نحو ترسيخ العلاقات الخليجية – التركية

::cck::1255::/cck::
::introtext::

ساهم توقيع دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا على مذكرة تفاهم في سبتمبر الماضي، في إعطاء دفعة قوية للمفاوضاتالخليجية – التركية للتوصل إلى إقامة منطقة للتجارة الحرة والتي بدأ الجانبان مفاوضاتها في عام 2005، مما يعطيها دفعة إلى الإمام في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية، ومن ثم إيجاد قنوات مفتوحة للتعامل مع الأزمات وإيجاد حلول عملية لها. 

::/introtext::
::fulltext::

ساهم توقيع دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا على مذكرة تفاهم في سبتمبر الماضي، في إعطاء دفعة قوية للمفاوضات الخليجية – التركية للتوصل إلى إقامة منطقة للتجارة الحرة والتي بدأ الجانبان مفاوضاتها في عام 2005، مما يعطيها دفعة إلى الإمام في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية، ومن ثم إيجاد قنوات مفتوحة للتعامل مع الأزمات وإيجاد حلول عملية لها.

تعتبر مذكرة التفاهم تحولاً يبعث على التفاؤلفي العلاقات الخليجية ـ التركية، بالنظر للتطورات المتداخلة والمفعمة بالأزمات التي يواجهها الجانبان على السواء في الجوار المباشر، بما فيها الأوضاع في العراق، والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ومعضلة الإرهاب، وبرنامج إيران النووي. كما اعتبر أيضاً مراقبون من دول مجلس التعاون الخليجي التوقيع على مذكرة التفاهم نقلة نوعية في العلاقات، وتأكيداً على أهمية الدور الإقليمي لتركيا الذي يتميز بالتوازن والاعتدال.وعلى الرغم من أن كلا الجانبين تربطهما علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، فإن كلاً منهما يسعى جاهداً للحفاظ على مصالحه الوطنية والإقليمية التي لا تتوافق مع أجندة واشنطن في كثير من الأحيان. وفي هذا السياق، لا شك في أن هذه الخطوة تحمل مجموعة من الدلالات المهمة:

أولاً: حرص الجانبين الخليجي والتركي على تقوية العلاقات الاقتصادية والتجارية، خلال المرحلة المقبلة، فالسوق التركية سوق ضخمة، وبإمكانها استيعاب الكثير من الاستثمارات الخليجية، التي تتطلع بدورها إلى الأسواق الخارجية. وقد كشف آكين جينيا الملحق التجاري بالسفارة التركية لدى دولة الإمارات في وقت سابق عن خطط بلاده لتحقيق قفزة كبيرة في التجارة مع منطقة الخليج، كما أشار إلى اتخاذ الحكومة التركية مجموعة من التسهيلات لجذب الاستثمارات الخارجية وفي مقدمتها الخليجية، حيث سنت قوانين جديدة تسهل عمل المستثمرين الأجانب داخل البلاد، وذلك تمهيداً لإقامة منطقة تجارة حرة مع دول مجلس التعاون، بعد أن تمكنت من توقيع اتفاقية مماثلة مع الاتحاد الأوروبي.

ثانياً: الحرص على تعميق الروابط التاريخية والاجتماعية والثقافية بين تركيا ودول مجلس التعاون، فهناك روافد ثقافية مشتركة بين الجانبين، يحرص حزب العدالة والتنمية على تعزيزها من خلال التفاهم والتحاور، حيث يدير علاقاته الإقليمية بحنكة ومهارة واضحتين، بحيث لم يدع العلاقة مع إسرائيل تؤثر في توجهاته نحو الدول العربية، ولعل الوساطة التركية بين سوريا وإسرائيل تؤكد هذا المعنى بوضوح.

ثالثاً:ما يتعلق بدور تركيا الإيجابي في المنطقة، الذي يتميز بالتوازن والاعتدال، علاوة على أن هذا الدور بدأ ينشط وتزداد فاعليته وحيويته في معالجة بعض الملفات المفتوحة في الشرق الأوسط. فتركيا حاضرة في أزمة الملف النووي الإيراني، وكذلك الأمر في العراق، يضاف إلى ذلك دورها في عملية السلام بين سوريا وإسرائيل.

طبيعة العلاقات الخليجية – التركية

شهدت تركيا خلال السنوات الخمس الماضية تغيراً ملحوظاً في سياستها الخارجية، تجلى بصورة واضحة في محاولة إيجاد توازن في توجهاتها بين الغرب والشرق، بعد أن شهدت نحو ثمانين عاماً علاقات مميزة مع الغرب، وعلاقات مشوبة بالتوتر أو على الأقل بالحذر، مع الشرق أو مع العالمين العربي والإسلامي.

ورغم أرضية المصالح المشتركة فإن التوجه التركي نحو الغرب (ثقافياً وسياسياً واقتصادياً) اقتضى الابتعاد عن المنطقة العربية، غير أن مجموعة من العوامل بدأت تظهر في سبعينات القرن الماضي، وأدت إلى تغير نظرة أنقرة إلى المنطقة العربية وخاصة الخليج، لعل أبرزها: أزمة النفط في عام 1973، التي بدت فيها دول الخليج كلاعب إقليمي مؤثر في السياسات الدولية. وجاءت الأزمة القبرصية الثانية في عام 1974، نتيجة للغزو التركي لجزيرة قبرص، وما تبعه من إجراءات أمريكية تمثلت بفرض حظر التسلح على تركيا لتدفع بالقادة الأتراك إلى إعادة النظر في التوجه التركي المقصور على الغرب فقط. وكانت أولى الخطوات استضافة تركيا لمنظمة المؤتمر الإسلامي في عام 1976 لتطوير علاقاتها بالدول الإسلامية ومنها المنطقة الخليجية.

وأثمر هذا التوجه الجديد زيارات مكثفة في الثمانينات أدت إلى تطوير العلاقات الاقتصادية، ولعل مؤشرات التجارة في هذا الوقت تشير إلى نمو التجارة بين الجانبين الخليجي والتركي؛ إذ بلغ إجمالي الصادرات التركية إلى دول الخليج نحو 4.5 مليار دولار عام 1981، مقابل 2.9 مليار دولار عام 1980، في حين بلغ إجمالي الصادرات الخليجية إلى تركيا نحو ملياري دولار عام 1981، ولكن تقلص هذا النمو في العلاقات الاقتصادية بسبب انخفاض أسعار النفط في الثمانينات، وانعكاساته على الاقتصاد الخليجي. ولعلنا نلاحظ أن الصيغة الاقتصادية كانت هي المبرر التركي للانفتاح على الخليج.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس التركي السابق تورغوت أوزال أن (انفتاح تركيا على الدول الخليجية في هذا الوقت جاء لدوافع اقتصادية باعتبار تلك الدول سوقاً استهلاكية من الدرجة الأولى، فضلاً عن اعتبارات أخرى). وأضافت الحرب العراقية-الإيرانية (1980- 1988) عاملاً جديداً أسهم بشكل فاعل في تطوير الاقتصاد التركي بسبب استفادة تركيا من العلاقات الاقتصادية والتجارية من طرفي الصراع.

