الموارد البشرية الخليجية وأثرها في التنمية الاقتصادية
::cck::1197::/cck::
::introtext::
تعد المستوطنات البشرية أماكن تتطور فيها المجتمعات اقتصادياً واجتماعياً في محاولة لتطوير حياتها المعيشية من خلال تحويل البيئة الطبيعية فيها إلى بيئة تشتمل على مجموعة من البنى الأساسية المادية (الإسكان، النقل، المياه، الطاقة، والتخلص من النفايات)، والبنى الاجتماعية (الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية)، وذلك لأهمية هذه البنى في ضمان حياة ملائمة للسكان، وتحقيق الهدف العام للمستوطنات البشرية والذي يتمثل في تحسين النوعية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للمستوطنات البشرية وبيئتي المعيشة والعمل للجميع.
::/introtext::
::fulltext::
تعد المستوطنات البشرية أماكن تتطور فيها المجتمعات اقتصادياً واجتماعياً في محاولة لتطوير حياتها المعيشية من خلال تحويل البيئة الطبيعية فيها إلى بيئة تشتمل على مجموعة من البنى الأساسية المادية (الإسكان، النقل، المياه، الطاقة، والتخلص من النفايات)، والبنى الاجتماعية (الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية)، وذلك لأهمية هذه البنى في ضمان حياة ملائمة للسكان، وتحقيق الهدف العام للمستوطنات البشرية والذي يتمثل في تحسين النوعية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للمستوطنات البشرية وبيئتي المعيشة والعمل للجميع.
إن السكان هم المحور الأساسي في مجمل عمليات التنمية وكل أشكالها كونهم هدفها وغايتها، لذلك ازداد الاهتمام بالتنمية على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي، فقد تعاونت منظمات دولية وإقليمية عديدة في محاولة لقياس وتحليل العوامل التي تؤثر في تنمية نوعية ورفاهية السكان التي يمكن التعبير عنها من خلال مؤشرات نوعية التعليم، الرعاية الصحية، العدالة في توزيع الدخل، حقوق الإنسان (السياسية والاجتماعية والمدنية والثقافية)، توفير الخدمات الأساسية (مياه الشرب، الصرف الصحي، الكهرباء، الإسكان، والخدمات الأخرى).
ونتيجة لهذا الاهتمام ظهرت مصطلحات التنمية البشرية والتنمية المستدامة، ومصطلح التنمية البشرية ظهر مع صدور أول تقرير للتنمية البشرية من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 1990، وقد عرّف التقرير مفهوم التنمية البشرية بأنها (عملية توسيع الخيارات المتاحة أمام الناس وهذه الخيارات بلا حدود وتتغير بمرور الوقت). أما من حيث التطبيق فقد تبين أنه على كافة مستويات التنمية (أن يحيا الناس حياة طويلة خالية من العلل، أن يكتسبوا المعرفة، أن يحصلوا على الموارد اللازمة لتحقيق مستوى حياة كريمة).
وما لم تكن هذه الخيارات الأساسية مكفولة، فإن الكثير من الفرص الأخرى ستظل بعيدة المنال، كما أن هناك خيارات إضافية يهتم بها الكثير من الناس وهي تمتد من الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى فرص الخلق والإبداع، واستمتاع الأشخاص بالاحترام الذاتي، وضمان حقوق الإنسان.
أما مصطلح التنمية المستدامة فقد اكتسب اهتماماً عالمياً كبيراً بعد ظهور تقرير (مستقبلنا المشترك) الذي أعدته اللجنة العالمية للبيئة والتنمية في عام 1987 والذي صاغ أول مفهوم للتنمية المستدامة، فقد عرفها بأنها (التنمية التي تلبي حاجات الجيل الحاضر من دون المساومة على قدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتهم)، وهذا التعريف حدد إطار التنمية المستدامة بشكلها العام، التي تطالب بالمساواة بين الأجيال، وهذا جعل الكثير من الكتّاب والباحثين يقدمون تعاريف وتفاسير لهذا المفهوم.
وتسعى دول العالم إلى استغلال كل العوامل المتوفرة لغرض برمجة مخططات التنمية الاقتصادية واستثمار الموارد المتعددة والمتنوعة سواء كانت اقتصادية أو بشرية باعتبارها عاملاً رئيسياً في نجاح خطط التنمية ذاتياً، وتقليل كل العوامل التي تسبب زيادة في النفقات أو استهلاك العملات الصعبة والتي تنتج عنها زيادة الأعباء وزيادة تكاليف عملية التنمية.
