الأسباب الحقيقية للأزمة المالية العالمية
::cck::1305::/cck::
::introtext::
يعيش العالم أزمة مالية مصدرها النظام الرأسمالي، وقد نشأت تلك الأزمة في صميم النظام المالي، واشتعلت شرارتها في سوق المساكن الأمريكية لكن جذورها أكثر عمقاً. فالتوسع في السوق المالية تجاوز إلى حد كبير معدل النمو في الاقتصاد الحقيقي خلال العقود الأخيرة، وأصبح الاقتصاد المالي قائماً على المقامرة وخلق النقود وهرم مقلوب من الديون يفوق الثروات بلا حدود، وأصبحت تبعات الأزمة المالية من (خسائر وإفلاس وبطالة وهبوط بورصات وتقلب وتراجع أسعار وفقر وركود) تضرب الاقتصاد العالمي في صميمه.
::/introtext::
::fulltext::
يعيش العالم أزمة مالية مصدرها النظام الرأسمالي، وقد نشأت تلك الأزمة في صميم النظام المالي، واشتعلت شرارتها في سوق المساكن الأمريكية لكن جذورها أكثر عمقاً. فالتوسع في السوق المالية تجاوز إلى حد كبير معدل النمو في الاقتصاد الحقيقي خلال العقود الأخيرة، وأصبح الاقتصاد المالي قائماً على المقامرة وخلق النقود وهرم مقلوب من الديون يفوق الثروات بلا حدود، وأصبحت تبعات الأزمة المالية من (خسائر وإفلاس وبطالة وهبوط بورصات وتقلب وتراجع أسعار وفقر وركود) تضرب الاقتصاد العالمي في صميمه.
ترجع الأسباب الحقيقية للأزمة المالية العالمية أساساً إلى المدمرات الثلاثة: الربا، وبيع الديون، والمقامرة. فقد كشفت هذه الأزمة عن ثلاث فقاعات تحكم الاقتصاد العالمي الأولى: فقاعة سعر الفائدة أو الربا. الثانية: فقاعة بيع الديون. الثالثة: فقاعة المقامرة . وكل منها يرتبط بالآخر.
ارتبطت بوادر الأزمة المالية العالمية بصورة أساسية بالربا أو سعر الفائدة
أولاً: فقاعة الربا
ارتبطت بوادر الأزمة المالية العالمية بصورة أساسية بالربا أو سعر الفائدة، حيث عمدت البنوك والمؤسسات المالية وفي مقدمتها بنوك الاستثمار التي لا تخضع لرقابة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى إغراء الأمريكيين بتملك العقارات بدلاً من تأجيرها، وفي ظل سيادة الجشع ونزوة الربحية ورغبة أعضاء مجلس الإدارة في الحصول على مكافآت سخية من جراء الربحية قصيرة الأجل، ونقل المخاطر إلى مؤسسات شراء الديون والتأمين تغاضت تلك المؤسسات عن السجل الائتماني للعميل ومدى مقدرته على السداد، ويسرت له تخفيض قيمة الأقساط في السنوات الأولى للاقتراض،وكان هذا دافعاًأيضاً للأمريكيين لشراء عقارات بغرض استثمارها في ظل تلك التسهيلات المصرفية وفي ظل تنامي الارتفاع في أسعار العقارات. بل عمد أصحاب العقارات المرهونة إلى رهن عقاراتهم المرهونة أصلاً للحصول على قروض للاستثمار في شراء عقارات برهن عقاراتهم المرهونة أصلاً رهناً آخر من الدرجة الثانية بل والثالثة نتيجة لإعادة تقييم العقار لارتفاع سعره وبذلك انتشرت الرهون الأقل جودة (subprime). وقد بالغت البنوك الأمريكية في الإقراض العقاري حتى تجاوزت نسبته أكثر من ستين ضعف حجم رؤوس أموال الكثير من تلك البنوك مما أدى إلى إضعاف مضاعفة من خلق النقود.
