المحكمة الجنائية الدولية وحرب الإبادة في غزة… العدالة (المُغيّبة)
::cck::1310::/cck::
::introtext::
يثير الموقف الدولي الرسمي من العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة – وخاصة موقف الأمم المتحدة ومؤسساتها والمنظمات القضائية الدولية – كثيراً من الجدل والريبة حول عدالة النظام القانوني الدولي ومؤسساته، فقد اعتاد الناس والشعوب في مشارق الأرض ومغاربها الاستعاضة عن (عوج) النظام السياسي والاقتصادي الدولي والظلم الذي يقع على الدول الصغرى والفقيرة منها بسبب توازنات القوى القائمة فيه والتي تنحاز غالباً لمصالح الدول الكبرى وحلفائها، أن يلجأوا دوماً إلى القضاء بشتى صوره سواء على المستوى الدولي أو حتى المستوى الوطني، باعتباره الملاذ الآمن والملجأ الأخير لهم باعتباره ممثل العدالة التي لا تميل إلى مصالح دولة أو حلف أو قوة معينة.
::/introtext::
::fulltext::
يثير الموقف الدولي الرسمي من العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة – وخاصة موقف الأمم المتحدة ومؤسساتها والمنظمات القضائية الدولية – كثيراً من الجدل والريبة حول عدالة النظام القانوني الدولي ومؤسساته، فقد اعتاد الناس والشعوب في مشارق الأرض ومغاربها الاستعاضة عن (عوج) النظام السياسي والاقتصادي الدولي والظلم الذي يقع على الدول الصغرى والفقيرة منها بسبب توازنات القوى القائمة فيه والتي تنحاز غالباً لمصالح الدول الكبرى وحلفائها، أن يلجأوا دوماً إلى القضاء بشتى صوره سواء على المستوى الدولي أو حتى المستوى الوطني، باعتباره الملاذ الآمن والملجأ الأخير لهم باعتباره ممثل العدالة التي لا تميل إلى مصالح دولة أو حلف أو قوة معينة.
شهدت بالفعل العقود الماضية العديد من الحالات التي انتصر فيها القضاء الدولي والداخلي للأطراف الضعيفة و(المغلوبة على أمرها) واقتص لها من الدولة أو الأشخاص المعتدين الذين ارتكبوا الجرائم بالمخالفة لقواعد العدالة ومبادئ الحق والإنصاف، وانتهكوا القوانين وحقوق الإنسان، ولعل أبرز هذه الحالات وأحدثها هي المحاكم الخاصة التي أُنشئت بقرارات من مجلس الأمن لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية ومنها المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقةInternational Criminal Tribunal for The Former Yugoslavia(ICTY) والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا International Criminal Tribunal for Rwanda .
وظل هذا النظام القضائي المؤقت والمرتبط بكل حالة على حدة هو الأمل في تحقيق العدالة – والاقتصاص من مجرمي الحروب ومرتكبي جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية- حتى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي وُقع الميثاق المنشئ لها في العاصمة الإيطالية (روما) عام 1998، ودخل حيز التنفيذ في يوليو 2002 بعدما بلغ عدد الدول المُصدقة عليه 60 دولة والمعروف بـ (نظام روما الأساسي)، فأصبحت هي الأمل لجميع الشعوب المقهورة لعلّها تجدي في استرداد الحقوق المغتصبة ومعاقبة المجرمين.
المحكمة الجنائية الدولية وبداية مرحلة جديدة
مع إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ودخول نظامها الأساسي حيز التنفيذ في يوليو 2002، سارع البعض إلى التفاؤل بأن نظاماً قضائياً جديداً وحاسماً ودائماً قد تم تدشينه، وكان دافعهم في ذلك أمران:
الأول: إن هذا النظام الجنائي الدولي هو نظام دائم وليس مؤقتاً مثل المحاكم التي كان ينشئها مجلس الأمن بقرار منه.
الثاني: إن هذه المحكمة تتسم بـ (العمومية) بمعنى أنها لم تنشأ لحالة بعينها مثل يوغسلافيا ورواندا، هذا من ناحية. ومن الناحية الأخرى، أن هذه المحكمة قائمة بالفعل قبل وقوع الجرائم التي تختص بالنظر فيها كما قرر نظامها الأساسي وليست كهذه النماذج التي تنشأ بعد وقوع الجرائم، وهو ما يعطي مصداقية أكبر للمحكمة الجنائية الدولية، وينأى بها عن شبهات الانحياز وعدم الحيادية أو الاستقلالية.
الاختصاص والمقبولية والقانون الواجب التطبيق
حسب نص المادة (4 فقرة 2) من أن للمحكمة أن تمارس وظائفها واختصاصاتها وسلطاتها، على النحو المنصوص عليه في هذا النظام الأساسي، في إقليم أية دولة طرف، ولها بموجب اتفاق خاص مع أية دولة أخرى أن تمارسها في إقليم تلك الدولة.
من أول أهداف ومقاصد الأمم المتحدة الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين وعدم تعريضهما للخطر
وقد جاء الباب الثاني (المواد 5-21) من النظام الأساسي للمحكمة تحت هذا العنوان (الاختصاص والمقبولية والقانون الواجب التطبيق)، حيث تناول هذا الباب تفصيل الجرائم التي تدخل في نطاق عمل المحكمة وحددها في الجرائم التالية (جريمة الإبادة الجماعية – الجرائم ضد الإنسانية – جرائم الحرب – جريمة العدوان) حسب نص المادة (5/1) والتي وصفت هذه الجرائم بأنها (أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره).
ومن حيث الاختصاص الزمني، قررت المادة (11) في فقرتها الأولى أنه (ليس للمحكمة اختصاص إلاّ في ما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي).