إن الاستثمار في المورد البشري هو من أهم الأهداف التي تعمق مفاهيم التنمية الشاملة، كما أن التركيز على النهوض بالمورد البشري الوطني ليشترك في المشاريع التنموية في البلد هو من أهم المسلمات التي تؤطر الأساس الوطني بإطار يدفع عجلة الاقتصاد بالاتجاه الصحيح دونما الاعتماد على القوى البشرية الأجنبية بشكل قطعي، يقف فيه المورد البشري الوطني حينها متفرجاً ليخسر فرصة المشاركة وإن استفاد مادياً ومعنوياً من نتائج التقدم الاقتصادي. وهنا يصبح تحقيق التنمية الاقتصادية أمراً صعباً ومعقداً، فتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة (تعني عملية النهوض الشامل للمجتمع بكافة مكوناته وأطيافه) يؤدي إلى تنمية قدرات الإنسان المادية والعقلية، وفتح الباب واسعاً أمامه اختياراته مما يساعده على تحقيق آماله وطموحاته.
إن التنمية الاقتصادية التي تسعى إلى تحقيقها الدول العربية ومنها دول مجلس التعاون الخليجي يجب أن تضع في أولوية حساباتها أن تكون نتائجها تتماشى في الأساس مع متطلبات المورد البشري المحلي من خلال القضاء على كل أشكال البطالة ورفع مستوى الدخل المعيشي له، وأن تسير بنفس الاتجاه الذي تتم فيه المحافظة على الموارد الاقتصادية غير المتجددة من النضوب وخصوصاً النفط، وحيث إن الشباب في المجتمع العربي والخليجي هم الشريحة التي يعتمد عليها في بناء الأسس الاقتصادية كونهم الشريحة التي تمتلك النشاط والحيوية بالإضافة إلى المؤهلات العلمية والبدنية التي تمكنهم من إدارة الأعمال التي يزاولونها في بلدانهم، فإن حاجة الواقع الصناعي في دول مجلس التعاون الخليجي في مرحلة مبكرة من رغبتها في استثمار الثروة النفطية أدت إلى استقطاب عدد كبير من العمالة الأجنبية التي شكلت فيما بعد حاجزاً كبيراً بين المورد البشري الوطني وبين فرص حصولهم على العمل في دولهم، وبالتالي نتج عن ذلك حصول حالة البطالة في أوساط الشباب والتي تعتبر من أهم الأسباب المؤدية إلى خسارة المورد البشري الوطني وبالتالي عدم الاستفادة من الطاقات الوطنية للمشاركة في مشاريع التنمية الاقتصادية الوطنية.
إن نشوء الثروة في دول الخليج نتج عنه اهتمام وتوجه كبير للتخطيط الإنمائي، حيث بدأت التنمية الاقتصادية بإنشاء البنى التحتية المتنوعة وتوفير الخدمات، وقد وكل الأمر بالتنفيذ والإدارة إلى الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات، حيث تم استقدامها إلى دول الخليج مع الأيدي العاملة التي تختارها هي ومن أي البلدان المناسبة لها من ناحية الأجور أو أداء العمل، ففي الفترة من 1980 إلى 1987 كانت أكبر 250 شركة مقاولات في العالم تعتمد على الشرق الأوسط في تنفيذ ثلث عقودها، وبلغت قيمة تلك العقود 28.9 مليار دولار سنوياً فى الشرق الأوسط. وقد عملت دول مجلس التعاون الخليجي على تعزيز وجود العمالة الأجنبية فيها نتيجة لهذا الإجراء، حيث شكلت العمالة الأجنبية أهمية في تنفيذ مشاريع التنمية الاقتصادية الشاملة والتي حدثت بشكل سريع ومتزايد في دول مجلس التعاون الخليجي، وقد احتلت العمالة الأجنبية مجال الصدارة في إشغال الوظائف مختلفة الصعوبات والتي لا يمكن للعمالة المحلية إشغالها بسبب كونها تمثل المستوى الأدنى بالنسبة لمواطني دول المجلس، إذ إن العمالة الأجنبية تستطيع أن تقبل العمل بأجور منخفضة بسبب انخفاض المستوى التعليمي والثقافي لها، كما أنها فضلاً عن ذلك تتصف بتحملها ظروف العمل الصعبة والتي لا يستطيع مواطنو دول مجلس التعاون تقبل العمل تحتها.
لقد شكلت سياسة استقطاب العمالة الأجنبية ضغطاً اقتصادياً كبيراً على الدول التي تعمل فيها، على الرغم من القدرة العالية لاقتصادات دول المجلس على استيعاب هذه التغيرات، إلا أن ارتفاع النمو السكاني في دول مجلس التعاون الخليجي، سيشكل عامل ضغط آخر على الموارد الاقتصادية في هذه الدول.