تحولت الأزمة المالية إلى طاعون مالي يسري في جسد الاقتصاد العالمي
وفي ظل منح القروض العقارية بسعر فائدة معوم أي متغير، ومع الارتفاع المتوالي لسعر الفائدة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذ عام 2004، فقد انعكس هذا الارتفاع على تلك القروض، حيث أدى إلى زيادة في أعبائها من حيث خدمتها وسداد أقساطها، حتى بلغت تلك القروض نحو 1.3 تريليون دولار في مارس 2007، وتفاقمت تلك الأزمة مع حلول النصف الثاني من عام 2007، حيث توقف عدد كبير من المقترضين عن سداد الأقساط المالية المستحقة عليهم، مما ترتب عليه تحميلهم أعباء إضافية نتيجة لهذا التأخير وفقاً لسياسة سعر الفائدة المركبة،مما أدى إلى زيادة في تعثر أصحاب القروض المتعثرين أصلاً، وترتب على ذلك قيام المؤسسات المالية المقرضة بالتنفيذ على الرهون العقارية، مما أدى إلى فقدان الآلاف لمنازلهم المرهونة، واندرج ذلك على سوق العقارات، حيث أدت زيادة المعروض منها إلى انخفاض أسعارها، وهو الأمر الذي زاد من مخاطر تلك القروض العقارية، وأدى بالعديد من العملاء المنتظمين إلى التوقف عن السداد أيضاً، حيث إن ما تبقى من أقساط على عقاراتهم أصبح يفوق بكثير القيمة الحالية للعقار نتيجة للانخفاض في الأسعار.
ثانياً: فقاعة بيع الديون
لم تقتصر المؤسسات المالية الأمريكية على التوسع في الإقراض من خلال الديون العقارية، بل عمدت إلى توليد موجات متتالية من الأصول المالية بناء على أصل واحد عن طريق المشتقات المالية (financial derivatives) التي استخدمتها لتوليد مصادر جديدة للتمويل، وبالتالي للتوسع في الإقراض من خلال فقاعة التوريق أو التسنيد (Securitization)للديون العقارية الذي يجمع بين الاقتراض والمشتقات.
ولم يقتصر التوريق على الديون العقارية فقط، بل امتد ليشمل تحويل الحقوق المالية المستحقة التي تتدفق من مجموعة من الأصول المالية الأخرى من قروض سيارات ومستحقات بطاقات الائتمان إلى أوراق مالية تكون مضمونة بتلك المجموعة من الأصول. وقد شهدت البطاقات الائتمانية في الولايات المتحدة الأمريكية تنامياً في ديونها حتى وصلت قيمتها إلى تريليون دولار بمتأخرات قاربت 100 مليون دولار، وهذه الفقاعة قابلة أيضاً للانفجار.
ثالثاً: فقاعة المقامرة
الفقاعة الثالثة وهي المقامرة فقد جاءت من خلال تأمين حاملي السندات العقارية على أصل تلك السندات وعوائدها لدى شركات التأمين، وفي حالة فشل المقترض ممثلاً في مشتري العقار في الوفاء بما عليه من التزامات تقوم مؤسسة التأمين بسداد مستحقات حامل السند ثم يتم بيع العقار فيما بعد، وتحصل شركة التأمين على مستحقاتها.
وقد انعكس تعثر عملاء الديون العقارية وكذلك رداءة سندات تلك الديون وانخفاض القيمة السوقية لأصولها العقارية بصورة مباشرة على شركات التأمين من خلال مطالبة حاملي تلك السندات شركات التأمين بتغطية خسائرهم. وكان من نتيجة ذلك أن تكبدت أكبر مؤسستين للرهن العقاري في الولايات المتحدة وهما (فاني ماي) و(فريدي ماك) خسائر بالغة حتى أوشكتا على الإفلاس ولم ينقذهما إلا تأميم الحكومة الأمريكية لهما.
كما ظهرت المقامرة جلية في هذه الأزمة من خلال المقامرات باسم المضاربات من خلال البيع على المكشوف والمشتقات المالية على الأوراق المالية سواء أكانت تلك الأوراق خاصة بالديون العقارية أم غيرها.
