الدور التنموي لمؤسسات المجتمع المدني في قطر: دار الإنماء الاجتماعي نموذجاً
::cck::1198::/cck::
::introtext::
قادت التحولات السياسية والاقتصادية التي حصلت في العقد الأخير من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين إلى حصول تغيرات كبيرة في الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية سواء من حيث التكتلات الاقتصادية أو التحالفات السياسية والصراع الأيديولوجي والحضاري.
::/introtext::
::fulltext::
قادت التحولات السياسية والاقتصادية التي حصلت في العقد الأخير من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين إلى حصول تغيرات كبيرة في الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية سواء من حيث التكتلات الاقتصادية أو التحالفات السياسية والصراع الأيديولوجي والحضاري.
أوجدت هذه التحولات مسارات جديدة ترتبط بأدوار الحكومات والكيانات المهنية والمجتمعية وإعادة صياغة العلاقات بينهما، كما أن اتساع حجم المجتمعات وزيادة الطلب على الخدمات كماً ونوعاً ساهما في ظهور وتكوين مؤسسات المجتمع المدني كشريك أساسي للقطاعين العام والخاص في صياغة المشهد الاقتصادي والاجتماعي خصوصاً بعد فشل السياسات التنموية في أغلب الدول النامية خلال العقود الأربعة الماضية.
وتمارس مؤسسات المجتمع المدني أدواراً مهمة، فهي باتت تمثل قوة اقتصادية واجتماعية وسياسية مؤثرة في المجتمع، ففي المجال السياسي تمارس دوراً فاعلاً في إقرار كثير من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ومراقبة حقوق الإنسان، ونشر الديمقراطية ومراقبة سلامة ونزاهة الانتخابات، وحماية البيئة، أما في المجال الاقتصادي والاجتماعي، فتقدم مؤسسات المجتمع المدني ممثلة في المنظمات غير الحكومية خدمات إنسانية وطبية ومعيشية وتعليمية للكثير من المتضررين من الحروب والكوارث الطبيعية، وتعتمد عليها مشاريع التنمية في الدول الفقيرة، حيث تسهم في توفير التمويل للعديد من المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي توفر فرصاً ومصادر للدخل والعمل للفقراء في تلك الدول.
وفي دولة قطر شهدت منظمات المجتمع المدني اهتماماً كبيراً من قبل الحكومة التي أصدرت القوانين واللوائح التي تنظم عملها، كان آخرها القانون رقم (12) لعام 2004 بشأن تشكيل الجمعيات والمؤسسات الخاصة، علاوة على أن الدستور القطري أشار في المادة (45) منه إلى أن (حرية تكوين الجمعيات مكفولة، وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون)، كما تجسد الاهتمام أيضاً بعقد العديد من الفعاليات الدولية والإقليمية المعنية بتفعيل الدور التنموي لمنظمات المجتمع المدني من أهمها مؤتمر الدور التكاملي للمنظمات غير الحكومية والحكومية والدولية في التنمية المستدامة عام 2002، والملتقى الثالث لمنظمات المجتمع المدني في الدول العربية ودورها في التنمية الذي عقد في عام 2006.
وشهد قطاع مؤسسات المجتمع المدني في دولة قطر تطوراً ملحوظاً خلال العشر سنوات المنصرمة سواء في إعداد هذه المؤسسات الذي وصل إلى أكثر من 70 مؤسسة في عام 2004، أو في تنوع أنشطتها، حيث تعددت مساهمتها التنموية في مجالات التدريب والصناعات التقليدية والحرف، ومحاربة الفقر، ومختلف برامج الرعاية الاجتماعية والثقافية، أو من حيث توسع قاعدة المستهدفين من مناشطها لتشمل الأطفال والمرأة والشباب والفئات المحتاجة من أرامل وأسر محدودة الدخل، وذوي الاحتياجات الخاصة من مسنين ومعاقين وأحداث بمساعدتهم على مواجهة أعباء المعيشة، وتجاوز مشكلاتهم وتمكينهم من الاندماج الاجتماعي، وتقديم كافة أشكال الرعاية الاجتماعية والنفسية والصحية والتعليمية لهم.