المحكمة الجنائية الدولية والعدوان الإسرائيلي على غزة
منذ بدء العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة في السابع والعشرين من ديسمبر 2008، طالب كثير من القانونيين الفلسطينيين والعرب وغيرهم المحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة قادة الحرب الإسرائيليين على جرائمهم في حق الشعب الفلسطيني والتي تقع ضمن اختصاص المحكمة، وطالبت كذلك العديد من المنظمات القانونية والحقوقية الدولية المحكمة باتخاذ إجراء حيال قادة إسرائيل لمحاكمتهم على جرائمهم بحق الأطفال والنساء والشيوخ والعجائز من المدنيين العُزل، خصوصاً مع استخدام إسرائيل أسلحة محرمة دولياً وقنابل الفوسفور الأبيض في المحرقة التي نصبتها لأهل غزة.
لكن المحبط في الأمر، أن مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي قال في بيان له بتاريخ 14/1/2009 إن (المحكمة غير مختصة قضائياً بالتحقيق في احتمال أن تكون جرائم حرب قد ارتكبت في قطاع غزة أخيراً).
امتنعت المحكمة الجنائية الدولية ومدعيها العام عن إدانة القادة الإسرائيليين في أحداث غزة الأخيرة
هذا الموقف للمحكمة الجنائية الدولية أثار العديد من ردود الفعل المتباينة حول حيادية المحكمة وموضوعية عملها واستقلاليتها في ممارسة اختصاصاتها، خصوصاً أن المدعي العام للمحكمة لويس أوكامبو أعلن في 13 يوليو 2008 لائحة اتهام بحق الرئيس السوداني عمر حسن البشير في جرائم إبادة ارتكبت في إقليم دارفور غرب السودان. وقد برزت اتهامات من أطراف عديدة للمحكمة ومدعيها العام أوكامبو بتسييس عمل المحكمة والانحراف بالقواعد القانونية والشرعية الدولية، بدعوى أن المحكمة تدخلت في حالة السودان رغم أن السودان ليس طرفاً في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة والموجب للالتزام بقراراتها، في حين امتنعت المحكمة ذاتها وفي عهد المدعي العام ذاته عن إدانة أو توجيه أي اتهام لقادة إسرائيل على جرائمهم ضد الشعب الفلسطيني بحجة أن إسرائيل ليست طرفاً في المحكمة ومن ثمَّ فلا ولاية للمحكمة عليها.
وإزاء هذا الموقف برز اتجاهان لتفسير نطاق اختصاص وولاية المحكمة الجنائية الدولية:
الاتجاه الأول: هو الاتجاه القائل بأن المحكمة الجنائية الدولية ليس لها أية ولاية على أية دولة ليست طرفاً في نظام روما الأساسي المنشئ لها، ومن ثم فهي غير مخاطبة أو معنية بأي قرارات تصدرها هذه المحكمة. ويستند هذا الاتجاه إلى أسانيد عدة منها:
1- حقيقة أن القانون الدولي العام كان ولا يزال قانوناً رضائياً، بمعنى أن أشخاص القانون الدولي (دولاً ومنظمات وغيرها) معنية بما ترتضيه بإرادتها الحرة ودون إجبار أو قهر. بمعنى آخر، أن الدولة هي التي تلزم نفسها مختارةً بما تراه من قواعد دولية سواء في شكل اتفاقيات ثنائية أو جماعية، فيما يُعرف بقاعدة (سلطان الإرادة) ويرتبط بذلك قاعدة أخرى وهي أن الاتفاقيات الدولية كأحد مصادر الالتزام الدولي لا تنتج آثارها إلاّ في مواجهة أطرافها فقط (نظرية نسبية آثار الاتفاقيات الدولية).
2- الالتزام بنص المادة 4 فقرة 2 من النظام الأساسي للمحكمة حيث تنص على أنه (للمحكمة أن تمارس وظائفها وسلطاتها، على النحو المنصوص عليه في هذا النظام الأساسي في إقليم أية دولة طرف، ولها بموجب اتفاق خاص مع أية دولة أخرى أن تمارسها في إقليم تلك الدولة).
وقد تمسك كثير من القانونيين الرافضين لقرار المدعي العام للمحكمة بشأن الرئيس السوداني عمر البشير بهذا النص، بمعنى أن المحكمة تمارس اختصاصاتها فقط في حالتين:
الأولى: أن تكون الدولة طرفاً في النظام الأساسي المنشئ للمحكمة (نظام روما الأساسي).
الثانية: أن تقدم الدولة مختارة على إبرام اتفاق خاص مع المحكمة لتمارس الأخيرة عملها في إقليم تلك الدولة، مما يعني أن الدول التي تقع خارج هاتين الحالتين لا يكون للمحكمة عليها ولاية بأي حال.
كما أن نص المادة 12 في فقرتها الأولى ينص على أن (الدولة التي تصبح طرفاً في هذا النظام الأساسي تقبل بذلك اختصاص المحكمة في ما يتعلق بالجرائم المشار إليها في المادة (5)، ومعنى ذلك – حسب هذا الاتجاه – أن أية دولة ليست طرفاً فهي غير معنية بهذا النظام ولا قرارات المحكمة.
الاتجاه الثاني: يذهب أنصار هذا الاتجاه إلى القول إن للمحكمة الجنائية الدولية أن تمارس اختصاصاتها ومهماها في أية دولة سواء كانت طرفاً في نظام روما الأساسي أو لم تكن، بمعنى أن اختصاص المحكمة – وإن كان من حيث الأصل خاصاً بالدول الأطراف – إلاّ أنه – وفي حالاتٍ معينة – يكون ملزماً للكافة، بمعنى أن قواعد نظام روما الأساسي وقرارات المحكمة الجنائية الدولية تدخل في نطاق القواعد الدولية الآمرة (قواعد النظام العام الدولي) التي تنظم أموراً هي من الخطورة والجسامة حيث تكون موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره، وحجتهم في ذلك ما يلي:
1- عدد الدول التي صدّقت على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية (نظام روما الأساسي) هو 107 دول، وعدد الدول التي وقعت على الاتفاقية من دون أن تستكمل إجراءات التصديق 139 دولة، مما يمثل ما يشبه إجماعاً دولياً، وتعبيراً صادقاً عن إرادة المجتمع الدولي.