إن حجم التحويلات المالية التي تقوم بإخراجها العمالة الوافدة إلى بلدانها الأصلية بدأ يكبر شيئاً فشيئاً مكوناً ضغطاً سلبياً على اقتصادات دول المجلس، فقد وصل حجم هذه التحويلات إلى ما يقارب 38 مليار دولار سنوياً. وبنفس الوقت تعمل هذه التحويلات من العملات الأجنبية على دعم الاقتصاد في الدول الأم لهذه العمالة، فبالإضافة إلى تعزيز ميزان العملات الصعبة فإنها توفر مورداً اقتصادياً مهماً يعزز الدخل القومي لهذه البلدان المصدرة للعمالة، ناهيك عن القضاء على البطالة فيها، وحسب الدراسة التي أعدتها الأمانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي كانت الهند أول المستفيدين من التحويلات عام 2008 حيث حصلت على 45 مليار دولار.
أسباب البطالة في دول المجلس
هناك أسباب متعددة للبطالة في دول مجلس التعاون الخليجي يمكن تقسيمها إلى:
أولاً: أسباب عامة
1- عدم تناسب المناهج التعليمية الموجودة مع واقع متطلبات العمل.
2- زيادة عدد الخريجين من الاختصاصات الأدبية والإنسانية في حين أن خريجي الاختصاصات العلمية على الرغم من الحاجة إليهم إلا أن أعدادهم قليلة ومحدودة.
3- تفتقر المناهج التعليمية المطبقة إلى المهارات المهنيةو التي من الممكن أن تنمي الجانب المعرفي والمهاري للشاب وهو في مرحلة التأهب للعمل.
4- تجنب العمل في وظائف القطاع الخاص لعدم توفر عامل الاستقرار الوظيفي، ووجود المخاطرة والسعي للحصول على العمل في الوظائف الحكومية بسبب استقرارها.
5- انتشار ثقافة العيب وثقافة الرفاهية في المجتمع الخليجي ،حيث إن الشاب الذي يكون في أسرة تتمتع بالرفاهية لا يكون لديه أي استعداد للنظر إلى عمل في المستقبل وبذلك يجد أن مصدر رزقه هو الأسرة.
ثانياً: الأسباب المحلية
تقوم بعض دول مجلس التعاون الخليجي بإعطاء نوع من الامتيازات للمواطن بقصد توفير نوع معين من الرفاهية الاقتصادية، وتخليصه من الأزمات المادية، أو اعتبار ذلك طريقة لتعبير الدولة عن التزامها تجاه تحقيق الدعم المتواصل للمواطن، إلا أن هذه الإجراءات بمرور الزمن قد تعمل عكس الأهداف المرجو منها انخراط المواطن الخليجي بمسيرة التنمية الاقتصادية الوطنية، وذلك لأنه سيصبح متكلاً بشكل كامل على دعم الدولة الاقتصادي له من دون أن يكلف نفسه معاناة العمل الدؤوب واكتساب التجربة في الأعمال والوظائف المختلفة والتي يمكنه أن يشغلها بدلاً من أي وافد أجنبي للدولة فيعمل على توفير الموارد الاقتصادية لبلده، ويشارك في عدم تسربها إلى الخارج، ناهيك عن المحافظة على الواقع الاجتماعي من تعدد الجنسيات.
ومن البرامج التي تقدمها الدولة للمواطنين والتي ستؤثر سلبياً في المستقبل على واقع مشاركة المورد البشري الوطني في العملية التنموية، ما يلي:
1- برامج التقاعد المبكر: وهي التي تركز على دعم من لا عمل لهم ممن سبق لهم العمل لمدة طويلة نسبياً تؤهلهم للحصول على راتب تقاعدي منتظم.
2- برامج إعانات البطالة: وهي دعم مؤقت للدخل في شكل إعانات شهرية تقدم للمستحقين من العاطلين المسجلين. ويتوقف استحقاق الباحث عن عمل للإعانة على سبق العمل أو سبق قضاء فترة للدراسة أو المرض أو رعاية طفل، وعلى الرغم من عدم انتشار هذه البرامج في الدول العربية إلا أن البعض يتم تطبيقه الآن.
3- برامج التوظيف الحكومي للمورد البشري الوطني في الوظائف الحكومية وقلة التشجيع على العمل في القطاع الخاص مما أدى إلى اعتماد المواطن الخليجي على مورد العمل الحكومي على الرغم من محدوديته مقابل تزايد عدد الخريجين الشباب طالبي العمل، اعتماداً على حقيقة أن الراتب الأعلى والأمان الوظيفي يتحققان بشكل أوسع في الوظائف الحكومية.