ولئن كانت تركيا قد قصرت دورها في المنطقة العربية والخليج على الشق الاقتصادي خلال الثمانينات، فإن حرب الخليج الثانية 1991، جعلت السياسة التركية معنية بالتطورات الإقليمية أكثر من الدولية، وذلك لثلاثة أسباب: أولها الدعوات الكردية لإقامة دولة مستقلة، وهو ما يشكل خطاً أحمر في السياسة التركية. وثانيها هو تفكك الاتحاد السوفييتي، حيث كانت تركيا بمثابة أحد حوائط الصد الغربي ضد المعسكر الشرقي. أما السبب الثالث فهو احتياج تركيا لرؤوس الأموال العربية خاصة من الخليج وتسويق نفسها كدولة تبيع السلاح.

ومن هنا بدأت تنتهج تركيا سياسة الحل الوسط داخل منطقة الشرق الأوسط؛ حيث وطدت علاقتها بإسرائيل في منتصف التسعينات، والسعي نحو دخول الاتحاد الأوروبي، علاوة على أنها حليف قوي للولايات المتحدة بسبب الارتباطات العسكرية، وفي الوقت نفسه أصبحت لها علاقات بالدول العربية وخاصة الخليجية، واستطاعت السياسة الخارجية التركية أن تفصل بين المسارات تلك، حتى لا يؤثر أحدها في الآخر.

وأسهمت عوامل أخرى في دفع تركيا إلى تطوير أدوات تشابكها مع المنطقة وخاصة الأداة الاقتصادية، لعل أبرزها:

1- أزمة نقص المياه التي بدأت نبرتها ترتفع في الخليج والمنطقة بشكل عام.

2- مرور تركيا بأزمة اقتصادية عنيفة خاصة بعد سنتين من زلزال 1990.

3- صعود حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية لسدة الحكم في تركيا (2002).

4- الاحتلال الأمريكي للعراق (2003).

5- ازدياد الطلب التركي على النفط والغاز لدفع النمو الاقتصادي المتعثر في البلاد آنذاك، خاصة في ظل تراجع التوقعات من نفط بحر قزوين وازدياد أهمية منطقة الشرق الأوسط والخليج خاصة.

وعلى الجانب الخليجي، ثمة عوامل يختلط أيضاً فيها الاقتصاد بالسياسة دفعت دول مجلس التعاون الخليجي نحو تركيا، لعل من أبرزها:

1- عودة بعض رؤوس الأموال الخليجية إلى المنطقة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

2- الفوائض النفطية التي جنتها دول الخليج من ارتفاع النفط خلال السنوات الماضية فرضت البحث عن فرص استثمارية في المنطقة، وخاصة تركيا التي تكتسب أهمية بسبب إمكانياتها الاقتصادية.

3- إسهام توطيد العلاقات الاقتصادية مع تركيا في إيجاد توازن مع الجار الإيراني ذي الطموح النووي والاقتصادي، خاصة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق الذي كان يمثل سابقاً بقدراته العسكرية والاقتصادية أحد عناصر التوازن مع طموحات طهران بالمنطقة.

السوق التركية ضخمة وبإمكانها استيعاب الكثير من الاستثمارات الخليجية

الخليج وتركيا .. احتياج اقتصادي متبادل

لا يمكن لأية علاقات اقتصادية بين دولتين أن تنمو وتزدهر دونما وجود قاعدة الاحتياج المتبادل وامتلاك كل منهما ميزة نسبية في مواجهة الآخر. تلك المقولة يمكن إطلاقها بكثير من الثقة عند النظر للعلاقات الاقتصادية التركية-الخليجية التي تمتلك فرصاً واعدة في المستقبل، في ظل دافعية سياسية وأمنية من الجانبين تفرضها ضرورات التغير في موازين القوى في منطقة الخليج لصالح إيران بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.

فتركيا تمتلك اقتصاداً متنوعاً له إمكانيات صناعية وزراعية وتجارية ومائية، غير أن أزمتها الأساسية تظل هي الطاقة؛ حيث تستورد 90 في المائة من احتياجاتها النفطية، فضلاً عن نقص رؤوس الأموال والاستثمارات اللازمة لنمو الاقتصاد الذي عانى من أزمات مالية طاحنة (تضخم وتراكم مديونية داخلية وخارجية) قبل 3 سنوات؛ مما جعل أنقرة ترى في الخليج أحد المداخل لحل أزماتها.

أما دول مجلس التعاون الخليجي بإمكانياتها النفطية الهائلة، فترى تركيا ليست من منظور أنها مصدر محتمل للمياه فقط، إنما يتجاوز ذلك للبحث عن فرص استثمار الأموال الخليجية، فضلاً عن أن تركيا تمثل سوقاً كبيرة بسكانها السبعين مليون تقريباً، وكذلك موقعها الجغرافي يمثل منفذاً للخليج على أوروبا وآسيا الوسطى، فهو نقطة وسط بين المناطق المنتجة والمستهلكة للنفط، وتتقاطع عندها أيضاً حضارات الشرق والغرب.

التوقيع على مذكرة التفاهم الخليجية-التركية نقلة نوعية في العلاقات وتأكيدعلى الدور الإقليمي لتركيا

ولكن يظل أن نمو العلاقات الاقتصادية التركية – الخليجية يحتاج إلى مستلزمات أساسية لا بد من وجودها حتى تنمو العلاقات، ترصدها ورقة بحثية للمستشار الاقتصادي الخليجي الدكتور محمد العسومي كما يلي:

– الحاجة لبنية أساسية متطورة للتبادل التجاري وخصوصاً تطوير وسائل النقل التي تعد باهظة في الوقت الحاضر؛ إذ يمكن النظر في إقامة خطوط سكك حديدية تمتد من دول مجلس التعاون إلى تركيا.

– إقامة منطقة للتجارة الحرة بين الطرفين، ويمكن توسيع اتفاقية التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي المزمع توقيعها لتشمل تركيا، لاسيما أن الأخيرة سوف تنضم إلى الاتحاد الأوروبي في المستقبل، كما أن أسواقها مفتوحة مع دول الاتحاد ضمن اتفاقيات الشراكة.