وتعد دار (الإنماء الاجتماعي) التي أنشئت في عام 1996 تحت الرعاية الكريمة للشيخة موزة بنت ناصر المسند حرم أمير دولة قطر إحدى أهم منظمات المجتمع المدني التي لها دور فاعل وريادي في دعم مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدولة، فقد استطاعت عبر عمرها القصير الذي لم يتجاوز 12 عاماً إحداث تغيرات جوهرية في أهدافها وبنيتها التنظيمية، وطبيعة الأنشطة والبرامج التي تقدمها إلى شرائح المجتمع، وتمكنت من تفعيل دورها المجتمعي وتحسين أداء الخدمات التي تقدمها للفئات المستفيدة، حيث تتمثل رؤيتها في (بناء أسر مستقرة تعتمد على نفسها لتساهم في تطوير المجتمع). وتهدف الدار إلى تحقيق الآتي:
1- تعزيز دور الأسرة في المجتمع والمحافظة على تماسكها واستقرارها الاجتماعي والاقتصادي.
2- رفع المستوى الاقتصادي للأسر ذات الدخل المتدني وتمكينها اقتصادياً، وتوفير فرص عمل لها من خلال المشاريع الإنتاجية والتنموية.
3- رصد الظواهر الاجتماعية المختلفة وإجراء الدراسات العلمية حولها، وتقديم المقترحات بشأنها.
4- المحافظة على الموروث الشعبي والتقليدي وإحياء وتطوير الحرف اليدوية.
5- تهيئة أفراد المجتمع لمواكبة التغيرات الناتجة عن العولمة.
وكي تحقق الدار هذه الأهداف فقد قامت وتقوم بتنفيذ العديد من البرامج والأنشطة التي يمكن تصنيفها في إطار التوجهات التالية:
أولاً- برامج الدعم والمساندة:
هي عبارة عن خدمات مساندة تقوم بها إدارة الخدمات الاجتماعية في دار الإنماء الاجتماعي بهدف الحل الآني لمشكلات المستهدفين ببرامجها، وتتمثل هذه الخدمات في الآتي:
1- منح شهرية لبعض النساء القطريات المعيلات لأسر واللواتي يتجاوز عمرهن وقدراتهن الأهلية للتدريب أو التنشيط الاقتصادي.
2- مساعدات موسمية ومتقطعة لحل الإشكاليات الطارئة ولتسديد ديون النساء العائلات لأسر والمعرضات للسجن نتيجة أسباب مقبولة.
3- مساعدات للأسر متدنية الدخل من المقيمين لإلحاق أبنائهم بالمدارس الحكومية أو مساعدتهم على تحمل جزء من مصروفات الدراسة في المدارس الخاصة.
4- تقديم مساعدات عينية ومادية متقطعة مساندة للمستهدفين ببرامج الدار.
5- تقديم بعض المنح العلاجية لبعض الحالات المستعصية.
وتتمثل أهم مشاريع هذا التوجه في الآتي:
أ- مشروع وحدة غسيل الكلى الخيري: بدأ العمل بهذا المشروع في مارس 1999 بإنشاء الوحدة الخيرية لمرضى الفشل الكلوي من المقيمين، ومنذ ذلك الحين تتبنى الدار تكلفة الغسيل لنحو 60 مريضاً في العام.
ب- خدمة منح علاجية لعمليات أطفال الأنابيب: تتحمل الدار تكاليف علاجية لمن حرم من الإنجاب لأسباب صحية وذلك بتحمل تكلفة أطفال الأنابيب بعد دراسة الحالة الاقتصادية.
ج- منح للدراسة الجامعية: وهي منح دراسية تمنح للمتفوقين من أبناء المقيمين من أبناء الأسر متدنية الدخل.
د- مشروع رداء الخير: تأسس هذا المشروع في عام 2000، ويتمثل في إعادة بيع الملابس المستعملة وإنفاق عوائدها على دعم البرامج الاجتماعية.
هـ- مشروع (أدومه وإن قل): أنشىء هذا المشروع في عام 2000، وهو مستمد من قول الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) وتستهدف الدار من مشروعها التخفيف من معاناة محدودي الدخل، وقد لقي المشروع تفاعلاً من المجتمع، والذي يشمل خدمات طبية متنوعة إلى جانب الخدمات العينية التي تشمل القسائم الغذائية والمساعدات العينية، وكسوة العيد والأضاحي، هذا علاوة على خدمات مادية كالمساعدات الشهرية والمقطوعة وتسديد فواتير الكهرباء والماء وكفالة الأسر وتسديد الديون، والإنفاق على برامج التوعية للأسر ورعاية أسر السجناء المفرج عنهم.