وبالمقابل تبقى الوظائف في القطاع الخاص مقتصرة على العمالة الأجنبية الوافدة التي جعلتها فيما بعد غير مناسبة لغيرهم بسبب محدودية الامتيازات.
البرامج المقترحة للاستفادة من العمالة المحلية في التنمية الاقتصادية
من الضروري أن تقوم الحكومات في دول مجلس التعاون الخليجي بوضع برامج وخطط لتنمية الموارد البشرية والاستفادة منها في عملية التنمية الاقتصادية، وبالتالي الاستغناء تدريجياً عن العمالة الأجنبية الوافدة إلى دول المجلس، ومن الضروري أيضاً أن ترفع الحكومات من مستوى اعتبار تنمية الموارد البشرية كأحد مقومات التنمية الاقتصادية الشاملة من خلال تشغيل الخريجين من الشباب وزجهم بشكل تدريجي في الوظائف التي تحتلها العمالة الأجنبية الوافدة وخصوصاً الوظائف ذات التخصصات المهمة مثل التدريس الجامعي أو المجالات الطبية أو الهندسية، وهذا بالطبع يحتاج إلى خطط مدروسة وتدريجية، ومن البرامج التي يمكن لدول مجلس التعاون أن تطبقها للوصول إلى أعلى درجات تنمية الموارد البشرية ما يأتي:
1- استقطاب أصحاب الشهادات ذات التخصصات العلمية التي حصلوا عليها من الخارج وتخصيص وظائف مناسبة لهم في الدولة، بالإضافة إلى تصميم نظم تدريبية مناسبة لتطوير قدراتهم ومهاراتهم.
2- وضع ضوابط لتشغيل العمالة الوافدة بشكل مواز لتشغيل العمالة المحلية للحصول على حالة منطقية من التوازن والتقليل قدر الإمكان من البطالة، على أن تكون الأفضلية في تشغيل العمالة الوافدة للجنسيات العربية بسبب قرب تقاليدها ومعتقداتها من المجتمع العربي في دول مجلس التعاون.
3- وضع برامج لخفض مستوى البطالة من خلال تشجيع الشباب على إقامة المشروعات الصغيرة وذلك عن طريق الدعم والتسليف، وتنظيم سياسة للتمويل لإنجاح هذه التجارب وتوسيعها في المستقبل، حيث ستعمل هذه المشروعات في المستقبل على تشغيل عدد آخر من العمالة المحلية.
4- تهيئة البرامج التدريبية التنموية المناسبة لتأهيل الشباب الراغبين في دخول سوق العمل بالقطاع الخاص لإنجاح هذه التجربة وزيادة قدراتهم الوظيفية والمهارية.
5- إعداد البرامج التثقيفية للشباب في مراحل مختلفة ما قبل مرحلة البحث عن العمل، حول مسألة تحقيق المورد الاقتصادي الذي يغطي تكاليف المعيشة، ويقيهم من البطالة اعتماداً على مبدأ القبول ببعض المهن التي يحسبونها غير مناسبة لهم كمواطنين خليجيين، والتي تقتصر على العمالة الوافدة.
6- توفير فرص التدريب المناسبة للعمال ولطالبي العمل.
7- إقناع الشباب بأن الثروة النفطية غير دائمة إلى ما لا نهاية ولا بد لها أن تنضب خلال الأعوام المقبلة ، وهذا يعني أن السعة الاقتصادية في الخليج ليست دائمة، كما أن الأزمة العالمية التي أصابت أكبر البلدان تنظيماً من الناحية الاقتصادية، هي خير مثال على ضرورة أن يتم انخراط المورد البشري الوطني بالعمل بشكل يتجاوز السلبيات التي كانت تحدده، مما يعني أن يتم بشكل تدريجي انتهاز فرص العمل التي تستغلها العمالة الوافدة بشكل واسع في مختلف المجالات.
8- على دول مجلس التعاون أن تغير من سياساتها نحو المرأة الخليجية وذلك باعتبارها قوى محلية معطلة، فعلى الرغم من حصولها على التعليم والمؤهلات العلمية المتنوعة فهي غير قادرة على أن تأخذ حصتها من المشاركة كعنصر فعال في مسيرة التنمية الاقتصادية، فهي تعاني من مشكلة التهميش والبطالة، على الرغم من استعداد نسبة كبيرة من النساء الخليجيات على العمل في شتى مجالات العمل في دولهن.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1197::/cck::
::introtext::
تعد المستوطنات البشرية أماكن تتطور فيها المجتمعات اقتصادياً واجتماعياً في محاولة لتطوير حياتها المعيشية من خلال تحويل البيئة الطبيعية فيها إلى بيئة تشتمل على مجموعة من البنى الأساسية المادية (الإسكان، النقل، المياه، الطاقة، والتخلص من النفايات)، والبنى الاجتماعية (الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية)، وذلك لأهمية هذه البنى في ضمان حياة ملائمة للسكان، وتحقيق الهدف العام للمستوطنات البشرية والذي يتمثل في تحسين النوعية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للمستوطنات البشرية وبيئتي المعيشة والعمل للجميع.
