المفاوضات الغربية-الإيرانية حول البرنامج النووي.. العقبات والنتائج
::cck::1224::/cck::
::introtext::
بعد توقف دام قرابة عام بسبب الانتخابات الرئاسية الأمريكية ونظيرتها الإيرانية استؤنفت المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني بعقد اجتماع جنيف في الأول من أكتوبر 2009 بمشاركة إيران والدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن، من بينها الولايات المتحدة التي شاركت لأول مرة في المفاوضات بشكل مباشر بعد أن كانت تترك هذه المهمة لدول الترويكا الأوروبية- بالإضافة إلى ألمانيا.
::/introtext::
::fulltext::
بعد توقف دام قرابة عام بسبب الانتخابات الرئاسية الأمريكية ونظيرتها الإيرانية استؤنفت المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني بعقد اجتماع جنيف في الأول من أكتوبر 2009 بمشاركة إيران والدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن، من بينها الولايات المتحدة التي شاركت لأول مرة في المفاوضات بشكل مباشر بعد أن كانت تترك هذه المهمة لدول الترويكا الأوروبية- بالإضافة إلى ألمانيا.
لقد اعتبرت موافقة إيران على الدخول في مفاوضات مباشرة حول برنامجها النووي تقدماً كبيراً ففي أوقات سابقة كانت إيران تعتبر التفاوض حول برنامجها النووي خطاً أحمر، لكن تحت وطأة التوترات الداخلية التي شهدتها منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة وما أثير حول نتائجها من شكوك في نزاهتها، وما أحدثته من انقسام في الجبهة الداخلية، فقد رأت الحكومة الإيرانية أنها بحاجة إلى تحقيق نجاحات خارجية يمكن أن تستقوي بها في إعادة توحيد الجبهة الداخلية التي تتوحد تلقائياً في الأوقات التي تتعرض فيها البلاد للخطر الخارجي.
ومن جهة أخرى فقد تزايدت حدة الضغوط الغربية على إيران وخاصة بعد الإعلان عن المنشأة النووية الجديدة في قم التي بدأ العمل فيها بشكل سري منذ ثلاثة أعوام، وكانت الإدارة الأمريكية تصر على فرض مزيد من العقوبات على إيران بنهاية أكتوبر 2009، لكنها تأجلت إلى آخر العام بعد تجاوب إيران مع مبدأ التفاوض وإعلانها في التاسع من سبتمبر2009 بياناً سياسياً تدعو فيه المجتمع الدولي إلى إجراء (مفاوضات شاملة وبناءة) من أجل حل المشكلات العديدة القائمة في العالم واستجابةً لذلك، وافقت الدول الست على استئناف المفاوضات مع إيران، لأن خيار التفاوض أفضل كثيراً مقارنة بخيار العمل العسكري بما له من تكلفة مادية وسياسية لا ترغب الولايات المتحدة في تحملها الآن خاصة أن العائد من الضربة العسكرية لن يحقق الأهداف المرجوة مع طرح خيار العقوبات الاقتصادية كبديل يمكن اللجوء إليه.
وقبيل عقد الاجتماع فجّر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد مبادرته باستعداد إيران لشراء الوقود النووي المخصب من الخارج، على أن يناقش الطرفان هذا الاقتراح في مباحثات جنيف، وقد انتهى اجتماع جنيف التشاوري بموافقة إيران المبدئية على فكرة تخصيب اليورانيوم في الخارج وكذلك تم الاتفاق على لقاء موسع وتفصيلي يجري في فيينا في التاسع عشر من الشهر ذاته.
اجتماع فيينا
عقد اجتماع فيينا لمدة ثلاثة أيام بدءاً من 19 أكتوبر 2009 بعد أن سرت موجة من التفاؤل والتوقعات الإيجابية بعد اجتماع جنيف بقرب التوصل مع إيران لاتفاق حتى لو كان اتفاقاً جزئياً، إلا أن إيران تسببت في حدوث حالة من الارتباك والجدل استهلكت اليوم الأول من المفاوضات بعد أن أعلنت رفضها حضور فرنسا في مباحثات فيينا وعدم مشاركتها في أي اتفاق، وذلك بسبب تقاعس فرنسا عن الوفاء بالتزامات نووية سابقة تجاه إيران قبل قيام الثورة، مع أن فرنسا كانت قد شاركت في مباحثات جنيف ولم تثر طهران مثل هذا الاعتراض من قبل، إلا أنها عادت وقبلت مشاركة فرنسا بعد اتصالات وضغوط مكثفة من كافة الأطراف، ثم طرح الدكتور محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية المنقضية ولايته في آخر ديسمبر 2009، صيغة الاتفاق التي أعدها على الأطراف كلها طالباً الرد عليه خلال أسبوع، وتضمنت هذه الصيغة أن تقوم إيران بتسليم ما لديها من كميات يورانيوم مخصب بنسبة منخفضة (3.5- 5 في المائة) إلى روسيا، لترفع نسبة تخصيبه إلى حوالي 18 في المائة لتسلمه بدورها إلى فرنسا لإدخال تعديلات وتحويله إلى قضبان وقود بنسبة إثراء 19.7 في المائة صالحة للاستخدام في المجالات الطبية، ثم يجري تسليمه بعد ذلك إلى إيران لاستخدامه، على أن يعاد الوقود المستنفذ بعد استخدامه إلى روسيا مرة أخرى.
إلا أن إيران بعد انتهاء الأسبوع طالبت بمهلة أخرى، وبعد انتهاء الأخيرة فاجأت إيران الجميع بأنها ترغب في إدخال تعديلات على مسودة الاتفاق الذي لا يلبي طموحات إيران، وتزامن ذلك مع عودة أصوات رسمية إيرانية للخطاب المتشدد الخاص (بعدم التنازل عن الحقوق النووية)، وأن إيران (لن توقف عمليات التخصيب تحت أي ظرف).
وعلى الرغم من أن الرئيس الإيراني نفسه كان صاحب اقتراح تخصيب اليورانيوم خارج إيران، فإن طهران اعترضت على تسليم كل كمية اليورانيوم التي تملكها (1200 كيلوغرام) والتي ينبغي أن تقدمها إلى روسيا لرفع نسبة تخصيبها، وفقاً لمقترح البرادعي في فيينا، فهي ترى أن الكمية المطلوبة لأغراض الاستخدام الطبي لا تتجاوز 300 كيلوغرام فقط، وبالتالي لا ترى مبرراً لتسليم روسيا كل الكمية المتاحة لديها، كما طالبت إيران بإجراء تعديلات على الترتيبات الإجرائية الخاصة بعمليات تسليم وتسلم اليورانيوم المُخصب سواء من ناحية التسلسل الزمني أو إجراءات وضمانات التسليم والتسلم ذاتهما، فضلاً عن جوانب أخرى في الاتفاق مالية وقانونية، ثم ذهبت إيران إلى ما هو أبعد بإعلانها الحاجة إلى إقامة من (10 – 20) منشأة نووية جديدة، وأنها ربما تلجأ إلى إنتاج اليورانيوم المُخصب المطلوب بنسبة 20 في المائة ذاتياً، قبل أن تعود وتطلب مرة أخرى إتمام عملية تبادل اليورانيوم وفق اتفاق فيينا، لكن فوق جزيرة كيش الإيرانية الواقعة في الخليج.

كانت إيران تعتبر التفاوض حول برنامجها النووي خطاً أحمر
عقبات دون التفاهم
هناك عدة عقبات رئيسية تحول دون التوصل الى تفاهم بين إيران والدول الغربية منها:
* إن هناك حالة من عدم الثقة والشكوك المتبادلة تاريخياً بين الطرفين تقف كحجر عثرة أمام حدوث أي تقدم حقيقي، فضلاً عن وجود تباين في الرؤى والأهداف، فطهران ترى أنه من حقها أن يكون لديها برنامجها النووي السلمي المخصص للأغراض العلمية حسبما هو معلن رسمياً، وربما كان هدفها السري هو الرغبة في امتلاك قنبلة نووية، وهذا ما يحذره الغرب، لذا فإن الغربيين لديهم شكوك قوية في أن إيران تسعى إلى امتلاك السلاح النووي بما يقلب موازين القوى في المنطقة وبما يعرض المصالح الغربية وأمن إسرائيل للخطر، إلى جانب دعم طهران صراحة لقوى المقاومة التي يعتبرها الغرب منظمات إرهابية.
* إن طهران قد يكون لديها (مخاوف أمنية مبررة) ومنها أن هناك عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين على حدودها من الجانبين، كما أن واشنطن لا تخفي رغبتها في تغيير النظام، ووكالة المخابرات الأمريكية تمول جماعات تهدف الى الإطاحة بالحكومة، فضلاً عن أن الإيرانيين يعيشون في منطقة محاطة بقوى نووية، إسرائيل وروسيا والصين والهند وباكستان.
سلوك المفاوض الإيراني كان ينحى في اتجاه المناورة بالتشدد تارة والتراخي تارة أخرى
* دأبت إيران على اتباعتكتيكات تفاوضية، لذا فقد ظلت المناورة والمماطلة والتسويف أحد أسلحة طهران المهمة تستعملها بكفاءة وفاعلية في الوقت المناسب، ويلاحظ أن سلوك المفاوض الإيراني كان ينحى في اتجاه المناورة بالتشدد تارة والتراخي تارة أخرى، فكلما وصل الموقف إلى حافة الهاوية لجأت إيران إلى المناورة، فرغم القبول التكتيكي لطهران بتخصيب اليورانيوم في مباحثات جنيف وطرحه بشكل رسمي في فيينا إلا أنها عادت لسياستها في المماطلة والتسويف وقتل الوقت بتأخير ردها على مقترح فيينا، وفي حال القبول باتفاق معين إذا هي تثير القضايا الجزئية والتفصيلية مثلما حدث بعد اتفاق فيينا، فقد أثارت التفاصيل المتعلقة بطريقة تسليم وتسلم اليورانيوم، مروراً بآليات وضمانات شحن وتفريغ تلك الكميات والبلاد التي ستمر بها، وكذلك الفريق الفني والأمني المسؤول عنها، انتهاء بالمقابل المالي وما إذا كان سيتم تحويله مقدماً أم بعد الاستلام، وهل ستدفع إيران مقابل تلك العملية نقداً أم ستطالب بخصم تلك الأموال من أرصدتها المجمدة في المصارف الأمريكية؟ لتفتح بذلك باباً جديداً للجدال والتفاوض حول كل تفصيلة دقيقة من تفصيلات أي اتفاق مع الأطراف الغربية، الأمر الذي يُكسب النظام الإيراني وقتاً ثميناً، حيث تأمل إيران بالوصول إلى نقطة اللاعودة.
ويقول بول انغرام مدير المجلس البريطاني الأمريكي للمعلومات الأمنية في تعليقه على اجتماع جنيف (إن الإيرانيين يكسبون بعض الوقت في لعبة في غاية التعقيد، فإيران لجأت إلى امتصاص الضغوط الدولية، وتجنبت الدخول في مواجهات، وفي الوقت ذاته لم تقدم تنازلات كاملة تعيق بصورة شاملة برنامجها النووي، حيث فرّغت تجاوبها مع الضغوط الدولية من مضمونها)، وينطبق القول نفسه على تداعيات ما بعد اجتماع فيينا أو أي اجتماعات قادمة.
نتائج المفاوضات
لقد أسفرت جولتا المفاوضات التي جرت في جنيف وفيينا عن مجموعة من النتائج الجديدة، وكشفتا عما هو قائم منها، حيث تمثلت أهم نتائج التفاوض في المشاركة المباشرة الرفيعة المستوى من الولايات المتحدة الأمريكية بحضور ويليام بيرنز مساعد وزير الخارجية في عملية التفاوض، بما يعزز من التكهنات التي تشير إلى أن مباحثات على أعلى مستوى جرت في سرية تامة بين طهران وواشنطن، وأن الرئيس أوباما شخصياً شارك في بعض تلك اللقاءات التي وصلت إلى توافقات عامة لم يتبق سوى مناقشتها والاتفاق بشأنها في لقاءات علنية، وبذا فقد تحولت دفة العلاقة من التوتر المستمر إلى التواصل البناء.
والخلاصة أن المواجهة التفاوضية بين الجانبين أصبحت مباشرة، فقد خرج الملف النووي من نطاق التراشق عن بعد أو من خلال الحرب النفسية والإعلامية المتبادلة، فجلس الطرفان على مائدة التفاوض وجهاً لوجه، وأصبح كل طرف أمام مسؤولياته بشكل مباشر، لذا لوحظ أن اللهجة الأمريكية والغربية عموماً أصبحت أهدأ وأكثر موضوعية وواقعية.
كما بدا للجميع أن إيران لن تتخلى عن سياستها النووية التي تجمع بين تمديد الوقت وتمرير برنامجها بسهولة، خاصة أنها تدرك جيداً أن الغرب على قناعة بفداحة الحل العسكري وربما أسقط من خياراته في التعامل مع إيران، وهي تدرك جيداً أيضاً أن هناك العديد من الحسابات التي تجعل الرئيس الأمريكي باراك أوباما لا يقدم على مهاجمة إيران بفعل تطورات الأزمة المالية التي مرت بها الولايات المتحدة، كما أن إدارته لا تزال تعاني وتكابد سياسات سلفه بوش الابن وتوريطه للجيش الأمريكي في المستنقع العراقي ونظيره الأفغاني، كما أن قناعات الرئيس الأمريكي لا تميل ناحية استخدام القوة، وتتميز توجّهاته الخارجية بالإيجابية تجاه العالم ككل، وبصفة خاصة نحو روسيا وهي حليف دولي شديد الأهمية لإيران. فكلّما زادت خطى التقارب بين واشنطن وموسكو، زادت الضغوط على إيران، وإن كانت الولايات المتحدة قد لمحت إلى أن الخيار العسكري لا يزال قائماً، حيث نقلت واشنطن إلى طهران عبر بكين أن إدارة أوباما لم تعد قادرة على الاستمرار في كبح إسرائيل عن ضرب إيران أكثر من ذلك.
وأخيراً يمكن القول إن اتفاق فيينا المتعثر ليس من المتوقع أن يتم قريباً، فإذا تم له النجاح فسيظل مجرد اتفاق مرحلي جزئي من مجمل الملف النووي الإيراني، فهو مجرد خطوة في طريق طويل وشاق.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1224::/cck::
::introtext::
بعد توقف دام قرابة عام بسبب الانتخابات الرئاسية الأمريكية ونظيرتها الإيرانية استؤنفت المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني بعقد اجتماع جنيف في الأول من أكتوبر 2009 بمشاركة إيران والدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن، من بينها الولايات المتحدة التي شاركت لأول مرة في المفاوضات بشكل مباشر بعد أن كانت تترك هذه المهمة لدول الترويكا الأوروبية- بالإضافة إلى ألمانيا.
::/introtext::
::fulltext::
بعد توقف دام قرابة عام بسبب الانتخابات الرئاسية الأمريكية ونظيرتها الإيرانية استؤنفت المفاوضات حول البرنامج النووي الإيراني بعقد اجتماع جنيف في الأول من أكتوبر 2009 بمشاركة إيران والدول الخمس الكبرى الدائمة العضوية في مجلس الأمن، من بينها الولايات المتحدة التي شاركت لأول مرة في المفاوضات بشكل مباشر بعد أن كانت تترك هذه المهمة لدول الترويكا الأوروبية- بالإضافة إلى ألمانيا.
لقد اعتبرت موافقة إيران على الدخول في مفاوضات مباشرة حول برنامجها النووي تقدماً كبيراً ففي أوقات سابقة كانت إيران تعتبر التفاوض حول برنامجها النووي خطاً أحمر، لكن تحت وطأة التوترات الداخلية التي شهدتها منذ الانتخابات الرئاسية الأخيرة وما أثير حول نتائجها من شكوك في نزاهتها، وما أحدثته من انقسام في الجبهة الداخلية، فقد رأت الحكومة الإيرانية أنها بحاجة إلى تحقيق نجاحات خارجية يمكن أن تستقوي بها في إعادة توحيد الجبهة الداخلية التي تتوحد تلقائياً في الأوقات التي تتعرض فيها البلاد للخطر الخارجي.
ومن جهة أخرى فقد تزايدت حدة الضغوط الغربية على إيران وخاصة بعد الإعلان عن المنشأة النووية الجديدة في قم التي بدأ العمل فيها بشكل سري منذ ثلاثة أعوام، وكانت الإدارة الأمريكية تصر على فرض مزيد من العقوبات على إيران بنهاية أكتوبر 2009، لكنها تأجلت إلى آخر العام بعد تجاوب إيران مع مبدأ التفاوض وإعلانها في التاسع من سبتمبر2009 بياناً سياسياً تدعو فيه المجتمع الدولي إلى إجراء (مفاوضات شاملة وبناءة) من أجل حل المشكلات العديدة القائمة في العالم واستجابةً لذلك، وافقت الدول الست على استئناف المفاوضات مع إيران، لأن خيار التفاوض أفضل كثيراً مقارنة بخيار العمل العسكري بما له من تكلفة مادية وسياسية لا ترغب الولايات المتحدة في تحملها الآن خاصة أن العائد من الضربة العسكرية لن يحقق الأهداف المرجوة مع طرح خيار العقوبات الاقتصادية كبديل يمكن اللجوء إليه.
وقبيل عقد الاجتماع فجّر الرئيس الإيراني محمود أحمدي نجاد مبادرته باستعداد إيران لشراء الوقود النووي المخصب من الخارج، على أن يناقش الطرفان هذا الاقتراح في مباحثات جنيف، وقد انتهى اجتماع جنيف التشاوري بموافقة إيران المبدئية على فكرة تخصيب اليورانيوم في الخارج وكذلك تم الاتفاق على لقاء موسع وتفصيلي يجري في فيينا في التاسع عشر من الشهر ذاته.
اجتماع فيينا
عقد اجتماع فيينا لمدة ثلاثة أيام بدءاً من 19 أكتوبر 2009 بعد أن سرت موجة من التفاؤل والتوقعات الإيجابية بعد اجتماع جنيف بقرب التوصل مع إيران لاتفاق حتى لو كان اتفاقاً جزئياً، إلا أن إيران تسببت في حدوث حالة من الارتباك والجدل استهلكت اليوم الأول من المفاوضات بعد أن أعلنت رفضها حضور فرنسا في مباحثات فيينا وعدم مشاركتها في أي اتفاق، وذلك بسبب تقاعس فرنسا عن الوفاء بالتزامات نووية سابقة تجاه إيران قبل قيام الثورة، مع أن فرنسا كانت قد شاركت في مباحثات جنيف ولم تثر طهران مثل هذا الاعتراض من قبل، إلا أنها عادت وقبلت مشاركة فرنسا بعد اتصالات وضغوط مكثفة من كافة الأطراف، ثم طرح الدكتور محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية المنقضية ولايته في آخر ديسمبر 2009، صيغة الاتفاق التي أعدها على الأطراف كلها طالباً الرد عليه خلال أسبوع، وتضمنت هذه الصيغة أن تقوم إيران بتسليم ما لديها من كميات يورانيوم مخصب بنسبة منخفضة (3.5- 5 في المائة) إلى روسيا، لترفع نسبة تخصيبه إلى حوالي 18 في المائة لتسلمه بدورها إلى فرنسا لإدخال تعديلات وتحويله إلى قضبان وقود بنسبة إثراء 19.7 في المائة صالحة للاستخدام في المجالات الطبية، ثم يجري تسليمه بعد ذلك إلى إيران لاستخدامه، على أن يعاد الوقود المستنفذ بعد استخدامه إلى روسيا مرة أخرى.
إلا أن إيران بعد انتهاء الأسبوع طالبت بمهلة أخرى، وبعد انتهاء الأخيرة فاجأت إيران الجميع بأنها ترغب في إدخال تعديلات على مسودة الاتفاق الذي لا يلبي طموحات إيران، وتزامن ذلك مع عودة أصوات رسمية إيرانية للخطاب المتشدد الخاص (بعدم التنازل عن الحقوق النووية)، وأن إيران (لن توقف عمليات التخصيب تحت أي ظرف).
وعلى الرغم من أن الرئيس الإيراني نفسه كان صاحب اقتراح تخصيب اليورانيوم خارج إيران، فإن طهران اعترضت على تسليم كل كمية اليورانيوم التي تملكها (1200 كيلوغرام) والتي ينبغي أن تقدمها إلى روسيا لرفع نسبة تخصيبها، وفقاً لمقترح البرادعي في فيينا، فهي ترى أن الكمية المطلوبة لأغراض الاستخدام الطبي لا تتجاوز 300 كيلوغرام فقط، وبالتالي لا ترى مبرراً لتسليم روسيا كل الكمية المتاحة لديها، كما طالبت إيران بإجراء تعديلات على الترتيبات الإجرائية الخاصة بعمليات تسليم وتسلم اليورانيوم المُخصب سواء من ناحية التسلسل الزمني أو إجراءات وضمانات التسليم والتسلم ذاتهما، فضلاً عن جوانب أخرى في الاتفاق مالية وقانونية، ثم ذهبت إيران إلى ما هو أبعد بإعلانها الحاجة إلى إقامة من (10 – 20) منشأة نووية جديدة، وأنها ربما تلجأ إلى إنتاج اليورانيوم المُخصب المطلوب بنسبة 20 في المائة ذاتياً، قبل أن تعود وتطلب مرة أخرى إتمام عملية تبادل اليورانيوم وفق اتفاق فيينا، لكن فوق جزيرة كيش الإيرانية الواقعة في الخليج.

كانت إيران تعتبر التفاوض حول برنامجها النووي خطاً أحمر
عقبات دون التفاهم
هناك عدة عقبات رئيسية تحول دون التوصل الى تفاهم بين إيران والدول الغربية منها:
* إن هناك حالة من عدم الثقة والشكوك المتبادلة تاريخياً بين الطرفين تقف كحجر عثرة أمام حدوث أي تقدم حقيقي، فضلاً عن وجود تباين في الرؤى والأهداف، فطهران ترى أنه من حقها أن يكون لديها برنامجها النووي السلمي المخصص للأغراض العلمية حسبما هو معلن رسمياً، وربما كان هدفها السري هو الرغبة في امتلاك قنبلة نووية، وهذا ما يحذره الغرب، لذا فإن الغربيين لديهم شكوك قوية في أن إيران تسعى إلى امتلاك السلاح النووي بما يقلب موازين القوى في المنطقة وبما يعرض المصالح الغربية وأمن إسرائيل للخطر، إلى جانب دعم طهران صراحة لقوى المقاومة التي يعتبرها الغرب منظمات إرهابية.
* إن طهران قد يكون لديها (مخاوف أمنية مبررة) ومنها أن هناك عشرات الآلاف من الجنود الأمريكيين على حدودها من الجانبين، كما أن واشنطن لا تخفي رغبتها في تغيير النظام، ووكالة المخابرات الأمريكية تمول جماعات تهدف الى الإطاحة بالحكومة، فضلاً عن أن الإيرانيين يعيشون في منطقة محاطة بقوى نووية، إسرائيل وروسيا والصين والهند وباكستان.
سلوك المفاوض الإيراني كان ينحى في اتجاه المناورة بالتشدد تارة والتراخي تارة أخرى
* دأبت إيران على اتباعتكتيكات تفاوضية، لذا فقد ظلت المناورة والمماطلة والتسويف أحد أسلحة طهران المهمة تستعملها بكفاءة وفاعلية في الوقت المناسب، ويلاحظ أن سلوك المفاوض الإيراني كان ينحى في اتجاه المناورة بالتشدد تارة والتراخي تارة أخرى، فكلما وصل الموقف إلى حافة الهاوية لجأت إيران إلى المناورة، فرغم القبول التكتيكي لطهران بتخصيب اليورانيوم في مباحثات جنيف وطرحه بشكل رسمي في فيينا إلا أنها عادت لسياستها في المماطلة والتسويف وقتل الوقت بتأخير ردها على مقترح فيينا، وفي حال القبول باتفاق معين إذا هي تثير القضايا الجزئية والتفصيلية مثلما حدث بعد اتفاق فيينا، فقد أثارت التفاصيل المتعلقة بطريقة تسليم وتسلم اليورانيوم، مروراً بآليات وضمانات شحن وتفريغ تلك الكميات والبلاد التي ستمر بها، وكذلك الفريق الفني والأمني المسؤول عنها، انتهاء بالمقابل المالي وما إذا كان سيتم تحويله مقدماً أم بعد الاستلام، وهل ستدفع إيران مقابل تلك العملية نقداً أم ستطالب بخصم تلك الأموال من أرصدتها المجمدة في المصارف الأمريكية؟ لتفتح بذلك باباً جديداً للجدال والتفاوض حول كل تفصيلة دقيقة من تفصيلات أي اتفاق مع الأطراف الغربية، الأمر الذي يُكسب النظام الإيراني وقتاً ثميناً، حيث تأمل إيران بالوصول إلى نقطة اللاعودة.
ويقول بول انغرام مدير المجلس البريطاني الأمريكي للمعلومات الأمنية في تعليقه على اجتماع جنيف (إن الإيرانيين يكسبون بعض الوقت في لعبة في غاية التعقيد، فإيران لجأت إلى امتصاص الضغوط الدولية، وتجنبت الدخول في مواجهات، وفي الوقت ذاته لم تقدم تنازلات كاملة تعيق بصورة شاملة برنامجها النووي، حيث فرّغت تجاوبها مع الضغوط الدولية من مضمونها)، وينطبق القول نفسه على تداعيات ما بعد اجتماع فيينا أو أي اجتماعات قادمة.
نتائج المفاوضات
لقد أسفرت جولتا المفاوضات التي جرت في جنيف وفيينا عن مجموعة من النتائج الجديدة، وكشفتا عما هو قائم منها، حيث تمثلت أهم نتائج التفاوض في المشاركة المباشرة الرفيعة المستوى من الولايات المتحدة الأمريكية بحضور ويليام بيرنز مساعد وزير الخارجية في عملية التفاوض، بما يعزز من التكهنات التي تشير إلى أن مباحثات على أعلى مستوى جرت في سرية تامة بين طهران وواشنطن، وأن الرئيس أوباما شخصياً شارك في بعض تلك اللقاءات التي وصلت إلى توافقات عامة لم يتبق سوى مناقشتها والاتفاق بشأنها في لقاءات علنية، وبذا فقد تحولت دفة العلاقة من التوتر المستمر إلى التواصل البناء.
والخلاصة أن المواجهة التفاوضية بين الجانبين أصبحت مباشرة، فقد خرج الملف النووي من نطاق التراشق عن بعد أو من خلال الحرب النفسية والإعلامية المتبادلة، فجلس الطرفان على مائدة التفاوض وجهاً لوجه، وأصبح كل طرف أمام مسؤولياته بشكل مباشر، لذا لوحظ أن اللهجة الأمريكية والغربية عموماً أصبحت أهدأ وأكثر موضوعية وواقعية.
كما بدا للجميع أن إيران لن تتخلى عن سياستها النووية التي تجمع بين تمديد الوقت وتمرير برنامجها بسهولة، خاصة أنها تدرك جيداً أن الغرب على قناعة بفداحة الحل العسكري وربما أسقط من خياراته في التعامل مع إيران، وهي تدرك جيداً أيضاً أن هناك العديد من الحسابات التي تجعل الرئيس الأمريكي باراك أوباما لا يقدم على مهاجمة إيران بفعل تطورات الأزمة المالية التي مرت بها الولايات المتحدة، كما أن إدارته لا تزال تعاني وتكابد سياسات سلفه بوش الابن وتوريطه للجيش الأمريكي في المستنقع العراقي ونظيره الأفغاني، كما أن قناعات الرئيس الأمريكي لا تميل ناحية استخدام القوة، وتتميز توجّهاته الخارجية بالإيجابية تجاه العالم ككل، وبصفة خاصة نحو روسيا وهي حليف دولي شديد الأهمية لإيران. فكلّما زادت خطى التقارب بين واشنطن وموسكو، زادت الضغوط على إيران، وإن كانت الولايات المتحدة قد لمحت إلى أن الخيار العسكري لا يزال قائماً، حيث نقلت واشنطن إلى طهران عبر بكين أن إدارة أوباما لم تعد قادرة على الاستمرار في كبح إسرائيل عن ضرب إيران أكثر من ذلك.
وأخيراً يمكن القول إن اتفاق فيينا المتعثر ليس من المتوقع أن يتم قريباً، فإذا تم له النجاح فسيظل مجرد اتفاق مرحلي جزئي من مجمل الملف النووي الإيراني، فهو مجرد خطوة في طريق طويل وشاق.
::/fulltext::
::cck::1224::/cck::
