التحديات التي تواجه الاقتصاد والتنمية في العراق
::cck::1188::/cck::
::introtext::
إن أي استراتيجية للخروج من الوضع الاقتصادي الراهن المتأزم في العراق ينبغي أن تركز على تحقيق هدف الاستقرار الاقتصادي، وتزداد أهمية هذا الهدف إلحاحاً، في ظل الأحادية الشديدة التي أخذ يتجه إليها الاقتصاد العراقي، بعد أن أخذت إيرادات النفط وما تتركه من صدمات عرض خارجية سالبة أو موجبة تشكل مركز الثقل في تقرير حالة الاستقرار الاقتصادي الداخلي والخارجي، على أن تعمل تلك الاستراتيجية، في الوقت نفسه على نقل الاقتصاد العراقي من مرحلة الاقتصاد السلطوي الشمولي إلى اقتصاد يقوم على نظام المنافسة والكفاءة والسوق الحرة.
::/introtext::
::fulltext::
إن أي استراتيجية للخروج من الوضع الاقتصادي الراهن المتأزم في العراق ينبغي أن تركز على تحقيق هدف الاستقرار الاقتصادي، وتزداد أهمية هذا الهدف إلحاحاً، في ظل الأحادية الشديدة التي أخذ يتجه إليها الاقتصاد العراقي، بعد أن أخذت إيرادات النفط وما تتركه من صدمات عرض خارجية سالبة أو موجبة تشكل مركز الثقل في تقرير حالة الاستقرار الاقتصادي الداخلي والخارجي، على أن تعمل تلك الاستراتيجية، في الوقت نفسه على نقل الاقتصاد العراقي من مرحلة الاقتصاد السلطوي الشمولي إلى اقتصاد يقوم على نظام المنافسة والكفاءة والسوق الحرة.
يستلزم تحقيق تلك الأهداف وضع الآليات الكفيلة بتصحيح المسار الحالي للتنمية، بتبني استراتيجية للتنمية تضمن الوصول إلى تحقيق الكفاءة في استخدام الإيرادات النفطية، وتعظيم الانتفاع منها، بتوجيهها نحو تمويل الاستثمار في رأس المال الإنتاجي المباشر والاستثمار في رأس المال الاجتماعي، للوصول إلى تحقيق هدف التنويع الإنتاجي من جانب، وتهيئة المناخ الاستثماري الملائم، والكفيل بجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتعزيز حالة التنافس بين القطاعين العام والخاص وعلى أساس اعتبارات الكفاءة الإنتاجية والخضوع لقوى السوق.
على الرغم من أن تلك التوجهات لم تغب عن بال صانع القرار التنموي بعد عملية التغيير، التي جرت في العراق في عام 2003 إلا أن عملية تنفيذ تلك التوجهات على أرض الواقع اصطدمت بنوعين من التحديات، الأول هو التحديات الموروثة عن الحقب والمراحل السابقة. والثاني هو التحديات الجديدة أو البازغة وهي مجموعة التحديات التي طفت على سطح المشهد الاقتصادي والسياسي بقوة بعد 2003. وتهدف هذه الورقة إلى تشخيص طبيعة التحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي، وتحديد الآليات والسبل الكفيلة بمواجهة تلك التحديات.
أولاً: التحديات الموروثة
تشمل مجموعة التحديات والخصائص الهيكلية الاقتصادية المرتبطة بالاقتصاد العراقي كاقتصاد نفطي شبه ريعي، وحالة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، ومن أبرز تلك التحديات:
1- الاختلالات الهيكلية
تشمل مجموعة الاختلالات، المرتبطة بهيكل الاقتصاد العراقي كاقتصاد شديد الأحادية تشكل فيه إيرادات النفط مركز الثقل في حركتي الموازنتين الداخلية والخارجية، ناجمة عن هيمنة قطاع النفط الخام على المساهمة الرئيسية في الناتج المحلي الإجمالي وعلى المتغيرات الاقتصادية الكلية الأخرى وعلى حساب التخلف النسبي لبقية القطاعات الإنتاجية وبخاصة الزراعة والصناعة التحويلية، وتفاقمت تلك التحديات بعد الزيادة الهائلة التي حدثت في إيرادات النفط وما تبعها من إفراط في إنتاج النفط، واستغلال جائر لإيرادات النفط لخدمة الأغراض الأمنية والعسكرية، من دون أن يرافق ذلك سعي جاد لتوظيف تلك الموارد في توسيع الاستثمار الإنتاجي وتوسيع الطاقات الإنتاجية غير النفطية والاستثمارات التنموية المادية والبشرية الأخرى، الأمر الذي قلل من فرص التنويع الإنتاجي وعمّق من ظواهر الاختلالات الهيكلية، وقد تعمقت تلك الاختلالات، بعد فرض العقوبات الدولية في إعقاب غزو الكويت في 1990. ومنذ ذلك الحين دخل الاقتصاد العراقي في حالة من الركود التضخمي طويل الآجل، وتفاقمت تلك الأزمة البنيوية الحادة بعد الحرب المدمرة في 1991 التي ألحقت أفدح الإضرار بالبنية التحتية والإنتاجية واستمرت تلك الأزمة بالتفاقم، بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003.
2- عدم الاستقرار السياسي
إن تاريخ العراق هو عبارة عن سلسلة طويلة من الانقلابات والانقلابات المضادة والغزو الأجنبي، مما جعل معظم التغيرات في الحكومة والقيادة، تكون على شكل صدمات عنيفة ومفاجئة، وحرم ذلك عملية التنمية من حالة الاستقرار والاستمرار الضرورية، ونجم عن ذلك فشل المخططين والمنفذين في إنفاق الأموال المخصصة في برامج خطط التنمية وفي كافة قطاعات الخطة، وفق معيار كفاءة الأداء، أو كفاءة الإنفاق.
وعلى الرغم من الآمال التي عقدت على عملية التغيير السياسي في 2003 باعتبارها مدخلاً لإنهاء الصراع السياسي والاجتماعي على السلطة وتكريس مبدأ التداول السلمي للسلطة، إلا أن تلك العملية جاءت بنتائج متواضعة إلى حد الآن. فضعف دور الأحزاب منظمات المجتمع المدني جعل القوى الفاعلة في العملية السياسية هي الطوائف والمكونات القومية وليس الأحزاب المدنية والديمقراطية، وجعل هذا الوضع الأولوية في اختيار الوزراء وموظفي الدولة الكبار تجري وفق اعتبارات المحاصصة السياسية والموازنات الطائفية، وعلى حساب التخصص الأكاديمي والكفاءة والنزاهة، وشكل هذا العامل تحدياً خطيراً أسهم في تعميق حالة الصراع والعنف وتعطيل عملية التنمية وإعادة الإعمار.