::/introtext::
::fulltext::
تعد المستوطنات البشرية أماكن تتطور فيها المجتمعات اقتصادياً واجتماعياً في محاولة لتطوير حياتها المعيشية من خلال تحويل البيئة الطبيعية فيها إلى بيئة تشتمل على مجموعة من البنى الأساسية المادية (الإسكان، النقل، المياه، الطاقة، والتخلص من النفايات)، والبنى الاجتماعية (الخدمات الصحية والتعليمية والثقافية)، وذلك لأهمية هذه البنى في ضمان حياة ملائمة للسكان، وتحقيق الهدف العام للمستوطنات البشرية والذي يتمثل في تحسين النوعية الاجتماعية والاقتصادية والبيئية للمستوطنات البشرية وبيئتي المعيشة والعمل للجميع.
إن السكان هم المحور الأساسي في مجمل عمليات التنمية وكل أشكالها كونهم هدفها وغايتها، لذلك ازداد الاهتمام بالتنمية على المستوى الدولي والإقليمي والمحلي، فقد تعاونت منظمات دولية وإقليمية عديدة في محاولة لقياس وتحليل العوامل التي تؤثر في تنمية نوعية ورفاهية السكان التي يمكن التعبير عنها من خلال مؤشرات نوعية التعليم، الرعاية الصحية، العدالة في توزيع الدخل، حقوق الإنسان (السياسية والاجتماعية والمدنية والثقافية)، توفير الخدمات الأساسية (مياه الشرب، الصرف الصحي، الكهرباء، الإسكان، والخدمات الأخرى).
ونتيجة لهذا الاهتمام ظهرت مصطلحات التنمية البشرية والتنمية المستدامة، ومصطلح التنمية البشرية ظهر مع صدور أول تقرير للتنمية البشرية من قبل برنامج الأمم المتحدة الإنمائي في عام 1990، وقد عرّف التقرير مفهوم التنمية البشرية بأنها (عملية توسيع الخيارات المتاحة أمام الناس وهذه الخيارات بلا حدود وتتغير بمرور الوقت). أما من حيث التطبيق فقد تبين أنه على كافة مستويات التنمية (أن يحيا الناس حياة طويلة خالية من العلل، أن يكتسبوا المعرفة، أن يحصلوا على الموارد اللازمة لتحقيق مستوى حياة كريمة).
وما لم تكن هذه الخيارات الأساسية مكفولة، فإن الكثير من الفرص الأخرى ستظل بعيدة المنال، كما أن هناك خيارات إضافية يهتم بها الكثير من الناس وهي تمتد من الحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، إلى فرص الخلق والإبداع، واستمتاع الأشخاص بالاحترام الذاتي، وضمان حقوق الإنسان.
أما مصطلح التنمية المستدامة فقد اكتسب اهتماماً عالمياً كبيراً بعد ظهور تقرير (مستقبلنا المشترك) الذي أعدته اللجنة العالمية للبيئة والتنمية في عام 1987 والذي صاغ أول مفهوم للتنمية المستدامة، فقد عرفها بأنها (التنمية التي تلبي حاجات الجيل الحاضر من دون المساومة على قدرة الأجيال القادمة على تلبية حاجاتهم)، وهذا التعريف حدد إطار التنمية المستدامة بشكلها العام، التي تطالب بالمساواة بين الأجيال، وهذا جعل الكثير من الكتّاب والباحثين يقدمون تعاريف وتفاسير لهذا المفهوم.
وتسعى دول العالم إلى استغلال كل العوامل المتوفرة لغرض برمجة مخططات التنمية الاقتصادية واستثمار الموارد المتعددة والمتنوعة سواء كانت اقتصادية أو بشرية باعتبارها عاملاً رئيسياً في نجاح خطط التنمية ذاتياً، وتقليل كل العوامل التي تسبب زيادة في النفقات أو استهلاك العملات الصعبة والتي تنتج عنها زيادة الأعباء وزيادة تكاليف عملية التنمية.
إن الاستثمار في المورد البشري هو من أهم الأهداف التي تعمق مفاهيم التنمية الشاملة، كما أن التركيز على النهوض بالمورد البشري الوطني ليشترك في المشاريع التنموية في البلد هو من أهم المسلمات التي تؤطر الأساس الوطني بإطار يدفع عجلة الاقتصاد بالاتجاه الصحيح دونما الاعتماد على القوى البشرية الأجنبية بشكل قطعي، يقف فيه المورد البشري الوطني حينها متفرجاً ليخسر فرصة المشاركة وإن استفاد مادياً ومعنوياً من نتائج التقدم الاقتصادي. وهنا يصبح تحقيق التنمية الاقتصادية أمراً صعباً ومعقداً، فتحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة (تعني عملية النهوض الشامل للمجتمع بكافة مكوناته وأطيافه) يؤدي إلى تنمية قدرات الإنسان المادية والعقلية، وفتح الباب واسعاً أمامه اختياراته مما يساعده على تحقيق آماله وطموحاته.
إن التنمية الاقتصادية التي تسعى إلى تحقيقها الدول العربية ومنها دول مجلس التعاون الخليجي يجب أن تضع في أولوية حساباتها أن تكون نتائجها تتماشى في الأساس مع متطلبات المورد البشري المحلي من خلال القضاء على كل أشكال البطالة ورفع مستوى الدخل المعيشي له، وأن تسير بنفس الاتجاه الذي تتم فيه المحافظة على الموارد الاقتصادية غير المتجددة من النضوب وخصوصاً النفط، وحيث إن الشباب في المجتمع العربي والخليجي هم الشريحة التي يعتمد عليها في بناء الأسس الاقتصادية كونهم الشريحة التي تمتلك النشاط والحيوية بالإضافة إلى المؤهلات العلمية والبدنية التي تمكنهم من إدارة الأعمال التي يزاولونها في بلدانهم، فإن حاجة الواقع الصناعي في دول مجلس التعاون الخليجي في مرحلة مبكرة من رغبتها في استثمار الثروة النفطية أدت إلى استقطاب عدد كبير من العمالة الأجنبية التي شكلت فيما بعد حاجزاً كبيراً بين المورد البشري الوطني وبين فرص حصولهم على العمل في دولهم، وبالتالي نتج عن ذلك حصول حالة البطالة في أوساط الشباب والتي تعتبر من أهم الأسباب المؤدية إلى خسارة المورد البشري الوطني وبالتالي عدم الاستفادة من الطاقات الوطنية للمشاركة في مشاريع التنمية الاقتصادية الوطنية.
إن نشوء الثروة في دول الخليج نتج عنه اهتمام وتوجه كبير للتخطيط الإنمائي، حيث بدأت التنمية الاقتصادية بإنشاء البنى التحتية المتنوعة وتوفير الخدمات، وقد وكل الأمر بالتنفيذ والإدارة إلى الشركات الأجنبية متعددة الجنسيات، حيث تم استقدامها إلى دول الخليج مع الأيدي العاملة التي تختارها هي ومن أي البلدان المناسبة لها من ناحية الأجور أو أداء العمل، ففي الفترة من 1980 إلى 1987 كانت أكبر 250 شركة مقاولات في العالم تعتمد على الشرق الأوسط في تنفيذ ثلث عقودها، وبلغت قيمة تلك العقود 28.9 مليار دولار سنوياً فى الشرق الأوسط. وقد عملت دول مجلس التعاون الخليجي على تعزيز وجود العمالة الأجنبية فيها نتيجة لهذا الإجراء، حيث شكلت العمالة الأجنبية أهمية في تنفيذ مشاريع التنمية الاقتصادية الشاملة والتي حدثت بشكل سريع ومتزايد في دول مجلس التعاون الخليجي، وقد احتلت العمالة الأجنبية مجال الصدارة في إشغال الوظائف مختلفة الصعوبات والتي لا يمكن للعمالة المحلية إشغالها بسبب كونها تمثل المستوى الأدنى بالنسبة لمواطني دول المجلس، إذ إن العمالة الأجنبية تستطيع أن تقبل العمل بأجور منخفضة بسبب انخفاض المستوى التعليمي والثقافي لها، كما أنها فضلاً عن ذلك تتصف بتحملها ظروف العمل الصعبة والتي لا يستطيع مواطنو دول مجلس التعاون تقبل العمل تحتها.
لقد شكلت سياسة استقطاب العمالة الأجنبية ضغطاً اقتصادياً كبيراً على الدول التي تعمل فيها، على الرغم من القدرة العالية لاقتصادات دول المجلس على استيعاب هذه التغيرات، إلا أن ارتفاع النمو السكاني في دول مجلس التعاون الخليجي، سيشكل عامل ضغط آخر على الموارد الاقتصادية في هذه الدول.