2- نظام روما الأساسي اشترط لسريان الاتفاقية نصاباً وهو مصادقة (60) دولةً من الدول الموقعة عليها مما استغرق 4 سنوات، وذلك بخلاف الاتفاقيات الدولية التي تسري في مواجهة أطرافها ولو دولتين، مما يعني – من وجهة نظر هذا الاتجاه – أن هذه الاتفاقية تنطبق آثارها وأحكامها على الدول غير الأطراف فيها في حالات استثنائية تفرضها قواعد العدالة الدولية.
3- يرى أنصار هذا الاتجاه لنص المادة 13 من نظام روما الأساسي التي تحدد ممارسة اختصاص المحكمة، حيث نصت المادة على ثلاث حالات لممارسة الاختصاص ما يلي:
أ– إذا أحالت دولة طرف (مصدقة على الاتفاقية) حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم (المنصوص عليها في المادة 5) قد ارتكبت.
ب – إذا أحال مجلس الأمن، متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حالة إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت.
ج – أو أن يباشر المدعي العام التحقيق من تلقاء نفسه أو بناءً على معلومات تصله من أي طريق (كدولة ليست طرف في الاتفاقية أو الإعلام أو الضحايا أو منظمات المجتمع المدني أو غيرها) بشرط الحصول على موافقة (الدائرة التمهيدية للمحكمة).
ونحن نميل إلى الاتجاه الثاني ونرى وجاهته لهذه الأسباب التي تم ذكرها وغيرها، وسندنا في ذلك مايلي:
أولاً: لأننا نرى معقولية ومنطقية الحجج والأسانيد التي ساقها أنصار هذا الاتجاه واتساقها مع مقتضيات العدالة الدولية وأهداف ومقاصد إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ومنها (عدم إفلات المجرمين من العقاب).
ثانياً: إن النص القانوني في نظام روما الأساسي استخدم في تعداد اختصاصات المحكمة اللفظ (OR)
وليس (And) بمعنى أن أيٍاً من هذه الحالات منفردة كفيلة بأن تمارس المحكمة اختصاصها عليها.
ثالثاً: إن النص القانوني في المادة (15) من الميثاق قد فصّل ما أجملته الفقرة (ج) من المادة 13 في ما يتعلق بمباشرة التحقيق من قبل (المدعي العام) للمحكمة حيث أعطى الميثاق الحق للمدعي العام أن يباشر التحقيق من تلقاء نفسه إذا:
1- تلقى معلومات متعلقة بجرائم تدخل في نطاق اختصاص المحكمة، ويقوم بتحليلها، والتماس معلومات إضافية من الدول أو أجهزة الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية أو أي مصادر أخرى موثوق بها يراها ملائمة.
2- إذا استنتج المدعي العام أن هناك أساساً معقولاً للشروع بإجراء تحقيق، كما يجوز للمجني عليهم إجراء مرافعات لدى دائرة ما قبل المحاكمة وفقاً للقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات.
هذه النصوص جعلت من الوضوح إلى الحد الذي لا يمكن معه التأويل، بالإضافة إلى ما ذكره أنصار الاتجاه الثاني من أن النظام الأساسي يرتقي إلى درجة القواعد الدولية الآمرة، مع الأخذ في الاعتبار ما تقتضيه مبادئ العدالة الدولية، وهو ما أكدت عليه ديباجة النظام الأساسي من أن الدول الأطراف في النظام:
إذ تضع في اعتبارها أن ملايين الأطفال والنساء والرجال قد وقعوا خلال القرن الحالي (العشرين) ضحايا لفظائع لا يمكن تصورها هزّت ضمير الإنسانية بقوة، وإذْ تُسلّم بأن هذه الجرائم الخطيرة تهدد السلم والأمن والرفاه في العالم، وإذ تؤكد أن أخطر هذه الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره يجب ألاّ تمر دون عقاب، وأنه يجب مقاضاة مرتكبيها على نحوٍ فعّال من خلال تدابير تتخذ على الصعيد الوطني، وكذلك من خلال تعزيز التعاون الدولي، وقد عقدت العزم على وضع حدٍ لإفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب.
وإذ تؤكد من جديد مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وخاصة أن كافة الدول يجب أن تمتنع عن التهديد باستخدام القوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على أي نحو لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة.
ولمّا كان من أول أهداف ومقاصد الأمم المتحدة (الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين وعدم تعريضهما للخطر)…(الفقرة الأولى من المادة الأولى لميثاق الأمم المتحدة).
أكدت التقارير استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض في قصف المدنيين في غزة وغيرها من الجرائم الموجبة لتحرك المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة قادة إسرائيل
وأكد ميثاق الأمم المتحدة أنه (رغبةً في أن يكون العمل الذي تقوم به الأمم المتحدة سريعاً وفعّالاً، فإن أعضاء الأمم المتحدة يعهدون إلى مجلس الأمن بالتبعات الرئيسية في أمر حفظ السلم والأمن الدوليين).
كما أن ميثاق الأمم المتحدة قد فوّض مجلس الأمن في استخدام كافة الوسائل السلمية وغير السلمية لتحقيق مقاصد المنظمة (نص الفقرة الأولى من المادة 24 من الميثاق).
وبالجمع بين هذه النصوص القانونية وغيرها، واستناداً إلى مبادئ العدالة والإنصاف، فإن جرائم الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل في حق الأطفال والنساء والشيوخ والعجائز من الفلسطينيين تمثل جرائم أشد خطورة من موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره، حيث يؤكد نظام روما الأساسي أن هذه الجرائم تهدد السلم والأمن الدوليين، وحيث خوّل ميثاق الأمم المتحدة مجلس الأمن الدولي استخدام كافة الوسائل بما فيها التدابير العسكرية لقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم.
وبإضافة نص الفقرة السادسة من المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على (أن تعمل الدول غير الأعضاء في المنظمة على مبادئ الأمم المتحدة بقدر ما تقتضيه ضرورة حفظ السلم والأمن الدولي).