ثانياً- البرامج المنفذة في مجالات التمكين الاقتصادي:
سعت الدار إلى تبني استراتيجيات متعددة تساهم في تمكين المرأة اقتصادياً وتؤدي إلى تحسين مهاراتها ومشاركتها في الإنتاج والعمل بطرق متعددة، ويتم تطويرها استناداً إلى نتائج تقييم كل تجربة. وقد عملت الدار في المرحلة الأولى على تحقيق ذلك من خلال توفير تدريب في مجالات الحرف والمهن والأعمال الفنية والفندقة والضيافة والسكرتارية التنفيذية وإدارة المكاتب.
ومن المجالات التي أثبتت نجاحاً في هذا الشأن التدريب بالمشاركة في مجالي الخياطة وإعداد الأطعمة، وإنشاء مركز للتدريب على الحرف اليدوية.
ومن أهم البرامج المنفذة في هذا المجال برنامج (الخطوة الأولى): وهو برنامج تدريبي متكامل يستمر خمسة أسابيع يعنى بتحسين مهارات الفاقد التربوي والمساعدة على اكتشاف الذات وتحفيز المتدربين لمعرفة إمكاناتهم وقدراتهم، ويعمل هذا البرنامج على تأسيس وتطوير الكوادر الوطنية بين الجنسين، كما أنه يقوم بالتوجيه المعنوي من خلال المشاركات الحكومية والخاصة واستقطاب المتدربين وإيجاد فرص عمل لهم. ويركز هذا البرنامج على إدارة الذات ومهارات الاتصال وكتابة التقارير واللغة الإنجليزية ومهارات الحاسوب. وقد تم إطلاق ست دفعات ضمت العشرات من المتدربات، وما زالت الدار تعمل على تطوير البرنامج بالتعاون مع الجهات الحكومية والخاصة ومنها بنك قطر الوطني الراعي الرسمي للمشروع.
ثالثاً- المشاريع الإنتاجية التشغيلية:
في إطار سياسة الدار في تفعيل مشاركة الأفراد في سوق العمل والإنتاج، فقد قامت بإنشاء العديد من الوحدات الإنتاجية لاستيعاب مخرجات التدريب وديمومته. ومن المشاريع المقامة في هذا المجال ما يلي:
1- مصنع الشيخة هيا بنت ناصر للخياطة المصنعية: أنشىء المصنع عام 2001 بهدف توفير فرص العمل لخريجات وحدة الخياطة والتصميم، وتعمل في المصنع الآن 45 امرأة من النساء العائلات لأسر في وحدة متخصصة بصنع الثياب الصناعية، ويعمل المصنع بالتنسيق مع المؤسسات الحكومية المختلفة لتوفير متطلباتها من الأزياء الرسمية.
2- الشركة القطرية الكورية للحياكة: يدار المشروع الذي تعمل فيه 150 امرأة بخبرات قطرية وكورية متخصصة، وتعمل في وحداته الإنتاجية إلى جانب الخبرة الفنية الكورية (20) من النساء القطريات كمتدربات بالمشاركة، بالإضافة إلى أربع نساء في المجال الإداري.
3- السندالة للإكسسوارات والهدايا التذكارية: يعنى هذا المشروع الذي أسسته دار الإنماء عام 2004 بتدريب النساء الشابات على تصنيع وتشكيل المعادن للاستفادة منها في صياغة أنواع من الحرف التقليدية، والزخارف والساعات والهدايا والإكسسوارات إلى جانب الأدوات الميكانيكية، ويعمل المشروع على توفير الاحتياجات المحلية من الهدايا التذكارية والإكسسوارات والدروع والمنتجات الدعائية للشركات والمؤسسات.
4- طاقم الضيافة للمناسبات: أنشىء هذا المشروع بهدف تشغيل مخرجات التدريب في الضيافة، وبعد مرور خمس سنوات تم تمليك المشروع لسيدة قطرية من الأسر محدودة الدخل، ويتكون فريق طاقم الضيافة من (30) من الفتيات والنساء المعيلات لأسر تم تدريبهن بوحدة الضيافة.
رابعاً- الترويج للمبادرات الذاتية ومشاريع التشغيل الذاتي للمرأة:
1- مشروع الأسرة العصرية: تأسس هذا المشروع في عام 2000 بهدف استثمار الإمكانات والقدرات والمهارات التي تتوفر لدى الأسر القطرية والوافدة والتي لم تتوفر لها الفرص المناسبة لاستغلال قدراتها واستثمارها تجارياً، ويبلغ عدد الأسر المنتسبة لهذا المشروع 170 أسرة منها 111 أسرة قطرية و59 أسرة غير قطرية، كما يبلغ عدد النساء اللاتي يشملهن المشروع 500 منهن 200 من المواطنات و300 من المقيمات.