3- تبعية الإنفاق الاستثماري لظروف الموازنة العامة
ربطت جميع الحكومات المتعاقبة، وبصرف النظر عن ميولها الإيديولوجية، إنفاقها الاستثماري بالزيادة في الإيرادات النفطية من دون مراعاة حدود الطاقة الاستيعابية للاقتصاد، أو مدى توفر المتطلبات التكنولوجية والبشرية المتخصصة، هذا الأمر جعل التخصيصات الاستثمارية الموجهة نحو جميع الأنشطة الاقتصادية، متغيراً تابعاً لظروف الموازنة العامة التي هي بدورها متغير تابع لإيرادات النفط، فعند ارتفاع نسب العجز في موازنة الحكومة، نتيجة لتراجع إيرادات النفط يتم التركيز على تغطية تلبية متطلبات الشق الجاري من الأنفاق والتضحية بالشق الاستثماري، وهذا ما يحصل عادة في معظم مراحل التنمية في العراق، إذ تؤكد تجربة العراق التنموية من الخمسينات إلى حد الآن على فشل الحكومات المتعاقبة في توظيف الإيرادات المتحققة في توسيع الاستثمار الإنتاجي وتوسيع الطاقات الإنتاجية غير النفطية وتهيئة المقدمات الضرورية للتهيئة لانطلاق الاقتصاد العراقي، كنتيجة لتبنيها سياسة الاندفاع نحو تحقيق أقصى قدر من إيرادات النفط من دون رؤية وطنية واضحة، واستراتيجية اقتصادية محددة، لذا فهي أخفقت في تحقيق هدف التخصيص الرشيد للإيرادات النفطية في المصادرالنفطية المتاحة الكفيل بتحقيق هف تحقيق التنويع وزيادة فرص التشغيل، وتقليل الاعتماد على إيرادات النفط.
4- فشل السياسات الاقتصادية
تكشف المراجعة المتفحصة للسياسات الاقتصادية في العراق عن الدور الخطير لتلك السياسات سواء في جانبها المالي أو النقدي أو التجاري أو الصناعي أو الزراعي أو غيرها من السياسات في ظاهرة سوء استخدام إيرادات النفط في العراق، وما ترتب عليها من تدهور في مستويات الإنتاج والإنتاجية في مختلف الأنشطة الاقتصادية وضعف مستوى التنويع الاقتصادي، وتعميق مظاهر الاختلال والتشوه في الاقتصاد العراقي، التي كان من أبرزها التشوه في الهيكل الاقتصادي نتيجة لهيمنة القطاع النفطي وتراجع القطاعات السلعية وفي مقدمتها القطاع الصناعي والزراعي وقطاع الكهرباء والمياه وتنامي القطاعات الطفيلية، فضلاً عن التشوه في سعر صرف الدينار، والتشوه في نظام الضرائب، والتشوه في الأسعار، التشوه في هيكل أسعار الفائدة، والتشوه الناتج عن عدم التنسيق بين السياسات الاقتصادية الكلية، وتشوهات في توزيع الدخل والثروة. فقد فشلت معظم إجراءات السياسات الاقتصادية في العراق سواء في جانبها المالي أو النقدي أو التجاري أو الصناعي أو الزراعي أو غيرها من السياسات وكان من أبرز ملامح هذا الفشل:
أ- فشل سياسة التنمية الزراعية الذي عكسه التراجع المستمر في مساهمة قطاع الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي وهبوط الإنتاجية الزراعية وأدى ذلك إلى تحول العراق إلى بلد مستورد لها.
ب- فشل سياسة التنمية الصناعية الذي عكسه التراجع المستمر في مساهمة قطاع الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي وفي التشغيل، فضلاً عن الفشل في بناء الهيكل الصناعي، فما زال هذا الهيكل بدائياً يعتمد على مجموعة من الصناعات المعوضة عن الاستيراد والتي تتميز بكثافة مدخلاتها الإنتاجية المستوردة، التي لا تقوى على البقاء إلا في ظل الحماية والدعم الحكوميين إلى جانب مجموعة من الصناعة الصغيرة والحرفية.
ج- تشوه عمل آليات السوق الحرة كنتيجة للتشوه في سعر صرف الدينار، وفي أسعار السلع والخدمات، وأسعار الفائدة، والتشوه في نظام الضرائب، والتشوهات في نظام توزيع الدخل والثروة، فضلاً عن التشوهات الناجمة عن ضعف التنسيق بين السياسات الاقتصادية.
ثانياً-التحديات البازغة
هي مجموعة التحديات التي طفت على سطح المشهد السياسي والاقتصادي العراقي بعد عملية التغيير في 2003
1- التحدي الأمني
ارتبط هذا التحدي بانهيار مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية وتراجع دور النظام القانوني بعد انهيار الحكومة بكافة مؤسساتها وتحول العراق إلى دولة محتلة في عام 2003، وما رافق عملية الاحتلال من فوضى في إدارة مؤسسات الدولة، وما رافق ذلك من فشل في حماية حدود العراق الممتدة قرابة (3650) كيلومتراً مع كل من إيران والسعودية وسوريا وتركيا والكويت والأردن، وهيأت تلك الظروف المناخ المناسب لظهور حركات التمرد والإرهاب والمقاومة بمختلف صنوفها ومسمياتها، وسمحت باستمرار تدفق الإرهابيين ووصول المساعدات المالية والعسكرية إليهم عبر دول الجوار، ومما زاد من المشهد الأمني تعقيداً بروز ظاهرة المحاصصة والاستقطاب الطائفي وممارسات التمييز والتنازع على السلطة التي هيمنت على المشهد السياسي بعد 2003. وقد ألحقت كل تلك التطورات أفدح الأضرار بالبنية التحتية والإنتاجية، فضلاً عن الاستهداف المباشر لحياة المواطنين العزل. ومن الطبيعي أن يقود استمرار هذا التحدي اليومي إلى منح الأولوية في التخصيصات للجانب الأمني وعلى حساب عملية إعادة الإعمار والتنمية، ومع ذلك وبعد أكثر من سبع سنوات من التجربة الصعبة والباهظة التكاليف، مازال الملف الأمني يشكل تحدياً خطيراً يواجه عملية التنمية والانتقال في العراق في ظل استمرار الصعوبات التي تواجه عمليات وفرض القانون والنظام العام والعدالة بين المواطنين.