وهكذا انفجرت الفقاعات الثلاث: الربا، وبيع الديون، والمقامرة، وتحولت الأزمة المالية إلى طاعون مالي يسري في جسد الاقتصاد العالمي، فأفقدت المستثمر الثقة في آليات النظام النقدي والمصرفي والمالي، ولم يعد يصدق جدوى تلك الآليات مثل آليات السياسات النقدية والائتمانية القائمة على سعر الفائدة والتخلي عن نظام الغطاء الذهبي، والتي أسهمت في إيجاد أضعاف مضاعفة من النقود، وجعلت النقود تلد النقود، وكذلك الآليات المالية التي جعلت من الاستثمار المالي – الذي لا تنتج عنه قيمة مضافة – أضعاف مضاعفة الاستثمار الحقيقي، ورسخت مفهوم بيع الديون من خلال تحويل القروض إلى سندات مركبة، وكذلك تقنين المقامرة من خلال المشتقات المالية والتأمين التقليدي.
لقد تحول الاقتصاد العالمي – للأسف الشديد- إلى نادي قمار يتضاءل أمامه الإنتاج الحقيقي أو القيمة المضافة. فالمعاملات النقدية (أي النقود مقابل النقود) ممثلة في نقود المضاربة أو الأموال الساخنة (Hot money)فاقت كل تصور فبينما يتداول في العالم كله ما بين تجارة حقيقية ونقدية في العام نحو 530 تريليون دولار فإن نسبة 5 في المائة فقط من هذا المبلغ تتمثل في معاملات حقيقية، بينما تتمثل نسبة 95 في المائة الباقية في معاملات نقدية محضة.
ومن الجدير بالذكر أنه مما ساعد – أيضاً – على انفجار الأزمة المالية العالمية إنهاك الاقتصاد الأمريكي من خلال الطغيان والحرب في أفغانستان والعراق والمتوقع أن تصل تكلفتهما إلى ما بين 2.4 و4.5 تريليون دولار حتى عام2017م، حتى إن تكلفة الحرب على العراق في الوقت الحالي تكلف الولايات المتحدة عن كل ثلاث دقائق فقط مليون دولار وهو ما استنزف الاقتصاد الأمريكي وأثر سلباًفي وعاء السيولة العالمية. حيث بلغ العجز في الموازنة الاتحادية 455 مليار دولار في العام المالي 2008 بعد أنكان 162 ملياراً فقط في عام 2007،كما شهد العجز في الميزان التجاري الأمريكي تزايداً منذ عام 2001 ليصل إلى 59,1 مليار في أغسطس 2008. وشهدت المديونية الأمريكية الداخلية تزايداً بنحو مليون دولار عن كل دقيقة لتتجاوز 10 تريليونات دولار في سبتمبر 2008، بينما بلغ إجمالي الدين الداخلي والخارجي نحو 14 تريليون دولار ليصبح مساوياً تقريباً لإجمالي الناتج المحلي الأمريكي السنوي.
وكان من نتيجة كل ذلك أن تدخلت الدول الرأسمالية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية بكل قواها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تعرض اقتصاداتها للانهيار، وتخلت عن فلسفة النظام الرأسمالي، وخرافة الحرية المطلقة، وجمعت بين المتناقضات.
لقد كشفت الأزمة المالية العالمية عن أن النظام الرأسمالي يحمل في طياته عوامل إفلاسه، وأنه أصبح متصدعاً مترقعاً، وهو ما دفع بأنظار العديد من الغربيين وفي مقدمتهم الفاتيكان إلى الدعوة لتطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي الذي لا مكان فيه لسعر الفائدة والمقامرة وبيع الديون.