وتشمل منتجات الأسر وأعمالهم الأشغال اليدوية والتراثية والفنية، إعداد وتجهيز الولائم، تعبئة البهارات وتنفيذ بعض الخلطات، تصنيع المربنات والمخللات، إعداد الحلويات والمعجنات والوجبات الجاهزة، الخياطة المنزلية، الترجمة والطباعة، تصميم المطبوعات، صيانة الأجهزة المنزلية، حرف يدوية، وقيادة السيارة…إلخ.
2- مشروع دعم المبادرات الذاتية للمرأة القطرية وصندوق إقراض المشاريع الصغيرة:
يهدف هذا المشروع المقام بالتعاون مع منظمة العمل الدولية إلى تشجيع ودعم فرص التشغيل الذاتي للنساء القطريات في سن العمل، وخاصة الخريجات ممن لم يستوعبهن سوق العمل، ويسعى المشروع إلى الاستفادة من خدمات مركز تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة الذي من المؤمل أن ينتهي العمل به نهاية العام الحالي.
ويقدم صندوق الإقراض القروض الميسرة والمنح المالية من دون فوائد للمستثمرين مع تسهيلات مريحة للسداد لمساعدتهم على بدء وتشغيل مشاريعهم.
خامساً- العمل التنموي والتنويري:
يشمل التنوير والإرشاد الفردي والجمعي، وتمارس وسائل الإعلام دوراً مهماً في ذلك، علاوة على المحاضرات والندوات والدورات التدريبية وورش العمل والدراسات التحليلية لقضايا المجتمع، ومن أهم المشاريع في هذا الشأن ما يلي:
1- جائزة قطر العمل التطوعي: تأسست الجائزة عام 2000 وتمنح من قبل بنك قطر الوطني، وتتشرف دار الإنماء الاجتماعي بتنظيم وإدارة الجائزة التي تهدف إلى الاهتمام بالجهود التطوعية والإنسانية التي يبذلها الأفراد والجماعات والمؤسسات تقديراً وتخليداً لأعمالهم وجهودهم، كما تهدف الجائزة إلى زيادة مساحة الوعي بدور العمل التطوعي في تنمية المجتمع، وتمنح الجائزة سنوياً إلى الفئات التالية: الطلاب، الأفراد، المشاريع، ومؤسسات النفع العام.
2- يوم الإنماء المهني: إن الهدف من تخصيص يوم الإنماء المهني في الرابع من إبريل من كل عام هو إجلاء الصورة النمطية التي تشوب العمل المهني عند عقول وأذهان العديد من أفراد المجتمع بهدف إشراك صانعي القرار والمجتمع في التصدي لظاهرة العزوف عن العمل المهني في ظل المتغيرات المتسارعة في المجتمع القطري، كما أنه فرصة لتشجيع الشباب للانخراط بسوق العمل المهني. ويتم في هذا اليوم عرض لتجارب شباب يتم تسليط الضوء على تجربتهم المهنية وكيف استطاعوا تحقيق طموحاتهم وأحلامهم من خلال هذا العمل.
وفي الختام نقول إن دار الإنماء الاجتماعي قد أسهمت مساهمة فاعلة وجادة في تحقيق الشراكة في التنمية من خلال مجموعة البرامج والأنشطة التي نفذتها بالتعاون مع بعض شركات القطاع الخاص وبعض المؤسسات والهيئات في الدولة، ومن المؤمل أن يتزايد الدور التنموي الذي تقوم به بإضافة دعم مركز تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة الذي تم تأسيسه نهاية عام 2007، والذي يفترض أن يقدم خدمات التدريب والمتابعة للمشاريع الصغيرة القائمة، ولتلك المشاريع التي يرغب الرياديون القطريون في تأسيسها وذلك لتمكينهم من تأسيس مشاريع صغيرة ناجحة ومجدية اقتصادياً، كما سيكون بمقدور المركز القيام بحملات توعية عن أهمية قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والقيام بدور مؤثر على الصعيد التنموي في دولة قطر.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1198::/cck::
::introtext::
قادت التحولات السياسية والاقتصادية التي حصلت في العقد الأخير من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين إلى حصول تغيرات كبيرة في الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية سواء من حيث التكتلات الاقتصادية أو التحالفات السياسية والصراع الأيديولوجي والحضاري.