– توقيع اتفاقيات منع الازدواج الضريبي وتشجيع إقامة مشروعات مشتركة وخصوصاً في القطاع الخاص في كل من المجموعة الخليجية وتركيا، وهذا يعني الاستفادة من وضع تركيا في الاتحاد الأوروبي لتسويق هذه المنتجات.

– تشكيل مجلس للتعاون الاقتصادي بين دول مجلس التعاون وتركيا يسهم فيه القطاع الخاص، ويجتمع بشكل سنوي للبحث في أوجه العلاقة ومواجهة المشكلات.

ويتبقى أن الصيغة الاقتصادية والتجارية هي الأداة الرئيسية التي تعود بتركيا للمنطقة بعدما ابتعدت عنها؛ فالأتراك يدركون أن إمكانياتهم الاقتصادية تلائم المنطقة أكثر من غيرها، في المقابل فإن إمكانيات تركيا الاقتصادية قد تكون منفذاً للفوائض المالية الخليجية التي تبحث عن فرص استثمار آمنة.

الخليج وتركيا .. مكاسب مشتركة

يعد التوقيع على مذكرة التفاهم بين الجانبين الخليجي والتركي مهماً وجديداً في العلاقات بين الجانبين، بعد فترة من الشكوك التي كانت تحيط بها في ظل تنامي العلاقات التركية – الإسرائيلية، حيث تخشى دول الخليج أن تستغل إسرائيل تركيا كمدخل إلى دول الخليج العربية، وهو ما ألقى بظلاله على مسيرة العلاقات بين تركيا ودول الخليج، ولكن نجاح الدبلوماسية التركية في عدم خلط الأوراق، وفصل كل مسار من مسارات علاقاتها الخارجية عن الآخر، وإعلان حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان بعد وصوله إلى رئاسة الحكومة في تركيا، مقابلة كل خطوة عربية بعشر خطوات، قرّب مساحات التلاقي بين الأطراف العربية بشكل عام، والخليجية على وجه التحديد، وأنقرة.

وشهدت العلاقات الخليجية – التركية خلال الفترة الأخيرة نمواً مطرداً، حيث تعتبر دول الخليج سادس أكبر شريك مصدر إلى تركيا، بالإضافة إلى بعض أوجه التعاون الأخرى من أهمها:

* التوقيع على الاتفاقية الإطارية للتعاون الاقتصادي بين الطرفين في العاصمة البحرينية عام 2005، وتضمنت تشجيع التعاون الاقتصادي في مجالاته المختلفة بين الطرفين وتبادل المعرفة والخبرات الفنية.

* المفاوضات بين دول الخليج وتركيا بشأن إبرام اتفاقية تجارة حرة، حيث تسهم هذه الاتفاقية في حفز التبادل التجاري.

ومن هنا، فإنه لا شك في أن التوقيع على مذكرة التفاهم بين تركيا ودول الخليج سيحقق مجموعة من المكاسب المشتركة لكلا الطرفين، لعل من أهمها:

1- بالنسبة إلى تركيا: فإنها تسعى إلى جذب الاستثمارات الخليجية، رغم الإمكانيات الاقتصادية الضخمة المتنوعة التي تمتلكها تركيا في مختلف المجالات، فإنها تعاني نقص الموارد المالية والاستثمارات اللازمة لنمو الاقتصاد، بالإضافة إلى حاجة أنقرة إلى الحصول على الطاقة، حيث تستورد نحو 90 في المائة من احتياجاتها النفطية، علاوة على هذه المكاسب الاقتصادية التي تتطلع إليها أنقرة، فإنها بحاجة إلى تقوية دورها الجديد الذي بدأ يطفو على السطح في الشرق الأوسط، وقد برز من خلال وساطتها في المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، فضلاً عن دورها في الملف النووي الإيراني، ومحاولة التقريب بين الغرب وإيران.

2- وفي ما يتعلق بدول الخليج: فإن دول الخليج تنظر إلى تركيا باعتبارها سوقاً كبيرة للاستثمارات الخليجية، لذلك فقد بدأ الجانبان في المفاوضات لإقامة منطقة تجارة حرة، حيث ستعمل مذكرة التفاهم على الانتهاء من هذه المفاوضات في القريب العاجل. كما تعتبر تركيا منفذاً للخليج على أوروبا وآسيا الوسطى نظراً لموقعها الجغرافي المتميز، بالإضافة إلى دورها الإقليمي الذي يتميز بالتوازن والاعتدال، كما يرى بعض المراقبين أن نمو العلاقات بين تركيا ودول الخليج يعتبر خصماً من الدور الإيراني في المنطقة بعد تنامي نفوذ إيران في العراق ولبنان، إلى جانب فرض نفسها كقوة إقليمية في ظل مواجهتها مع الغرب حول البرنامج النووي.

دول مجلس التعاون تحوز نسبة 2.5 في المائة من إجمالي التجارة الخارجية لتركيا

الوساطة التركية في الأزمات الإقليمية

جاء التوجه التركي نحو لعب دور الوساطة في تسوية القضايا الخلافية العالقة، حيث كان لهذا التوجه مؤشراته العديدة، أهمها الوساطة التي تقوم بها أنقرة بين كل من سوريا وإسرائيل، وتنشيط تركيا لعلاقاتها مع العالم العربي، وإعلان أنقرة عزمها على لعب دور الوساطة بين جارتها الكبيرة إيران والولايات المتحدة بشأن الملف النووي. فكانالبدء بالصراع العربي – الإسرائيلي توطئة لدور بارز في المسألتين اللبنانية والإيرانية.

ومنذ عام 2004، تعلن حكومة حزب العدالة والتنمية عن رغبتها في التوسط بين (إسرائيل) والعرب في عملية التسوية، وهي الرغبة التي تحولت إلي واقع فعلي إثر المشاركة التركية في مؤتمر (أنابوليس) للسلام نهاية عام 2007، وبعد جمود دام ثماني سنوات، بدأت مفاوضات السلام السورية-الإسرائيلية تتنفس مجدداً منذ إبريل 2007، بوساطة تركية، وعقب زيارة أردوغان التصالحية إلى واشنطن في نوفمبر 2006، والتي أنهت الفتور والتوتر اللذين خيما على العلاقات بين الدولتين جراء المسألة الكردية ورفض البرلمان التركي نشر القوات الأمريكية في تركيا إبان غزو العراق، كما حصل بموجبها أردوغان على ضوء أخضر أمريكي للتوسع في الدور الإقليمي التركي، الذي يعد التوسط في عملية التسوية بين إسرائيل والعرب إحدى ركائزه.