وهذا التوجه يضع على عاتق أصحاب الفكر والقرار في المجتمعات الإسلامية مسؤولية إبراز منهج الاقتصاد الإسلامي وأسسه وأركانه وتفصيلاته بصورة تجمع بين التنظير والتطبيق على أرض الواقع، وتمكن من تسويق هذا النظام الرباني عالميا رحمة بالعالمين، خاصة أن الأزمة المالية ذات تبعات لا تتوقف يوماً بعد يوم بل لحظة بعد لحظة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1305::/cck::
::introtext::
يعيش العالم أزمة مالية مصدرها النظام الرأسمالي، وقد نشأت تلك الأزمة في صميم النظام المالي، واشتعلت شرارتها في سوق المساكن الأمريكية لكن جذورها أكثر عمقاً. فالتوسع في السوق المالية تجاوز إلى حد كبير معدل النمو في الاقتصاد الحقيقي خلال العقود الأخيرة، وأصبح الاقتصاد المالي قائماً على المقامرة وخلق النقود وهرم مقلوب من الديون يفوق الثروات بلا حدود، وأصبحت تبعات الأزمة المالية من (خسائر وإفلاس وبطالة وهبوط بورصات وتقلب وتراجع أسعار وفقر وركود) تضرب الاقتصاد العالمي في صميمه.
::/introtext::
::fulltext::
يعيش العالم أزمة مالية مصدرها النظام الرأسمالي، وقد نشأت تلك الأزمة في صميم النظام المالي، واشتعلت شرارتها في سوق المساكن الأمريكية لكن جذورها أكثر عمقاً. فالتوسع في السوق المالية تجاوز إلى حد كبير معدل النمو في الاقتصاد الحقيقي خلال العقود الأخيرة، وأصبح الاقتصاد المالي قائماً على المقامرة وخلق النقود وهرم مقلوب من الديون يفوق الثروات بلا حدود، وأصبحت تبعات الأزمة المالية من (خسائر وإفلاس وبطالة وهبوط بورصات وتقلب وتراجع أسعار وفقر وركود) تضرب الاقتصاد العالمي في صميمه.
ترجع الأسباب الحقيقية للأزمة المالية العالمية أساساً إلى المدمرات الثلاثة: الربا، وبيع الديون، والمقامرة. فقد كشفت هذه الأزمة عن ثلاث فقاعات تحكم الاقتصاد العالمي الأولى: فقاعة سعر الفائدة أو الربا. الثانية: فقاعة بيع الديون. الثالثة: فقاعة المقامرة . وكل منها يرتبط بالآخر.
ارتبطت بوادر الأزمة المالية العالمية بصورة أساسية بالربا أو سعر الفائدة
أولاً: فقاعة الربا
ارتبطت بوادر الأزمة المالية العالمية بصورة أساسية بالربا أو سعر الفائدة، حيث عمدت البنوك والمؤسسات المالية وفي مقدمتها بنوك الاستثمار التي لا تخضع لرقابة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي إلى إغراء الأمريكيين بتملك العقارات بدلاً من تأجيرها، وفي ظل سيادة الجشع ونزوة الربحية ورغبة أعضاء مجلس الإدارة في الحصول على مكافآت سخية من جراء الربحية قصيرة الأجل، ونقل المخاطر إلى مؤسسات شراء الديون والتأمين تغاضت تلك المؤسسات عن السجل الائتماني للعميل ومدى مقدرته على السداد، ويسرت له تخفيض قيمة الأقساط في السنوات الأولى للاقتراض،وكان هذا دافعاًأيضاً للأمريكيين لشراء عقارات بغرض استثمارها في ظل تلك التسهيلات المصرفية وفي ظل تنامي الارتفاع في أسعار العقارات. بل عمد أصحاب العقارات المرهونة إلى رهن عقاراتهم المرهونة أصلاً للحصول على قروض للاستثمار في شراء عقارات برهن عقاراتهم المرهونة أصلاً رهناً آخر من الدرجة الثانية بل والثالثة نتيجة لإعادة تقييم العقار لارتفاع سعره وبذلك انتشرت الرهون الأقل جودة (subprime). وقد بالغت البنوك الأمريكية في الإقراض العقاري حتى تجاوزت نسبته أكثر من ستين ضعف حجم رؤوس أموال الكثير من تلك البنوك مما أدى إلى إضعاف مضاعفة من خلق النقود.