::/introtext::
::fulltext::
قادت التحولات السياسية والاقتصادية التي حصلت في العقد الأخير من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين إلى حصول تغيرات كبيرة في الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية سواء من حيث التكتلات الاقتصادية أو التحالفات السياسية والصراع الأيديولوجي والحضاري.
أوجدت هذه التحولات مسارات جديدة ترتبط بأدوار الحكومات والكيانات المهنية والمجتمعية وإعادة صياغة العلاقات بينهما، كما أن اتساع حجم المجتمعات وزيادة الطلب على الخدمات كماً ونوعاً ساهما في ظهور وتكوين مؤسسات المجتمع المدني كشريك أساسي للقطاعين العام والخاص في صياغة المشهد الاقتصادي والاجتماعي خصوصاً بعد فشل السياسات التنموية في أغلب الدول النامية خلال العقود الأربعة الماضية.
وتمارس مؤسسات المجتمع المدني أدواراً مهمة، فهي باتت تمثل قوة اقتصادية واجتماعية وسياسية مؤثرة في المجتمع، ففي المجال السياسي تمارس دوراً فاعلاً في إقرار كثير من الاتفاقيات والمعاهدات الدولية ومراقبة حقوق الإنسان، ونشر الديمقراطية ومراقبة سلامة ونزاهة الانتخابات، وحماية البيئة، أما في المجال الاقتصادي والاجتماعي، فتقدم مؤسسات المجتمع المدني ممثلة في المنظمات غير الحكومية خدمات إنسانية وطبية ومعيشية وتعليمية للكثير من المتضررين من الحروب والكوارث الطبيعية، وتعتمد عليها مشاريع التنمية في الدول الفقيرة، حيث تسهم في توفير التمويل للعديد من المشاريع الصغيرة والمتوسطة التي توفر فرصاً ومصادر للدخل والعمل للفقراء في تلك الدول.
وفي دولة قطر شهدت منظمات المجتمع المدني اهتماماً كبيراً من قبل الحكومة التي أصدرت القوانين واللوائح التي تنظم عملها، كان آخرها القانون رقم (12) لعام 2004 بشأن تشكيل الجمعيات والمؤسسات الخاصة، علاوة على أن الدستور القطري أشار في المادة (45) منه إلى أن (حرية تكوين الجمعيات مكفولة، وفقاً للشروط والأوضاع التي يبينها القانون)، كما تجسد الاهتمام أيضاً بعقد العديد من الفعاليات الدولية والإقليمية المعنية بتفعيل الدور التنموي لمنظمات المجتمع المدني من أهمها مؤتمر الدور التكاملي للمنظمات غير الحكومية والحكومية والدولية في التنمية المستدامة عام 2002، والملتقى الثالث لمنظمات المجتمع المدني في الدول العربية ودورها في التنمية الذي عقد في عام 2006.
وشهد قطاع مؤسسات المجتمع المدني في دولة قطر تطوراً ملحوظاً خلال العشر سنوات المنصرمة سواء في إعداد هذه المؤسسات الذي وصل إلى أكثر من 70 مؤسسة في عام 2004، أو في تنوع أنشطتها، حيث تعددت مساهمتها التنموية في مجالات التدريب والصناعات التقليدية والحرف، ومحاربة الفقر، ومختلف برامج الرعاية الاجتماعية والثقافية، أو من حيث توسع قاعدة المستهدفين من مناشطها لتشمل الأطفال والمرأة والشباب والفئات المحتاجة من أرامل وأسر محدودة الدخل، وذوي الاحتياجات الخاصة من مسنين ومعاقين وأحداث بمساعدتهم على مواجهة أعباء المعيشة، وتجاوز مشكلاتهم وتمكينهم من الاندماج الاجتماعي، وتقديم كافة أشكال الرعاية الاجتماعية والنفسية والصحية والتعليمية لهم.