2- تحدي البطالة
يعود تحدي البطالة إلى توقف معظم الأنشطة الإنتاجية والخدمية باستثناء أنشطة الإدارة العامة للدولة والأجهزة الأمنية كالجيش والشرطة بالإضافة الى أنشطة التجارة والبناء والتشييد، ولم تبرز ظاهرة البطالة بوضوح خلال عقد الثمانينات والتسعينات بسبب ظروف التعبئة العسكرية العامة التي شملت معظم الأفراد النشطين اقتصادياً، إلا أن تلك الظاهرة استفحلت بوضوح وشكلت تحدياً خطيراً بعد سقوط النظام في إبريل 2003، وبعد أن اتخذت إدارة الاحتلال الإجراءات بحل الجيش السابق وتسريح مئات الآلاف من المتطوعين والمكلفين في الجيش والشرطة وقوى الأمن الداخلي، فضلاً عن توقف العمل بقانون الخدمة الإلزامية، وتفاقمت تلك الأزمة نتيجة لاستمرار تدهور الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي وعدم اتخاذ الإجراءات السريعة للبدء بتعمير البنية الأساسية، وتأهيل الصناعات الرئيسية (المخربة)، وخاصة منها طاقات إنتاج الكهرباء ومياه الشرب، وتقديم الخدمات العامة. وبفعل تراكم تلك الأخطاء والإخفاقات أصبح أكثر من نصف شباب المدن العراقية عاطلين عن العمل، في حين لا تتجاوز مشاركة المرأة في القوة العاملة 19 في المائة، وهذه البطالة في معظمها بطالة هيكلية ناجمة عن توقف قطاعات الإنتاج الرئيسية وبخاصة قطاع الزراعة والصناعة التحويلية ومعظم الأنشطة الخدمية.
3- تحدي الفقر
تعد ظاهرة الفقر اليوم من المعضلات الرئيسة التي تواجه عملية التنمية بعد أن وصلت نسبتها إلى أكثر من (50 في المائة) من السكان، ويعود ارتفاع هذه النسبة الى ارتفاع معدلات البطالة واستمرار التحدي الأمني وركود النشاط الاقتصادي، وعدم حصول تحسن واضح في مستوى دخول الطبقة المتوسطة، كما أدى الارتفاع في معدلات التضخم وبخاصة الارتفاع في أسعار المشتقات الى تخفيض مستوى الدخول الحقيقية على الرغم من الزيادات المستمرة في الدخول النقدية، ووفر هذا الوضع مجالاً رحباً لتوريط الكثير من سكان الأحياء الفقيرة في الأعمال الإرهابية أو دفعهم إلى الانضمام الى الميليشيات المسلحة، كما أدى إلى ارتفاع معدلات جرائم السرقة والاختطاف والمظاهر الأخرى التي شوهت صورة المشهد الاجتماعي في العراق.
4- تحدي الفساد
شكل استفحال ظاهرة الفساد بعد عملية التغيير في 2003 أحد التحديات الرئيسة التي واجهت عملية الانتقال في العراق، فقد أدى انهيار مؤسسات الدولة القانونية والفوضى التي رافقت إدارة الاحتلال، وحالة الانفتاح العام، وتدفق الأموال من الخارج، ودخول شركات أجنبية في تنفيذ مشاريع الإعمار، وتعدد مصادر الصلاحيات الاقتصادية المتعلقة بإعادة الإعمار، إلى تهيئة الظروف المناسبة لممارسة الفساد على نطاق واسع، ولم تعد ممارسة الفساد حكراً على وزراء الدولة وموظفيها الكبار، بل أخذت تمتد إلى مختلف أركان الجهاز الإداري والقضائي والتعليمي والمؤسسات الإنتاجية والإنشائية والخدمية في بغداد والمحافظات الأخرى كما أدت ظاهرة الحزبية إلى سيطرة عدد من الانتهازيين المنَظمين، الذين حولوا الفساد المالي والإداري إلى ظاهرة أخطر من الإرهاب في تأثيراتها السلبية على الدولة والمجتمع، وبفعل هذه التطورات أخذ العراق يحتل المراتب الأولى في الفساد في تقارير منظمة الشفافية الدولية.
5 ? تحدي الخصخصة والتحول نحو اقتصاد السوق
أثبتت تجربة الإخفاق التنموي في العراق خلال العقود السابقة أن هيمنة مؤسسات القطاع العام ومركزية التخطيط الاقتصادي والمركزية الشديدة في عمليات صنع القرار، قادت إلى تبديد الموارد النفطية على الحروب والمغامرات.
من هنا، فإن العراق بحاجة إلى تنشيط دور القطاع الخاص المحلي والأجنبي، ونقل الاقتصاد العراقي من حالة المركزية الشديدة إلى اقتصاد يقوم على نظام المنافسة والكفاءة والسوق الحرة.
ويواجه تحقيق هذا الهدف عدداً من التحديات والعوامل الموضوعية من أبرزها:
أ- صعوبة التخلي عن حالة احتكار الحكومة لموارد النفط والغاز الآن وفي المستقبل، إذ لا يمكن خصخصة الثروات السيادية من هذا النوع، كما أنه من غير المنطقي الاعتماد على التمويل الخارجي لكافة مهام تطوير هذا القطاع.
ب- صعوبة التخلي عن الحوافز الصناعية المقدمة لمصانع القطاع العام- التي تقدم على شكل قروض ميسرة، أو أراض صناعية بإيجارات رمزية، وتوفير الطاقة الكهربائية والوقود والمياه بأسعار مدعومة والإعفاء من الضرائب والجمارك – في ظل الظروف الصعبة التي يواجهها القطاع الصناعي حالياً كسبيل وحيد لإعادة النهوض به مجدداً، لكن من ناحية ثانية فإن هذه الحوافز تسهم في تشويه نظام الأسعار، وتكرس حالة الاختلال في الهيكل الإنتاجي لقطاع الصناعة لصالح الأنشطة الاستهلاكية المعوضة عن الاستيراد وعلى حساب تخلف الأنشطة التصديرية والأنشطة الوسيطة والإنتاجية.
ج- صعوبة التخلي عن دعم القطاع الزراعي، فمستقبل هذا القطاع سيبقى معتمداً أساساً على الجهد الحكومي لحاجة هذا القطاع إلى إقامة العديد من السدود والخزانات وإنشاء وتطوير شبكات الإرواء.
د- صعوبة التخلي عن دعم قطاع الكهرباء لحاجة هذا القطاع الى استثمارات ضخمة من الصعب أن يضطلع بها القطاع الخاص المحلي أو الأجنبي بمفرده.
هـ- الحاجة إلى إطار تشريعي يسمح بتوسيع مشاركة الأجانب في عملية الاستثمار والدخول في النشاط الاقتصادي والتنافس في السوق المحلية.
و- الحاجة إلى زيادة مستوى الشفافية، وتوفير المعلومات والبيانات.
ز- الحاجة إلى إطار تشريعي يضمن حماية حقوق الملكية والاختراع.
ح- تغليب الهاجس الأمني على الاعتبارات الاقتصادية يدفع باتجاه احتكار النشاط الاقتصادي الخاص من قبل مجموعة من رجال الأعمال المقربين من السلطة.