وبذلك ينتهي رأينا إلى تأييد الاتجاه الثاني القائل إن للمحكمة الجنائية الدولية أن تمارس اختصاصاتها ومهامها في أية دولة سواء كانت طرفاً في نظام روما الأساسي أو لم تكن تحقيقاً لمبادئ العدل والإنصاف، طالما تأكد أن إحدى الجرائم التي تمارس عليها ولايتها وقعت مما يهدد السلم والأمن الدوليين.
جرائم إسرائيل في غزّة
لا شك في أن العدوان الإسرائيلي الأخير على الشعب الفلسطيني الأعزل في قطاع غزة يمثّل حالةً نموذجية لاختصاصات المحكمة الجنائية الدولية، التي يجب عليها – وفقاً لنظامها الأساسي – أن تمارس ولايتها إذا ما وقعت إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادة (5) من النظام الأساسي أو كلها، حيث ارتكبت إسرائيل بأمر من قادتها الجرائم الأربع بحق الشعب الفلسطيني باستخدام أسلحة فتّاكة ومدمرة محرمة دولياً وفقاً للمواثيق والاتفاقيات الدولية.
فالحرب التي شنتها إسرائيل على الأبرياء في غزة على مدار 22 يوماً متواصلة من القصف والتدمير مستخدمة أحدث الأسلحة والمعدات العسكرية وأبرزها قنابل الفوسفور الأبيض الفتاكة، واستهداف منازل وتجمعات المدنيين العزل، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ والعجائز بالمخالفة لقواعد وقوانين الحروب التي شرعتها الشرائع السماوية والنظم القانونية المختلفة وبالمخالفة للقانون الدولي الإنساني، فضلاً عن ممارسة سياسات التجويع والحصار وقطع الكهرباء والمياه وتدمير البنية الأساسية، ومنع المساعدات الإنسانية، وقصف المستشفيات ودور العبادة ومقار الإغاثة الدولية، وغيرها من وسائل وأساليب الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.
كما أن التقارير الدولية عن الحرب الإسرائيلية تكشف عن ارتكاب قادة إسرائيل لجرائم الحرب التي نصت عليها المادة (8) من نظام روما، وهي:
* القتل العمد.
* التعذيب أو المعاملة غير الإنسانية بما في ذلك إجراء تجارب بيولوجية.
* تعمد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بالجسم أو بالصحة.
* إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات، وغيرها من الأعمال التي نصت عليها الفقرة (ب) من المادة ذاتها ومنها:
1- تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية.
2- تعمد توجيه هجمات ضد مواقع مدنية.
3- تعمد شن هجمات ضد موظفين مستخدمين أو منشآت أو مواد أو وحدات أو مركبات مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام.

فقد أكدت التقارير أن هذه الجرائم وغيرها جميعاً ارتكبتها إسرائيل في حربها ضد غزة، فقد دانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قصف إسرائيل لمقر وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل الفلسطينين (الأونروا) أكثر من مرة، وأكدت التقارير استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض في قصف المدنيين في غزة، وغيرها من الجرائم الموجبة لتحرك المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة قادة إسرائيل.
لكنّ البيان الذي صدر عن مكتب الادعاء في المحكمة بتاريخ 14/1/2009 بأن المحكمة ليست لها ولاية على إسرائيل لأنها ليست طرفاً في المحكمة، أثار كثيراً من الشك والريبة حول استقلالية المحكمة، ونشر الإحباط في نفوس الكثيرين ممن تفاءلوا بالمحكمة في بادئ الأمر.
برزت اتهامات من أطراف عديدة للمحكمة ومدعيها العام (أوكامبو) بتسييس عمل المحكمة
فالمحكمة التي أعلن مدعيها العام لويس أوكامبو عن لائحة اتهام بحق الرئيس السوداني عمر البشير، وأصدر أمراً بتوقيفه (رغم أن السودان كذلك ليس طرفاً في المحكمة، حيث وقع على الميثاق لكنه لم يستكمل إجراءات التصديق والانضمام)، تدّعي اليوم بأن لا ولاية لها على إسرائيل ليس لأن إسرائيل لم ترتكب جرائم تدخل في اختصاصات المحكمة وإنما لأن إسرائيل ليست طرفاً في المحكمة، مما يدعونا إلى التساؤل حول جدية المحكمة في إقرار العدالة وإحقاق الحق وتطبيق مبادئ العدل والإنصاف. فالبيان صدر هزيلاً وغير مقنع، خصوصاً أن بيان المدعي العام للمحكمة لويس أوكامبو لا يزال عالقاً بأذهان الناس وموجوداً بالذاكرة، فهل تأخذ المحكمة على عاتقها محاكمة قادة إسرائيل على جرائمهم التي شاهدها العالم كله؟ وأفزعت ضمير الإنسانية بقوة، خصوصاً أن الميثاق يعطي للمدعي العام الحق في مباشرة التحقيق من تلقاء نفسه إذا رأى أن هناك أساساً معقولاً للشروع بإجراء التحقيق، أو وصلت إليه معلومات متعلقة بالجرائم من أي طريق، وكثيرة هي الطرق.
فهل ما حدث في غزة لم يصل به علمٌ إلى المدعي العام للمحكمة (لويس أوكامبو) فضلاً عن مجلس الأمن؟
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1310::/cck::
::introtext::
يثير الموقف الدولي الرسمي من العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة – وخاصة موقف الأمم المتحدة ومؤسساتها والمنظمات القضائية الدولية – كثيراً من الجدل والريبة حول عدالة النظام القانوني الدولي ومؤسساته، فقد اعتاد الناس والشعوب في مشارق الأرض ومغاربها الاستعاضة عن (عوج) النظام السياسي والاقتصادي الدولي والظلم الذي يقع على الدول الصغرى والفقيرة منها بسبب توازنات القوى القائمة فيه والتي تنحاز غالباً لمصالح الدول الكبرى وحلفائها، أن يلجأوا دوماً إلى القضاء بشتى صوره سواء على المستوى الدولي أو حتى المستوى الوطني، باعتباره الملاذ الآمن والملجأ الأخير لهم باعتباره ممثل العدالة التي لا تميل إلى مصالح دولة أو حلف أو قوة معينة.
::/introtext::
::fulltext::
يثير الموقف الدولي الرسمي من العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة – وخاصة موقف الأمم المتحدة ومؤسساتها والمنظمات القضائية الدولية – كثيراً من الجدل والريبة حول عدالة النظام القانوني الدولي ومؤسساته، فقد اعتاد الناس والشعوب في مشارق الأرض ومغاربها الاستعاضة عن (عوج) النظام السياسي والاقتصادي الدولي والظلم الذي يقع على الدول الصغرى والفقيرة منها بسبب توازنات القوى القائمة فيه والتي تنحاز غالباً لمصالح الدول الكبرى وحلفائها، أن يلجأوا دوماً إلى القضاء بشتى صوره سواء على المستوى الدولي أو حتى المستوى الوطني، باعتباره الملاذ الآمن والملجأ الأخير لهم باعتباره ممثل العدالة التي لا تميل إلى مصالح دولة أو حلف أو قوة معينة.
شهدت بالفعل العقود الماضية العديد من الحالات التي انتصر فيها القضاء الدولي والداخلي للأطراف الضعيفة و(المغلوبة على أمرها) واقتص لها من الدولة أو الأشخاص المعتدين الذين ارتكبوا الجرائم بالمخالفة لقواعد العدالة ومبادئ الحق والإنصاف، وانتهكوا القوانين وحقوق الإنسان، ولعل أبرز هذه الحالات وأحدثها هي المحاكم الخاصة التي أُنشئت بقرارات من مجلس الأمن لمحاكمة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية ومنها المحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقةInternational Criminal Tribunal for The Former Yugoslavia(ICTY) والمحكمة الجنائية الدولية لرواندا International Criminal Tribunal for Rwanda .
وظل هذا النظام القضائي المؤقت والمرتبط بكل حالة على حدة هو الأمل في تحقيق العدالة – والاقتصاص من مجرمي الحروب ومرتكبي جرائم الإبادة والجرائم ضد الإنسانية- حتى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي وُقع الميثاق المنشئ لها في العاصمة الإيطالية (روما) عام 1998، ودخل حيز التنفيذ في يوليو 2002 بعدما بلغ عدد الدول المُصدقة عليه 60 دولة والمعروف بـ (نظام روما الأساسي)، فأصبحت هي الأمل لجميع الشعوب المقهورة لعلّها تجدي في استرداد الحقوق المغتصبة ومعاقبة المجرمين.
المحكمة الجنائية الدولية وبداية مرحلة جديدة
مع إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ودخول نظامها الأساسي حيز التنفيذ في يوليو 2002، سارع البعض إلى التفاؤل بأن نظاماً قضائياً جديداً وحاسماً ودائماً قد تم تدشينه، وكان دافعهم في ذلك أمران:
الأول: إن هذا النظام الجنائي الدولي هو نظام دائم وليس مؤقتاً مثل المحاكم التي كان ينشئها مجلس الأمن بقرار منه.
الثاني: إن هذه المحكمة تتسم بـ (العمومية) بمعنى أنها لم تنشأ لحالة بعينها مثل يوغسلافيا ورواندا، هذا من ناحية. ومن الناحية الأخرى، أن هذه المحكمة قائمة بالفعل قبل وقوع الجرائم التي تختص بالنظر فيها كما قرر نظامها الأساسي وليست كهذه النماذج التي تنشأ بعد وقوع الجرائم، وهو ما يعطي مصداقية أكبر للمحكمة الجنائية الدولية، وينأى بها عن شبهات الانحياز وعدم الحيادية أو الاستقلالية.
الاختصاص والمقبولية والقانون الواجب التطبيق
حسب نص المادة (4 فقرة 2) من أن للمحكمة أن تمارس وظائفها واختصاصاتها وسلطاتها، على النحو المنصوص عليه في هذا النظام الأساسي، في إقليم أية دولة طرف، ولها بموجب اتفاق خاص مع أية دولة أخرى أن تمارسها في إقليم تلك الدولة.
من أول أهداف ومقاصد الأمم المتحدة الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين وعدم تعريضهما للخطر
وقد جاء الباب الثاني (المواد 5-21) من النظام الأساسي للمحكمة تحت هذا العنوان (الاختصاص والمقبولية والقانون الواجب التطبيق)، حيث تناول هذا الباب تفصيل الجرائم التي تدخل في نطاق عمل المحكمة وحددها في الجرائم التالية (جريمة الإبادة الجماعية – الجرائم ضد الإنسانية – جرائم الحرب – جريمة العدوان) حسب نص المادة (5/1) والتي وصفت هذه الجرائم بأنها (أشد الجرائم خطورة موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره).
ومن حيث الاختصاص الزمني، قررت المادة (11) في فقرتها الأولى أنه (ليس للمحكمة اختصاص إلاّ في ما يتعلق بالجرائم التي ترتكب بعد بدء نفاذ هذا النظام الأساسي).

المحكمة الجنائية الدولية والعدوان الإسرائيلي على غزة
منذ بدء العدوان الإسرائيلي الأخير على قطاع غزة في السابع والعشرين من ديسمبر 2008، طالب كثير من القانونيين الفلسطينيين والعرب وغيرهم المحكمة الجنائية الدولية بمحاكمة قادة الحرب الإسرائيليين على جرائمهم في حق الشعب الفلسطيني والتي تقع ضمن اختصاص المحكمة، وطالبت كذلك العديد من المنظمات القانونية والحقوقية الدولية المحكمة باتخاذ إجراء حيال قادة إسرائيل لمحاكمتهم على جرائمهم بحق الأطفال والنساء والشيوخ والعجائز من المدنيين العُزل، خصوصاً مع استخدام إسرائيل أسلحة محرمة دولياً وقنابل الفوسفور الأبيض في المحرقة التي نصبتها لأهل غزة.
لكن المحبط في الأمر، أن مكتب الادعاء في المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي قال في بيان له بتاريخ 14/1/2009 إن (المحكمة غير مختصة قضائياً بالتحقيق في احتمال أن تكون جرائم حرب قد ارتكبت في قطاع غزة أخيراً).
امتنعت المحكمة الجنائية الدولية ومدعيها العام عن إدانة القادة الإسرائيليين في أحداث غزة الأخيرة
هذا الموقف للمحكمة الجنائية الدولية أثار العديد من ردود الفعل المتباينة حول حيادية المحكمة وموضوعية عملها واستقلاليتها في ممارسة اختصاصاتها، خصوصاً أن المدعي العام للمحكمة لويس أوكامبو أعلن في 13 يوليو 2008 لائحة اتهام بحق الرئيس السوداني عمر حسن البشير في جرائم إبادة ارتكبت في إقليم دارفور غرب السودان. وقد برزت اتهامات من أطراف عديدة للمحكمة ومدعيها العام أوكامبو بتسييس عمل المحكمة والانحراف بالقواعد القانونية والشرعية الدولية، بدعوى أن المحكمة تدخلت في حالة السودان رغم أن السودان ليس طرفاً في نظام روما الأساسي المنشئ للمحكمة والموجب للالتزام بقراراتها، في حين امتنعت المحكمة ذاتها وفي عهد المدعي العام ذاته عن إدانة أو توجيه أي اتهام لقادة إسرائيل على جرائمهم ضد الشعب الفلسطيني بحجة أن إسرائيل ليست طرفاً في المحكمة ومن ثمَّ فلا ولاية للمحكمة عليها.
وإزاء هذا الموقف برز اتجاهان لتفسير نطاق اختصاص وولاية المحكمة الجنائية الدولية:
الاتجاه الأول: هو الاتجاه القائل بأن المحكمة الجنائية الدولية ليس لها أية ولاية على أية دولة ليست طرفاً في نظام روما الأساسي المنشئ لها، ومن ثم فهي غير مخاطبة أو معنية بأي قرارات تصدرها هذه المحكمة. ويستند هذا الاتجاه إلى أسانيد عدة منها:
1- حقيقة أن القانون الدولي العام كان ولا يزال قانوناً رضائياً، بمعنى أن أشخاص القانون الدولي (دولاً ومنظمات وغيرها) معنية بما ترتضيه بإرادتها الحرة ودون إجبار أو قهر. بمعنى آخر، أن الدولة هي التي تلزم نفسها مختارةً بما تراه من قواعد دولية سواء في شكل اتفاقيات ثنائية أو جماعية، فيما يُعرف بقاعدة (سلطان الإرادة) ويرتبط بذلك قاعدة أخرى وهي أن الاتفاقيات الدولية كأحد مصادر الالتزام الدولي لا تنتج آثارها إلاّ في مواجهة أطرافها فقط (نظرية نسبية آثار الاتفاقيات الدولية).
2- الالتزام بنص المادة 4 فقرة 2 من النظام الأساسي للمحكمة حيث تنص على أنه (للمحكمة أن تمارس وظائفها وسلطاتها، على النحو المنصوص عليه في هذا النظام الأساسي في إقليم أية دولة طرف، ولها بموجب اتفاق خاص مع أية دولة أخرى أن تمارسها في إقليم تلك الدولة).
وقد تمسك كثير من القانونيين الرافضين لقرار المدعي العام للمحكمة بشأن الرئيس السوداني عمر البشير بهذا النص، بمعنى أن المحكمة تمارس اختصاصاتها فقط في حالتين:
الأولى: أن تكون الدولة طرفاً في النظام الأساسي المنشئ للمحكمة (نظام روما الأساسي).
الثانية: أن تقدم الدولة مختارة على إبرام اتفاق خاص مع المحكمة لتمارس الأخيرة عملها في إقليم تلك الدولة، مما يعني أن الدول التي تقع خارج هاتين الحالتين لا يكون للمحكمة عليها ولاية بأي حال.
كما أن نص المادة 12 في فقرتها الأولى ينص على أن (الدولة التي تصبح طرفاً في هذا النظام الأساسي تقبل بذلك اختصاص المحكمة في ما يتعلق بالجرائم المشار إليها في المادة (5)، ومعنى ذلك – حسب هذا الاتجاه – أن أية دولة ليست طرفاً فهي غير معنية بهذا النظام ولا قرارات المحكمة.
الاتجاه الثاني: يذهب أنصار هذا الاتجاه إلى القول إن للمحكمة الجنائية الدولية أن تمارس اختصاصاتها ومهماها في أية دولة سواء كانت طرفاً في نظام روما الأساسي أو لم تكن، بمعنى أن اختصاص المحكمة – وإن كان من حيث الأصل خاصاً بالدول الأطراف – إلاّ أنه – وفي حالاتٍ معينة – يكون ملزماً للكافة، بمعنى أن قواعد نظام روما الأساسي وقرارات المحكمة الجنائية الدولية تدخل في نطاق القواعد الدولية الآمرة (قواعد النظام العام الدولي) التي تنظم أموراً هي من الخطورة والجسامة حيث تكون موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره، وحجتهم في ذلك ما يلي:
1- عدد الدول التي صدّقت على اتفاقية المحكمة الجنائية الدولية (نظام روما الأساسي) هو 107 دول، وعدد الدول التي وقعت على الاتفاقية من دون أن تستكمل إجراءات التصديق 139 دولة، مما يمثل ما يشبه إجماعاً دولياً، وتعبيراً صادقاً عن إرادة المجتمع الدولي.
2- نظام روما الأساسي اشترط لسريان الاتفاقية نصاباً وهو مصادقة (60) دولةً من الدول الموقعة عليها مما استغرق 4 سنوات، وذلك بخلاف الاتفاقيات الدولية التي تسري في مواجهة أطرافها ولو دولتين، مما يعني – من وجهة نظر هذا الاتجاه – أن هذه الاتفاقية تنطبق آثارها وأحكامها على الدول غير الأطراف فيها في حالات استثنائية تفرضها قواعد العدالة الدولية.
3- يرى أنصار هذا الاتجاه لنص المادة 13 من نظام روما الأساسي التي تحدد ممارسة اختصاص المحكمة، حيث نصت المادة على ثلاث حالات لممارسة الاختصاص ما يلي:
أ– إذا أحالت دولة طرف (مصدقة على الاتفاقية) حالة يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم (المنصوص عليها في المادة 5) قد ارتكبت.
ب – إذا أحال مجلس الأمن، متصرفاً بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، حالة إلى المدعي العام يبدو فيها أن جريمة أو أكثر من هذه الجرائم قد ارتكبت.
ج – أو أن يباشر المدعي العام التحقيق من تلقاء نفسه أو بناءً على معلومات تصله من أي طريق (كدولة ليست طرف في الاتفاقية أو الإعلام أو الضحايا أو منظمات المجتمع المدني أو غيرها) بشرط الحصول على موافقة (الدائرة التمهيدية للمحكمة).
ونحن نميل إلى الاتجاه الثاني ونرى وجاهته لهذه الأسباب التي تم ذكرها وغيرها، وسندنا في ذلك مايلي:
أولاً: لأننا نرى معقولية ومنطقية الحجج والأسانيد التي ساقها أنصار هذا الاتجاه واتساقها مع مقتضيات العدالة الدولية وأهداف ومقاصد إنشاء المحكمة الجنائية الدولية ومنها (عدم إفلات المجرمين من العقاب).
ثانياً: إن النص القانوني في نظام روما الأساسي استخدم في تعداد اختصاصات المحكمة اللفظ (OR)
وليس (And) بمعنى أن أيٍاً من هذه الحالات منفردة كفيلة بأن تمارس المحكمة اختصاصها عليها.
ثالثاً: إن النص القانوني في المادة (15) من الميثاق قد فصّل ما أجملته الفقرة (ج) من المادة 13 في ما يتعلق بمباشرة التحقيق من قبل (المدعي العام) للمحكمة حيث أعطى الميثاق الحق للمدعي العام أن يباشر التحقيق من تلقاء نفسه إذا:
1- تلقى معلومات متعلقة بجرائم تدخل في نطاق اختصاص المحكمة، ويقوم بتحليلها، والتماس معلومات إضافية من الدول أو أجهزة الأمم المتحدة أو المنظمات الدولية الحكومية وغير الحكومية أو أي مصادر أخرى موثوق بها يراها ملائمة.
2- إذا استنتج المدعي العام أن هناك أساساً معقولاً للشروع بإجراء تحقيق، كما يجوز للمجني عليهم إجراء مرافعات لدى دائرة ما قبل المحاكمة وفقاً للقواعد الإجرائية وقواعد الإثبات.
هذه النصوص جعلت من الوضوح إلى الحد الذي لا يمكن معه التأويل، بالإضافة إلى ما ذكره أنصار الاتجاه الثاني من أن النظام الأساسي يرتقي إلى درجة القواعد الدولية الآمرة، مع الأخذ في الاعتبار ما تقتضيه مبادئ العدالة الدولية، وهو ما أكدت عليه ديباجة النظام الأساسي من أن الدول الأطراف في النظام:
إذ تضع في اعتبارها أن ملايين الأطفال والنساء والرجال قد وقعوا خلال القرن الحالي (العشرين) ضحايا لفظائع لا يمكن تصورها هزّت ضمير الإنسانية بقوة، وإذْ تُسلّم بأن هذه الجرائم الخطيرة تهدد السلم والأمن والرفاه في العالم، وإذ تؤكد أن أخطر هذه الجرائم التي تثير قلق المجتمع الدولي بأسره يجب ألاّ تمر دون عقاب، وأنه يجب مقاضاة مرتكبيها على نحوٍ فعّال من خلال تدابير تتخذ على الصعيد الوطني، وكذلك من خلال تعزيز التعاون الدولي، وقد عقدت العزم على وضع حدٍ لإفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب.
وإذ تؤكد من جديد مقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة، وخاصة أن كافة الدول يجب أن تمتنع عن التهديد باستخدام القوة أو استعمالها ضد السلامة الإقليمية أو الاستقلال السياسي لأية دولة، أو على أي نحو لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة.
ولمّا كان من أول أهداف ومقاصد الأمم المتحدة (الحفاظ على الأمن والسلم الدوليين وعدم تعريضهما للخطر)…(الفقرة الأولى من المادة الأولى لميثاق الأمم المتحدة).
أكدت التقارير استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض في قصف المدنيين في غزة وغيرها من الجرائم الموجبة لتحرك المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة قادة إسرائيل
وأكد ميثاق الأمم المتحدة أنه (رغبةً في أن يكون العمل الذي تقوم به الأمم المتحدة سريعاً وفعّالاً، فإن أعضاء الأمم المتحدة يعهدون إلى مجلس الأمن بالتبعات الرئيسية في أمر حفظ السلم والأمن الدوليين).
كما أن ميثاق الأمم المتحدة قد فوّض مجلس الأمن في استخدام كافة الوسائل السلمية وغير السلمية لتحقيق مقاصد المنظمة (نص الفقرة الأولى من المادة 24 من الميثاق).
وبالجمع بين هذه النصوص القانونية وغيرها، واستناداً إلى مبادئ العدالة والإنصاف، فإن جرائم الإبادة التي ارتكبتها إسرائيل في حق الأطفال والنساء والشيوخ والعجائز من الفلسطينيين تمثل جرائم أشد خطورة من موضع اهتمام المجتمع الدولي بأسره، حيث يؤكد نظام روما الأساسي أن هذه الجرائم تهدد السلم والأمن الدوليين، وحيث خوّل ميثاق الأمم المتحدة مجلس الأمن الدولي استخدام كافة الوسائل بما فيها التدابير العسكرية لقمع أعمال العدوان وغيرها من وجوه الإخلال بالسلم.
وبإضافة نص الفقرة السادسة من المادة (2) من ميثاق الأمم المتحدة التي تنص على (أن تعمل الدول غير الأعضاء في المنظمة على مبادئ الأمم المتحدة بقدر ما تقتضيه ضرورة حفظ السلم والأمن الدولي).
وبذلك ينتهي رأينا إلى تأييد الاتجاه الثاني القائل إن للمحكمة الجنائية الدولية أن تمارس اختصاصاتها ومهامها في أية دولة سواء كانت طرفاً في نظام روما الأساسي أو لم تكن تحقيقاً لمبادئ العدل والإنصاف، طالما تأكد أن إحدى الجرائم التي تمارس عليها ولايتها وقعت مما يهدد السلم والأمن الدوليين.
جرائم إسرائيل في غزّة
لا شك في أن العدوان الإسرائيلي الأخير على الشعب الفلسطيني الأعزل في قطاع غزة يمثّل حالةً نموذجية لاختصاصات المحكمة الجنائية الدولية، التي يجب عليها – وفقاً لنظامها الأساسي – أن تمارس ولايتها إذا ما وقعت إحدى الجرائم المنصوص عليها في المادة (5) من النظام الأساسي أو كلها، حيث ارتكبت إسرائيل بأمر من قادتها الجرائم الأربع بحق الشعب الفلسطيني باستخدام أسلحة فتّاكة ومدمرة محرمة دولياً وفقاً للمواثيق والاتفاقيات الدولية.
فالحرب التي شنتها إسرائيل على الأبرياء في غزة على مدار 22 يوماً متواصلة من القصف والتدمير مستخدمة أحدث الأسلحة والمعدات العسكرية وأبرزها قنابل الفوسفور الأبيض الفتاكة، واستهداف منازل وتجمعات المدنيين العزل، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ والعجائز بالمخالفة لقواعد وقوانين الحروب التي شرعتها الشرائع السماوية والنظم القانونية المختلفة وبالمخالفة للقانون الدولي الإنساني، فضلاً عن ممارسة سياسات التجويع والحصار وقطع الكهرباء والمياه وتدمير البنية الأساسية، ومنع المساعدات الإنسانية، وقصف المستشفيات ودور العبادة ومقار الإغاثة الدولية، وغيرها من وسائل وأساليب الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية.
كما أن التقارير الدولية عن الحرب الإسرائيلية تكشف عن ارتكاب قادة إسرائيل لجرائم الحرب التي نصت عليها المادة (8) من نظام روما، وهي:
* القتل العمد.
* التعذيب أو المعاملة غير الإنسانية بما في ذلك إجراء تجارب بيولوجية.
* تعمد إحداث معاناة شديدة أو إلحاق أذى خطير بالجسم أو بالصحة.
* إلحاق تدمير واسع النطاق بالممتلكات، وغيرها من الأعمال التي نصت عليها الفقرة (ب) من المادة ذاتها ومنها:
1- تعمد توجيه هجمات ضد السكان المدنيين بصفتهم هذه أو ضد أفراد مدنيين لا يشاركون مباشرة في الأعمال الحربية.
2- تعمد توجيه هجمات ضد مواقع مدنية.
3- تعمد شن هجمات ضد موظفين مستخدمين أو منشآت أو مواد أو وحدات أو مركبات مستخدمة في مهمة من مهام المساعدة الإنسانية أو حفظ السلام.

فقد أكدت التقارير أن هذه الجرائم وغيرها جميعاً ارتكبتها إسرائيل في حربها ضد غزة، فقد دانت الجمعية العامة للأمم المتحدة قصف إسرائيل لمقر وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل الفلسطينين (الأونروا) أكثر من مرة، وأكدت التقارير استخدام إسرائيل للفوسفور الأبيض في قصف المدنيين في غزة، وغيرها من الجرائم الموجبة لتحرك المحكمة الجنائية الدولية لمحاكمة قادة إسرائيل.
لكنّ البيان الذي صدر عن مكتب الادعاء في المحكمة بتاريخ 14/1/2009 بأن المحكمة ليست لها ولاية على إسرائيل لأنها ليست طرفاً في المحكمة، أثار كثيراً من الشك والريبة حول استقلالية المحكمة، ونشر الإحباط في نفوس الكثيرين ممن تفاءلوا بالمحكمة في بادئ الأمر.
برزت اتهامات من أطراف عديدة للمحكمة ومدعيها العام (أوكامبو) بتسييس عمل المحكمة
فالمحكمة التي أعلن مدعيها العام لويس أوكامبو عن لائحة اتهام بحق الرئيس السوداني عمر البشير، وأصدر أمراً بتوقيفه (رغم أن السودان كذلك ليس طرفاً في المحكمة، حيث وقع على الميثاق لكنه لم يستكمل إجراءات التصديق والانضمام)، تدّعي اليوم بأن لا ولاية لها على إسرائيل ليس لأن إسرائيل لم ترتكب جرائم تدخل في اختصاصات المحكمة وإنما لأن إسرائيل ليست طرفاً في المحكمة، مما يدعونا إلى التساؤل حول جدية المحكمة في إقرار العدالة وإحقاق الحق وتطبيق مبادئ العدل والإنصاف. فالبيان صدر هزيلاً وغير مقنع، خصوصاً أن بيان المدعي العام للمحكمة لويس أوكامبو لا يزال عالقاً بأذهان الناس وموجوداً بالذاكرة، فهل تأخذ المحكمة على عاتقها محاكمة قادة إسرائيل على جرائمهم التي شاهدها العالم كله؟ وأفزعت ضمير الإنسانية بقوة، خصوصاً أن الميثاق يعطي للمدعي العام الحق في مباشرة التحقيق من تلقاء نفسه إذا رأى أن هناك أساساً معقولاً للشروع بإجراء التحقيق، أو وصلت إليه معلومات متعلقة بالجرائم من أي طريق، وكثيرة هي الطرق.
فهل ما حدث في غزة لم يصل به علمٌ إلى المدعي العام للمحكمة (لويس أوكامبو) فضلاً عن مجلس الأمن؟
::/fulltext::
::cck::1310::/cck::