تحولت الأزمة المالية إلى طاعون مالي يسري في جسد الاقتصاد العالمي
وفي ظل منح القروض العقارية بسعر فائدة معوم أي متغير، ومع الارتفاع المتوالي لسعر الفائدة من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي منذ عام 2004، فقد انعكس هذا الارتفاع على تلك القروض، حيث أدى إلى زيادة في أعبائها من حيث خدمتها وسداد أقساطها، حتى بلغت تلك القروض نحو 1.3 تريليون دولار في مارس 2007، وتفاقمت تلك الأزمة مع حلول النصف الثاني من عام 2007، حيث توقف عدد كبير من المقترضين عن سداد الأقساط المالية المستحقة عليهم، مما ترتب عليه تحميلهم أعباء إضافية نتيجة لهذا التأخير وفقاً لسياسة سعر الفائدة المركبة،مما أدى إلى زيادة في تعثر أصحاب القروض المتعثرين أصلاً، وترتب على ذلك قيام المؤسسات المالية المقرضة بالتنفيذ على الرهون العقارية، مما أدى إلى فقدان الآلاف لمنازلهم المرهونة، واندرج ذلك على سوق العقارات، حيث أدت زيادة المعروض منها إلى انخفاض أسعارها، وهو الأمر الذي زاد من مخاطر تلك القروض العقارية، وأدى بالعديد من العملاء المنتظمين إلى التوقف عن السداد أيضاً، حيث إن ما تبقى من أقساط على عقاراتهم أصبح يفوق بكثير القيمة الحالية للعقار نتيجة للانخفاض في الأسعار.
ثانياً: فقاعة بيع الديون
لم تقتصر المؤسسات المالية الأمريكية على التوسع في الإقراض من خلال الديون العقارية، بل عمدت إلى توليد موجات متتالية من الأصول المالية بناء على أصل واحد عن طريق المشتقات المالية (financial derivatives) التي استخدمتها لتوليد مصادر جديدة للتمويل، وبالتالي للتوسع في الإقراض من خلال فقاعة التوريق أو التسنيد (Securitization)للديون العقارية الذي يجمع بين الاقتراض والمشتقات.
ولم يقتصر التوريق على الديون العقارية فقط، بل امتد ليشمل تحويل الحقوق المالية المستحقة التي تتدفق من مجموعة من الأصول المالية الأخرى من قروض سيارات ومستحقات بطاقات الائتمان إلى أوراق مالية تكون مضمونة بتلك المجموعة من الأصول. وقد شهدت البطاقات الائتمانية في الولايات المتحدة الأمريكية تنامياً في ديونها حتى وصلت قيمتها إلى تريليون دولار بمتأخرات قاربت 100 مليون دولار، وهذه الفقاعة قابلة أيضاً للانفجار.
ثالثاً: فقاعة المقامرة
الفقاعة الثالثة وهي المقامرة فقد جاءت من خلال تأمين حاملي السندات العقارية على أصل تلك السندات وعوائدها لدى شركات التأمين، وفي حالة فشل المقترض ممثلاً في مشتري العقار في الوفاء بما عليه من التزامات تقوم مؤسسة التأمين بسداد مستحقات حامل السند ثم يتم بيع العقار فيما بعد، وتحصل شركة التأمين على مستحقاتها.
وقد انعكس تعثر عملاء الديون العقارية وكذلك رداءة سندات تلك الديون وانخفاض القيمة السوقية لأصولها العقارية بصورة مباشرة على شركات التأمين من خلال مطالبة حاملي تلك السندات شركات التأمين بتغطية خسائرهم. وكان من نتيجة ذلك أن تكبدت أكبر مؤسستين للرهن العقاري في الولايات المتحدة وهما (فاني ماي) و(فريدي ماك) خسائر بالغة حتى أوشكتا على الإفلاس ولم ينقذهما إلا تأميم الحكومة الأمريكية لهما.
كما ظهرت المقامرة جلية في هذه الأزمة من خلال المقامرات باسم المضاربات من خلال البيع على المكشوف والمشتقات المالية على الأوراق المالية سواء أكانت تلك الأوراق خاصة بالديون العقارية أم غيرها.
وهكذا انفجرت الفقاعات الثلاث: الربا، وبيع الديون، والمقامرة، وتحولت الأزمة المالية إلى طاعون مالي يسري في جسد الاقتصاد العالمي، فأفقدت المستثمر الثقة في آليات النظام النقدي والمصرفي والمالي، ولم يعد يصدق جدوى تلك الآليات مثل آليات السياسات النقدية والائتمانية القائمة على سعر الفائدة والتخلي عن نظام الغطاء الذهبي، والتي أسهمت في إيجاد أضعاف مضاعفة من النقود، وجعلت النقود تلد النقود، وكذلك الآليات المالية التي جعلت من الاستثمار المالي – الذي لا تنتج عنه قيمة مضافة – أضعاف مضاعفة الاستثمار الحقيقي، ورسخت مفهوم بيع الديون من خلال تحويل القروض إلى سندات مركبة، وكذلك تقنين المقامرة من خلال المشتقات المالية والتأمين التقليدي.
لقد تحول الاقتصاد العالمي – للأسف الشديد- إلى نادي قمار يتضاءل أمامه الإنتاج الحقيقي أو القيمة المضافة. فالمعاملات النقدية (أي النقود مقابل النقود) ممثلة في نقود المضاربة أو الأموال الساخنة (Hot money)فاقت كل تصور فبينما يتداول في العالم كله ما بين تجارة حقيقية ونقدية في العام نحو 530 تريليون دولار فإن نسبة 5 في المائة فقط من هذا المبلغ تتمثل في معاملات حقيقية، بينما تتمثل نسبة 95 في المائة الباقية في معاملات نقدية محضة.
ومن الجدير بالذكر أنه مما ساعد – أيضاً – على انفجار الأزمة المالية العالمية إنهاك الاقتصاد الأمريكي من خلال الطغيان والحرب في أفغانستان والعراق والمتوقع أن تصل تكلفتهما إلى ما بين 2.4 و4.5 تريليون دولار حتى عام2017م، حتى إن تكلفة الحرب على العراق في الوقت الحالي تكلف الولايات المتحدة عن كل ثلاث دقائق فقط مليون دولار وهو ما استنزف الاقتصاد الأمريكي وأثر سلباًفي وعاء السيولة العالمية. حيث بلغ العجز في الموازنة الاتحادية 455 مليار دولار في العام المالي 2008 بعد أنكان 162 ملياراً فقط في عام 2007،كما شهد العجز في الميزان التجاري الأمريكي تزايداً منذ عام 2001 ليصل إلى 59,1 مليار في أغسطس 2008. وشهدت المديونية الأمريكية الداخلية تزايداً بنحو مليون دولار عن كل دقيقة لتتجاوز 10 تريليونات دولار في سبتمبر 2008، بينما بلغ إجمالي الدين الداخلي والخارجي نحو 14 تريليون دولار ليصبح مساوياً تقريباً لإجمالي الناتج المحلي الأمريكي السنوي.
وكان من نتيجة كل ذلك أن تدخلت الدول الرأسمالية وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية بكل قواها لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من تعرض اقتصاداتها للانهيار، وتخلت عن فلسفة النظام الرأسمالي، وخرافة الحرية المطلقة، وجمعت بين المتناقضات.
لقد كشفت الأزمة المالية العالمية عن أن النظام الرأسمالي يحمل في طياته عوامل إفلاسه، وأنه أصبح متصدعاً مترقعاً، وهو ما دفع بأنظار العديد من الغربيين وفي مقدمتهم الفاتيكان إلى الدعوة لتطبيق النظام الاقتصادي الإسلامي الذي لا مكان فيه لسعر الفائدة والمقامرة وبيع الديون.
وهذا التوجه يضع على عاتق أصحاب الفكر والقرار في المجتمعات الإسلامية مسؤولية إبراز منهج الاقتصاد الإسلامي وأسسه وأركانه وتفصيلاته بصورة تجمع بين التنظير والتطبيق على أرض الواقع، وتمكن من تسويق هذا النظام الرباني عالميا رحمة بالعالمين، خاصة أن الأزمة المالية ذات تبعات لا تتوقف يوماً بعد يوم بل لحظة بعد لحظة.
::/fulltext::
::cck::1305::/cck::
