ما يمكن للطبيعة الإنسانية أن ترتقي إليه من سمو أخلاقي وروحي. فالإنسان لا يصير إنساناً إلا بالثقافة، بل هو ما صنعت منه الثقافة.

الإنسان يشكل غاية التنمية ومنطلقها في كافة الشرائع التنموية المعاصرة، وهذا يعني أنه يجب على العملية التنموية أن تخاطب البعد العقلاني والأخلاقي في الإنسان. وهذا يلزم التنمية، في أية صيغة أو تعريف تأخذه، أن تتخذ الإنسان غايتها بوصفه الكائن الأسمى في الوجود. فغاية التنمية تكمن في تفجير الطاقات الإنسانية الكامنة في الإنسان وتحقيق مطلق الازدهار والتكامل في شخصه الإنساني. ومن هذا المنطلق فإن تنمية الجوانب المادية والاقتصادية والأمنية تشكل الإطار الموضوعي لهذه الأنسنة الثقافية التي لا تكون، ولا يمكن أن تكون، إلا فعلاً ثقافياً يتجلى في منظومة من القيم الأخلاقية والإنسانية التي تحقق التوازن بين الإنسان والوجود.

الجوهر الثقافي للتنمية الإنسانية

يقول دانييل باتريك موينيهان إن (الثقافة هي التي تحدد وتقرر نجاح وتقدم المجتمع وليس السياسة). فالثقافة تتفاعل جوهرياً مع التنمية وتشكل المناخ الحيوي لكل فعل تنموي. وقد ألح ماكس فيبر على أهمية البعد الثقافي للتنمية والحضارة حيث كان يقول (إننا لو استطعنا أن نتعلم شيئاً من تاريخ التنمية الاقتصادية فإن ذلك الشيء هو أن الثقافة هي التي تصنع كل التغيرات والاختلافات).

وتأسيساً على هذه الرؤية (فإن دور الثقافة في التنمية يجب ألا يفهم على أنه يؤلف جزءاً من التنمية، أو دوراً ثانوياً يساعد على إنجاز التنمية بنجاح فحسب، وإنما يجب أن ينظر إليه على أنه هو جوهر العملية التنموية، التي هي عملية إنسانية في جوهر الأمر وحقيقته، وهذه التنمية تتوخى كياناً ووجوده وكرامته بوصفه مصدر التنمية ومقصدها). وكان قد سبق لماكس فيبر أن أعلن في كتابه (الأخلاق البروتستانتية وروح الرأسمالية) عام 1904، أن القيم البروتستانتية كانت منطلق التنمية الاقتصادية الحديثة في أوروبا، وأن النهضة الحضارية في أوروبا تدين للقيم البروتستانتية التي حضّرت المجتمع الغربي لنهضته الصناعية عبر القيم الثقافية الجديدة التي أوجدتها في مجال العمل والزمن والمسؤولية والمغامرة والمطالعة والتثقيف.

ومهما يكن الأمر فإن التنمية تأخذ جوهرها في مضمونها الثقافي، حيث يرتهن نجاحها أو إخفاقها بالمضامين الثقافية السائدة في المجتمع، ولا سيما في منظومته القيمية في العادات والتقاليد السائدة فيه، وفي معايير الفلسفات التي تحدد موقف أفراده من الحياة والوجود. وتأسيساً على هذا التصور أرجع ماكس فيبر نجاح عمليات التحديث التي شهدتها أوروبا والعالم الجديد في عصر النهضة إلى القيم التي رسختها البروتستانتية كقيم: الفردية، والادخار، والنجاح، والربح، والمغامرة، والإحساس بالمسؤولية، والنظرة الائتمانية، وكانت هي القيم التي شكلت الجدار الاستنادي للتطور الاقتصادي والاجتماعي الذي شهدته المجتمعات الأوروبية في عصر النهضة وكانت مرتكزاً للثورة الصناعية الكبرى وتشكيل النظام الرأسمالي الجديد. ومن هذا المنطلق الحيوي لأهمية التكوينات الثقافية والقيمية يدعو عالم الذرة الباكستاني عبدالقدير خان، المشرف على برنامج باكستان النووي، الدول الإسلامية للمزيد من الإنفاق في مجال الثقافة والتعليم حيث يقول (كنت أكرر دائماً وما زلت أكرر بأن على العالم الإسلامي أن يتجه نحو الاستثمار في الثقافة والتعليم وفي رأس المال البشري إذا أراد أن يسترجع هيبته المفقودة وحماه المستباح. فالتعليم في الإنسان وتشكيل الإنسان وفقاً لروح ثقافية جديدة يمثل رأس المال الذي يجب إنماؤه والسهر عليه بوصفه الثراء الذي لا تضاهيه ثروة أو ثراء في العالم المعاصر).