وتعد دار (الإنماء الاجتماعي) التي أنشئت في عام 1996 تحت الرعاية الكريمة للشيخة موزة بنت ناصر المسند حرم أمير دولة قطر إحدى أهم منظمات المجتمع المدني التي لها دور فاعل وريادي في دعم مسيرة التنمية الاقتصادية والاجتماعية في الدولة، فقد استطاعت عبر عمرها القصير الذي لم يتجاوز 12 عاماً إحداث تغيرات جوهرية في أهدافها وبنيتها التنظيمية، وطبيعة الأنشطة والبرامج التي تقدمها إلى شرائح المجتمع، وتمكنت من تفعيل دورها المجتمعي وتحسين أداء الخدمات التي تقدمها للفئات المستفيدة، حيث تتمثل رؤيتها في (بناء أسر مستقرة تعتمد على نفسها لتساهم في تطوير المجتمع). وتهدف الدار إلى تحقيق الآتي:
1- تعزيز دور الأسرة في المجتمع والمحافظة على تماسكها واستقرارها الاجتماعي والاقتصادي.
2- رفع المستوى الاقتصادي للأسر ذات الدخل المتدني وتمكينها اقتصادياً، وتوفير فرص عمل لها من خلال المشاريع الإنتاجية والتنموية.
3- رصد الظواهر الاجتماعية المختلفة وإجراء الدراسات العلمية حولها، وتقديم المقترحات بشأنها.
4- المحافظة على الموروث الشعبي والتقليدي وإحياء وتطوير الحرف اليدوية.
5- تهيئة أفراد المجتمع لمواكبة التغيرات الناتجة عن العولمة.
وكي تحقق الدار هذه الأهداف فقد قامت وتقوم بتنفيذ العديد من البرامج والأنشطة التي يمكن تصنيفها في إطار التوجهات التالية:
أولاً- برامج الدعم والمساندة:
هي عبارة عن خدمات مساندة تقوم بها إدارة الخدمات الاجتماعية في دار الإنماء الاجتماعي بهدف الحل الآني لمشكلات المستهدفين ببرامجها، وتتمثل هذه الخدمات في الآتي:
1- منح شهرية لبعض النساء القطريات المعيلات لأسر واللواتي يتجاوز عمرهن وقدراتهن الأهلية للتدريب أو التنشيط الاقتصادي.
2- مساعدات موسمية ومتقطعة لحل الإشكاليات الطارئة ولتسديد ديون النساء العائلات لأسر والمعرضات للسجن نتيجة أسباب مقبولة.
3- مساعدات للأسر متدنية الدخل من المقيمين لإلحاق أبنائهم بالمدارس الحكومية أو مساعدتهم على تحمل جزء من مصروفات الدراسة في المدارس الخاصة.
4- تقديم مساعدات عينية ومادية متقطعة مساندة للمستهدفين ببرامج الدار.
5- تقديم بعض المنح العلاجية لبعض الحالات المستعصية.
وتتمثل أهم مشاريع هذا التوجه في الآتي:
أ- مشروع وحدة غسيل الكلى الخيري: بدأ العمل بهذا المشروع في مارس 1999 بإنشاء الوحدة الخيرية لمرضى الفشل الكلوي من المقيمين، ومنذ ذلك الحين تتبنى الدار تكلفة الغسيل لنحو 60 مريضاً في العام.
ب- خدمة منح علاجية لعمليات أطفال الأنابيب: تتحمل الدار تكاليف علاجية لمن حرم من الإنجاب لأسباب صحية وذلك بتحمل تكلفة أطفال الأنابيب بعد دراسة الحالة الاقتصادية.
ج- منح للدراسة الجامعية: وهي منح دراسية تمنح للمتفوقين من أبناء المقيمين من أبناء الأسر متدنية الدخل.
د- مشروع رداء الخير: تأسس هذا المشروع في عام 2000، ويتمثل في إعادة بيع الملابس المستعملة وإنفاق عوائدها على دعم البرامج الاجتماعية.
هـ- مشروع (أدومه وإن قل): أنشىء هذا المشروع في عام 2000، وهو مستمد من قول الرسول الكريم محمد (صلى الله عليه وسلم) (أحب العمل إلى الله أدومه وإن قل) وتستهدف الدار من مشروعها التخفيف من معاناة محدودي الدخل، وقد لقي المشروع تفاعلاً من المجتمع، والذي يشمل خدمات طبية متنوعة إلى جانب الخدمات العينية التي تشمل القسائم الغذائية والمساعدات العينية، وكسوة العيد والأضاحي، هذا علاوة على خدمات مادية كالمساعدات الشهرية والمقطوعة وتسديد فواتير الكهرباء والماء وكفالة الأسر وتسديد الديون، والإنفاق على برامج التوعية للأسر ورعاية أسر السجناء المفرج عنهم.
ثانياً- البرامج المنفذة في مجالات التمكين الاقتصادي:
سعت الدار إلى تبني استراتيجيات متعددة تساهم في تمكين المرأة اقتصادياً وتؤدي إلى تحسين مهاراتها ومشاركتها في الإنتاج والعمل بطرق متعددة، ويتم تطويرها استناداً إلى نتائج تقييم كل تجربة. وقد عملت الدار في المرحلة الأولى على تحقيق ذلك من خلال توفير تدريب في مجالات الحرف والمهن والأعمال الفنية والفندقة والضيافة والسكرتارية التنفيذية وإدارة المكاتب.
ومن المجالات التي أثبتت نجاحاً في هذا الشأن التدريب بالمشاركة في مجالي الخياطة وإعداد الأطعمة، وإنشاء مركز للتدريب على الحرف اليدوية.
ومن أهم البرامج المنفذة في هذا المجال برنامج (الخطوة الأولى): وهو برنامج تدريبي متكامل يستمر خمسة أسابيع يعنى بتحسين مهارات الفاقد التربوي والمساعدة على اكتشاف الذات وتحفيز المتدربين لمعرفة إمكاناتهم وقدراتهم، ويعمل هذا البرنامج على تأسيس وتطوير الكوادر الوطنية بين الجنسين، كما أنه يقوم بالتوجيه المعنوي من خلال المشاركات الحكومية والخاصة واستقطاب المتدربين وإيجاد فرص عمل لهم. ويركز هذا البرنامج على إدارة الذات ومهارات الاتصال وكتابة التقارير واللغة الإنجليزية ومهارات الحاسوب. وقد تم إطلاق ست دفعات ضمت العشرات من المتدربات، وما زالت الدار تعمل على تطوير البرنامج بالتعاون مع الجهات الحكومية والخاصة ومنها بنك قطر الوطني الراعي الرسمي للمشروع.
ثالثاً- المشاريع الإنتاجية التشغيلية:
في إطار سياسة الدار في تفعيل مشاركة الأفراد في سوق العمل والإنتاج، فقد قامت بإنشاء العديد من الوحدات الإنتاجية لاستيعاب مخرجات التدريب وديمومته. ومن المشاريع المقامة في هذا المجال ما يلي:
1- مصنع الشيخة هيا بنت ناصر للخياطة المصنعية: أنشىء المصنع عام 2001 بهدف توفير فرص العمل لخريجات وحدة الخياطة والتصميم، وتعمل في المصنع الآن 45 امرأة من النساء العائلات لأسر في وحدة متخصصة بصنع الثياب الصناعية، ويعمل المصنع بالتنسيق مع المؤسسات الحكومية المختلفة لتوفير متطلباتها من الأزياء الرسمية.
2- الشركة القطرية الكورية للحياكة: يدار المشروع الذي تعمل فيه 150 امرأة بخبرات قطرية وكورية متخصصة، وتعمل في وحداته الإنتاجية إلى جانب الخبرة الفنية الكورية (20) من النساء القطريات كمتدربات بالمشاركة، بالإضافة إلى أربع نساء في المجال الإداري.
3- السندالة للإكسسوارات والهدايا التذكارية: يعنى هذا المشروع الذي أسسته دار الإنماء عام 2004 بتدريب النساء الشابات على تصنيع وتشكيل المعادن للاستفادة منها في صياغة أنواع من الحرف التقليدية، والزخارف والساعات والهدايا والإكسسوارات إلى جانب الأدوات الميكانيكية، ويعمل المشروع على توفير الاحتياجات المحلية من الهدايا التذكارية والإكسسوارات والدروع والمنتجات الدعائية للشركات والمؤسسات.
4- طاقم الضيافة للمناسبات: أنشىء هذا المشروع بهدف تشغيل مخرجات التدريب في الضيافة، وبعد مرور خمس سنوات تم تمليك المشروع لسيدة قطرية من الأسر محدودة الدخل، ويتكون فريق طاقم الضيافة من (30) من الفتيات والنساء المعيلات لأسر تم تدريبهن بوحدة الضيافة.
رابعاً- الترويج للمبادرات الذاتية ومشاريع التشغيل الذاتي للمرأة:
1- مشروع الأسرة العصرية: تأسس هذا المشروع في عام 2000 بهدف استثمار الإمكانات والقدرات والمهارات التي تتوفر لدى الأسر القطرية والوافدة والتي لم تتوفر لها الفرص المناسبة لاستغلال قدراتها واستثمارها تجارياً، ويبلغ عدد الأسر المنتسبة لهذا المشروع 170 أسرة منها 111 أسرة قطرية و59 أسرة غير قطرية، كما يبلغ عدد النساء اللاتي يشملهن المشروع 500 منهن 200 من المواطنات و300 من المقيمات.
وتشمل منتجات الأسر وأعمالهم الأشغال اليدوية والتراثية والفنية، إعداد وتجهيز الولائم، تعبئة البهارات وتنفيذ بعض الخلطات، تصنيع المربنات والمخللات، إعداد الحلويات والمعجنات والوجبات الجاهزة، الخياطة المنزلية، الترجمة والطباعة، تصميم المطبوعات، صيانة الأجهزة المنزلية، حرف يدوية، وقيادة السيارة…إلخ.
2- مشروع دعم المبادرات الذاتية للمرأة القطرية وصندوق إقراض المشاريع الصغيرة:
يهدف هذا المشروع المقام بالتعاون مع منظمة العمل الدولية إلى تشجيع ودعم فرص التشغيل الذاتي للنساء القطريات في سن العمل، وخاصة الخريجات ممن لم يستوعبهن سوق العمل، ويسعى المشروع إلى الاستفادة من خدمات مركز تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة الذي من المؤمل أن ينتهي العمل به نهاية العام الحالي.
ويقدم صندوق الإقراض القروض الميسرة والمنح المالية من دون فوائد للمستثمرين مع تسهيلات مريحة للسداد لمساعدتهم على بدء وتشغيل مشاريعهم.
خامساً- العمل التنموي والتنويري:
يشمل التنوير والإرشاد الفردي والجمعي، وتمارس وسائل الإعلام دوراً مهماً في ذلك، علاوة على المحاضرات والندوات والدورات التدريبية وورش العمل والدراسات التحليلية لقضايا المجتمع، ومن أهم المشاريع في هذا الشأن ما يلي:
1- جائزة قطر العمل التطوعي: تأسست الجائزة عام 2000 وتمنح من قبل بنك قطر الوطني، وتتشرف دار الإنماء الاجتماعي بتنظيم وإدارة الجائزة التي تهدف إلى الاهتمام بالجهود التطوعية والإنسانية التي يبذلها الأفراد والجماعات والمؤسسات تقديراً وتخليداً لأعمالهم وجهودهم، كما تهدف الجائزة إلى زيادة مساحة الوعي بدور العمل التطوعي في تنمية المجتمع، وتمنح الجائزة سنوياً إلى الفئات التالية: الطلاب، الأفراد، المشاريع، ومؤسسات النفع العام.
2- يوم الإنماء المهني: إن الهدف من تخصيص يوم الإنماء المهني في الرابع من إبريل من كل عام هو إجلاء الصورة النمطية التي تشوب العمل المهني عند عقول وأذهان العديد من أفراد المجتمع بهدف إشراك صانعي القرار والمجتمع في التصدي لظاهرة العزوف عن العمل المهني في ظل المتغيرات المتسارعة في المجتمع القطري، كما أنه فرصة لتشجيع الشباب للانخراط بسوق العمل المهني. ويتم في هذا اليوم عرض لتجارب شباب يتم تسليط الضوء على تجربتهم المهنية وكيف استطاعوا تحقيق طموحاتهم وأحلامهم من خلال هذا العمل.
وفي الختام نقول إن دار الإنماء الاجتماعي قد أسهمت مساهمة فاعلة وجادة في تحقيق الشراكة في التنمية من خلال مجموعة البرامج والأنشطة التي نفذتها بالتعاون مع بعض شركات القطاع الخاص وبعض المؤسسات والهيئات في الدولة، ومن المؤمل أن يتزايد الدور التنموي الذي تقوم به بإضافة دعم مركز تنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة الذي تم تأسيسه نهاية عام 2007، والذي يفترض أن يقدم خدمات التدريب والمتابعة للمشاريع الصغيرة القائمة، ولتلك المشاريع التي يرغب الرياديون القطريون في تأسيسها وذلك لتمكينهم من تأسيس مشاريع صغيرة ناجحة ومجدية اقتصادياً، كما سيكون بمقدور المركز القيام بحملات توعية عن أهمية قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة، والقيام بدور مؤثر على الصعيد التنموي في دولة قطر.
::/fulltext::
::cck::1198::/cck::