إن حجم التحويلات المالية التي تقوم بإخراجها العمالة الوافدة إلى بلدانها الأصلية بدأ يكبر شيئاً فشيئاً مكوناً ضغطاً سلبياً على اقتصادات دول المجلس، فقد وصل حجم هذه التحويلات إلى ما يقارب 38 مليار دولار سنوياً. وبنفس الوقت تعمل هذه التحويلات من العملات الأجنبية على دعم الاقتصاد في الدول الأم لهذه العمالة، فبالإضافة إلى تعزيز ميزان العملات الصعبة فإنها توفر مورداً اقتصادياً مهماً يعزز الدخل القومي لهذه البلدان المصدرة للعمالة، ناهيك عن القضاء على البطالة فيها، وحسب الدراسة التي أعدتها الأمانة العامة لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي كانت الهند أول المستفيدين من التحويلات عام 2008 حيث حصلت على 45 مليار دولار.
أسباب البطالة في دول المجلس
هناك أسباب متعددة للبطالة في دول مجلس التعاون الخليجي يمكن تقسيمها إلى:
أولاً: أسباب عامة
1- عدم تناسب المناهج التعليمية الموجودة مع واقع متطلبات العمل.
2- زيادة عدد الخريجين من الاختصاصات الأدبية والإنسانية في حين أن خريجي الاختصاصات العلمية على الرغم من الحاجة إليهم إلا أن أعدادهم قليلة ومحدودة.
3- تفتقر المناهج التعليمية المطبقة إلى المهارات المهنيةو التي من الممكن أن تنمي الجانب المعرفي والمهاري للشاب وهو في مرحلة التأهب للعمل.
4- تجنب العمل في وظائف القطاع الخاص لعدم توفر عامل الاستقرار الوظيفي، ووجود المخاطرة والسعي للحصول على العمل في الوظائف الحكومية بسبب استقرارها.
5- انتشار ثقافة العيب وثقافة الرفاهية في المجتمع الخليجي ،حيث إن الشاب الذي يكون في أسرة تتمتع بالرفاهية لا يكون لديه أي استعداد للنظر إلى عمل في المستقبل وبذلك يجد أن مصدر رزقه هو الأسرة.
ثانياً: الأسباب المحلية
تقوم بعض دول مجلس التعاون الخليجي بإعطاء نوع من الامتيازات للمواطن بقصد توفير نوع معين من الرفاهية الاقتصادية، وتخليصه من الأزمات المادية، أو اعتبار ذلك طريقة لتعبير الدولة عن التزامها تجاه تحقيق الدعم المتواصل للمواطن، إلا أن هذه الإجراءات بمرور الزمن قد تعمل عكس الأهداف المرجو منها انخراط المواطن الخليجي بمسيرة التنمية الاقتصادية الوطنية، وذلك لأنه سيصبح متكلاً بشكل كامل على دعم الدولة الاقتصادي له من دون أن يكلف نفسه معاناة العمل الدؤوب واكتساب التجربة في الأعمال والوظائف المختلفة والتي يمكنه أن يشغلها بدلاً من أي وافد أجنبي للدولة فيعمل على توفير الموارد الاقتصادية لبلده، ويشارك في عدم تسربها إلى الخارج، ناهيك عن المحافظة على الواقع الاجتماعي من تعدد الجنسيات.
ومن البرامج التي تقدمها الدولة للمواطنين والتي ستؤثر سلبياً في المستقبل على واقع مشاركة المورد البشري الوطني في العملية التنموية، ما يلي:
1- برامج التقاعد المبكر: وهي التي تركز على دعم من لا عمل لهم ممن سبق لهم العمل لمدة طويلة نسبياً تؤهلهم للحصول على راتب تقاعدي منتظم.
2- برامج إعانات البطالة: وهي دعم مؤقت للدخل في شكل إعانات شهرية تقدم للمستحقين من العاطلين المسجلين. ويتوقف استحقاق الباحث عن عمل للإعانة على سبق العمل أو سبق قضاء فترة للدراسة أو المرض أو رعاية طفل، وعلى الرغم من عدم انتشار هذه البرامج في الدول العربية إلا أن البعض يتم تطبيقه الآن.
3- برامج التوظيف الحكومي للمورد البشري الوطني في الوظائف الحكومية وقلة التشجيع على العمل في القطاع الخاص مما أدى إلى اعتماد المواطن الخليجي على مورد العمل الحكومي على الرغم من محدوديته مقابل تزايد عدد الخريجين الشباب طالبي العمل، اعتماداً على حقيقة أن الراتب الأعلى والأمان الوظيفي يتحققان بشكل أوسع في الوظائف الحكومية.