الممانعة الثقافية للتنمية في الخليج العربي

تشكل الثقافة الجدار الاستنادي لأية عملية تنموية، ولا يمكن لأية محاولة تنموية أن تحقق أهدافها ما لم تنطلق من الثقافة وترتد إليها في صيغة تفاعل بين الغايات والوسائل، بين الإنسان كغاية ثقافية عليا وبين متطلبات وجوده المادي والمعيشي، حيث تكون الثقافة منطلقاً للعملية التنموية ترسم للتنمية غاياتها ودينامياتها من أجل التحضير لعملية بناء الإنسان في أكمل وجه وأسمى صورة.

لقد أصبح من الصعوبة بمكان تحقيق نجاحات فعلية في مجال التنمية من دون التركيز على البعد الثقافي لهذه التنمية، فثقافة التنمية تشكل مهمازاً لانطلاق الحداثة والتقدم والحضارة، وهذا يعني أن الثقافة الحقيقية، أي ثقافة الانطلاق، تشكل الضمان الحيوي للعملية التنموية والحضارية برمتها.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن: ما الثقافة التي يمكن أن يعول عليها في عملية التنمية الإنسانية المنشودة؟

يميز الباحثون بين نمطين من الثقافة، أحدهما يحضّ على التنمية ويعزز مسارها، بينما يكبح الآخر متطلباتها ويعرقل تقدمها. فهناك ثقافات دينامية تتميز بقدرة عناصرها على الحركة والتوالد والانتشار خارج إطارها الجغرافي، حيث تتميز بقدرتها على الإقناع والتحدي وتلبية حاجات الأفراد. وهناك ثقافات تقليدية، وهي ثقافات جامدة منغلقة مناهضة للتغيير متشبعة بعناصر قيمية مضادة للتنمية والتطوير، كالتواكل والاتكالية والتعصب والعصبية والجمود والسلفية والقداسة والقدسية والتقشف والتصوف والتمييز والإيمان بالسحر والخرافة.

وتبين الدراسات الجارية حول التجارب التنموية في مختلف أنحاء المعمورة، أن البيئة الثقافية قد تمارس دوراً سلبياً يعطل عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية ويضعف مسارها، وقد تشكل هذه البيئة نفسها مناخاً مواتياً ومشجعاً على العملية التنموية وتحقيق نجاحها.

لقد مارست الثقافة التقليدية دوراً سلبياً في عملية منح الحقوق السياسية للمرأة في الكويت على سبيل المثال وليس الحصر، حيث كان القرار السياسي بمنح المرأة حقوقها السياسية، متقدماً على الثقافة التقليدية السائدة في المجتمع أي هذه التي تبخس المرأة هذه الحقوق، ولاحظنا أن صدور التشريعات الخاصة بالحقوق السياسية للمرأة قد مرّ في أتون عاصفة كبيرة من الجدل السياسي والثقافي انتهت أخيراً بانتصار المدّ الحضاري لحقوق المرأة السياسية، ومع أن المرأة تتمتع اليوم بحقوقها السياسية تحت الضغوط السياسية للدولة، فإن الدراسات تبين أن وصول المرأة إلى مجلس الأمة ما زال يعاني من مقاومة ثقافية لوجود ثقافة استلابية راسخة ورافضة لحقوق المرأة في العمل السياسي التشريعي.

ويرى كثير من المفكرين أن هيمنة الثقافات التقليدية تعيق عملية التنمية الحقيقية وتؤدي إلى استمرار التخلف والجمود، وقد وصفت هذه الثقافات التقليدية بالغيبية أو القدرية أو السلبية أو الأبوية أو السلطوية أو التواكلية، ووفقاً لهذا التصور فإن الثقافة التقليدية السائدة في الخليج العربي تشكل ثقافة الممانعة بامتياز بوصفها ثقافة جامدة ومنغلقة ومتشبعة بعناصر قيمية مضادة للتنمية، كالتواكل والاتكالية والتعصب والعصبية والجمود والسلفية والقداسة والقدسية والتقشف والتصوف والتمييز الاجتماعي والإيمان بالسحر والخرافة.

وتتمثل الأزمة الثقافية في الخليج بتقدم الواقع على الفكر في كثير من الأحيان، وفي التناقض ما بين العادات والتقاليد ومتطلبات التنمية الشاملة. وعلى هذا المنوال يمكن القول إن الوعي هو وعي التخلف، أي أن الثقافة ثقافة متخلفة في جوهرها وبنيتها الأنثروبولوجية، وهذا ناجم عن وضعية التخلف الفكري الراسخ في الحياة الاجتماعية التقليدية والذي يتمثل في نسق من القيم والعادات والتقاليد السلبية التي تعرقل مسار النماء الإنساني في مستوى الفرد والجماعة والمجتمع. ويمكن تفسير هذه الوضعية بما تركته عصور الانحطاط الطويلة من مفاهيم متخلفة ومن مقومات نفسية واجتماعية تحول دون التقدم. مثل التواكل، والتفسير السحري للأشياء، وسيطرة الشكل والمظهر على المضمون والجوهر في شتى جوانب السلوك، وتعطيل دور المرأة، وسيادة التسلط والقسر والإحجام عن العمل اليدوي وغياب النزعة العقلانية، وغير تلك من أنماط السلوك السلبية في المجتمع.

ويعلن عدد كبير من المفكرين عن هيمنة كبيرة لثقافة الممانعة في بلدان الخليج العربية كما هو الحال في مختلف البلدان العربية، وتتمثل ثقافة الممانعة في أنماط الثقافات التقليدية التراثية الماضوية العشائرية القبلية التواكلية والتي تنطوي على عناصر ثقافية ممانعة لعملية الأنسنة والتنمية بمختلف تجلياتها وتنوعاتها.

وفي هذا الصدد يقول أحمد مجدي حجازي: في المجتمعات الخليجية نجد ثقافة متخلفة غير مبدعة لا تقوى على إيجاد فكر اجتماعي مستقل قادر على التجديد رغم وجود مظاهر التحديث المادي مثل: زيادة أعداد المتعلمين، وظاهرة الاستهلاك الترفي، بل إن قيم الثراء أصبحت قيما كمية لا نوعية وأصبح الثراء سلطاناً على الثقافة والمعرفة والقيم، والحال ليس بأفضل في بقية المجتمع العربي. فالشخصية الخليجية شخصية تقليدية محافظة نتيجة للتركيبة الاجتماعية القبلية والعشائرية، وقد أدت عوامل التغير السريع إلى تشويه القيم الإيجابية في الشخصية الخليجية فتحول الكرم إلى تبذير، والرجولة إلى رفض لدور المرأة في المجتمع، والاعتدال إلى تطرف، والجدّ إلى الكسل، والتوكل إلى تواكل، وقوة العزيمة إلى مهادنة، والاعتماد على الذات إلى الاعتماد على الغير. ومثل هذا التصور نجده لدى علي خليفة الكواري الذي يقرّ بوجود أزمة قيم في الخليج العربي تتمثل في ظهور قيم جديدة قوامها استشراء الروح الاتكالية، والانتهازية، والارتزاق، والمضاربة، والبطالة المقنعة، وشعور اللامبالاة، والانغماس في ماديات الحياة على حساب إمكانات السمو المعنوي والأدبي للأفراد والجماعات.

فالثقافات التقليدية في الخليج لا تزال تدور في فلك المحافظة والجمود الثقافي على الرغم من طفرات التنمية الاقتصادية، والحق يقال (إن ظاهرة المحافظة ورفض التغير والتجديد من أخطر ظواهر التخلف وأعمقها لكونها ظاهرة يصعب تغيرها، ذلك أنها تضرب بجذورها في أعماق حياة الإنسان، إذ ترتبط بما ألفه الفرد وما عرفه وما تأصل فيه، وبما ألف آباؤه وأجداده وعرفوه، وتحمل بالتالي جانباً من القدسية أو ضرباً من نشوة الحنين إلى الماضي). والثقافة الخليجية، كما يرى علي عبدالله خليفة، تنطوي على مجموعة من القيم والمعايير والبنى الذهنية التي تناهض عملية التنمية ومنها: رفض العمل اليدوي والحر ولا سيما أعمال المخابز والمتاجر وخدمة الآليات وأعمال النظافة وغيرها. فكيف تكون التنمية في مجتمع يرفض القيام بخدمة نفسه وأداء الأعمال الحيوية في مجال الحياة الاجتماعية. وهذا ما يؤكده فوستر في أبحاثه حول الثقافات التقليدية وصدمة التغير التكنولوجي والحداثي، حيث يرى أن القيم والاتجاهات الثقافية التقليدية مثل: الكبرياء والكرامة والتمركز حول الذات، تشكل أخطر المعوقات في وجه النماء الحضاري لهذه المجتمعات.

يقول أحمد خضر أبو هلال في هذا السياق (الإنسان التقليدي يخضع للطبيعة ولا يعشق التغيير بل يخشاه، إنه يؤمن بالسحر والغيبيات، ويرغب في الابتعاد عن السلطة وعن مراكز المسؤولية، إنه متواكل إلى درجة التخاذل ولا يبحث في المستقبل لأنه يعيش بالماضي وينعزل فيه. وعلى خلاف ذلك فإن الإنسان في المجتمعات المتطورة نشيط يحب العمل وتحمل المسؤولية، ويخطط للمستقبل ويعتقد بإمكانية التحكم فيه، يؤمن بالتغيير ويعشق المغامرة). ومما لا شك فيه أن التكوين الثقافي للإنسان في الخليج العربي تقليدي فرضته عوامل وظروف تاريخية ضاربة الجذور والأبعاد وهذا يعني أن الثقافة السائدة هي ثقافة ممانعة لعملية التنمية الحقيقية التي يجب أن تكون في هذه المراحل التاريخية من تطور هذه المجتمعات.

فالثقافة العربية التقليدية (ثقافة خرافية تميل إلى الإعجاز أكثر من ميلها إلى العلم، وتميل إلى الدين فيما هو تسليمي أو استسلامي أكثر من ميلها إلى المنحى التحريري. والبرجوازية العربية تشيع هذا النمط الخرافي من التفكير وتساعد على بثه بهدف إضعاف الفكر العلمي لدى الطبقات الشعبية، فيسهل تخويفها والسيطرة عليها).

وباختصار يمكن القول إن الثقافات التقليدية السائدة في الخليج كما هو الحال في العالم العربي برمته غرست نسقاً من القيم السلبية المناهضة للتنمية مثل الخضوع للأمر الواقع، القدرية، الاتكالية، القبلية، العشائرية، الطائفية، القبول بما هو قائم، وأن هذه الثقافات تعمل على تجريد الفرد من روح المبادرة، وتغييب حس المسؤولية، وإضفاء الطابع القدسي على أغلب جوانب الحياة وتغييب الروح النقدية.

مفارقة النمو والتنمية

لقد شاع في الخليج العربي عدد كبير من مظاهر التحديث الذي اتخذ صورة من التسابق في تشييد الأبراج العملاقة الشاهقة كأبراج دبي، وبناء منشآت ضخمة هائلة، ومبان رائعة تأخذ أحدث أشكال وطراز العمارة الأجنبية الحديثة، وفي التأسيس للمجمعات التجارية التي تفوق ما عداها في أوروبا وآسيا. لقد انطلقت هذه التغيرات الحضارية المادية الهائلة بوتائر متسارعة من دون أن ترافقها تنمية ثقافية وعقلية وذهنية في الكيان الاجتماعي مما ولد شروخاً وتصدعات كبيرة في بنية الحياة الحضارية بين ثقافة تقليدية ساكنة جامدة وبين نمو مالي واقتصادي بنيوي هائل متسارع يتميز بالعمق والشمول، وقد أدت هذه الوضعية إلى انشطار كبير بين الوعي الاجتماعي والتقدم المادي بين ثقافة تقليدية ونقلة حضارية مادية نوعية تفوق حدود الوصف من حيث قوتها وسرعتها وتقدمها، وأخذت الحضارة في الخليج صورة مادية صنعية لا روح فيها ولا معنى أو دلالة إنسانية.

وإذا كان العلم يشكل وعياً بالحضارة فإن النقلة الطفرية النوعية للنمو الاقتصادي في الخليج لم تترافق حتى اليوم بتوطين العلم والمعرفة العلمية أو بتكوين العقول والخبرات الوطنية المبدعة كما يجب، حيث بقي العقل الأجنبي هو مبتدأ هذه النهضة وخبرها .

ولو سألنا اليوم من هم المهندسون والخبراء الذين قاموا بتشييد أبراج دبي والمآثر العمرانية في الخليج العربي لما تردد أحد بالإجابة أن الخبرات والعقول هي خبرات وعقول أجنبية بامتياز، وأنهم الخبراء والأجانب ليسوا عرباً أو خليجيين على الأغلب، فالأبراج والمنشآت صناعة أجنبية ونحن نفخر بكل ما هو أجنبي ولا فخر. وأريد هنا أن أسوق مثالاً يوضح هذه المفارقة بين برج دبي وبين برج إيفيل في فرنسا، فعندما تصعد إلى برج إيفيل ترى أن الفرنسيين يفتخرون بمهندسهم إيفيل أكثر بألف مرة من البرج ككيان مادي، وقد خصصوا في البرج مكاناً شامخاً للمهندس وزوجته ومساعديه وظروف عمله وتاريخه، وذلك هو الجانب الأهم في برج إيفيل، فهل نجد مثل هذا في أبراج دبي وغيرها من الأبراج التي تصدم الخيال بقوتها وعظمتها؟

لو كان الأمر في مساره الصحيح لوجب علينا أن نفخر بعدد العلماء والمبدعين والمفكرين من أبناء الوطن والمؤسسات العلمية والفكرية والأكاديمية الوطنية التي يمكنها أن تنهض بالتنمية الحقيقية وأن تستجيب لمتطلباتها. وأيضاً لو كان من فخر لكان علينا أن نعمل على توطين المعرفة والخبرات العلمية واستثمار بعض المال في بناء العقول والأدمغة والخبرات الوطنية التي تشكل مبتدأ النهضة وخبرها. ولو كان علينا أن نفخر لكان علينا أن نفخر بعملية بناء الإنسان الخليجي والاستثمار في بنائه الثقافي على صورة الإنسان الفاعل المبدع المخطط المنتج المغامر الخلاق الذي يرسم الحضارة وستحضر القيم الخلاقة المؤسسة للنهضة الإنسانية وهنا تكمن روح الحضارة وعبقريتها.

تنمية مشوهة: صدام التحديث والحداثة

لقد عملت دول الخليج العربية منذ عهد الاستقلال على تحديث مجتمعاتها وتنميتها، وقد شهدت هذه المجتمعات في حقيقة الأمر عملية تنموية اقتصادية وعمرانية لا مثيل لها، فرضتها عوامل متعددة أهمها الوفرة الاقتصادية المتمثلة في الثروة النفطية لهذه البلدان، وتدفق اليد العاملة الحيوية الماهرة الرخيصة، وتراكم الخبرات العمرانية والفنية والاقتصادية القادمة من مختلف أنحاء العالم. واستطاعت هذه الدول خلال عقود قليلة أن تؤسس لعملية نمو عمراني واقتصادي مذهل بكل المعايير والمقاييس، وأن تنتقل بمجتمعاتها ? في مستويات التطور العمراني والمادي- عبر عملية حرق المراحل من مجتمعات بدوية صحراوية إلى مجتمعات تضاهي أحدث دول العالم عمراناً وبناء ومؤسسات لتختصر مسافات حضارية بلغت مئات السنين بمقاييس الحضارة الإنسانية، حيث أصبحت المنشآت الاقتصادية والمالية والتجارية تضاهي باريس ولندن وروما. لكن المشكلة هي أن هذه النقلة الحضارية لم ترافقها نقلة حضارية في ما يتعلق بالحداثة الفكرية والثقافية، حيث بقيت الثقافات التقليدية البدوية المحلية والصحراوية تحتل مكان الأهمية والصدارة في الحياة الاجتماعية من دون تغيير يذكر. بل على خلاف ذلك كله فإن المؤشرات الثقافية تدل على أن حركة التجديد هذه قد أدت إلى تحديث القديم وتطويره من دون تغييره جذرياً، وما يراد بهذا القول أن ثمة قيماً تقليدية ممانعة وجدت نوعاً من التأصيل تحت ضغط مبررات أيديولوجية متعددة أبرزها قيم الانكفاء والانغلاق والعودة إلى النماذج الأصولية، فالخليج العربي يعيش حالة تناقض وانشطار وجودي كبير تتمثل في التصادم بين أحدث مظاهر الحياة الحضارية الغربية المتقدمة وبين ثقافات تقليدية ما قبل صناعية تحكمها الروح القبلية السابقة للحضارة بمعاييرها وقيمها وتجلياتها المختلفة، وهذا يعني وجود انشطار كبير بين روح الحضارة وكينونتها المادية. ومن الواضح أن هذا التناقض يمثل صورة المفارقة القائمة بين منتهى التقدم الحضاري ومبتداه، حيث يأخذ هذا التناقض في وجهه صورة ثقافة تقليدية من غير أسس مادية، كما يأخذ في وجهه الثاني صورة حضارة مادية من غير أسس ثقافية حداثية. وهذا التناقض المزدوج يولد بالضرورة مشاعر التناقض الكبير والتصادم الثقافي الذي يؤسس لأزمة هوية تتسم بالعمق والشمول.

فالإنسان في الخليج يعيش خصوصياته الثقافية التقليدية في الوقت الذي يرفل فيه بمعطيات الحضارة الغربية حتى الثمالة، فنحن كما يقول علي حرب (عرب أو مسلمون في ما يتصل بالمقدسات والمحرمات؛ لكننا غربيون في ما يتعلق باستيراد الأدوات والسلع والصور والمتع التي توفرها أجهزة الفيديو وأفلام (البورنو)… أي في كل ما يتصل بمادة الحياة وأسباب الحضارة). فثقافة الحداثة تركز على العقلانية والفردية والإيمان بالعلم والقيم الديمقراطية، أما ثقافتنا التقليدية فهي ثقافة ما قبل الحضارة الزراعية ثقافة البداوة وهي ثقافة جمعية عاطفية ترفض مبدأ الفردانية وتستمد نسغ وجودها من الإيمان بالأساطير والخرافات والقيم التقليدية التي لا تتوافق مع قيم الحضارة المادية الغربية.

لقد عبر الكاتب والمفكر الكويتي عبدالله النفيسي خير تعبير عن هذا الانشطار وتلك الإشكالية في طبيعة العلاقة بين الحداثة والتحديث بين النمو والتنمية حيث يقول (في القبيلة تسود قيم قد لا تتماشى مع كينونة الدولة وتراكيبها، فقيم الدخالة والعصبية والفزعة والنهوة والفخر والهجاء والطاعة والنصر والحماية والحلف وغيرها من قيم القبيلة لا يمكن أن تتحمل فكرة الدولة العصرية وتواجدها). وفي إشارة منه إلى واقع التطور في الكويت يرى النفيسي – وهذا الرأي يعود إلى مرحلة الثمانينات من القرن الماضي، لكنه برأينا ما زال يحمل دلالة معاصرة تشمل دول الخليج العربية برمتها ? أن بعض (بعض دول الخليج) ما زالت في طور الانتقال من كونها القبلي إلى كونها العصري في شكل الدولة. وحتى الآن لم تحقق (بعض هذه الدول) العبور الكامل من القبيلة إلى الدولة.

إنه لمن البساطة بمكان القول إن التنمية الحقيقية تقاس بمدى حضور القيم الثقافية التنموية في سلوك الناس ومدى تجليها في أنماط حياتهم ووجودهم، ووفقاً لهذا المعيار يمكن القول إن ثقافة التنمية لا تأخذ موقع الهيمنة في الحياة العامة للناس، فأنماط السلوك لا تزال تستمد وجودها من ثقافات تقليدية قبلية إثنية أو طائفية وإقليمية في غالب الأمر، ويتمثل ذلك في ضعف الولاء للدولة وقيمها بالمقارنة بقيم الولاء للطائفة والقبيلة وغيره من الولاءات الصغرى. وينبئنا واقع الحال أن التنمية لم تنجز بعد كثقافة حياة ووجود وبقيت تنمية تنظيمية للحياة مرهونة بمؤسسات الدولة وقوانينها وممارساتها اليومية.

وهذا يعني أن التنمية الحقيقية في الخليج العربي ما زالت في أمسّ الحاجة إلى دمج النبضة الوجدانية والروحية الحداثية في بنية الحياة المادية والاقتصادية، وباختصار يمكن القول هنا إن هذا الانشطار بين الحضارة المادية وروحها يشكل التحدي التاريخي الأول الذي يواجه عملية تنمية وطنية حقيقية متكاملة وشاملة، حيث تعمل هذه التناقضات الكبرى ما بين الثقافة التقليدية البدوية الشرقية والحضارة المادية الغربية على توليد مشاعر القلق والضياع والتوتر في العمق الإنساني للإحساس بالهوية والانتماء. وأخيراً فإن المصالحة بين روح الحضارة وجسدها تشكل اليوم أحد أكبر وأهم وأخطر التحديات التي تواجهها دول الخليج العربية، ولا تكون هذه المصالحة إلا بترسيخ ثقافة العقلانية والروح التنويرية التي يمكنها أن تشكل منطلق هذه المصالحة الحضارية مع الذات والوجود والهوية. وعلى هذا النحو فإن الخليج مطالب اليوم باستخدام الطاقة النقدية والعقلانية والديمقراطية، ومطالب أيضاً بتوظيف العلم والمعرف العلمية وكذلك بتوظيف كل القيم الإنسانية الخلاقة في مواجهة تحديات التنمية وغيرها من التحديات الكبرى للمحافظة على الهوية والكينونة والوجود وتحقيق تنمية شاملة متكاملة.

إن ثقافة التنمية تحتاج إلى (عقل منفتح غير متعصب، ونقدي يقبل الاختلاف وينتج الاختلاف، ويسعى إلى الاتفاق على أسس مقبولة عقلية وعقلانية، فنحن إذا محتاجون إلى تفتح فكري وروح نقدية، ومحتاجون أيضاً إلى فكر يحارب الإحباط الذي في أنفسنا أو الذي في نفوس بعضنا). إننا (بحاجة إلى التحديث وإلى الانخراط بعصر العلم والثقافة كفاعلين ومساهمين. لكننا بحاجة أيضاً إلى مقاومة ثقافة الاختراق وحماية هويتنا القومية وخصوصيتنا الثقافية من الانحلال والتلاشي تحت تأثير موجات الغزو الذي يمارس علينا وعلى العالم أجمع بوسائل العلم والثقافة. والوسيلة في كل ذلك واحدة هي اعتماد الإمكانات اللامحدودة التي توفرها العولمة نفسها، أعني الجوانب الإيجابية منها وفي مقدمتها العلم والتقانة).

ثقافة الانطلاق

لقد رسخ في مختلف التجارب التنموية أن رأس المال وحده لا يمكنه أن يكون كافياً في العملية التنموية أو حتى في عملية الإنتاج ذاتها، وبات واضحاً أن النشاط الذهني بمادته وقدراته المعلوماتية هو أساس الإنتاج في حين أصبح رأس المال مجرد عنصر من عناصره وهو بذلك فقد عنصر الأولوية الرئيسية كما كان الاعتقاد في العصر الصناعي. وقد كان للاقتصادي الإنكليزي آدم سميث فضل السبق على معاصريه في الإشارة إلى أهمية رأس المال البشري ودوره في الدخل الاقتصادي القومي، والذي سبق له القول إن الرجل المؤهل علمياً يمكن أن يقارن بإحدى الآلات المتطورة والحديثة والمكلفة في مجال الإنتاج والتوظيف والاستثمار. وهذا يعني أنه لا يمكننا أن نتحدث عن تنمية حقيقية من دون الاستثمار في مناجم العقول وبناء البشر، وهو ما لا يتم دون التطوير الجذري للتعليم كي يصبح تعليماً منتجاً للمعرفة ومنتجاً للثقافة، وكي يكون سلاح الأمة التي تواجه به كل تيارات الغزو الثقافي ومحاولات التغريب وطمس الهوية وهو صمام الأمان في أمنها الثقافي ومستقبلها.

إن أخطر ما يمكن أن يستقر في العقل العربي هو الاعتقاد بأن توفر المال والرجال يضمن في حد ذاته مستقبلاً مشرقاً للعالم العربي، وهذا يعني أن البلدان العربية في الخليج العربي وغيرها تحتاج إلى ترسيخ ثقافة تنموية جديدة تنهض بالإنسان والمجتمع ثقافة تنموية تقوم على أنقاض الثقافة التقليدية المناهضة للتقدم والتنمية وتتجاوزها. فكل النهضات الإنسانية المعروفة تاريخياً بدأت بنوع من الثورة إلإبيستيمولوجية التي غيرت من نظرة الإنسان إلى نفسه ومجتمعه وإلى العالم من حوله، سواء تحدثنا عن النهضة الإسلامية أو النهضة الأوروبية أو النهضة اليابانية، حيث ابتدأت هذه النهضات بثورة إبيستيمولوجية غيرت من العلاقة الذهنية بين الكائن والمحيط الذي يعيش فيه فكانت النهضة والإبداع والعقل الخطابي. ولم تتم نهضة في التاريخ إلا وكانت مسبوقة بثورة إبيستيمولوجية غيرت من نسق القيم والمفاهيم والتصورات السائدة في هذه المرحلة أو في ذلك المجتمع.

وهذا هو حال الثورة الثقافية التي شهدتها الصين في عصر ماوتسي تونغ في السبعينات من القرن الماضي، أي عندما أعلن ماوتسي الثورة على الثقافة التقليدية القديمة الممانعة لنهضة الصين وحركتها، ومن أجل ذلك رسم خريطة ثقافية جديدة تتعلق بالعمل والجد والنظام والقيم والعمل اليدوي وترفض قيم الاتكالية والهزيمة والكسل والقداسة والخرافة والسحر والشعوذة من أجل بناء ثقافة تنموية كبرى تمهد لعملية النهضة الحضارية الشاملة. وهذا هو حال الصين اليوم أمة تفوق الأمم في مدى قوتها وحضارتها وعظمتها.

ونحن في الخليج اليوم في أشد الحاجة لثورة ثقافية جديدة من أجل بناء ثقافة تنموية تنطلق بنا جميعاً إلى مشهد حضاري إنساني يسمو بالأفراد والمجتمعات إلى آفاق حضارية إنسانية جديدة.

وهنا ومن أجل بناء ثقافة الحضارة والانطلاق يمكن (للتعليم أن يلعب دوراً كبيراً في تصحيح الخلل الذي يعانيه نسق القيم الراهن من أجل إرساء قيم تنموية واتجاهات مجتمعية تساعد المنطقة على مواجهة التحدي الذي أفرزه تصدع قيم العمل والإنتاج وانفكاك الارتباط بين الحوافز والإنتاج، والجهد والإنتاجية، وتراجع القيم المعنوية والمجتمعية لصالح القيم المادية والفردية والأنانية ولا سيما نمط الإنتاج التفاخري الراهن.

إن تغيير الذهنية لا يمكنه أن يكون تحولاً شكلياً يتم من الخارج، بل هو حالة تغير ذاتي في الجسد الاجتماعي الذي يغير تدريجياً طريقة عمله. وهذا يعني أن إحداث التحول في داخل الذهنية لا يمكنه أن يكون تحولاً في الثقافة بل هو تحول في داخل الثقافة نفسها. ومن أجل ذلك يجب البحث في الجذور الثقافية عن مفاتيح التغير في الذهنية، حيث إن تغيير الذهنية يعني تنشيط منطق ثقافي مضمر من أجل تعزيز طرق جديدة في التفكير عن طريق القيم والمشاعر.

إن الثقافة التي تقتضيها هذه المرحلة التاريخية هي الثقافة العلمية، ثقافة الانطلاق التي ترتكز على العقل والتجربة والحرية والقيم الإنسانية الخلاقة، إنها الثقافة التي تنطوي على قيم الحق والخير والعدالة والحرية، ثقافة الإيمان بقيمة العمل والإبداع والمغامرة، ثقافة الرفض لكافة مظاهر الترف والإسراف والمباهاة والاستهلاك والتملك والتزلف والتصنع والاستكبار والغش والخداع والواسطة والمحسوبية والفساد والمفاخرة والاعتزاز والفزعة والتعصب والانكسار واحتقار المرأة والمتعة، إنها ثقافة المواطنة والإيمان بالوطن، ثقافة العدالة والتضحية والمعرفة والإيمان بالعلم رفضاً للخرافات والسحر، إنها باختصار ثقافة النهضة بل ثقافة الانطلاق في مواجهة ثقافة الممانعة والجمود والانغلاق.

إن تنمية حقيقية في الخليج العربي يجب أن تأخذ اليوم توجهات ثقافية بالدرجة الأولى، فلقد حققت هذه الدول انتصارات هائلة في مجال تراكم الثروة والمال، وانعكس ذلك على مختلف مظاهر الحياة في الصحة والدخل والتعليم والخدمات، ولم يبق أما شعوب الخليج العربي غير التنمية الثقافية، وهي تنمية في البشر والإنسان، وهذه هي التنمية التي تشكل أسّ الحضارة الحقيقية ومنطلقها، وهذا كله لا يتحقق إلا بإرساء قيم العدالة والحق والخير والحرية والمساواة والإيمان بالقيم الإنسانية الخلاقة كلها، فالتنمية الحقيقية تحتاج اليوم إلى تثوير العادات والتقاليد لتنسجم مع معطيات التنمية ومتطلبات الحضارات ودواعي التقدم الإنساني، وهذا يتطلب بالضرورة رفض منطق التعصب والتحزب والمباهاة والإسراف والبذخ والتبذير والتبديد واللامبالاة. إذ لا بد من تنمية الإحساس بالمسؤولية والإيمان بالوطن فوق كل الانتماءات، وبناء الإنسان على قيم التسامح والمواطنة، ورفض الطائفية والعشائرية والانتماءات الصغرى، والإيمان بقيمة العمل اليدوي والفكري والإنساني، والنظر إلى الكون بعقلانية راسخة وإيمان عظيم، وتلك هي صورة عامة لثورة ثقافية تنموية خلاقة تقتلع أورام التخلف، وتطهر الثقافة الوطنية من أعشاب الثقافة المرضية التي تثقل على الحياة والوجود في خليجنا العربي الأصيل.

::/fulltext::
::cck::1186::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *