الأزمة المالية العالمية.. الأسباب والنتائج
::cck::1250::/cck::
::introtext::
تعد الأزمة المالية العالمية التي يشهدها العالم اليوم من أكثر الأزمات التي شهدها الاقتصاد العالمي حدة منذ أزمة الكساد العظيم التي اجتاحت العالم خلال الفترة (1929-1933) والتي كانت لها تداعيات كبيرة على النظام المالي والاقتصادي العالمي برمته.
::/introtext::
::fulltext::
تعد الأزمة المالية العالمية التي يشهدها العالم اليوم من أكثر الأزمات التي شهدها الاقتصاد العالمي حدة منذ أزمة الكساد العظيم التي اجتاحت العالم خلال الفترة (1929-1933) والتي كانت لها تداعيات كبيرة على النظام المالي والاقتصادي العالمي برمته.
بدأت جذورهذه الأزمة المالية في أغسطس عام2007 بسبب تأخر سداد القروض العقارية الممنوحة برهون وضمانات غير كافية، علاوة على أن كثيراً من القروض الإسكانية منحت للمقترضين من أصحاب المراكز الائتمانية الضعيفة وغير المؤهلين للحصول على أسعار الفائدة الأقل السائدة في السوق العقارية المضمونة برهون من الدرجة الأولى، أي أن الأزمة مبعثها انفلات وتهور وعدم انضباط بأساسيات العمل المصرفي السليم، كما فاقم من هذه المشكلة محاولات التحايل على إجراءات الرقابة المصرفية المعتادة من خلال التخلص من هذه القروض المشكوك في تحصيلها وذلك بنقلها من موازنات المصارف وتحويلها إلى سندات ثم تسويقها إلى كثير من المؤسسات المالية بعروض وعوائد مغرية.
ولم تلبث هذه العمليات المصرفية أن واجهت مشكلات عند ارتفاع أسعار الفائدة في عام 2007 وبداية تدهور سوق العقار، حيث لاحظنا منذ صيف 2007 كثيراً من المصارف المتورطة في هذه الممارسات والتي بدأت تكشف عن خسائر كبيرة نتيجة لهذه المشكلة التي تبين فيما بعد أنها مشكلة كبيرة طالت الكثير من المؤسسات المالية في الولايات المتحدة وفي دول أوروبا وبقية دول العالم. وكنتيجة حتمية للخسائر المالية التي تكبدتها هذه المؤسسات لم يعد في ما تبقى من رؤوس أموالها ما يسمح لها بالقيام بأعمالها التمويلية الاعتيادية، الأمر الذي انعكس في صورة انكماش أعمال وتمويل هذه المصارف والمؤسسات، علاوة على تخوف هذه المؤسسات من التعامل مع مؤسسات ومصارف أخرى قد تكون متورطة في هذه الأزمة بصورة قد لا تسمح لها باسترجاع تمويلاتها وقروضها. ومن هنا نشأت مشكلة نقص السيولة كما قاد ذلك إلى ارتفاع تكاليف التمويل والحصول على السيولة المطلوبة. وسواء تعلقت المسألة بمشكلة الرهن العقاري التي تعد بداية الأزمة المالية أو ما نجم فيما بعد من أزمة سيولة، فكافة هذه الجوانب لا تزال تمثل أزمة أو خللاً في النظام المالي والمصرفي.
حل الأزمة المالية العالمية يتطلب ولادة فكر اقتصادي جديد من رحم الأزمة
إن أهم ما يميز هذه الأزمة عن بقية الأزمات التي مر بها الاقتصاد العالمي عبر تاريخه الطويل، أنها أزمة مركبة بدأت بأزمة الرهن العقاري (انهيار أسعار المساكن)، ثم انتقلت إلى أزمة في سوق الأوراق المالية (انهيار أسعار الأسهم في البورصات العالمية) وأخيراً إلى أزمة مصرفية تمثلت في تعرض المصارف لصعوبات مالية قادت إلى إفلاسها نتيجة للديون المتعثرة.
ويمكن القول إن أسباب هذه الأزمة ترجع إلى تحكم مؤسسات مالية كبيرة وعملاقة(مصارف وشركات استثمار) لا تعنى ببناء اقتصاد حقيقي، بل تعنى بتحقيق الربح من خلال دائرة منفصلة عن الاقتصاد الحقيقي، بل وفي عداء فعلي معه، حيث أصبح توليد الثروة يتم عن طريق المضاربات وعمليات المقامرة في البورصات، متجاوزة كل القواعد والمبادىء الصحيحة التي تستدعيها عمليات منح الائتمان وإجراءات العمل المصرفي السليم، كما أن هذه المؤسسات أهدرت معايير الكفاءة من خلال غياب الشفافية والمعلومات والتصنيف الخاطىء والمظلل للمخاطر والعوائد المرتبطة بها، علاوة على ضعف تطبيق نظم الإشراف والرقابة، وكان حصاد كل ذلك أن بلغت قيمة الاقتصاد المالي ثلاثة أضعاف قيمة الاقتصاد الحقيقي، حيث بلغت (148) تريليون دولار فيما بلغت قيمة الاقتصاد الحقيقي (48) تريليون دولار.
الأزمة المالية أسقطت الفكر الذي ينادي بتحجيم دور الدولة في النشاط الاقتصادي
إن الدرس المستفاد من هذه الأزمة يتمثل في سقوط نظرية أن السوق دائماً على حق، وكذلك سقوط الفكر الاقتصادي الذي ينادي بتحجيم دور الدولة في النشاط الاقتصادي والاكتفاء بدور المراقبة عن بعد، وفشل النظام المالي العالمي الذي ارتكز على اتفاقية (بريتون وودز) في معالجة الأزمة وتحقيق الاستقرار المالي العالمي.ويمكن القول إن أهم آثار تلك الأزمة تمثلت في الآتي:
أولاً- انخفاض معدلات النمو الاقتصادي العالمي
من المتوقع هبوط النمو العالمي إلى 0.5 في المائة في عام 2009، حيث لوحظ حدوث هبوط سريع في مستوى الناتج والتجارة العالميين خلال الشهور الأخيرة من عام 2008، وهو أدنى المعدلات المسجلة منذ الحرب العالمية الثانية. ورغم ما اتخذ من إجراءات واسعة النطاق على مستوى السياسات، فلا تزال الضغوط المالية على حدتها، مما يجذب الاقتصاد الحقيقي نحو الهبوط، ولن يتسنى تحقيق التعافي الاقتصادي الدائم حتى يستعيد القطاع المالي قدراته الوظيفية وتتم إزالة المعوقات المعطلة لأسواق الائتمان.
وتشير التوقعات الحالية لصندوق النقد الدولي إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات المتقدمة بنسبة 2 في المائة في عام 2009، وهي المرة الأولى التي يسجل فيها الناتج انكماشاً في مرحلة ما بعد الحرب الكونية الثانية، مع خسارة تراكمية تعادل الخسارة المسجلة في فترتي (1974-1975 و1980-1982). ومع ذلك يتوقع أن يبدأ تعافي الناتج في أواخر عام 2009 ليصل على واحد في المائة في عام 2010، وذلك إذا تم اتخاذ مزيد من التدابير الشاملة والمنسقة على مستوى السياسات المالية بحيث تسهم في عودة الأوضاع الاقتصادية إلى الأسواق، علاوة على توفير دفعة تنشيطية قوية من المالية العامة وإجراء تخفيضات كبيرة في أسعار الفائدة لدى كثير من الاقتصادات المتقدمة.
أما في الاقتصادات الصاعدة والنامية فمن المتوقع أن يشهد النمو فيها تباطؤاً حاداً من 6.25 في المائة في عام 2008 إلى 3.25 في المائة في عام 2009، تحت وطأة التراجع في الطلب على الصادرات وانخفاض الموارد الموجهة لتمويلها، وهبوط أسعار السلع الأولية، وازدياد قيود التمويل خصوصاً في الاقتصادات التي تعاني اختلالات كبيرة.
ثانياً– تزايد أعداد العاطلين عن العمل
تعد انعكاسات الأزمة المالية العالمية على سوق العمل من أشد المخاطر التي نشأت عن الأزمة، حيث تعرض سوق العمل إلى هزة كبيرة وتدهور الوضع المالي والإداري للشركات مما اضطرها للتخلي عن عدد كبير من موظفيها، حيث تشير أحدث الإحصائيات إلى معدل البطالة في الاقتصاد الأمريكي وصل إلى (8.5 في المائة) وهو أعلى معدل منذ عام 1974، كما أن عدد فرص العمل التي تم فقدها في الولايات المتحدة منذ بداية الركود الكبير حتى مطلع فبراير 2009 كان بحدود (3.6) مليون فرصة عمل، كما وصل معدل البطالة في دول الاتحاد الأوروبي إلى (8 في المائة) في مطلع العام الحالي.
51 مليون وظيفة في شتى أنحاء العالم قد تختفي بنهاية العام الحالي نتيجة للتباطؤ الاقتصادي بسبب الأزمة المالية
ويشير تقرير صدر في يناير 2009 عن منظمة العمل الدولية والمعنون (اتجاهات الاستخدام العالمية)إلى أن ما يصل إلى 51 مليون وظيفة في شتى أنحاء العالم قد تختفي بنهاية العام الحالي نتيجة للتباطؤ الاقتصادي بسبب الأزمة المالية، وأن هذا سيؤدي إلى زيادة نسبة البطالة عالمياً إلى 7.1 في المائة في نهاية عام 2009 مقارنة بـ 6 في المائة في عام 2008 و5.7 في المائة في عام 2007، وفي أكثر توقعات منظمة العمل الدولية تفاؤلاً فإن (18) مليون شخص سيفقدون وظائفهم بالإضافة إلى توقعات المنظمة السابقة، مما يعني خسارة 6.1 في المائة من الوظائف عالمياً.وستكون الدول النامية الأكثر تضرراً من خسائر الوظائف الإضافية. كما يشير التقرير إلى أنه إذا تفاقم الكساد في عام 2009 وهو ما يتوقعه كثير من الخبراء فستتفاقم أزمة الوظائف العالمية بشدة، ويمكننا أن نتوقع تدهور الدخل وظروف العمل الأخرى بالنسبة لكثيرين ممن سينجحون في الاحتفاظ بوظائفهم.
ثالثاً– الآثار المترتبة على القطاع المصرفي العالمي
تضرر القطاع المصرفي العالمي كثيراً من نتائج الأزمة المالية، حيث أدت إلى إفلاس العديد من المصارف والمؤسسات المالية منها على سبيل المثال بنك (ليمان براذرز) وتعثر العديد منها، وقد بلغت خسائر المصارف الأوروبية والأمريكية نتيجة لأزمة الرهن العقاري نحو (500) مليار دولار. أما بالنسبة للمصارف وبنوك الاستثمار التي لم تتعرض لخسائر فقد انخفضت أرباحها خلال عام 2008 بنسب كبيرة جداً نتيجة لتراجع الإيرادات في كافة الأنشطة.
ولمواجهة عمليات الإفلاس والتعثر التي تتعرض لها المصارف عمدت الحكومات في الولايات المتحدة وأوروبا وفي آسيا إلى تبني حملة إنقاذ لها، حيث تقدر قيمة خطة تنشيط الاقتصاد العالمي بنحو (2.25) تريليون دولار منها (787) تريليون دولار خطة إنقاذ الاقتصاد الأمريكي التي وافق عليها الكونغرس الأمريكي والتي تتضمن ضمانات ائتمانية وضخ المزيد من الأموال بهدف زيادة السيولة في القطاع المصرفي ودعم المصدرين في إطار الجهود العالمية لتحقيق استقرار الأسواق العالمية.
رابعاً- تراجع قيمة الأسهم في الأسواق العالمية
تراجعت قيمة الأسهم في أسواق الأوراق المالية العالمية، حيث قدر جيرمي باي نائب رئيس في مؤسسة الأبحاث والتسويق (أس آند ب كابيتال أي كيو) الخسائر العالمية في سوق الأوراق المالية على الصعيد العالمي حتى مطلع عام 2009 بنحو (13) تريليون دولار، منها (7) تريليونات دولار في الولايات المتحدة مما يشكل حوالي (54 في المائة) من إجمالي خسائر أسواق الأوراق المالية في العالم.
ويتفاوت التراجع في قيمة الأسهم بين أقاليم العالم، حيث كان التراجع الأكبر في قيمة الأسهم الأمريكية، ثم الأوروبية، ثم بعد ذلك في اليابان ودول جنوب شرق آسيا، أما على صعيد نوع الأسهم فقد كانت الخسائر الأكبر من نصيب الأسهم الخاصة بالشركات العقارية والمصارف وشركات الاستثمار والتأمين، وكانت أقل في الشركات الصناعية التي تفاوتت فيها الخسارة من صناعة إلى أخرى، حيث كانت صناعة السيارات هي الخاسر الأكبر في مجال الصناعة.
خامساً- انخفاض الطلب على النفط
لقد قادت الأزمة المالية العالمية إلى خفض الطلب العالمي على النفط نتيجة لحالة الركود وتباطؤ النمو الاقتصادي التي اجتاحت الاقتصاد العالمي، حيث انخفضت التوقعات لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2008 من (2.1) مليون برميل يومياً في بداية عام 2008 إلى (200) ألف برميل يومياً الآن وربما صفر في وقت لاحق نتيجة للكساد العالمي. ففي الولايات المتحدة وحدها انخفض مستوى الطلب على النفط بحدود مليون برميل يومياً في عام 2008 قياساً إلى العام المنصرم، مع العلم أن آخر مرة انخفض فيها الطلب بمثل هذا المستوى كان في عام 1981عشية الركود الذي كان يعرف حتى الآن بأنه الركود الأسوأ منذ الكساد العظيم.
وغني عن البيان فإن انخفاض الطلب العالمي على النفط أدى إلى انخفاض كبير في أسعار النفط بأكثر من 100 في المائة، الأمر الذي دعا دول (أوبك) إلى تخفيض إنتاجها من النفط الخام، وإيقاف عمليات التوسع والاستثمار في الصناعات النفطية في محاولة منها للحد من التدهور في سعر برميل النفط، الذي هبط إلى أقل من 40 دولاراً للبرميل في الربع الأخير من عام 2008.
سادساً- تراجع التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة
شكل انخفاض التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة أحد الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية، حيث أشار تقرير صدر حديثاً عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 21 في المائة عام 2008، لتبلغ 1.4 تريليون دولار، كما أظهرت البيانات الأولية للتقرير أن صافي التدفقات الاستثمارية المباشرة للدول الصناعية المتقدمة انخفض بنسبة 33 في المائة ليبلغ 840 مليار دولار عام 2008 وهي تحوز نسبة 58 في المائة من إجمالي التدفقات الاستثمارية، منها 562 مليار دولار للدول الأوروبية، أي 39 في المائة من الإجمالي (انخفضت بنسبة 345) منها 114 مليار دولار لفرنسا و109 مليارات دولار لبريطانيا، 220 مليار دولار للولايات المتحدة أي (15 في المائة) انخفضت بنسبة 5.5 في المائة فقط و17.4 مليار دولار لليابان (1.2 في المائة) من الإجمالي انخفضت بنسبة 22.6 في المائة.
ويمكن تفسير انخفاض التدفقات النقدية للدول الصناعية المتقدمة بتعمق وتطاول المشكلات التي تؤثر في المؤسسات المالية نتيجة لأزمة السيولة في أسواق المال والديون، كما انخفضت عائدات الدول المتقدمة من الشركات عبر الوطنية، وانخفاض القروض المصرفية لديها مما حدّ من القدرة على تمويل الاستثمار، وكذلك هناك انخفاض في عمليات الاستحواذ عبر الحدود مما خفض عمليات الدمج والشراء عبر الحدود في الدول المتقدمة بنسبة 33 في المائة عام 2008.
ولذلك نقول إن جذور الأزمة المالية العالمية التي تحولت إلى أزمة اقتصادية بامتياز قد تكون أعمق مما تبينه التحليلات، وهي عصية على الحل من خلال سياسات اقتصادية تقليدية تجاوزها الزمن، بل إن حلها يحتاج إلى ولادة فكر اقتصادي جديد من رحم الأزمة مثلما ولدت المدرسة (الكينزية) من رحم أزمة الكساد العظيم فكانت النظرية العامة في الاستخدام لكينز المفتاح الذهبي لحل تلك الأزمة.
وفي الختام نقول إن تخطيهذه الأزمة يستدعي قيام نظام مالي جديد في ظل اتفاقية بريتون وودز جديدة تضع الاقتصاد الحقيقي في المقام الأولى، وتجعل من العملية المالية تهدف إلى دعم الاقتصاد الحقيقي وتحقيق أرباح معقولة ناجمة ليس عن عمليات المقامرة وأعمال المضاربة، وإنما من خلال مساندة ودعم الشركات والمؤسسات الإنتاجية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1250::/cck::
::introtext::
تعد الأزمة المالية العالمية التي يشهدها العالم اليوم من أكثر الأزمات التي شهدها الاقتصاد العالمي حدة منذ أزمة الكساد العظيم التي اجتاحت العالم خلال الفترة (1929-1933) والتي كانت لها تداعيات كبيرة على النظام المالي والاقتصادي العالمي برمته.
::/introtext::
::fulltext::
تعد الأزمة المالية العالمية التي يشهدها العالم اليوم من أكثر الأزمات التي شهدها الاقتصاد العالمي حدة منذ أزمة الكساد العظيم التي اجتاحت العالم خلال الفترة (1929-1933) والتي كانت لها تداعيات كبيرة على النظام المالي والاقتصادي العالمي برمته.
بدأت جذورهذه الأزمة المالية في أغسطس عام2007 بسبب تأخر سداد القروض العقارية الممنوحة برهون وضمانات غير كافية، علاوة على أن كثيراً من القروض الإسكانية منحت للمقترضين من أصحاب المراكز الائتمانية الضعيفة وغير المؤهلين للحصول على أسعار الفائدة الأقل السائدة في السوق العقارية المضمونة برهون من الدرجة الأولى، أي أن الأزمة مبعثها انفلات وتهور وعدم انضباط بأساسيات العمل المصرفي السليم، كما فاقم من هذه المشكلة محاولات التحايل على إجراءات الرقابة المصرفية المعتادة من خلال التخلص من هذه القروض المشكوك في تحصيلها وذلك بنقلها من موازنات المصارف وتحويلها إلى سندات ثم تسويقها إلى كثير من المؤسسات المالية بعروض وعوائد مغرية.
ولم تلبث هذه العمليات المصرفية أن واجهت مشكلات عند ارتفاع أسعار الفائدة في عام 2007 وبداية تدهور سوق العقار، حيث لاحظنا منذ صيف 2007 كثيراً من المصارف المتورطة في هذه الممارسات والتي بدأت تكشف عن خسائر كبيرة نتيجة لهذه المشكلة التي تبين فيما بعد أنها مشكلة كبيرة طالت الكثير من المؤسسات المالية في الولايات المتحدة وفي دول أوروبا وبقية دول العالم. وكنتيجة حتمية للخسائر المالية التي تكبدتها هذه المؤسسات لم يعد في ما تبقى من رؤوس أموالها ما يسمح لها بالقيام بأعمالها التمويلية الاعتيادية، الأمر الذي انعكس في صورة انكماش أعمال وتمويل هذه المصارف والمؤسسات، علاوة على تخوف هذه المؤسسات من التعامل مع مؤسسات ومصارف أخرى قد تكون متورطة في هذه الأزمة بصورة قد لا تسمح لها باسترجاع تمويلاتها وقروضها. ومن هنا نشأت مشكلة نقص السيولة كما قاد ذلك إلى ارتفاع تكاليف التمويل والحصول على السيولة المطلوبة. وسواء تعلقت المسألة بمشكلة الرهن العقاري التي تعد بداية الأزمة المالية أو ما نجم فيما بعد من أزمة سيولة، فكافة هذه الجوانب لا تزال تمثل أزمة أو خللاً في النظام المالي والمصرفي.
حل الأزمة المالية العالمية يتطلب ولادة فكر اقتصادي جديد من رحم الأزمة
إن أهم ما يميز هذه الأزمة عن بقية الأزمات التي مر بها الاقتصاد العالمي عبر تاريخه الطويل، أنها أزمة مركبة بدأت بأزمة الرهن العقاري (انهيار أسعار المساكن)، ثم انتقلت إلى أزمة في سوق الأوراق المالية (انهيار أسعار الأسهم في البورصات العالمية) وأخيراً إلى أزمة مصرفية تمثلت في تعرض المصارف لصعوبات مالية قادت إلى إفلاسها نتيجة للديون المتعثرة.
ويمكن القول إن أسباب هذه الأزمة ترجع إلى تحكم مؤسسات مالية كبيرة وعملاقة(مصارف وشركات استثمار) لا تعنى ببناء اقتصاد حقيقي، بل تعنى بتحقيق الربح من خلال دائرة منفصلة عن الاقتصاد الحقيقي، بل وفي عداء فعلي معه، حيث أصبح توليد الثروة يتم عن طريق المضاربات وعمليات المقامرة في البورصات، متجاوزة كل القواعد والمبادىء الصحيحة التي تستدعيها عمليات منح الائتمان وإجراءات العمل المصرفي السليم، كما أن هذه المؤسسات أهدرت معايير الكفاءة من خلال غياب الشفافية والمعلومات والتصنيف الخاطىء والمظلل للمخاطر والعوائد المرتبطة بها، علاوة على ضعف تطبيق نظم الإشراف والرقابة، وكان حصاد كل ذلك أن بلغت قيمة الاقتصاد المالي ثلاثة أضعاف قيمة الاقتصاد الحقيقي، حيث بلغت (148) تريليون دولار فيما بلغت قيمة الاقتصاد الحقيقي (48) تريليون دولار.
الأزمة المالية أسقطت الفكر الذي ينادي بتحجيم دور الدولة في النشاط الاقتصادي
إن الدرس المستفاد من هذه الأزمة يتمثل في سقوط نظرية أن السوق دائماً على حق، وكذلك سقوط الفكر الاقتصادي الذي ينادي بتحجيم دور الدولة في النشاط الاقتصادي والاكتفاء بدور المراقبة عن بعد، وفشل النظام المالي العالمي الذي ارتكز على اتفاقية (بريتون وودز) في معالجة الأزمة وتحقيق الاستقرار المالي العالمي.ويمكن القول إن أهم آثار تلك الأزمة تمثلت في الآتي:
أولاً- انخفاض معدلات النمو الاقتصادي العالمي
من المتوقع هبوط النمو العالمي إلى 0.5 في المائة في عام 2009، حيث لوحظ حدوث هبوط سريع في مستوى الناتج والتجارة العالميين خلال الشهور الأخيرة من عام 2008، وهو أدنى المعدلات المسجلة منذ الحرب العالمية الثانية. ورغم ما اتخذ من إجراءات واسعة النطاق على مستوى السياسات، فلا تزال الضغوط المالية على حدتها، مما يجذب الاقتصاد الحقيقي نحو الهبوط، ولن يتسنى تحقيق التعافي الاقتصادي الدائم حتى يستعيد القطاع المالي قدراته الوظيفية وتتم إزالة المعوقات المعطلة لأسواق الائتمان.
وتشير التوقعات الحالية لصندوق النقد الدولي إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات المتقدمة بنسبة 2 في المائة في عام 2009، وهي المرة الأولى التي يسجل فيها الناتج انكماشاً في مرحلة ما بعد الحرب الكونية الثانية، مع خسارة تراكمية تعادل الخسارة المسجلة في فترتي (1974-1975 و1980-1982). ومع ذلك يتوقع أن يبدأ تعافي الناتج في أواخر عام 2009 ليصل على واحد في المائة في عام 2010، وذلك إذا تم اتخاذ مزيد من التدابير الشاملة والمنسقة على مستوى السياسات المالية بحيث تسهم في عودة الأوضاع الاقتصادية إلى الأسواق، علاوة على توفير دفعة تنشيطية قوية من المالية العامة وإجراء تخفيضات كبيرة في أسعار الفائدة لدى كثير من الاقتصادات المتقدمة.
أما في الاقتصادات الصاعدة والنامية فمن المتوقع أن يشهد النمو فيها تباطؤاً حاداً من 6.25 في المائة في عام 2008 إلى 3.25 في المائة في عام 2009، تحت وطأة التراجع في الطلب على الصادرات وانخفاض الموارد الموجهة لتمويلها، وهبوط أسعار السلع الأولية، وازدياد قيود التمويل خصوصاً في الاقتصادات التي تعاني اختلالات كبيرة.
ثانياً– تزايد أعداد العاطلين عن العمل
تعد انعكاسات الأزمة المالية العالمية على سوق العمل من أشد المخاطر التي نشأت عن الأزمة، حيث تعرض سوق العمل إلى هزة كبيرة وتدهور الوضع المالي والإداري للشركات مما اضطرها للتخلي عن عدد كبير من موظفيها، حيث تشير أحدث الإحصائيات إلى معدل البطالة في الاقتصاد الأمريكي وصل إلى (8.5 في المائة) وهو أعلى معدل منذ عام 1974، كما أن عدد فرص العمل التي تم فقدها في الولايات المتحدة منذ بداية الركود الكبير حتى مطلع فبراير 2009 كان بحدود (3.6) مليون فرصة عمل، كما وصل معدل البطالة في دول الاتحاد الأوروبي إلى (8 في المائة) في مطلع العام الحالي.
51 مليون وظيفة في شتى أنحاء العالم قد تختفي بنهاية العام الحالي نتيجة للتباطؤ الاقتصادي بسبب الأزمة المالية
ويشير تقرير صدر في يناير 2009 عن منظمة العمل الدولية والمعنون (اتجاهات الاستخدام العالمية)إلى أن ما يصل إلى 51 مليون وظيفة في شتى أنحاء العالم قد تختفي بنهاية العام الحالي نتيجة للتباطؤ الاقتصادي بسبب الأزمة المالية، وأن هذا سيؤدي إلى زيادة نسبة البطالة عالمياً إلى 7.1 في المائة في نهاية عام 2009 مقارنة بـ 6 في المائة في عام 2008 و5.7 في المائة في عام 2007، وفي أكثر توقعات منظمة العمل الدولية تفاؤلاً فإن (18) مليون شخص سيفقدون وظائفهم بالإضافة إلى توقعات المنظمة السابقة، مما يعني خسارة 6.1 في المائة من الوظائف عالمياً.وستكون الدول النامية الأكثر تضرراً من خسائر الوظائف الإضافية. كما يشير التقرير إلى أنه إذا تفاقم الكساد في عام 2009 وهو ما يتوقعه كثير من الخبراء فستتفاقم أزمة الوظائف العالمية بشدة، ويمكننا أن نتوقع تدهور الدخل وظروف العمل الأخرى بالنسبة لكثيرين ممن سينجحون في الاحتفاظ بوظائفهم.
ثالثاً– الآثار المترتبة على القطاع المصرفي العالمي
تضرر القطاع المصرفي العالمي كثيراً من نتائج الأزمة المالية، حيث أدت إلى إفلاس العديد من المصارف والمؤسسات المالية منها على سبيل المثال بنك (ليمان براذرز) وتعثر العديد منها، وقد بلغت خسائر المصارف الأوروبية والأمريكية نتيجة لأزمة الرهن العقاري نحو (500) مليار دولار. أما بالنسبة للمصارف وبنوك الاستثمار التي لم تتعرض لخسائر فقد انخفضت أرباحها خلال عام 2008 بنسب كبيرة جداً نتيجة لتراجع الإيرادات في كافة الأنشطة.
ولمواجهة عمليات الإفلاس والتعثر التي تتعرض لها المصارف عمدت الحكومات في الولايات المتحدة وأوروبا وفي آسيا إلى تبني حملة إنقاذ لها، حيث تقدر قيمة خطة تنشيط الاقتصاد العالمي بنحو (2.25) تريليون دولار منها (787) تريليون دولار خطة إنقاذ الاقتصاد الأمريكي التي وافق عليها الكونغرس الأمريكي والتي تتضمن ضمانات ائتمانية وضخ المزيد من الأموال بهدف زيادة السيولة في القطاع المصرفي ودعم المصدرين في إطار الجهود العالمية لتحقيق استقرار الأسواق العالمية.
رابعاً- تراجع قيمة الأسهم في الأسواق العالمية
تراجعت قيمة الأسهم في أسواق الأوراق المالية العالمية، حيث قدر جيرمي باي نائب رئيس في مؤسسة الأبحاث والتسويق (أس آند ب كابيتال أي كيو) الخسائر العالمية في سوق الأوراق المالية على الصعيد العالمي حتى مطلع عام 2009 بنحو (13) تريليون دولار، منها (7) تريليونات دولار في الولايات المتحدة مما يشكل حوالي (54 في المائة) من إجمالي خسائر أسواق الأوراق المالية في العالم.
ويتفاوت التراجع في قيمة الأسهم بين أقاليم العالم، حيث كان التراجع الأكبر في قيمة الأسهم الأمريكية، ثم الأوروبية، ثم بعد ذلك في اليابان ودول جنوب شرق آسيا، أما على صعيد نوع الأسهم فقد كانت الخسائر الأكبر من نصيب الأسهم الخاصة بالشركات العقارية والمصارف وشركات الاستثمار والتأمين، وكانت أقل في الشركات الصناعية التي تفاوتت فيها الخسارة من صناعة إلى أخرى، حيث كانت صناعة السيارات هي الخاسر الأكبر في مجال الصناعة.
خامساً- انخفاض الطلب على النفط
لقد قادت الأزمة المالية العالمية إلى خفض الطلب العالمي على النفط نتيجة لحالة الركود وتباطؤ النمو الاقتصادي التي اجتاحت الاقتصاد العالمي، حيث انخفضت التوقعات لنمو الطلب العالمي على النفط في عام 2008 من (2.1) مليون برميل يومياً في بداية عام 2008 إلى (200) ألف برميل يومياً الآن وربما صفر في وقت لاحق نتيجة للكساد العالمي. ففي الولايات المتحدة وحدها انخفض مستوى الطلب على النفط بحدود مليون برميل يومياً في عام 2008 قياساً إلى العام المنصرم، مع العلم أن آخر مرة انخفض فيها الطلب بمثل هذا المستوى كان في عام 1981عشية الركود الذي كان يعرف حتى الآن بأنه الركود الأسوأ منذ الكساد العظيم.
وغني عن البيان فإن انخفاض الطلب العالمي على النفط أدى إلى انخفاض كبير في أسعار النفط بأكثر من 100 في المائة، الأمر الذي دعا دول (أوبك) إلى تخفيض إنتاجها من النفط الخام، وإيقاف عمليات التوسع والاستثمار في الصناعات النفطية في محاولة منها للحد من التدهور في سعر برميل النفط، الذي هبط إلى أقل من 40 دولاراً للبرميل في الربع الأخير من عام 2008.
سادساً- تراجع التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة
شكل انخفاض التدفقات الاستثمارية الأجنبية المباشرة أحد الآثار السلبية للأزمة المالية العالمية، حيث أشار تقرير صدر حديثاً عن مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) إلى انخفاض تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر بنسبة 21 في المائة عام 2008، لتبلغ 1.4 تريليون دولار، كما أظهرت البيانات الأولية للتقرير أن صافي التدفقات الاستثمارية المباشرة للدول الصناعية المتقدمة انخفض بنسبة 33 في المائة ليبلغ 840 مليار دولار عام 2008 وهي تحوز نسبة 58 في المائة من إجمالي التدفقات الاستثمارية، منها 562 مليار دولار للدول الأوروبية، أي 39 في المائة من الإجمالي (انخفضت بنسبة 345) منها 114 مليار دولار لفرنسا و109 مليارات دولار لبريطانيا، 220 مليار دولار للولايات المتحدة أي (15 في المائة) انخفضت بنسبة 5.5 في المائة فقط و17.4 مليار دولار لليابان (1.2 في المائة) من الإجمالي انخفضت بنسبة 22.6 في المائة.
ويمكن تفسير انخفاض التدفقات النقدية للدول الصناعية المتقدمة بتعمق وتطاول المشكلات التي تؤثر في المؤسسات المالية نتيجة لأزمة السيولة في أسواق المال والديون، كما انخفضت عائدات الدول المتقدمة من الشركات عبر الوطنية، وانخفاض القروض المصرفية لديها مما حدّ من القدرة على تمويل الاستثمار، وكذلك هناك انخفاض في عمليات الاستحواذ عبر الحدود مما خفض عمليات الدمج والشراء عبر الحدود في الدول المتقدمة بنسبة 33 في المائة عام 2008.
ولذلك نقول إن جذور الأزمة المالية العالمية التي تحولت إلى أزمة اقتصادية بامتياز قد تكون أعمق مما تبينه التحليلات، وهي عصية على الحل من خلال سياسات اقتصادية تقليدية تجاوزها الزمن، بل إن حلها يحتاج إلى ولادة فكر اقتصادي جديد من رحم الأزمة مثلما ولدت المدرسة (الكينزية) من رحم أزمة الكساد العظيم فكانت النظرية العامة في الاستخدام لكينز المفتاح الذهبي لحل تلك الأزمة.
وفي الختام نقول إن تخطيهذه الأزمة يستدعي قيام نظام مالي جديد في ظل اتفاقية بريتون وودز جديدة تضع الاقتصاد الحقيقي في المقام الأولى، وتجعل من العملية المالية تهدف إلى دعم الاقتصاد الحقيقي وتحقيق أرباح معقولة ناجمة ليس عن عمليات المقامرة وأعمال المضاربة، وإنما من خلال مساندة ودعم الشركات والمؤسسات الإنتاجية.
::/fulltext::
::cck::1250::/cck::