وبالمقابل تبقى الوظائف في القطاع الخاص مقتصرة على العمالة الأجنبية الوافدة التي جعلتها فيما بعد غير مناسبة لغيرهم بسبب محدودية الامتيازات.
البرامج المقترحة للاستفادة من العمالة المحلية في التنمية الاقتصادية
من الضروري أن تقوم الحكومات في دول مجلس التعاون الخليجي بوضع برامج وخطط لتنمية الموارد البشرية والاستفادة منها في عملية التنمية الاقتصادية، وبالتالي الاستغناء تدريجياً عن العمالة الأجنبية الوافدة إلى دول المجلس، ومن الضروري أيضاً أن ترفع الحكومات من مستوى اعتبار تنمية الموارد البشرية كأحد مقومات التنمية الاقتصادية الشاملة من خلال تشغيل الخريجين من الشباب وزجهم بشكل تدريجي في الوظائف التي تحتلها العمالة الأجنبية الوافدة وخصوصاً الوظائف ذات التخصصات المهمة مثل التدريس الجامعي أو المجالات الطبية أو الهندسية، وهذا بالطبع يحتاج إلى خطط مدروسة وتدريجية، ومن البرامج التي يمكن لدول مجلس التعاون أن تطبقها للوصول إلى أعلى درجات تنمية الموارد البشرية ما يأتي:
1- استقطاب أصحاب الشهادات ذات التخصصات العلمية التي حصلوا عليها من الخارج وتخصيص وظائف مناسبة لهم في الدولة، بالإضافة إلى تصميم نظم تدريبية مناسبة لتطوير قدراتهم ومهاراتهم.
2- وضع ضوابط لتشغيل العمالة الوافدة بشكل مواز لتشغيل العمالة المحلية للحصول على حالة منطقية من التوازن والتقليل قدر الإمكان من البطالة، على أن تكون الأفضلية في تشغيل العمالة الوافدة للجنسيات العربية بسبب قرب تقاليدها ومعتقداتها من المجتمع العربي في دول مجلس التعاون.
3- وضع برامج لخفض مستوى البطالة من خلال تشجيع الشباب على إقامة المشروعات الصغيرة وذلك عن طريق الدعم والتسليف، وتنظيم سياسة للتمويل لإنجاح هذه التجارب وتوسيعها في المستقبل، حيث ستعمل هذه المشروعات في المستقبل على تشغيل عدد آخر من العمالة المحلية.
4- تهيئة البرامج التدريبية التنموية المناسبة لتأهيل الشباب الراغبين في دخول سوق العمل بالقطاع الخاص لإنجاح هذه التجربة وزيادة قدراتهم الوظيفية والمهارية.
5- إعداد البرامج التثقيفية للشباب في مراحل مختلفة ما قبل مرحلة البحث عن العمل، حول مسألة تحقيق المورد الاقتصادي الذي يغطي تكاليف المعيشة، ويقيهم من البطالة اعتماداً على مبدأ القبول ببعض المهن التي يحسبونها غير مناسبة لهم كمواطنين خليجيين، والتي تقتصر على العمالة الوافدة.
6- توفير فرص التدريب المناسبة للعمال ولطالبي العمل.
7- إقناع الشباب بأن الثروة النفطية غير دائمة إلى ما لا نهاية ولا بد لها أن تنضب خلال الأعوام المقبلة ، وهذا يعني أن السعة الاقتصادية في الخليج ليست دائمة، كما أن الأزمة العالمية التي أصابت أكبر البلدان تنظيماً من الناحية الاقتصادية، هي خير مثال على ضرورة أن يتم انخراط المورد البشري الوطني بالعمل بشكل يتجاوز السلبيات التي كانت تحدده، مما يعني أن يتم بشكل تدريجي انتهاز فرص العمل التي تستغلها العمالة الوافدة بشكل واسع في مختلف المجالات.
8- على دول مجلس التعاون أن تغير من سياساتها نحو المرأة الخليجية وذلك باعتبارها قوى محلية معطلة، فعلى الرغم من حصولها على التعليم والمؤهلات العلمية المتنوعة فهي غير قادرة على أن تأخذ حصتها من المشاركة كعنصر فعال في مسيرة التنمية الاقتصادية، فهي تعاني من مشكلة التهميش والبطالة، على الرغم من استعداد نسبة كبيرة من النساء الخليجيات على العمل في شتى مجالات العمل في دولهن.
::/fulltext::
::cck::1197::/cck::