5 ? تحدي الدولة الرخوة
عمت معظم أجهزة الدولة في العراق بعد عملية التغيير في 2003، حالة من الفوضى الإدارية، أسهمت في تكريسها الفوضى التي رافقت إدارة الاحتلال، ثم عززها الضعف في مستوى كفاءة الوزارات والأجهزة الحكومية الوطنية التي توالت على الحكم بعد 2004، فمعظم هذه الأجهزة انبثقت من عمليات المحاصصة وما تطلبته من تغليب للاعتبارات الطائفية على حساب اعتبارات التخصص الأكاديمي والكفاءة والنزاهة، وكانت النتيجة حرمان الكوادر والكفاءات الفنية والتنظيمية والإدارية المتقدمة من فرصة تولي تلك المناصب، وقادت تلك التطورات إلى تكريس ظاهرة الدولة الرخوة، وهي الظاهرة التي تتولد عن ترهل جهاز الدولة الإداري لعجزه عن القيام باختصاصاته ومهامه الرئيسية ووقوعه فريسة لعدم الكفاءة، وانتشار الفساد والمحسوبية، وانصراف موظفي الدولة للتكسب من الوظيفة العامة، والخضوع لأصحاب النفوذ، وانعدام الرؤية الإصلاحية والتخطيط المحكم والرقابة الفاعلة، وعندما تكون النسبة العظمى للثروة ذات طابع ريعي أو طفيلي أو غير إنتاجي، فمن الطبيعي أن يشكل هذا النمط للدولة الرخوة عائقاً حقيقياً أمام جهود التقدم والتنمية، ولذلك يتعين اتخاذ خطوات إصلاحية شجاعة لتغييرها عن طريق تقليص حجمها وتخليصها من مهامها ووظائفها غير الجوهرية، وتركيزها على رسالتها الحقيقية ورفع كفاءة القائمين عليها وحسن اختيارهم وإنفاذ القوانين بكل صرامة وعدالة، ومحاربة الفساد صغيراً أو كبيراً. ومن أبرز العوامل التي أسهمت في تكريس ظاهرة الدولة الرخوة في العراق:
أ- الفشل في تحديد الأولويات بالشكل الصحيح: فلا تزال الأولوية في اختيار الوزراء وكبار موظفي الدولة تتم على أساس الاعتبارات السياسية واعتبارات المحاصصة السياسية والموازنات الطائفية، وعلى حساب التخصص الأكاديمي والكفاءة والنزاهة، مما أدى الى تكوين كوادر وأطر إدارية عاجزة عن القيام بمهامها بالشكل الصحيح.
ب- ضعف مستويات التدريب الفعّال للقيادات الإدارية التي تتولى مهمة تنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والتنمية الإدارية سواء أكان ذلك من حيث الكم أم الكيف، فمن حيث الكم لا يزال عدد مؤسسات التدريب الإداري محدوداً بدرجة كبيرة.
ج- عدم استقرار الجهاز الإداري وتعرضه للكثير من التقلبات غير المدروسة وغير المبررة على أسسٍ موضوعية تراعي مصلحة الجهاز الإداري، فكثيراً ما تلغى وزارات أو مؤسسات أو يعاد إنشاؤها من دون أن يكون هناك سبب منطقي لذلك.
د- التغيرات السريعة السياسية التي شهدها العراق مؤخراً أفقدت الجهاز الإداري توازنه، وجعلته غير قادر على إنجاز أي تطور في المجال الإداري، حيث الحكومة تلعب عادة ما يعرف بالأثر المغناطيسي؛ فينجذب الجهاز الإداري وراء سياساتها، حتى إن كانت تلك السياسات غير صالحة من المنطلق الإداري، ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الوضع المربك إلى عدم التركيز على برامج التنمية الاقتصادية والتنمية الإدارية، وبالتالي انخفاض كفاءة الأداء التنموي والإداري.
هـ- عدم وجود رؤية استراتيجية تشمل منظومة الأهداف والغايات والرؤى الإدارية الاستراتيجية لمعالجة حالة التخلف الإداري؛ فعدم وجود هذه الرؤية دفع الى التركيز على المعالجات الآنية، وعدم الإحاطة بأبعاد المشكلات الاقتصادية والإدارية والقانونية.
و -عدم وجود الدافعية لدى المشاركين في تشريع وتنفيذ برامج التنمية، وخاصة القياديين، وهذه الدافعية تتطلب وجود قناعة وإيمان لدى المشتركين في العملية السياسية، ليتمكنوا من دعم برامج الحكومة، والدفاع عنها وشرحها للآخرين وتطبيقها، وهذا الوضع ?للأسف- غير متحقق إلى حد الآن لدى جزء مهم من المشاركين في العملية السياسية، وساهم ذلك في تعثر العملية السياسية وتدهور الوضع الأمني فضلاً عن توقف عملية التنمية وبطء عملية إعادة الإعمار.
ز- عدم توفر عنصر الثقة بالنفس لدى المشاركين في العملية السياسية أثر في قابليتهم على تنفيذ ما أوكل إليهم من برامج، ويعد عنصر الخبرة والتدريب أساساً قوياً لبناء مثل هذه الثقة.
إن أي برنامج اقتصادي بعيد المدى يستهدف تحقيق عملية الانتقال في الاقتصاد العراقي، ينبغي أن ينطلق من التشخيص الدقيق للتحديات والعوامل التي أسهمت في استمرار المأزق التنموي، ويمكن أن تشكل التطورات الأخيرة وفي مقدمتها إنهاء حالة الاحتلال العسكري للمدن العراقية، والتحسن النسبي في الوضع الأمني، وإنجاز الانتخابات 2010، مدخلاً مناسباً لتحقيق هذا البرنامج، الذي ينبغي أن يركز على النقاط الآتية:
1- زيادة مساهمة الاستثمار الوطني والأجنبي في الناتج غير النفطي لرفع مساهمته في الناتج المحلي وفي الموازنة العامة.
2- ضمان التحول التدريجي إلى اقتصاد مؤسسي يخضع لشروط السوق الحرة.
3- اتخاذ الإجراءات الكفيلة بزيادة صادرات العراق السلعية الصناعية والزراعية وتقليص الواردات
4- تطبيق مكثف لبرامج التنمية البشرية وبرامج إعادة تأهيل المهارات وتحسين الإنتاجية.
5- تخصيص الإيرادات النفطية لتمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات الاجتماعية الأساسية والمرافق العامة
وإدخال التكنولوجيا المتقدمة في مجالات الإنتاج والاتصالات والمعلومات.
6- توفير بيئة اقتصادية مناسبة تعزز حالة التنافس بين القطاعين العام والخاص على أساس اعتبارات الكفاءة الإنتاجية والخضوع لقوى السوق، ومنح القطاع الخاص الفرصة الكاملة للقيام بدوره في عملية التنمية.
7- إعادة توزيع القوى العاملة على الأنشطة الاقتصادية بما يكفل زيادة مستويات الكفاءة الإنتاجية للعاملين.
8- تعزيز سلطة النظام والقانون.
9- اتخاذ خطوات جادة وفاعلة لمكافحة الفساد الإداري والمالي.
10- تفعيل دور التنظيمات والأحزاب والشخصيات الديمقراطية صاحبة المصلحة الحقيقية في العراق الديمقراطي.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1188::/cck::
::introtext::
إن أي استراتيجية للخروج من الوضع الاقتصادي الراهن المتأزم في العراق ينبغي أن تركز على تحقيق هدف الاستقرار الاقتصادي، وتزداد أهمية هذا الهدف إلحاحاً، في ظل الأحادية الشديدة التي أخذ يتجه إليها الاقتصاد العراقي، بعد أن أخذت إيرادات النفط وما تتركه من صدمات عرض خارجية سالبة أو موجبة تشكل مركز الثقل في تقرير حالة الاستقرار الاقتصادي الداخلي والخارجي، على أن تعمل تلك الاستراتيجية، في الوقت نفسه على نقل الاقتصاد العراقي من مرحلة الاقتصاد السلطوي الشمولي إلى اقتصاد يقوم على نظام المنافسة والكفاءة والسوق الحرة.
::/introtext::
::fulltext::
إن أي استراتيجية للخروج من الوضع الاقتصادي الراهن المتأزم في العراق ينبغي أن تركز على تحقيق هدف الاستقرار الاقتصادي، وتزداد أهمية هذا الهدف إلحاحاً، في ظل الأحادية الشديدة التي أخذ يتجه إليها الاقتصاد العراقي، بعد أن أخذت إيرادات النفط وما تتركه من صدمات عرض خارجية سالبة أو موجبة تشكل مركز الثقل في تقرير حالة الاستقرار الاقتصادي الداخلي والخارجي، على أن تعمل تلك الاستراتيجية، في الوقت نفسه على نقل الاقتصاد العراقي من مرحلة الاقتصاد السلطوي الشمولي إلى اقتصاد يقوم على نظام المنافسة والكفاءة والسوق الحرة.
يستلزم تحقيق تلك الأهداف وضع الآليات الكفيلة بتصحيح المسار الحالي للتنمية، بتبني استراتيجية للتنمية تضمن الوصول إلى تحقيق الكفاءة في استخدام الإيرادات النفطية، وتعظيم الانتفاع منها، بتوجيهها نحو تمويل الاستثمار في رأس المال الإنتاجي المباشر والاستثمار في رأس المال الاجتماعي، للوصول إلى تحقيق هدف التنويع الإنتاجي من جانب، وتهيئة المناخ الاستثماري الملائم، والكفيل بجذب الاستثمار الأجنبي المباشر وتعزيز حالة التنافس بين القطاعين العام والخاص وعلى أساس اعتبارات الكفاءة الإنتاجية والخضوع لقوى السوق.
على الرغم من أن تلك التوجهات لم تغب عن بال صانع القرار التنموي بعد عملية التغيير، التي جرت في العراق في عام 2003 إلا أن عملية تنفيذ تلك التوجهات على أرض الواقع اصطدمت بنوعين من التحديات، الأول هو التحديات الموروثة عن الحقب والمراحل السابقة. والثاني هو التحديات الجديدة أو البازغة وهي مجموعة التحديات التي طفت على سطح المشهد الاقتصادي والسياسي بقوة بعد 2003. وتهدف هذه الورقة إلى تشخيص طبيعة التحديات التي تواجه الاقتصاد العراقي، وتحديد الآليات والسبل الكفيلة بمواجهة تلك التحديات.
أولاً: التحديات الموروثة
تشمل مجموعة التحديات والخصائص الهيكلية الاقتصادية المرتبطة بالاقتصاد العراقي كاقتصاد نفطي شبه ريعي، وحالة عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي، ومن أبرز تلك التحديات:
1- الاختلالات الهيكلية
تشمل مجموعة الاختلالات، المرتبطة بهيكل الاقتصاد العراقي كاقتصاد شديد الأحادية تشكل فيه إيرادات النفط مركز الثقل في حركتي الموازنتين الداخلية والخارجية، ناجمة عن هيمنة قطاع النفط الخام على المساهمة الرئيسية في الناتج المحلي الإجمالي وعلى المتغيرات الاقتصادية الكلية الأخرى وعلى حساب التخلف النسبي لبقية القطاعات الإنتاجية وبخاصة الزراعة والصناعة التحويلية، وتفاقمت تلك التحديات بعد الزيادة الهائلة التي حدثت في إيرادات النفط وما تبعها من إفراط في إنتاج النفط، واستغلال جائر لإيرادات النفط لخدمة الأغراض الأمنية والعسكرية، من دون أن يرافق ذلك سعي جاد لتوظيف تلك الموارد في توسيع الاستثمار الإنتاجي وتوسيع الطاقات الإنتاجية غير النفطية والاستثمارات التنموية المادية والبشرية الأخرى، الأمر الذي قلل من فرص التنويع الإنتاجي وعمّق من ظواهر الاختلالات الهيكلية، وقد تعمقت تلك الاختلالات، بعد فرض العقوبات الدولية في إعقاب غزو الكويت في 1990. ومنذ ذلك الحين دخل الاقتصاد العراقي في حالة من الركود التضخمي طويل الآجل، وتفاقمت تلك الأزمة البنيوية الحادة بعد الحرب المدمرة في 1991 التي ألحقت أفدح الإضرار بالبنية التحتية والإنتاجية واستمرت تلك الأزمة بالتفاقم، بعد الاحتلال الأمريكي للعراق في عام 2003.
2- عدم الاستقرار السياسي
إن تاريخ العراق هو عبارة عن سلسلة طويلة من الانقلابات والانقلابات المضادة والغزو الأجنبي، مما جعل معظم التغيرات في الحكومة والقيادة، تكون على شكل صدمات عنيفة ومفاجئة، وحرم ذلك عملية التنمية من حالة الاستقرار والاستمرار الضرورية، ونجم عن ذلك فشل المخططين والمنفذين في إنفاق الأموال المخصصة في برامج خطط التنمية وفي كافة قطاعات الخطة، وفق معيار كفاءة الأداء، أو كفاءة الإنفاق.
وعلى الرغم من الآمال التي عقدت على عملية التغيير السياسي في 2003 باعتبارها مدخلاً لإنهاء الصراع السياسي والاجتماعي على السلطة وتكريس مبدأ التداول السلمي للسلطة، إلا أن تلك العملية جاءت بنتائج متواضعة إلى حد الآن. فضعف دور الأحزاب منظمات المجتمع المدني جعل القوى الفاعلة في العملية السياسية هي الطوائف والمكونات القومية وليس الأحزاب المدنية والديمقراطية، وجعل هذا الوضع الأولوية في اختيار الوزراء وموظفي الدولة الكبار تجري وفق اعتبارات المحاصصة السياسية والموازنات الطائفية، وعلى حساب التخصص الأكاديمي والكفاءة والنزاهة، وشكل هذا العامل تحدياً خطيراً أسهم في تعميق حالة الصراع والعنف وتعطيل عملية التنمية وإعادة الإعمار.
3- تبعية الإنفاق الاستثماري لظروف الموازنة العامة
ربطت جميع الحكومات المتعاقبة، وبصرف النظر عن ميولها الإيديولوجية، إنفاقها الاستثماري بالزيادة في الإيرادات النفطية من دون مراعاة حدود الطاقة الاستيعابية للاقتصاد، أو مدى توفر المتطلبات التكنولوجية والبشرية المتخصصة، هذا الأمر جعل التخصيصات الاستثمارية الموجهة نحو جميع الأنشطة الاقتصادية، متغيراً تابعاً لظروف الموازنة العامة التي هي بدورها متغير تابع لإيرادات النفط، فعند ارتفاع نسب العجز في موازنة الحكومة، نتيجة لتراجع إيرادات النفط يتم التركيز على تغطية تلبية متطلبات الشق الجاري من الأنفاق والتضحية بالشق الاستثماري، وهذا ما يحصل عادة في معظم مراحل التنمية في العراق، إذ تؤكد تجربة العراق التنموية من الخمسينات إلى حد الآن على فشل الحكومات المتعاقبة في توظيف الإيرادات المتحققة في توسيع الاستثمار الإنتاجي وتوسيع الطاقات الإنتاجية غير النفطية وتهيئة المقدمات الضرورية للتهيئة لانطلاق الاقتصاد العراقي، كنتيجة لتبنيها سياسة الاندفاع نحو تحقيق أقصى قدر من إيرادات النفط من دون رؤية وطنية واضحة، واستراتيجية اقتصادية محددة، لذا فهي أخفقت في تحقيق هدف التخصيص الرشيد للإيرادات النفطية في المصادرالنفطية المتاحة الكفيل بتحقيق هف تحقيق التنويع وزيادة فرص التشغيل، وتقليل الاعتماد على إيرادات النفط.
4- فشل السياسات الاقتصادية
تكشف المراجعة المتفحصة للسياسات الاقتصادية في العراق عن الدور الخطير لتلك السياسات سواء في جانبها المالي أو النقدي أو التجاري أو الصناعي أو الزراعي أو غيرها من السياسات في ظاهرة سوء استخدام إيرادات النفط في العراق، وما ترتب عليها من تدهور في مستويات الإنتاج والإنتاجية في مختلف الأنشطة الاقتصادية وضعف مستوى التنويع الاقتصادي، وتعميق مظاهر الاختلال والتشوه في الاقتصاد العراقي، التي كان من أبرزها التشوه في الهيكل الاقتصادي نتيجة لهيمنة القطاع النفطي وتراجع القطاعات السلعية وفي مقدمتها القطاع الصناعي والزراعي وقطاع الكهرباء والمياه وتنامي القطاعات الطفيلية، فضلاً عن التشوه في سعر صرف الدينار، والتشوه في نظام الضرائب، والتشوه في الأسعار، التشوه في هيكل أسعار الفائدة، والتشوه الناتج عن عدم التنسيق بين السياسات الاقتصادية الكلية، وتشوهات في توزيع الدخل والثروة. فقد فشلت معظم إجراءات السياسات الاقتصادية في العراق سواء في جانبها المالي أو النقدي أو التجاري أو الصناعي أو الزراعي أو غيرها من السياسات وكان من أبرز ملامح هذا الفشل:
أ- فشل سياسة التنمية الزراعية الذي عكسه التراجع المستمر في مساهمة قطاع الزراعة في الناتج المحلي الإجمالي وهبوط الإنتاجية الزراعية وأدى ذلك إلى تحول العراق إلى بلد مستورد لها.
ب- فشل سياسة التنمية الصناعية الذي عكسه التراجع المستمر في مساهمة قطاع الصناعة التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي وفي التشغيل، فضلاً عن الفشل في بناء الهيكل الصناعي، فما زال هذا الهيكل بدائياً يعتمد على مجموعة من الصناعات المعوضة عن الاستيراد والتي تتميز بكثافة مدخلاتها الإنتاجية المستوردة، التي لا تقوى على البقاء إلا في ظل الحماية والدعم الحكوميين إلى جانب مجموعة من الصناعة الصغيرة والحرفية.
ج- تشوه عمل آليات السوق الحرة كنتيجة للتشوه في سعر صرف الدينار، وفي أسعار السلع والخدمات، وأسعار الفائدة، والتشوه في نظام الضرائب، والتشوهات في نظام توزيع الدخل والثروة، فضلاً عن التشوهات الناجمة عن ضعف التنسيق بين السياسات الاقتصادية.
ثانياً-التحديات البازغة
هي مجموعة التحديات التي طفت على سطح المشهد السياسي والاقتصادي العراقي بعد عملية التغيير في 2003
1- التحدي الأمني
ارتبط هذا التحدي بانهيار مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية وتراجع دور النظام القانوني بعد انهيار الحكومة بكافة مؤسساتها وتحول العراق إلى دولة محتلة في عام 2003، وما رافق عملية الاحتلال من فوضى في إدارة مؤسسات الدولة، وما رافق ذلك من فشل في حماية حدود العراق الممتدة قرابة (3650) كيلومتراً مع كل من إيران والسعودية وسوريا وتركيا والكويت والأردن، وهيأت تلك الظروف المناخ المناسب لظهور حركات التمرد والإرهاب والمقاومة بمختلف صنوفها ومسمياتها، وسمحت باستمرار تدفق الإرهابيين ووصول المساعدات المالية والعسكرية إليهم عبر دول الجوار، ومما زاد من المشهد الأمني تعقيداً بروز ظاهرة المحاصصة والاستقطاب الطائفي وممارسات التمييز والتنازع على السلطة التي هيمنت على المشهد السياسي بعد 2003. وقد ألحقت كل تلك التطورات أفدح الأضرار بالبنية التحتية والإنتاجية، فضلاً عن الاستهداف المباشر لحياة المواطنين العزل. ومن الطبيعي أن يقود استمرار هذا التحدي اليومي إلى منح الأولوية في التخصيصات للجانب الأمني وعلى حساب عملية إعادة الإعمار والتنمية، ومع ذلك وبعد أكثر من سبع سنوات من التجربة الصعبة والباهظة التكاليف، مازال الملف الأمني يشكل تحدياً خطيراً يواجه عملية التنمية والانتقال في العراق في ظل استمرار الصعوبات التي تواجه عمليات وفرض القانون والنظام العام والعدالة بين المواطنين.
2- تحدي البطالة
يعود تحدي البطالة إلى توقف معظم الأنشطة الإنتاجية والخدمية باستثناء أنشطة الإدارة العامة للدولة والأجهزة الأمنية كالجيش والشرطة بالإضافة الى أنشطة التجارة والبناء والتشييد، ولم تبرز ظاهرة البطالة بوضوح خلال عقد الثمانينات والتسعينات بسبب ظروف التعبئة العسكرية العامة التي شملت معظم الأفراد النشطين اقتصادياً، إلا أن تلك الظاهرة استفحلت بوضوح وشكلت تحدياً خطيراً بعد سقوط النظام في إبريل 2003، وبعد أن اتخذت إدارة الاحتلال الإجراءات بحل الجيش السابق وتسريح مئات الآلاف من المتطوعين والمكلفين في الجيش والشرطة وقوى الأمن الداخلي، فضلاً عن توقف العمل بقانون الخدمة الإلزامية، وتفاقمت تلك الأزمة نتيجة لاستمرار تدهور الإنتاج الصناعي والزراعي والخدمي وعدم اتخاذ الإجراءات السريعة للبدء بتعمير البنية الأساسية، وتأهيل الصناعات الرئيسية (المخربة)، وخاصة منها طاقات إنتاج الكهرباء ومياه الشرب، وتقديم الخدمات العامة. وبفعل تراكم تلك الأخطاء والإخفاقات أصبح أكثر من نصف شباب المدن العراقية عاطلين عن العمل، في حين لا تتجاوز مشاركة المرأة في القوة العاملة 19 في المائة، وهذه البطالة في معظمها بطالة هيكلية ناجمة عن توقف قطاعات الإنتاج الرئيسية وبخاصة قطاع الزراعة والصناعة التحويلية ومعظم الأنشطة الخدمية.
3- تحدي الفقر
تعد ظاهرة الفقر اليوم من المعضلات الرئيسة التي تواجه عملية التنمية بعد أن وصلت نسبتها إلى أكثر من (50 في المائة) من السكان، ويعود ارتفاع هذه النسبة الى ارتفاع معدلات البطالة واستمرار التحدي الأمني وركود النشاط الاقتصادي، وعدم حصول تحسن واضح في مستوى دخول الطبقة المتوسطة، كما أدى الارتفاع في معدلات التضخم وبخاصة الارتفاع في أسعار المشتقات الى تخفيض مستوى الدخول الحقيقية على الرغم من الزيادات المستمرة في الدخول النقدية، ووفر هذا الوضع مجالاً رحباً لتوريط الكثير من سكان الأحياء الفقيرة في الأعمال الإرهابية أو دفعهم إلى الانضمام الى الميليشيات المسلحة، كما أدى إلى ارتفاع معدلات جرائم السرقة والاختطاف والمظاهر الأخرى التي شوهت صورة المشهد الاجتماعي في العراق.
4- تحدي الفساد
شكل استفحال ظاهرة الفساد بعد عملية التغيير في 2003 أحد التحديات الرئيسة التي واجهت عملية الانتقال في العراق، فقد أدى انهيار مؤسسات الدولة القانونية والفوضى التي رافقت إدارة الاحتلال، وحالة الانفتاح العام، وتدفق الأموال من الخارج، ودخول شركات أجنبية في تنفيذ مشاريع الإعمار، وتعدد مصادر الصلاحيات الاقتصادية المتعلقة بإعادة الإعمار، إلى تهيئة الظروف المناسبة لممارسة الفساد على نطاق واسع، ولم تعد ممارسة الفساد حكراً على وزراء الدولة وموظفيها الكبار، بل أخذت تمتد إلى مختلف أركان الجهاز الإداري والقضائي والتعليمي والمؤسسات الإنتاجية والإنشائية والخدمية في بغداد والمحافظات الأخرى كما أدت ظاهرة الحزبية إلى سيطرة عدد من الانتهازيين المنَظمين، الذين حولوا الفساد المالي والإداري إلى ظاهرة أخطر من الإرهاب في تأثيراتها السلبية على الدولة والمجتمع، وبفعل هذه التطورات أخذ العراق يحتل المراتب الأولى في الفساد في تقارير منظمة الشفافية الدولية.
5 ? تحدي الخصخصة والتحول نحو اقتصاد السوق
أثبتت تجربة الإخفاق التنموي في العراق خلال العقود السابقة أن هيمنة مؤسسات القطاع العام ومركزية التخطيط الاقتصادي والمركزية الشديدة في عمليات صنع القرار، قادت إلى تبديد الموارد النفطية على الحروب والمغامرات.
من هنا، فإن العراق بحاجة إلى تنشيط دور القطاع الخاص المحلي والأجنبي، ونقل الاقتصاد العراقي من حالة المركزية الشديدة إلى اقتصاد يقوم على نظام المنافسة والكفاءة والسوق الحرة.
ويواجه تحقيق هذا الهدف عدداً من التحديات والعوامل الموضوعية من أبرزها:
أ- صعوبة التخلي عن حالة احتكار الحكومة لموارد النفط والغاز الآن وفي المستقبل، إذ لا يمكن خصخصة الثروات السيادية من هذا النوع، كما أنه من غير المنطقي الاعتماد على التمويل الخارجي لكافة مهام تطوير هذا القطاع.
ب- صعوبة التخلي عن الحوافز الصناعية المقدمة لمصانع القطاع العام- التي تقدم على شكل قروض ميسرة، أو أراض صناعية بإيجارات رمزية، وتوفير الطاقة الكهربائية والوقود والمياه بأسعار مدعومة والإعفاء من الضرائب والجمارك – في ظل الظروف الصعبة التي يواجهها القطاع الصناعي حالياً كسبيل وحيد لإعادة النهوض به مجدداً، لكن من ناحية ثانية فإن هذه الحوافز تسهم في تشويه نظام الأسعار، وتكرس حالة الاختلال في الهيكل الإنتاجي لقطاع الصناعة لصالح الأنشطة الاستهلاكية المعوضة عن الاستيراد وعلى حساب تخلف الأنشطة التصديرية والأنشطة الوسيطة والإنتاجية.
ج- صعوبة التخلي عن دعم القطاع الزراعي، فمستقبل هذا القطاع سيبقى معتمداً أساساً على الجهد الحكومي لحاجة هذا القطاع إلى إقامة العديد من السدود والخزانات وإنشاء وتطوير شبكات الإرواء.
د- صعوبة التخلي عن دعم قطاع الكهرباء لحاجة هذا القطاع الى استثمارات ضخمة من الصعب أن يضطلع بها القطاع الخاص المحلي أو الأجنبي بمفرده.
هـ- الحاجة إلى إطار تشريعي يسمح بتوسيع مشاركة الأجانب في عملية الاستثمار والدخول في النشاط الاقتصادي والتنافس في السوق المحلية.
و- الحاجة إلى زيادة مستوى الشفافية، وتوفير المعلومات والبيانات.
ز- الحاجة إلى إطار تشريعي يضمن حماية حقوق الملكية والاختراع.
ح- تغليب الهاجس الأمني على الاعتبارات الاقتصادية يدفع باتجاه احتكار النشاط الاقتصادي الخاص من قبل مجموعة من رجال الأعمال المقربين من السلطة.
5 ? تحدي الدولة الرخوة
عمت معظم أجهزة الدولة في العراق بعد عملية التغيير في 2003، حالة من الفوضى الإدارية، أسهمت في تكريسها الفوضى التي رافقت إدارة الاحتلال، ثم عززها الضعف في مستوى كفاءة الوزارات والأجهزة الحكومية الوطنية التي توالت على الحكم بعد 2004، فمعظم هذه الأجهزة انبثقت من عمليات المحاصصة وما تطلبته من تغليب للاعتبارات الطائفية على حساب اعتبارات التخصص الأكاديمي والكفاءة والنزاهة، وكانت النتيجة حرمان الكوادر والكفاءات الفنية والتنظيمية والإدارية المتقدمة من فرصة تولي تلك المناصب، وقادت تلك التطورات إلى تكريس ظاهرة الدولة الرخوة، وهي الظاهرة التي تتولد عن ترهل جهاز الدولة الإداري لعجزه عن القيام باختصاصاته ومهامه الرئيسية ووقوعه فريسة لعدم الكفاءة، وانتشار الفساد والمحسوبية، وانصراف موظفي الدولة للتكسب من الوظيفة العامة، والخضوع لأصحاب النفوذ، وانعدام الرؤية الإصلاحية والتخطيط المحكم والرقابة الفاعلة، وعندما تكون النسبة العظمى للثروة ذات طابع ريعي أو طفيلي أو غير إنتاجي، فمن الطبيعي أن يشكل هذا النمط للدولة الرخوة عائقاً حقيقياً أمام جهود التقدم والتنمية، ولذلك يتعين اتخاذ خطوات إصلاحية شجاعة لتغييرها عن طريق تقليص حجمها وتخليصها من مهامها ووظائفها غير الجوهرية، وتركيزها على رسالتها الحقيقية ورفع كفاءة القائمين عليها وحسن اختيارهم وإنفاذ القوانين بكل صرامة وعدالة، ومحاربة الفساد صغيراً أو كبيراً. ومن أبرز العوامل التي أسهمت في تكريس ظاهرة الدولة الرخوة في العراق:
أ- الفشل في تحديد الأولويات بالشكل الصحيح: فلا تزال الأولوية في اختيار الوزراء وكبار موظفي الدولة تتم على أساس الاعتبارات السياسية واعتبارات المحاصصة السياسية والموازنات الطائفية، وعلى حساب التخصص الأكاديمي والكفاءة والنزاهة، مما أدى الى تكوين كوادر وأطر إدارية عاجزة عن القيام بمهامها بالشكل الصحيح.
ب- ضعف مستويات التدريب الفعّال للقيادات الإدارية التي تتولى مهمة تنفيذ برامج التنمية الاقتصادية والتنمية الإدارية سواء أكان ذلك من حيث الكم أم الكيف، فمن حيث الكم لا يزال عدد مؤسسات التدريب الإداري محدوداً بدرجة كبيرة.
ج- عدم استقرار الجهاز الإداري وتعرضه للكثير من التقلبات غير المدروسة وغير المبررة على أسسٍ موضوعية تراعي مصلحة الجهاز الإداري، فكثيراً ما تلغى وزارات أو مؤسسات أو يعاد إنشاؤها من دون أن يكون هناك سبب منطقي لذلك.
د- التغيرات السريعة السياسية التي شهدها العراق مؤخراً أفقدت الجهاز الإداري توازنه، وجعلته غير قادر على إنجاز أي تطور في المجال الإداري، حيث الحكومة تلعب عادة ما يعرف بالأثر المغناطيسي؛ فينجذب الجهاز الإداري وراء سياساتها، حتى إن كانت تلك السياسات غير صالحة من المنطلق الإداري، ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الوضع المربك إلى عدم التركيز على برامج التنمية الاقتصادية والتنمية الإدارية، وبالتالي انخفاض كفاءة الأداء التنموي والإداري.
هـ- عدم وجود رؤية استراتيجية تشمل منظومة الأهداف والغايات والرؤى الإدارية الاستراتيجية لمعالجة حالة التخلف الإداري؛ فعدم وجود هذه الرؤية دفع الى التركيز على المعالجات الآنية، وعدم الإحاطة بأبعاد المشكلات الاقتصادية والإدارية والقانونية.
و -عدم وجود الدافعية لدى المشاركين في تشريع وتنفيذ برامج التنمية، وخاصة القياديين، وهذه الدافعية تتطلب وجود قناعة وإيمان لدى المشتركين في العملية السياسية، ليتمكنوا من دعم برامج الحكومة، والدفاع عنها وشرحها للآخرين وتطبيقها، وهذا الوضع ?للأسف- غير متحقق إلى حد الآن لدى جزء مهم من المشاركين في العملية السياسية، وساهم ذلك في تعثر العملية السياسية وتدهور الوضع الأمني فضلاً عن توقف عملية التنمية وبطء عملية إعادة الإعمار.
ز- عدم توفر عنصر الثقة بالنفس لدى المشاركين في العملية السياسية أثر في قابليتهم على تنفيذ ما أوكل إليهم من برامج، ويعد عنصر الخبرة والتدريب أساساً قوياً لبناء مثل هذه الثقة.
إن أي برنامج اقتصادي بعيد المدى يستهدف تحقيق عملية الانتقال في الاقتصاد العراقي، ينبغي أن ينطلق من التشخيص الدقيق للتحديات والعوامل التي أسهمت في استمرار المأزق التنموي، ويمكن أن تشكل التطورات الأخيرة وفي مقدمتها إنهاء حالة الاحتلال العسكري للمدن العراقية، والتحسن النسبي في الوضع الأمني، وإنجاز الانتخابات 2010، مدخلاً مناسباً لتحقيق هذا البرنامج، الذي ينبغي أن يركز على النقاط الآتية:
1- زيادة مساهمة الاستثمار الوطني والأجنبي في الناتج غير النفطي لرفع مساهمته في الناتج المحلي وفي الموازنة العامة.
2- ضمان التحول التدريجي إلى اقتصاد مؤسسي يخضع لشروط السوق الحرة.
3- اتخاذ الإجراءات الكفيلة بزيادة صادرات العراق السلعية الصناعية والزراعية وتقليص الواردات
4- تطبيق مكثف لبرامج التنمية البشرية وبرامج إعادة تأهيل المهارات وتحسين الإنتاجية.
5- تخصيص الإيرادات النفطية لتمويل مشاريع البنية التحتية والخدمات الاجتماعية الأساسية والمرافق العامة
وإدخال التكنولوجيا المتقدمة في مجالات الإنتاج والاتصالات والمعلومات.
6- توفير بيئة اقتصادية مناسبة تعزز حالة التنافس بين القطاعين العام والخاص على أساس اعتبارات الكفاءة الإنتاجية والخضوع لقوى السوق، ومنح القطاع الخاص الفرصة الكاملة للقيام بدوره في عملية التنمية.
7- إعادة توزيع القوى العاملة على الأنشطة الاقتصادية بما يكفل زيادة مستويات الكفاءة الإنتاجية للعاملين.
8- تعزيز سلطة النظام والقانون.
9- اتخاذ خطوات جادة وفاعلة لمكافحة الفساد الإداري والمالي.
10- تفعيل دور التنظيمات والأحزاب والشخصيات الديمقراطية صاحبة المصلحة الحقيقية في العراق الديمقراطي.
::/fulltext::
::cck::1188::/cck::