هذا التغير الذي طال السياسة الخارجية التركية كان وراءه متغير أساسي تمثل في تراجع الهاجس الخاص بالأمن الحدودي، حيث شهدت علاقات تركيا مع جيرانها، خلال السنوات الخمس الأخيرة تحولات جذرية أدت إلى إزالة الكثير من المخاطر الأمنية على حدودها. وعلى سبيل المثال، فإن العلاقة مع جورجيا مثلاً، العدو السابق يوم كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي سابقاً، تحسنت إلى حد أن مطارها في (باطومي) يستخدم اليوم كمطار داخلي لتركيا.

ومن هنا، فإن تركيا تتطلع بدورها هذا إلى تحقيق أهداف متعددة من وراء دورها الإقليمي، ما بين داخلي وخارجي. فعلى المستوى الداخلي يتمثل في زيادة شعبيتها وتأكيد جدارتها شعبياً، علاوة على تحسين موقفها السياسي. أما خارجياً، فتوخي حكومة حزب العدالة تحقيق اختراق في عملية سلام الشرق الأوسط وفي الملفين اللبناني والإيراني، يضع تركيا في صدارة القوى الإقليمية ويعيد الدفء لعلاقاتها العربية والإسلامية، على نحو يخول أنقرة استثمار كل ذلك دولياً في علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وكذلك، تتطلع أنقرة إلى توثيق عرى التقارب مع سوريا ولبنان والفصائل الفلسطينية من أجل تحجيم نفوذ إيران في المنطقة عبر تبني دبلوماسية تشجيع السلام في الشرق الأوسط. وإلى جانب ذلك كله، ترمي أنقرة إلى التقرب من إسرائيل توطئة للاستفادة من علاقاتها الخاصة بواشنطن ونفوذها المتغلغل في أروقة صنع السياسة الأمريكية والأوروبية بغية ممارسة الضغوط على الكونغرس الأمريكي والبرلمانات الأوروبية لثنيها عن الاعتراف بمجازر العثمانيين في حق الأرمن ودعم مساعي أنقرة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن إيصال رسالة إلى واشنطن مؤداها أن بوسع واشنطن الاعتماد على أنقرة كركن مهم إلى جانب تل أبيب في استراتيجية أمريكا الشرق أوسطية.

الانعكاسات المتوقعة للدور التركي على منطقة الخليج

بيد أن التحليل المتأني لتنامي الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والخليجي بشكل خاص، يكشف عن أن هذا الدور لن تكون له انعكاسات سلبية على دول منطقة الخليج، وذلك للأسباب التالية:

1- طبيعة الارتباطات والتحالفات الخارجية المتشابهة لتركيا ودول مجلس التعاون، فكلاهما يرتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك مع دول الاتحاد الأوروبي.

2- تدرك تركيا أنه من الأهمية بمكان توثيق العلاقات مع دول مجلس التعاون، لما باتت تتمتع به هذه الدول من نفوذ متنام على الساحتين الإقليمية والعالمية.

3- المصالح الاقتصادية الضخمة بين الطرفين، حيث تؤكد الإحصائيات الرسمية أن دول مجلس التعاون تحوز نسبة تصل إلى 2.5 في المائة من إجمالي التجارة الخارجية لتركيا البالغ 160.6 مليار دولار، كما تصل نسبة دول الخليج إلى 2.7 في المائة من إجمالي الصادرات التركية البالغ 63.1 مليار دولار، وتحوز كذلك 2.3 في المائة من إجمالي الواردات التركية البالغ 97.5 مليار دولار.

4- الروابط السياسية والاقتصادية، حيث تم التوقيع على اتفاقية إطارية للتعاون الاقتصادي بين دول مجلس التعاون وتركيا في 30 مايو 2005، ومن أبرز ملامح هذه الاتفاقية تشجيع التعاون الاقتصادي في مجالاته المختلفة بين الطرفين، وتبادل المعرفة والخبرات الفنية اللازمة في تلك المجالات، وأيضاً تشجيع تبادل زيارات الممثلين والوفود والبعثات الاقتصادية والتجارية والفنية بين الطرفين، وإقامة المعارض وتقديم التسهيلات والمساعدات اللازمة من أجل تعزيز التعاون الاقتصادي بينهما. وفي يوليو 2008، تم عقد اجتماع تحضيري بين خبراء من دول مجلس التعاون ونظرائهم الأتراك، وبمشاركة الأمانة العامة لمجلس التعاون من أجل الترتيب لحوار استراتيجي بين الطرفين، وقد جاء هذا اللقاء تمهيداً للقاء وزراء خارجية دول المجلس مع وزير الخارجية التركي في الثالث من سبتمبر الماضي، والذي تم خلاله التوقيع على مذكرة التفاهم الاستراتيجي بين الجانبين.

تدرك تركيا أهمية توثيق العلاقات مع دول المجلس لما تتمتع به من نفوذ متنام إقليمياً وعالمياً

وأخيراً، يمكن القول إن هذا التوجه التركي تجاه منطقة الشرق الأوسط، يجب توظيفه من قبل دول الخليج لصالح إعادة بناء العلاقات العربية- التركية، بشكل يضمن كسب تركيا كحليف إقليمي قوي. ومما لا شك فيه أن علاقات تركيا المتميزة مع الشرق والغرب تمنح الدبلوماسية التركية ثقلاً كبيراً في التنقل بين مختلف القضايا المطروحة للمساهمة في تهدئتها أو تقديم حلول بشأنها. كما أن نهجها المعتدل والتعاوني يوفر بيئة مواتية لعلاقات قوية ومتطورة بينها وبين دول مجلس التعاون، خاصة أنها مهتمة بتقوية هذه العلاقات، وتعميق روابطها مع العالم العربي بشكل عام والخليج بوجه خاص. كما يمكن القول إنه وبعد ربع قرن من العلمانية الصارمة كان لا بد من أن تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي، وقد بدأت هذه العودة تدريجياً في شكل عودة إلى الدين ما فتئت تطفو شيئاً فشيئاً على السطح وأيضاً في شكل مطالبة بتسامح ثقافي وديني على الطريقة الغربية كان من الصعب على قادة أنقرة المنخرطين بمسيرة نشر الديمقراطية على الرغم من الكثير من الاهتزازات، إنكارها مبدأ وفعلاً. وكل ذلك قد دفع باتجاه زيادة الإحساس التركي بالانتماء لعالم إسلامي لا يستطيعون الانسلاخ منه، حتى مع تحقق حلمهم الموعود بالدخول إلى النادي الأوروبي.

::/fulltext::

araa64_65-6f1
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1255::/cck::
::introtext::

ساهم توقيع دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا على مذكرة تفاهم في سبتمبر الماضي، في إعطاء دفعة قوية للمفاوضاتالخليجية – التركية للتوصل إلى إقامة منطقة للتجارة الحرة والتي بدأ الجانبان مفاوضاتها في عام 2005، مما يعطيها دفعة إلى الإمام في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية، ومن ثم إيجاد قنوات مفتوحة للتعامل مع الأزمات وإيجاد حلول عملية لها. 

::/introtext::
::fulltext::

ساهم توقيع دول مجلس التعاون الخليجي وتركيا على مذكرة تفاهم في سبتمبر الماضي، في إعطاء دفعة قوية للمفاوضات الخليجية – التركية للتوصل إلى إقامة منطقة للتجارة الحرة والتي بدأ الجانبان مفاوضاتها في عام 2005، مما يعطيها دفعة إلى الإمام في كافة المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية، ومن ثم إيجاد قنوات مفتوحة للتعامل مع الأزمات وإيجاد حلول عملية لها.

تعتبر مذكرة التفاهم تحولاً يبعث على التفاؤلفي العلاقات الخليجية ـ التركية، بالنظر للتطورات المتداخلة والمفعمة بالأزمات التي يواجهها الجانبان على السواء في الجوار المباشر، بما فيها الأوضاع في العراق، والصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، ومعضلة الإرهاب، وبرنامج إيران النووي. كما اعتبر أيضاً مراقبون من دول مجلس التعاون الخليجي التوقيع على مذكرة التفاهم نقلة نوعية في العلاقات، وتأكيداً على أهمية الدور الإقليمي لتركيا الذي يتميز بالتوازن والاعتدال.وعلى الرغم من أن كلا الجانبين تربطهما علاقات وثيقة مع الولايات المتحدة، فإن كلاً منهما يسعى جاهداً للحفاظ على مصالحه الوطنية والإقليمية التي لا تتوافق مع أجندة واشنطن في كثير من الأحيان. وفي هذا السياق، لا شك في أن هذه الخطوة تحمل مجموعة من الدلالات المهمة:

أولاً: حرص الجانبين الخليجي والتركي على تقوية العلاقات الاقتصادية والتجارية، خلال المرحلة المقبلة، فالسوق التركية سوق ضخمة، وبإمكانها استيعاب الكثير من الاستثمارات الخليجية، التي تتطلع بدورها إلى الأسواق الخارجية. وقد كشف آكين جينيا الملحق التجاري بالسفارة التركية لدى دولة الإمارات في وقت سابق عن خطط بلاده لتحقيق قفزة كبيرة في التجارة مع منطقة الخليج، كما أشار إلى اتخاذ الحكومة التركية مجموعة من التسهيلات لجذب الاستثمارات الخارجية وفي مقدمتها الخليجية، حيث سنت قوانين جديدة تسهل عمل المستثمرين الأجانب داخل البلاد، وذلك تمهيداً لإقامة منطقة تجارة حرة مع دول مجلس التعاون، بعد أن تمكنت من توقيع اتفاقية مماثلة مع الاتحاد الأوروبي.

ثانياً: الحرص على تعميق الروابط التاريخية والاجتماعية والثقافية بين تركيا ودول مجلس التعاون، فهناك روافد ثقافية مشتركة بين الجانبين، يحرص حزب العدالة والتنمية على تعزيزها من خلال التفاهم والتحاور، حيث يدير علاقاته الإقليمية بحنكة ومهارة واضحتين، بحيث لم يدع العلاقة مع إسرائيل تؤثر في توجهاته نحو الدول العربية، ولعل الوساطة التركية بين سوريا وإسرائيل تؤكد هذا المعنى بوضوح.

ثالثاً:ما يتعلق بدور تركيا الإيجابي في المنطقة، الذي يتميز بالتوازن والاعتدال، علاوة على أن هذا الدور بدأ ينشط وتزداد فاعليته وحيويته في معالجة بعض الملفات المفتوحة في الشرق الأوسط. فتركيا حاضرة في أزمة الملف النووي الإيراني، وكذلك الأمر في العراق، يضاف إلى ذلك دورها في عملية السلام بين سوريا وإسرائيل.

طبيعة العلاقات الخليجية – التركية

شهدت تركيا خلال السنوات الخمس الماضية تغيراً ملحوظاً في سياستها الخارجية، تجلى بصورة واضحة في محاولة إيجاد توازن في توجهاتها بين الغرب والشرق، بعد أن شهدت نحو ثمانين عاماً علاقات مميزة مع الغرب، وعلاقات مشوبة بالتوتر أو على الأقل بالحذر، مع الشرق أو مع العالمين العربي والإسلامي.

ورغم أرضية المصالح المشتركة فإن التوجه التركي نحو الغرب (ثقافياً وسياسياً واقتصادياً) اقتضى الابتعاد عن المنطقة العربية، غير أن مجموعة من العوامل بدأت تظهر في سبعينات القرن الماضي، وأدت إلى تغير نظرة أنقرة إلى المنطقة العربية وخاصة الخليج، لعل أبرزها: أزمة النفط في عام 1973، التي بدت فيها دول الخليج كلاعب إقليمي مؤثر في السياسات الدولية. وجاءت الأزمة القبرصية الثانية في عام 1974، نتيجة للغزو التركي لجزيرة قبرص، وما تبعه من إجراءات أمريكية تمثلت بفرض حظر التسلح على تركيا لتدفع بالقادة الأتراك إلى إعادة النظر في التوجه التركي المقصور على الغرب فقط. وكانت أولى الخطوات استضافة تركيا لمنظمة المؤتمر الإسلامي في عام 1976 لتطوير علاقاتها بالدول الإسلامية ومنها المنطقة الخليجية.

وأثمر هذا التوجه الجديد زيارات مكثفة في الثمانينات أدت إلى تطوير العلاقات الاقتصادية، ولعل مؤشرات التجارة في هذا الوقت تشير إلى نمو التجارة بين الجانبين الخليجي والتركي؛ إذ بلغ إجمالي الصادرات التركية إلى دول الخليج نحو 4.5 مليار دولار عام 1981، مقابل 2.9 مليار دولار عام 1980، في حين بلغ إجمالي الصادرات الخليجية إلى تركيا نحو ملياري دولار عام 1981، ولكن تقلص هذا النمو في العلاقات الاقتصادية بسبب انخفاض أسعار النفط في الثمانينات، وانعكاساته على الاقتصاد الخليجي. ولعلنا نلاحظ أن الصيغة الاقتصادية كانت هي المبرر التركي للانفتاح على الخليج.

وفي هذا السياق، أكد الرئيس التركي السابق تورغوت أوزال أن (انفتاح تركيا على الدول الخليجية في هذا الوقت جاء لدوافع اقتصادية باعتبار تلك الدول سوقاً استهلاكية من الدرجة الأولى، فضلاً عن اعتبارات أخرى). وأضافت الحرب العراقية-الإيرانية (1980- 1988) عاملاً جديداً أسهم بشكل فاعل في تطوير الاقتصاد التركي بسبب استفادة تركيا من العلاقات الاقتصادية والتجارية من طرفي الصراع.

ولئن كانت تركيا قد قصرت دورها في المنطقة العربية والخليج على الشق الاقتصادي خلال الثمانينات، فإن حرب الخليج الثانية 1991، جعلت السياسة التركية معنية بالتطورات الإقليمية أكثر من الدولية، وذلك لثلاثة أسباب: أولها الدعوات الكردية لإقامة دولة مستقلة، وهو ما يشكل خطاً أحمر في السياسة التركية. وثانيها هو تفكك الاتحاد السوفييتي، حيث كانت تركيا بمثابة أحد حوائط الصد الغربي ضد المعسكر الشرقي. أما السبب الثالث فهو احتياج تركيا لرؤوس الأموال العربية خاصة من الخليج وتسويق نفسها كدولة تبيع السلاح.

ومن هنا بدأت تنتهج تركيا سياسة الحل الوسط داخل منطقة الشرق الأوسط؛ حيث وطدت علاقتها بإسرائيل في منتصف التسعينات، والسعي نحو دخول الاتحاد الأوروبي، علاوة على أنها حليف قوي للولايات المتحدة بسبب الارتباطات العسكرية، وفي الوقت نفسه أصبحت لها علاقات بالدول العربية وخاصة الخليجية، واستطاعت السياسة الخارجية التركية أن تفصل بين المسارات تلك، حتى لا يؤثر أحدها في الآخر.

وأسهمت عوامل أخرى في دفع تركيا إلى تطوير أدوات تشابكها مع المنطقة وخاصة الأداة الاقتصادية، لعل أبرزها:

1- أزمة نقص المياه التي بدأت نبرتها ترتفع في الخليج والمنطقة بشكل عام.

2- مرور تركيا بأزمة اقتصادية عنيفة خاصة بعد سنتين من زلزال 1990.

3- صعود حزب العدالة والتنمية ذي التوجهات الإسلامية لسدة الحكم في تركيا (2002).

4- الاحتلال الأمريكي للعراق (2003).

5- ازدياد الطلب التركي على النفط والغاز لدفع النمو الاقتصادي المتعثر في البلاد آنذاك، خاصة في ظل تراجع التوقعات من نفط بحر قزوين وازدياد أهمية منطقة الشرق الأوسط والخليج خاصة.

وعلى الجانب الخليجي، ثمة عوامل يختلط أيضاً فيها الاقتصاد بالسياسة دفعت دول مجلس التعاون الخليجي نحو تركيا، لعل من أبرزها:

1- عودة بعض رؤوس الأموال الخليجية إلى المنطقة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001.

2- الفوائض النفطية التي جنتها دول الخليج من ارتفاع النفط خلال السنوات الماضية فرضت البحث عن فرص استثمارية في المنطقة، وخاصة تركيا التي تكتسب أهمية بسبب إمكانياتها الاقتصادية.

3- إسهام توطيد العلاقات الاقتصادية مع تركيا في إيجاد توازن مع الجار الإيراني ذي الطموح النووي والاقتصادي، خاصة بعد الاحتلال الأمريكي للعراق الذي كان يمثل سابقاً بقدراته العسكرية والاقتصادية أحد عناصر التوازن مع طموحات طهران بالمنطقة.

السوق التركية ضخمة وبإمكانها استيعاب الكثير من الاستثمارات الخليجية

الخليج وتركيا .. احتياج اقتصادي متبادل

لا يمكن لأية علاقات اقتصادية بين دولتين أن تنمو وتزدهر دونما وجود قاعدة الاحتياج المتبادل وامتلاك كل منهما ميزة نسبية في مواجهة الآخر. تلك المقولة يمكن إطلاقها بكثير من الثقة عند النظر للعلاقات الاقتصادية التركية-الخليجية التي تمتلك فرصاً واعدة في المستقبل، في ظل دافعية سياسية وأمنية من الجانبين تفرضها ضرورات التغير في موازين القوى في منطقة الخليج لصالح إيران بعد الاحتلال الأمريكي للعراق.

فتركيا تمتلك اقتصاداً متنوعاً له إمكانيات صناعية وزراعية وتجارية ومائية، غير أن أزمتها الأساسية تظل هي الطاقة؛ حيث تستورد 90 في المائة من احتياجاتها النفطية، فضلاً عن نقص رؤوس الأموال والاستثمارات اللازمة لنمو الاقتصاد الذي عانى من أزمات مالية طاحنة (تضخم وتراكم مديونية داخلية وخارجية) قبل 3 سنوات؛ مما جعل أنقرة ترى في الخليج أحد المداخل لحل أزماتها.

أما دول مجلس التعاون الخليجي بإمكانياتها النفطية الهائلة، فترى تركيا ليست من منظور أنها مصدر محتمل للمياه فقط، إنما يتجاوز ذلك للبحث عن فرص استثمار الأموال الخليجية، فضلاً عن أن تركيا تمثل سوقاً كبيرة بسكانها السبعين مليون تقريباً، وكذلك موقعها الجغرافي يمثل منفذاً للخليج على أوروبا وآسيا الوسطى، فهو نقطة وسط بين المناطق المنتجة والمستهلكة للنفط، وتتقاطع عندها أيضاً حضارات الشرق والغرب.

التوقيع على مذكرة التفاهم الخليجية-التركية نقلة نوعية في العلاقات وتأكيدعلى الدور الإقليمي لتركيا

ولكن يظل أن نمو العلاقات الاقتصادية التركية – الخليجية يحتاج إلى مستلزمات أساسية لا بد من وجودها حتى تنمو العلاقات، ترصدها ورقة بحثية للمستشار الاقتصادي الخليجي الدكتور محمد العسومي كما يلي:

– الحاجة لبنية أساسية متطورة للتبادل التجاري وخصوصاً تطوير وسائل النقل التي تعد باهظة في الوقت الحاضر؛ إذ يمكن النظر في إقامة خطوط سكك حديدية تمتد من دول مجلس التعاون إلى تركيا.

– إقامة منطقة للتجارة الحرة بين الطرفين، ويمكن توسيع اتفاقية التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون والاتحاد الأوروبي المزمع توقيعها لتشمل تركيا، لاسيما أن الأخيرة سوف تنضم إلى الاتحاد الأوروبي في المستقبل، كما أن أسواقها مفتوحة مع دول الاتحاد ضمن اتفاقيات الشراكة.

– توقيع اتفاقيات منع الازدواج الضريبي وتشجيع إقامة مشروعات مشتركة وخصوصاً في القطاع الخاص في كل من المجموعة الخليجية وتركيا، وهذا يعني الاستفادة من وضع تركيا في الاتحاد الأوروبي لتسويق هذه المنتجات.

– تشكيل مجلس للتعاون الاقتصادي بين دول مجلس التعاون وتركيا يسهم فيه القطاع الخاص، ويجتمع بشكل سنوي للبحث في أوجه العلاقة ومواجهة المشكلات.

ويتبقى أن الصيغة الاقتصادية والتجارية هي الأداة الرئيسية التي تعود بتركيا للمنطقة بعدما ابتعدت عنها؛ فالأتراك يدركون أن إمكانياتهم الاقتصادية تلائم المنطقة أكثر من غيرها، في المقابل فإن إمكانيات تركيا الاقتصادية قد تكون منفذاً للفوائض المالية الخليجية التي تبحث عن فرص استثمار آمنة.

الخليج وتركيا .. مكاسب مشتركة

يعد التوقيع على مذكرة التفاهم بين الجانبين الخليجي والتركي مهماً وجديداً في العلاقات بين الجانبين، بعد فترة من الشكوك التي كانت تحيط بها في ظل تنامي العلاقات التركية – الإسرائيلية، حيث تخشى دول الخليج أن تستغل إسرائيل تركيا كمدخل إلى دول الخليج العربية، وهو ما ألقى بظلاله على مسيرة العلاقات بين تركيا ودول الخليج، ولكن نجاح الدبلوماسية التركية في عدم خلط الأوراق، وفصل كل مسار من مسارات علاقاتها الخارجية عن الآخر، وإعلان حزب العدالة والتنمية برئاسة رجب طيب أردوغان بعد وصوله إلى رئاسة الحكومة في تركيا، مقابلة كل خطوة عربية بعشر خطوات، قرّب مساحات التلاقي بين الأطراف العربية بشكل عام، والخليجية على وجه التحديد، وأنقرة.

وشهدت العلاقات الخليجية – التركية خلال الفترة الأخيرة نمواً مطرداً، حيث تعتبر دول الخليج سادس أكبر شريك مصدر إلى تركيا، بالإضافة إلى بعض أوجه التعاون الأخرى من أهمها:

* التوقيع على الاتفاقية الإطارية للتعاون الاقتصادي بين الطرفين في العاصمة البحرينية عام 2005، وتضمنت تشجيع التعاون الاقتصادي في مجالاته المختلفة بين الطرفين وتبادل المعرفة والخبرات الفنية.

* المفاوضات بين دول الخليج وتركيا بشأن إبرام اتفاقية تجارة حرة، حيث تسهم هذه الاتفاقية في حفز التبادل التجاري.

ومن هنا، فإنه لا شك في أن التوقيع على مذكرة التفاهم بين تركيا ودول الخليج سيحقق مجموعة من المكاسب المشتركة لكلا الطرفين، لعل من أهمها:

1- بالنسبة إلى تركيا: فإنها تسعى إلى جذب الاستثمارات الخليجية، رغم الإمكانيات الاقتصادية الضخمة المتنوعة التي تمتلكها تركيا في مختلف المجالات، فإنها تعاني نقص الموارد المالية والاستثمارات اللازمة لنمو الاقتصاد، بالإضافة إلى حاجة أنقرة إلى الحصول على الطاقة، حيث تستورد نحو 90 في المائة من احتياجاتها النفطية، علاوة على هذه المكاسب الاقتصادية التي تتطلع إليها أنقرة، فإنها بحاجة إلى تقوية دورها الجديد الذي بدأ يطفو على السطح في الشرق الأوسط، وقد برز من خلال وساطتها في المفاوضات بين سوريا وإسرائيل، فضلاً عن دورها في الملف النووي الإيراني، ومحاولة التقريب بين الغرب وإيران.

2- وفي ما يتعلق بدول الخليج: فإن دول الخليج تنظر إلى تركيا باعتبارها سوقاً كبيرة للاستثمارات الخليجية، لذلك فقد بدأ الجانبان في المفاوضات لإقامة منطقة تجارة حرة، حيث ستعمل مذكرة التفاهم على الانتهاء من هذه المفاوضات في القريب العاجل. كما تعتبر تركيا منفذاً للخليج على أوروبا وآسيا الوسطى نظراً لموقعها الجغرافي المتميز، بالإضافة إلى دورها الإقليمي الذي يتميز بالتوازن والاعتدال، كما يرى بعض المراقبين أن نمو العلاقات بين تركيا ودول الخليج يعتبر خصماً من الدور الإيراني في المنطقة بعد تنامي نفوذ إيران في العراق ولبنان، إلى جانب فرض نفسها كقوة إقليمية في ظل مواجهتها مع الغرب حول البرنامج النووي.

دول مجلس التعاون تحوز نسبة 2.5 في المائة من إجمالي التجارة الخارجية لتركيا

الوساطة التركية في الأزمات الإقليمية

جاء التوجه التركي نحو لعب دور الوساطة في تسوية القضايا الخلافية العالقة، حيث كان لهذا التوجه مؤشراته العديدة، أهمها الوساطة التي تقوم بها أنقرة بين كل من سوريا وإسرائيل، وتنشيط تركيا لعلاقاتها مع العالم العربي، وإعلان أنقرة عزمها على لعب دور الوساطة بين جارتها الكبيرة إيران والولايات المتحدة بشأن الملف النووي. فكانالبدء بالصراع العربي – الإسرائيلي توطئة لدور بارز في المسألتين اللبنانية والإيرانية.

ومنذ عام 2004، تعلن حكومة حزب العدالة والتنمية عن رغبتها في التوسط بين (إسرائيل) والعرب في عملية التسوية، وهي الرغبة التي تحولت إلي واقع فعلي إثر المشاركة التركية في مؤتمر (أنابوليس) للسلام نهاية عام 2007، وبعد جمود دام ثماني سنوات، بدأت مفاوضات السلام السورية-الإسرائيلية تتنفس مجدداً منذ إبريل 2007، بوساطة تركية، وعقب زيارة أردوغان التصالحية إلى واشنطن في نوفمبر 2006، والتي أنهت الفتور والتوتر اللذين خيما على العلاقات بين الدولتين جراء المسألة الكردية ورفض البرلمان التركي نشر القوات الأمريكية في تركيا إبان غزو العراق، كما حصل بموجبها أردوغان على ضوء أخضر أمريكي للتوسع في الدور الإقليمي التركي، الذي يعد التوسط في عملية التسوية بين إسرائيل والعرب إحدى ركائزه.

هذا التغير الذي طال السياسة الخارجية التركية كان وراءه متغير أساسي تمثل في تراجع الهاجس الخاص بالأمن الحدودي، حيث شهدت علاقات تركيا مع جيرانها، خلال السنوات الخمس الأخيرة تحولات جذرية أدت إلى إزالة الكثير من المخاطر الأمنية على حدودها. وعلى سبيل المثال، فإن العلاقة مع جورجيا مثلاً، العدو السابق يوم كانت جزءاً من الاتحاد السوفييتي سابقاً، تحسنت إلى حد أن مطارها في (باطومي) يستخدم اليوم كمطار داخلي لتركيا.

ومن هنا، فإن تركيا تتطلع بدورها هذا إلى تحقيق أهداف متعددة من وراء دورها الإقليمي، ما بين داخلي وخارجي. فعلى المستوى الداخلي يتمثل في زيادة شعبيتها وتأكيد جدارتها شعبياً، علاوة على تحسين موقفها السياسي. أما خارجياً، فتوخي حكومة حزب العدالة تحقيق اختراق في عملية سلام الشرق الأوسط وفي الملفين اللبناني والإيراني، يضع تركيا في صدارة القوى الإقليمية ويعيد الدفء لعلاقاتها العربية والإسلامية، على نحو يخول أنقرة استثمار كل ذلك دولياً في علاقاتها مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي. وكذلك، تتطلع أنقرة إلى توثيق عرى التقارب مع سوريا ولبنان والفصائل الفلسطينية من أجل تحجيم نفوذ إيران في المنطقة عبر تبني دبلوماسية تشجيع السلام في الشرق الأوسط. وإلى جانب ذلك كله، ترمي أنقرة إلى التقرب من إسرائيل توطئة للاستفادة من علاقاتها الخاصة بواشنطن ونفوذها المتغلغل في أروقة صنع السياسة الأمريكية والأوروبية بغية ممارسة الضغوط على الكونغرس الأمريكي والبرلمانات الأوروبية لثنيها عن الاعتراف بمجازر العثمانيين في حق الأرمن ودعم مساعي أنقرة للانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، فضلاً عن إيصال رسالة إلى واشنطن مؤداها أن بوسع واشنطن الاعتماد على أنقرة كركن مهم إلى جانب تل أبيب في استراتيجية أمريكا الشرق أوسطية.

الانعكاسات المتوقعة للدور التركي على منطقة الخليج

بيد أن التحليل المتأني لتنامي الدور التركي في منطقة الشرق الأوسط بشكل عام والخليجي بشكل خاص، يكشف عن أن هذا الدور لن تكون له انعكاسات سلبية على دول منطقة الخليج، وذلك للأسباب التالية:

1- طبيعة الارتباطات والتحالفات الخارجية المتشابهة لتركيا ودول مجلس التعاون، فكلاهما يرتبط بعلاقات وثيقة مع الولايات المتحدة الأمريكية، وكذلك مع دول الاتحاد الأوروبي.

2- تدرك تركيا أنه من الأهمية بمكان توثيق العلاقات مع دول مجلس التعاون، لما باتت تتمتع به هذه الدول من نفوذ متنام على الساحتين الإقليمية والعالمية.

3- المصالح الاقتصادية الضخمة بين الطرفين، حيث تؤكد الإحصائيات الرسمية أن دول مجلس التعاون تحوز نسبة تصل إلى 2.5 في المائة من إجمالي التجارة الخارجية لتركيا البالغ 160.6 مليار دولار، كما تصل نسبة دول الخليج إلى 2.7 في المائة من إجمالي الصادرات التركية البالغ 63.1 مليار دولار، وتحوز كذلك 2.3 في المائة من إجمالي الواردات التركية البالغ 97.5 مليار دولار.

4- الروابط السياسية والاقتصادية، حيث تم التوقيع على اتفاقية إطارية للتعاون الاقتصادي بين دول مجلس التعاون وتركيا في 30 مايو 2005، ومن أبرز ملامح هذه الاتفاقية تشجيع التعاون الاقتصادي في مجالاته المختلفة بين الطرفين، وتبادل المعرفة والخبرات الفنية اللازمة في تلك المجالات، وأيضاً تشجيع تبادل زيارات الممثلين والوفود والبعثات الاقتصادية والتجارية والفنية بين الطرفين، وإقامة المعارض وتقديم التسهيلات والمساعدات اللازمة من أجل تعزيز التعاون الاقتصادي بينهما. وفي يوليو 2008، تم عقد اجتماع تحضيري بين خبراء من دول مجلس التعاون ونظرائهم الأتراك، وبمشاركة الأمانة العامة لمجلس التعاون من أجل الترتيب لحوار استراتيجي بين الطرفين، وقد جاء هذا اللقاء تمهيداً للقاء وزراء خارجية دول المجلس مع وزير الخارجية التركي في الثالث من سبتمبر الماضي، والذي تم خلاله التوقيع على مذكرة التفاهم الاستراتيجي بين الجانبين.

تدرك تركيا أهمية توثيق العلاقات مع دول المجلس لما تتمتع به من نفوذ متنام إقليمياً وعالمياً

وأخيراً، يمكن القول إن هذا التوجه التركي تجاه منطقة الشرق الأوسط، يجب توظيفه من قبل دول الخليج لصالح إعادة بناء العلاقات العربية- التركية، بشكل يضمن كسب تركيا كحليف إقليمي قوي. ومما لا شك فيه أن علاقات تركيا المتميزة مع الشرق والغرب تمنح الدبلوماسية التركية ثقلاً كبيراً في التنقل بين مختلف القضايا المطروحة للمساهمة في تهدئتها أو تقديم حلول بشأنها. كما أن نهجها المعتدل والتعاوني يوفر بيئة مواتية لعلاقات قوية ومتطورة بينها وبين دول مجلس التعاون، خاصة أنها مهتمة بتقوية هذه العلاقات، وتعميق روابطها مع العالم العربي بشكل عام والخليج بوجه خاص. كما يمكن القول إنه وبعد ربع قرن من العلمانية الصارمة كان لا بد من أن تعود الأمور إلى مجراها الطبيعي، وقد بدأت هذه العودة تدريجياً في شكل عودة إلى الدين ما فتئت تطفو شيئاً فشيئاً على السطح وأيضاً في شكل مطالبة بتسامح ثقافي وديني على الطريقة الغربية كان من الصعب على قادة أنقرة المنخرطين بمسيرة نشر الديمقراطية على الرغم من الكثير من الاهتزازات، إنكارها مبدأ وفعلاً. وكل ذلك قد دفع باتجاه زيادة الإحساس التركي بالانتماء لعالم إسلامي لا يستطيعون الانسلاخ منه، حتى مع تحقق حلمهم الموعود بالدخول إلى النادي الأوروبي.

::/fulltext::
::cck::1255::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *