الوجود الفلسطيني في دول مجلس التعاون الخليجي
::cck::1313::/cck::
::introtext::
واجه الفلسطينيون في دول الخليج تحديات ارتبطت بأوضاعهم السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية، لم تنشأ لكونهم عمالة وافدة، فالجنسيات الأخرى العاملة في الخليج لا تواجه أي تحديات مماثلة رغم خضوع الجميع لقوانين عمالة موحدة، وإنما فرضتها عليهم ظروف الاحتلال الاستيطاني الصهيوني لفلسطين، التي أجبرتهم على هجرتين كبيرتين، بعد نكبة 1948، وعقب نكسة 1967، وزادت من حدتها المشكلات الإقليمية والدولية، وفي طليعتها: كارثة دول الخليج الثانية، أحداث سبتمبر، والاحتلال الأمريكي للعراق. ما هي طبيعة أوضاع الفلسطينيين في دول الخليج ؟ وهل من سبيل لتجاوز التحديات التي يواجهونها؟ وهل هم بحاجة إلى تسهيلات من نوع خاص؟ كم تعدادهم السكاني؟ هل توطينهم القسري خارج فلسطين هو الحل لمشكلتهم كلاجئين؟
يمثل وصول أول مجموعة من المدرسين الفلسطينيين إلى البحرين في عامي 1919 و1920 بداية التواجد الفلسطيني في دول الخليج، وتعتبر الرسائل التي تلقاها الشيخ أحمد بن جابر الصباح حاكم الكويت والشيخ حمد بن عيسى آل خليفة حاكم البحرين في عام 1936 من بعض زعماء فلسطين يطلبون فيها تبرعات مالية لتأييد الإضراب العام ومساعدة المصابين بمثابة أول اتصالات سياسية بين الطرفين. وقد كان لجمع الأموال وإرسالها وتشكيل اللجان الشعبية واستمرار تدفق المساعدات من دول الخليج دلالة على الموقف الخليجي المساند للقضية الفلسطينية منذ فترة زمنية بعيدة تعود إلى أيام الثورة الكبرى. ويعكس طلب الكويتيين من الحاج أمين الحسيني إيفاد بعثة تعليمية فلسطينية إليها، بداية توالي البعثات التعليمية الفلسطينية إلى الكويت وبقية دول الخليج. وشيئاً فشيئاً عمل الفلسطينيون في كافة المجالات الحكومية والقطاع الخاص.
ويلقي هذا المقال الضوء على تعداد الفلسطينيين في دول الخليج، ويبحث أوضاعهم السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية، وتداعيات المشكلات الإقليمية والدولية عليهم، وانعكاسات الأحوال السياسية العربية، والظروف الخليجية الداخلية، والرؤى الدولية المطروحة لحل مشكلة اللاجئين.

التطور السكاني
الحديث عن تعداد سكاني فلسطيني في دول الخليج لم يكن إلا عقب نكبة 1948، عندما هاجر الكثير من الفلسطينيين إلى الكويت بحثاً عن الرزق والحياة الآمنة، حتى وصل عددهم إلى 15,173 نسمة عام 1957، وارتفع إلى 37,300 عام 1960. وبدأت هجرات أخرى إلى المملكة العربية السعودية عام 1961 بلغت 10,000، وتضاعف الفلسطينيون في الكويت عام 1965 حتى أصبحوا 77,712. وكان الوجود الفلسطيني في بقية دول الخليج محدوداً في الستينات، ولم تتوفر عنه إحصائيات، لكن في عام 1967 ظهر أول إحصاء لهم إذ بلغوا 183,162، منهم 101,000 في الكويت، و 82,162 في بقية دول الخليج. وترجع هذه القفزة إلى نكسة 1967، التي أدت إلى توالي الهجرات إلى دول الخليج، من الضفة وغزة، ومن دول النزوح الأول، الذين آثروا الذهاب إلى دول الخليج للحصول على فرص عمل أفضل لتحسين أوضاعهم المعيشية. وفي عام 1969، استمر التزايد السكاني الفلسطيني في الكويت حتى بلغ 140,000 وتضاعف في السعودية إلى 20,000، وفي عام 1970 ارتفع العدد إلى 193,696، منهم 147,696 في الكويت، و31,000 في السعودية، و15,000 في بقية دول الخليج. وفي عام 1973 وصل عددهم في الكويت إلى 162,200، وفي السعودية إلى 34,000. وتزايد عددهم في دول الخليج عام 1975 إلى حوالي 292,178، منهم 204,178 في الكويت، و59,000 في السعودية، وفي عام 1979 بلغ تعدادهم في الكويت وحدها حوالي 259,408.
واستمر التعداد السكاني للفلسطينيين في دول الخليج في التنامي خلال فترة الثمانينات، فبعد أن حدثت قفزة كبيرة عام 1980 إذ وصل تعدادهم إلى 445,000، بلغ عام 1990 أعلى معدل له قبيل كارثة دول الخليج الثانية فوصل إلى 750,000. وانخفض تعدادهم بصورة حادة بعدها فبلغ النصف تقريباً، نتيجة لإنهاء خدماتهم في الكويت فلم يتبق منهم سوى 30,000 عام 1991. وفي عام 1995 وصل عددهم على مستوى دول الخليج إلى 393,670، أو 313,640. وارتفع العدد قليلاً في الكويت إلى 50,000 بعد أن عاد بعض الفلسطينيين بجوازات أردنية أو بوساطات كويتية. وفي السعودية بلغ العدد 247,820، والبعض الآخر رأى أنه انخفض إلى 181,787. وفي بلدان الخليج الأخرى طرأ تغيير بسيط في عدد الفلسطينيين، فبلغ في دولة الإمارات 52,186، وفي قطر 33,931، وفي البحرين 2,381، وفي سلطنة عُمان 7,352، ورأى البعض الآخر أن العدد انخفض في الإمارات وقطر والبحرين وعُمان فوصل إلى 66,853 نسمة.
ومقارنة بفترة ما قبل كارثة دول الخليج، لم يطرأ تغيير أو تنام كبير في التعداد السكاني للفلسطينيين في دول الخليج منذ 1996 وحتى 2000، وإنما حدث ارتفاع طفيف، فوصل عددهم عام 1996 إلى 370,352، وبلغ عام 1997 حوالي 400,000، أما في عام 2000 فقدر تعدادهم بحوالي 443,925، منهم 291,778 في السعودية، و40,031 في الكويت، و112,116 في بقية دول الخليج. وتبقى هذه الأرقام تقديرية غير دقيقة لقلة الإحصائيات. وقد بني التوقع أساساً على عودة بعض الفلسطينيين إلى دول الخليج بجواز سفر السلطة الفلسطينية والجواز الأردني والوثيقتين السورية واللبنانية بشكل محدود للغاية، بينما لم يسمح لحملة الوثائق المصرية بالحصول على تأشيرات عمل أو زيارة حتى الآن.
-
وصل عدد الفلسطينيين في الخليج قبل الغزو العراقي للكويت إلى ما يقرب من 750000
الأوضاع السياسية
هناك ثلاثة متغيرات أساسية تتحكم في الأوضاع السياسية للفلسطينيين في دول الخليج، هي: العلاقة مع الدولة الخليجية المضيفة، مدى الشعور بالاستقرار النسبي، والحفاظ على الهوية.
وبالنسبة للعلاقات الفلسطينية-الخليجية فهي علاقات وثيقة منذ أكثر من 88 عاماً مضت، أساسها التعاون المتبادل. فالفلسطينيون قاموا بدور بارز في تطوير الجهاز الحكومي الخليجي والنظام التربوي ومختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، والخليجيون بدورهم مدوا يد العون لإخوانهم الفلسطينيين منذ البداية، فقدموا لهم الدعم المادي والمعنوي، ووضعوا إمكاناتهم لخدمة القضية ودعم الصمود في الأرض المحتلة، فضلاً عن استقبالهم كعمالة. وتوجد عوامل عدة أسهمت في زيادة الوجود الفلسطيني في الخليج، أهمها: قوة العلاقات الفلسطينية-الخليجية على مستوى القيادة السياسية، حاجة الدولة الخليجية إلى العمالة الوافدة، صعوبة الأوضاع المعيشية الفلسطينية في ظل الاحتلال، وزيادة التعاطف الخليجي مع الشعب الفلسطيني نتيجة ما يتعرض له من محن، منها: نكبة 1948، نكسة 1967، العدوان الإسرائيلي المتكرر، وصعود ظاهرة الانتفاضة.
لكن هذه العلاقات لم تسلم من الاضطراب، كما حدث في كارثة الخليج الثانية، وتأتي في مقدمة الأحداث التي أدت إلى اختلال العلاقات الفلسطينية- الخليجية، فقد دفعت سياسات القيادة الفلسطينية القادة الخليجيين إلى اتخاذ قرارات تعكس عدم الرضا عن مواقفهم من الاحتلال العراقي للكويت الذي نظروا إليه كتأييد للغزو العراقي. ووصلت هذه العلاقات إلى حد القطيعة، كما حدث في الكويت، حيث خسر الفلسطينيون بطرد أكثر من 300,000 فلسطيني من الكويت، جزءاً كبيراً من مكانتهم وتأثيرهم في الخليج. فأغلقت كافة مؤسساتهم السياسية والاجتماعية، وقل التعاطف معهم، وتوقف الدعم المادي والمعنوي الذي كانوا يتلقونه هم وسكان الأرض المحتلة. وقد ترتب على ذلك إنهاء خدمات بعض الموظفين في دول خليجية عدة، والعزوف لفترة من الزمن عن تعيين كوادر فلسطينية جديدة في العمل الحكومي. ومن الملاحظ أن موقف القيادة الفلسطينية من احتلال الكويت، الذي لم يتصف بالحكمة، شكّل تحدياً كبيراً للفلسطينيين، عانوا من جرّائه الكثير، رغم مساندة الجالية الفلسطينية للكويتيين إبان احتلال العراق للكويت وعندما أقدم العراق على الفعل نفسه عام 1962، وكذلك أثناء الحرب العراقية-الإيرانية، حيث قام الفلسطينيون بتدريب المقاومة الشعبية على أعمال المقاومة.
وبوجه عام هناك عاملان أديا إلى إضعاف الوجود الفلسطيني في الخليج وتقليصه، هما: حدوث ضعف في العلاقات بين الطرفين على مستوى القيادات بفعل الأزمات الإقليمية والدولية، والاستغناء التدريجي عن العمالة الوافدة لمصلحة توطين الوظائف لتوفير فرص عمل لآلاف الخريجين الخليجيين، وبسبب معالجة الخلل الديموغرافي كي لا يتحول الخليجيون إلى أقلية في بلادهم. والجالية الفلسطينية تقلق دائماً من وقوع أحداث عنف في دول الخليج خشية أن تنسب إليها أو يكون أحد منهم متورطاً فيها، فيؤدي ذلك إلى تقليص وجودهم.
وبالنسبة لمدى الشعور بالاستقرار النسبي فإنه يتحقق بالامتيازات التالية: إقامة دائمة، وظيفة مضمونة، مسكن دائم، ضمان اجتماعي، تعليم حكومي، وحرية التنقل. لكن المتوفر فقط: إقامة مؤقتة تنقطع بانقطاع العمل، وظيفة غير مضمونة معرض صاحبها لإنهاء الخدمة في أي وقت، حق التعليم غير مضمون في المدارس والجامعات الحكومية، وحرية التنقل محكومة بشروط زمنية معينة. وهذا كله يجعل شعور الفلسطيني بالاستقرار غير وارد، وأن انتظار فقدان وظيفته وأسباب استقراره المعيشي يزداد الاقتراب منه يوماً بعد يوم، مما يحتم الاستعداد للعودة إلى فلسطين لمن لديه هوية أو إلى البلد العربي مصدر الجواز أو وثيقة السفر. وهذا يفرض جملة من التحديات بفعل الإطار القانوني للحقوق والواجبات اللازمة للعمالة، خاصة وأن الفلسطينيين لا يتمتعون بأي امتيازات من نوع خاص، وإنما يخضعون لقوانين العمالة حالهم حال جميع الجاليات الوافدة في الخليج.
نكسة 1967 أدت إلى تزايد أعداد الفلسطينيين في دول الخليج نتيجة توالي الهجرات للمنطقة
أما بالنسبة لحفاظ الفلسطيني على هويته، فهناك خمس درجات لها: درجة الاكتساب الكامل لها وهو في بلده يتمتع بكافة حقوقه، درجة الاكتساب الجزئي الناجم عن هجرته القسرية إلى دولة أخرى سمحت له بممارسة نشاطات وإنشاء مؤسسات ساهمت في حفاظه على هويته كما كان الحال في الكويت، درجة الشعور بالهوية والرغبة في عدم التفريط فيها عن طريق الارتباط بجالية بني وطنه في إطار علاقات العائلة الفلسطينية من دون السماح له بالعمل السياسي أو إنشاء اتحادات أَو جمعيات، درجة الشعور بقدر طفيف من الهوية عند المعيشة في بلد منحه الجنسية وافتقد فيه رابط العائلة، ودرجة ضياع الهوية تماماً عن طريق التوطين والحصول على تعويض مالي والتنازل نهائياً عن حق العودة. ولذلك فالتحدي الأَكبر أمام الفلسطيني في دول الخليج هو فقدانه لهويته السياسية في المستقبل، إذا ما نجحت المساعي الأمريكية في تجنيس الفلسطينيين في بلد إقامتهم لحل مشكلتهم كلاجئين، وهو الأمر المثار منذ وقوع الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان بعد أحداث سبتمبر، وقد طرحه جورج بوش الابن في سياق وعوده المتكررة بإنشاء دولة فلسطينية لا مكان فيها للاجئين. وهكذا فالتحدي الأَكبر الذي يواجه الحفاظ على الهوية يكمن في المساعي المبذولة لتوفير سبل فقدانها بفعل الأَطراف الخارجية ومؤثرات البيئة الدولية. وفي المقابل فإن الإصرار على حق العودة، وعدم ربط التعويض عما لحق الفلسطيني من ضرر بفعل الاحتلال بالتنازل عن هذا الحق يعتبران الحل الأمثل. كما أن موقفاً عربياً موحداً من شأنه دعم الفلسطينيين في حفاظهم على هويتهم وعدم التفريط فيها.
الأَوضاع القانونية
تضم الجالية الفلسطينية في دول الخليج فلسطينيين جاءوا من الأرض المحتلة ومن دول الملجأ ومن كل مكان. مما يجعل التعرف إليهم يتطلب إلماماً بالمشكلات القانونية التي تخص كل الفلسطينيين. فمنهم من يحمل جواز سفر أردنياً أو جواز السلطة، ومنهم من لديه وثيقة مصرية أو عراقية أو سورية أو لبنانية، ومنهم من لديه جواز سفر أَمريكي أَو بريطاني أو كندي أو يحمل أي جنسية أوروبية أو أجنبية. وجميعهم يصنفون من وجهة نظر القانون الدولي ومقررات الأمم المتحدة وبروتوكولات الجامعة العربية كلاجئين أو نازحين أو مهاجرين غادروا فلسطين مجبرين أو مضطرين بسبب ظروف الاحتلال.
وقد تعاملت معهم التشريعات المحلية في دول الخليج باعتبارهم وافدين أو أجانب أو مقيمين بصورة مؤقتة، أو بتعبير أدق: عمالة وافدة، وهو اصطلاح يحمل دلالة تؤكد على السبب الذي استقدموا من أجله، ومن ثم لهم نفس حقوق وواجبات العمالة الوافدة من البلدان الأخرى. والإقامة في دول الخليج بهذه الصورة تنتهي بانتهاء العمل، ومن ثم يتعين على من أنهيت خدماته ولم يجد عملاً آخر أن يغادر البلاد، كي لا يعرّض نفسه لمخالفة القانون أو لغرامة مالية. وهكذا يعود إلى بلد الملجأ الأول أو إلى أية دولة عربية أو أَجنبية يستطيع الوصول إليها إن سمح له بذلك. وفي بعض الأَحيان لا يُسمح له حتى بالرجوع إلى بلد الملجأ الأول، كما هو الحال بالنسبة لمصر، حيث يمنع قانونها رجوع الفلسطيني حامل وثيقة السفر المصرية إلى مصر واستقراره فيها ما لم تكن لديه إقامة سارية المفعول، لأن الإقامة عندهم مؤقتة وليست دائمة، ترتبط بكون الفلسطيني أجنبياً، ومن ثم ينطبق عليه قانون معاملة الأجانب في مصر، بينما على العكس من ذلك فالفلسطيني اللاجئ في سوريا أو لبنان أو الأردن لديه إقامة دائمة ترتبط بكونه لديه وثيقة صادرة من هذه الدول.
الموقف الخليجي المساند للقضية الفلسطينية يعود لفترة زمنية بعيدة وإلى أيام الثورة العربية الكبرى
ورغم أن بروتوكول الدار البيضاء (1964) الذي أقرته الجامعة العربية الخاص بمعاملة الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة والقاضي بعدم تجنيسهم من أجل الحفاظ على هويتهم السياسية، يدعو إلى منحهم حقوق الإقامة الدائمة والمساواة بمواطني الدولة التي يقيمون على أرضها وتوفير فرص العمل لهم ومنحهم حرية التنقل بين الدول العربية، إلا أن وضعهم القانوني في دول الخليج لا يسمح لهم بحق الإقامة الدائمة أو المساواة مع المواطن، ولا يمنحهم وثائق سفر تسهل تنقلهم. كما أن القانون الخليجي لا ينظر إليهم ولا يتعامل معهم كلاجئين أو نازحين أو مهاجرين بل كعمالة وافدة.
إن حرية التنقل بين الدول الخليجية وبعضها بالنسبة للوافدين، لا تتم إلا بشرط الحصول على تأشيرة. ويشترط عند السفر عدم تجاوز الستة أشهر خارج الدولة، وإلا تعتبر الإقامة لاغية ولا يحق له الدخول ثانية إلا بتأشيرة جديدة وعقد عمل آخر، لأن إقامته في البلاد مؤقتة لمدة سنة أو ثلاث سنوات أو خمس سنوات، قابلة للتجديد بشهادة من مكان عمله. وبعد كارثة دول الخليج أصبح لا يحق لحملة الوثائق المصرية الرجوع بعقد عمل جديد، ولا استقدام أسرهم الذين يحملون وثائق مصرية، ولا الحصول على تأشيرات زيارة أو عمل. ويرجع سبب هذا المنع إلى أن الحكومة المصرية لا تسمح لحملة وثائقهم بالعودة إلى مصر إلا بشرط الإقامة سارية المفعول، وهذا لا يتوفر عند الغالبية الساحقة منهم، مما يؤدي إلى اضطرار الذين أنهيت خدماتهم في دول الخليج إلى البقاء مخالفين بإقامة غير شرعية، مما يشكل عبئاً قانونياً عليهم وعلى دول الخليج المستضيفة. بينما حملة الوثائق السورية واللبنانية لديهم إقامة دائمة في سوريا ولبنان، ويستطيعون العودة إليهما في أي وقت يشاءون، مما يعني اطمئنان حكومات الخليج إلى رجوعهم لبلاد الملجأ الأول من دون أي مخالفات قانونية أو عبء عليهم. ولذلك منعت دول الخليج عمل تأشيرات لحملة الوثائق المصرية طالما أن الحكومة المصرية لا تسمح لهم بالدخول تحت أي ظرف.
ولم يؤد السماح بالتملك العقاري للأجانب في ظل الطفرة العقارية التي تشهدها دول الخليج الآن، سوى إلى تملك قلة قليلة من الفلسطينيين لشقق صغيرة باهظة الثمن، بينما أغلبيتهم الساحقة مستأجرون معرضون لترك العقار إما لزيادة إيجارات الشقق والمحال التجارية أو تلبية لرغبة المالك في هدم العقار وبناء غيره. وفي ما يتعلق بالاستثمار التجاري يشترط القانون وجود كفيل خليجي للمشروع أو المنشأة يكون هو المالك الحقيقي من وجهة نظر القانون، حتى لو كان ذلك صورياً من الناحية الفعلية، فالقانون لا يسمح للوافد المستثمر بأن يكون المالك للمشروع، إلا في حدود ضيقة جداً سمح بها مؤخراً، لكنها لا تشكل عامل استقرار تجاري.
وهكذا فالوضع القانوني للفلسطينيين في دول الخليج، جسّد مشكلة عدم المواءمة بين بروتوكول الدار البيضاء وقوانين العمل والإقامة في دول الخليج، التي تعكس التطبيق الواقعي لأحوالهم الاجتماعية، بصورة لا تشعرهم بالاستقرار نتيجة لعدم وجود ضمانات محلية تكفل تطبيق أطر الحماية العربية والدولية، فهم لا يعاملون معاملة استثنائية، وكل فلسطيني يدرك تماماً أنه سيغادر دول الخليج يوماً ما، وأنه بمرور الزمن ستتفاقم المشكلة أكثر وأكثر، فمن لديه هوية أو جواز سلطة يستطيع الرجوع إلى فلسطين وهم قلة، ومن لديه جواز أردني يرجع إلى الأردن، ومن لديه وثيقة سورية يعود إليها دون ممانعة، وكذلك الحال بالنسبة للبنان، أما من لديه وثيقة مصرية دون إقامة سارية فلن تقبل به مصر ولا أية دولة.
وخلاصة القول أن الوضع القانوني للوافدين من غير الفلسطينيين، عرباً وغيرهم، المقيمين في دول الخليج لا يترتب عليه في واقع الأمر أية إشكاليات أو سلبيات بالنسبة لهم، فهم في نهاية المطاف سيعودون إلى أوطانهم معزَّزين مكرَّمين، وتتكفل بهم حكومات بلادهم دون معاناة من مشكلات إقامة أو عمل أو استقرار أو حتى تنقل بين الدول، ويعد ذلك تنظيماً للعمالة تقوم به الحكومات الخليجية لحفظ الحقوق والواجبات، وتحديد الالتزامات بصورة لا تجحف بحق أي طرف. أما بالنسبة للفلسطينيين في الخليج فإن ظروفهم السياسية، باعتبارهم لاجئين أو نازحين أو مهاجرين طُردوا أو أُجبروا على مغادرة وطنهم، ترتب عليها أن يكون وضعهم القانوني كوافدين ذو انعكاسات سلبية عليهم، مما أدى إلى فرض بعض التحديات ( إقامة مؤقتة، وظيفة غير دائمة، مسكن لا يمكن تملكه، عدم الشعور بالاستقرار). هذه التحديات، وإن كان الظاهر أن الوضع القانوني لهم كعمالة وافدة يعد انعكاساً لها، إلا أن السبب الجوهري لهذه التحديات الذي يؤكده المقال ليس كذلك، بل يتمثل في طبيعة وضعهم كلاجئين أو مهاجرين. وهو ما يجعل الوضع السياسي المفروض عليهم من قبل العدو الصهيوني السبب الرئيسي لما يعانونه في دول الخليج.
الأوضاع الاجتماعية
من التحديات التي واجهت الفلسطيني في دول الخليج: تباين المناهج الدراسية في كل دولة مضيفة، عدم كفاية المساحة التي تحتلها القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي في كتب التاريخ المدرسية، ضآلة المعلومات المقدمة عن جغرافية فلسطين وتاريخها، عدم السماح لأبناء موظفي القطاع الخاص بالالتحاق بالمدارس الحكومية، ظهور مشكلة الرسوم الباهظة عند الالتحاق بالمدارس الخاصة، توقف المنح الدراسية للطلاب. ومنها أيضاً، عدم توافر الفرص الكاملة لدخول الطلاب الفلسطينيين جامعات دول الخليج بسبب نظام الحصص المقرر الذي يسمح للفلسطينيين بعدد محدود من المقاعد في الجامعة سنوياً، وهو لا يكفي لسد حاجة الحاصلين على الثانوية العامة، الأمر الذي يؤدي إلى حرمان الكثيرين من مواصلة تعليمهم الجامعي بسبب عدم القدرة على تغطية النفقات المطلوبة لتعليمهم خارج الدولة. أما المقتدرون منهم على إرسال أبنائهم إلى أوروبا والولايات المتحدة أو إلى الدول العربية الأخرى، فيعدُّون قلة قليلة. ولا تنتهي المشكلة عند توفير الرسوم والمقعد الدراسي في الجامعة لحل عقدة القبول، وإنما هناك معاناة أخرى تتعلق بضياع إقامة من يتوجه للدراسة في الخارج، فيواجه صعوبة العودة إلى مكان أهله في الدولة الخليجية بعد تخرجه بسبب انتهاء إقامته أو تجاوزه للمدة المسموح بها للعودة ثانية. وتبرز هذه المشكلة بشدة لحاملي الوثائق المصرية الآن، إذ يجد الطالب نفسه في ورطة مستديمة لا يستطيع الفكاك منها.
الأوضاع الاقتصادية
تضم القوة العاملة الفلسطينية في دول الخليج: عمالاً ومزارعين من ذوي الدخل المتدني، عمالاً مهرة من ذوي الدخل المتواضع، موظفي حكومة وموظفي قطاع خاص وصغار رجال أعمال، صحفيين ومهندسين وأطباء ومحامين ومعلمين، كبار رجال أعمال وكبار موظفي حكومة من ذوي الدخل الأكثر ارتفاعاً. وقد شغل الفلسطينيون مجالات عمل عديدة منها: العمل الحكومي، قطاع التعليم، شركات النفط، البنوك، وسائل الإعلام، شركات المقاولات. وكل موظف يعيل ثلاثة أشخاص أو أكثر، علاوة على مساعدة ذويه في فلسطين أو في بلد اللجوء.
ولقد كان لكارثة الخليج تداعياتها الوخيمة، إذ استنزفت من الجالية الفلسطينية ما بين 4,5 و8,5 مليار دولار، وخسر فلسطينيو الداخل وحدهم قرابة 13,095 مليار دولار. وتوقف الدعم المالي المقدم من الكويت لمنظمة التحرير وللأرض المحتلة، وانخفض الدعم الوارد من دول الخليج الأخرى إلى النصف تقريباً، وكذلك التحويلات النقدية أحد أهم مصادر الناتج القومي الفلسطيني. وانعكس ذلك سلباً على البنية الاقتصادية وعلى الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، مما أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي الفلسطيني.
وعلى النقيض من ذلك كان لانتفاضة الأقصى انعكاسها الإيجابي على أوضاع الفلسطينيين في الخليج، إذ ساهمت في تجاوز الكثير من السلبيات التي خلفتها كارثة دول الخليج، وحرصت دول الخليج وجمعياتها الخيرية على الوقوف إلى جانب إخوانهم في الأرض المحتلة، فقدموا لهم الدعم المالي، وأرسلوا طائرات الإغاثة، واستقبلوا بعضاً من جرحى الانتفاضة، ووظفوا إعلامهم ومؤسساتهم الثقافية من أجل نصرة القضية الفلسطينية، وقاطعت جماهيرهم البضائع الأمريكية، وتعاطفت شعوب الخليج مع أشقائهم الفلسطينيين بشكل لم يسبق لها مثيل.
::/introtext::
::fulltext::::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1313::/cck::
::introtext::
واجه الفلسطينيون في دول الخليج تحديات ارتبطت بأوضاعهم السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية، لم تنشأ لكونهم عمالة وافدة، فالجنسيات الأخرى العاملة في الخليج لا تواجه أي تحديات مماثلة رغم خضوع الجميع لقوانين عمالة موحدة، وإنما فرضتها عليهم ظروف الاحتلال الاستيطاني الصهيوني لفلسطين، التي أجبرتهم على هجرتين كبيرتين، بعد نكبة 1948، وعقب نكسة 1967، وزادت من حدتها المشكلات الإقليمية والدولية، وفي طليعتها: كارثة دول الخليج الثانية، أحداث سبتمبر، والاحتلال الأمريكي للعراق. ما هي طبيعة أوضاع الفلسطينيين في دول الخليج ؟ وهل من سبيل لتجاوز التحديات التي يواجهونها؟ وهل هم بحاجة إلى تسهيلات من نوع خاص؟ كم تعدادهم السكاني؟ هل توطينهم القسري خارج فلسطين هو الحل لمشكلتهم كلاجئين؟
يمثل وصول أول مجموعة من المدرسين الفلسطينيين إلى البحرين في عامي 1919 و1920 بداية التواجد الفلسطيني في دول الخليج، وتعتبر الرسائل التي تلقاها الشيخ أحمد بن جابر الصباح حاكم الكويت والشيخ حمد بن عيسى آل خليفة حاكم البحرين في عام 1936 من بعض زعماء فلسطين يطلبون فيها تبرعات مالية لتأييد الإضراب العام ومساعدة المصابين بمثابة أول اتصالات سياسية بين الطرفين. وقد كان لجمع الأموال وإرسالها وتشكيل اللجان الشعبية واستمرار تدفق المساعدات من دول الخليج دلالة على الموقف الخليجي المساند للقضية الفلسطينية منذ فترة زمنية بعيدة تعود إلى أيام الثورة الكبرى. ويعكس طلب الكويتيين من الحاج أمين الحسيني إيفاد بعثة تعليمية فلسطينية إليها، بداية توالي البعثات التعليمية الفلسطينية إلى الكويت وبقية دول الخليج. وشيئاً فشيئاً عمل الفلسطينيون في كافة المجالات الحكومية والقطاع الخاص.
ويلقي هذا المقال الضوء على تعداد الفلسطينيين في دول الخليج، ويبحث أوضاعهم السياسية والقانونية والاجتماعية والاقتصادية، وتداعيات المشكلات الإقليمية والدولية عليهم، وانعكاسات الأحوال السياسية العربية، والظروف الخليجية الداخلية، والرؤى الدولية المطروحة لحل مشكلة اللاجئين.

التطور السكاني
الحديث عن تعداد سكاني فلسطيني في دول الخليج لم يكن إلا عقب نكبة 1948، عندما هاجر الكثير من الفلسطينيين إلى الكويت بحثاً عن الرزق والحياة الآمنة، حتى وصل عددهم إلى 15,173 نسمة عام 1957، وارتفع إلى 37,300 عام 1960. وبدأت هجرات أخرى إلى المملكة العربية السعودية عام 1961 بلغت 10,000، وتضاعف الفلسطينيون في الكويت عام 1965 حتى أصبحوا 77,712. وكان الوجود الفلسطيني في بقية دول الخليج محدوداً في الستينات، ولم تتوفر عنه إحصائيات، لكن في عام 1967 ظهر أول إحصاء لهم إذ بلغوا 183,162، منهم 101,000 في الكويت، و 82,162 في بقية دول الخليج. وترجع هذه القفزة إلى نكسة 1967، التي أدت إلى توالي الهجرات إلى دول الخليج، من الضفة وغزة، ومن دول النزوح الأول، الذين آثروا الذهاب إلى دول الخليج للحصول على فرص عمل أفضل لتحسين أوضاعهم المعيشية. وفي عام 1969، استمر التزايد السكاني الفلسطيني في الكويت حتى بلغ 140,000 وتضاعف في السعودية إلى 20,000، وفي عام 1970 ارتفع العدد إلى 193,696، منهم 147,696 في الكويت، و31,000 في السعودية، و15,000 في بقية دول الخليج. وفي عام 1973 وصل عددهم في الكويت إلى 162,200، وفي السعودية إلى 34,000. وتزايد عددهم في دول الخليج عام 1975 إلى حوالي 292,178، منهم 204,178 في الكويت، و59,000 في السعودية، وفي عام 1979 بلغ تعدادهم في الكويت وحدها حوالي 259,408.
واستمر التعداد السكاني للفلسطينيين في دول الخليج في التنامي خلال فترة الثمانينات، فبعد أن حدثت قفزة كبيرة عام 1980 إذ وصل تعدادهم إلى 445,000، بلغ عام 1990 أعلى معدل له قبيل كارثة دول الخليج الثانية فوصل إلى 750,000. وانخفض تعدادهم بصورة حادة بعدها فبلغ النصف تقريباً، نتيجة لإنهاء خدماتهم في الكويت فلم يتبق منهم سوى 30,000 عام 1991. وفي عام 1995 وصل عددهم على مستوى دول الخليج إلى 393,670، أو 313,640. وارتفع العدد قليلاً في الكويت إلى 50,000 بعد أن عاد بعض الفلسطينيين بجوازات أردنية أو بوساطات كويتية. وفي السعودية بلغ العدد 247,820، والبعض الآخر رأى أنه انخفض إلى 181,787. وفي بلدان الخليج الأخرى طرأ تغيير بسيط في عدد الفلسطينيين، فبلغ في دولة الإمارات 52,186، وفي قطر 33,931، وفي البحرين 2,381، وفي سلطنة عُمان 7,352، ورأى البعض الآخر أن العدد انخفض في الإمارات وقطر والبحرين وعُمان فوصل إلى 66,853 نسمة.
ومقارنة بفترة ما قبل كارثة دول الخليج، لم يطرأ تغيير أو تنام كبير في التعداد السكاني للفلسطينيين في دول الخليج منذ 1996 وحتى 2000، وإنما حدث ارتفاع طفيف، فوصل عددهم عام 1996 إلى 370,352، وبلغ عام 1997 حوالي 400,000، أما في عام 2000 فقدر تعدادهم بحوالي 443,925، منهم 291,778 في السعودية، و40,031 في الكويت، و112,116 في بقية دول الخليج. وتبقى هذه الأرقام تقديرية غير دقيقة لقلة الإحصائيات. وقد بني التوقع أساساً على عودة بعض الفلسطينيين إلى دول الخليج بجواز سفر السلطة الفلسطينية والجواز الأردني والوثيقتين السورية واللبنانية بشكل محدود للغاية، بينما لم يسمح لحملة الوثائق المصرية بالحصول على تأشيرات عمل أو زيارة حتى الآن.
-
وصل عدد الفلسطينيين في الخليج قبل الغزو العراقي للكويت إلى ما يقرب من 750000
الأوضاع السياسية
هناك ثلاثة متغيرات أساسية تتحكم في الأوضاع السياسية للفلسطينيين في دول الخليج، هي: العلاقة مع الدولة الخليجية المضيفة، مدى الشعور بالاستقرار النسبي، والحفاظ على الهوية.
وبالنسبة للعلاقات الفلسطينية-الخليجية فهي علاقات وثيقة منذ أكثر من 88 عاماً مضت، أساسها التعاون المتبادل. فالفلسطينيون قاموا بدور بارز في تطوير الجهاز الحكومي الخليجي والنظام التربوي ومختلف القطاعات الاقتصادية والاجتماعية، والخليجيون بدورهم مدوا يد العون لإخوانهم الفلسطينيين منذ البداية، فقدموا لهم الدعم المادي والمعنوي، ووضعوا إمكاناتهم لخدمة القضية ودعم الصمود في الأرض المحتلة، فضلاً عن استقبالهم كعمالة. وتوجد عوامل عدة أسهمت في زيادة الوجود الفلسطيني في الخليج، أهمها: قوة العلاقات الفلسطينية-الخليجية على مستوى القيادة السياسية، حاجة الدولة الخليجية إلى العمالة الوافدة، صعوبة الأوضاع المعيشية الفلسطينية في ظل الاحتلال، وزيادة التعاطف الخليجي مع الشعب الفلسطيني نتيجة ما يتعرض له من محن، منها: نكبة 1948، نكسة 1967، العدوان الإسرائيلي المتكرر، وصعود ظاهرة الانتفاضة.
لكن هذه العلاقات لم تسلم من الاضطراب، كما حدث في كارثة الخليج الثانية، وتأتي في مقدمة الأحداث التي أدت إلى اختلال العلاقات الفلسطينية- الخليجية، فقد دفعت سياسات القيادة الفلسطينية القادة الخليجيين إلى اتخاذ قرارات تعكس عدم الرضا عن مواقفهم من الاحتلال العراقي للكويت الذي نظروا إليه كتأييد للغزو العراقي. ووصلت هذه العلاقات إلى حد القطيعة، كما حدث في الكويت، حيث خسر الفلسطينيون بطرد أكثر من 300,000 فلسطيني من الكويت، جزءاً كبيراً من مكانتهم وتأثيرهم في الخليج. فأغلقت كافة مؤسساتهم السياسية والاجتماعية، وقل التعاطف معهم، وتوقف الدعم المادي والمعنوي الذي كانوا يتلقونه هم وسكان الأرض المحتلة. وقد ترتب على ذلك إنهاء خدمات بعض الموظفين في دول خليجية عدة، والعزوف لفترة من الزمن عن تعيين كوادر فلسطينية جديدة في العمل الحكومي. ومن الملاحظ أن موقف القيادة الفلسطينية من احتلال الكويت، الذي لم يتصف بالحكمة، شكّل تحدياً كبيراً للفلسطينيين، عانوا من جرّائه الكثير، رغم مساندة الجالية الفلسطينية للكويتيين إبان احتلال العراق للكويت وعندما أقدم العراق على الفعل نفسه عام 1962، وكذلك أثناء الحرب العراقية-الإيرانية، حيث قام الفلسطينيون بتدريب المقاومة الشعبية على أعمال المقاومة.
وبوجه عام هناك عاملان أديا إلى إضعاف الوجود الفلسطيني في الخليج وتقليصه، هما: حدوث ضعف في العلاقات بين الطرفين على مستوى القيادات بفعل الأزمات الإقليمية والدولية، والاستغناء التدريجي عن العمالة الوافدة لمصلحة توطين الوظائف لتوفير فرص عمل لآلاف الخريجين الخليجيين، وبسبب معالجة الخلل الديموغرافي كي لا يتحول الخليجيون إلى أقلية في بلادهم. والجالية الفلسطينية تقلق دائماً من وقوع أحداث عنف في دول الخليج خشية أن تنسب إليها أو يكون أحد منهم متورطاً فيها، فيؤدي ذلك إلى تقليص وجودهم.
وبالنسبة لمدى الشعور بالاستقرار النسبي فإنه يتحقق بالامتيازات التالية: إقامة دائمة، وظيفة مضمونة، مسكن دائم، ضمان اجتماعي، تعليم حكومي، وحرية التنقل. لكن المتوفر فقط: إقامة مؤقتة تنقطع بانقطاع العمل، وظيفة غير مضمونة معرض صاحبها لإنهاء الخدمة في أي وقت، حق التعليم غير مضمون في المدارس والجامعات الحكومية، وحرية التنقل محكومة بشروط زمنية معينة. وهذا كله يجعل شعور الفلسطيني بالاستقرار غير وارد، وأن انتظار فقدان وظيفته وأسباب استقراره المعيشي يزداد الاقتراب منه يوماً بعد يوم، مما يحتم الاستعداد للعودة إلى فلسطين لمن لديه هوية أو إلى البلد العربي مصدر الجواز أو وثيقة السفر. وهذا يفرض جملة من التحديات بفعل الإطار القانوني للحقوق والواجبات اللازمة للعمالة، خاصة وأن الفلسطينيين لا يتمتعون بأي امتيازات من نوع خاص، وإنما يخضعون لقوانين العمالة حالهم حال جميع الجاليات الوافدة في الخليج.
نكسة 1967 أدت إلى تزايد أعداد الفلسطينيين في دول الخليج نتيجة توالي الهجرات للمنطقة
أما بالنسبة لحفاظ الفلسطيني على هويته، فهناك خمس درجات لها: درجة الاكتساب الكامل لها وهو في بلده يتمتع بكافة حقوقه، درجة الاكتساب الجزئي الناجم عن هجرته القسرية إلى دولة أخرى سمحت له بممارسة نشاطات وإنشاء مؤسسات ساهمت في حفاظه على هويته كما كان الحال في الكويت، درجة الشعور بالهوية والرغبة في عدم التفريط فيها عن طريق الارتباط بجالية بني وطنه في إطار علاقات العائلة الفلسطينية من دون السماح له بالعمل السياسي أو إنشاء اتحادات أَو جمعيات، درجة الشعور بقدر طفيف من الهوية عند المعيشة في بلد منحه الجنسية وافتقد فيه رابط العائلة، ودرجة ضياع الهوية تماماً عن طريق التوطين والحصول على تعويض مالي والتنازل نهائياً عن حق العودة. ولذلك فالتحدي الأَكبر أمام الفلسطيني في دول الخليج هو فقدانه لهويته السياسية في المستقبل، إذا ما نجحت المساعي الأمريكية في تجنيس الفلسطينيين في بلد إقامتهم لحل مشكلتهم كلاجئين، وهو الأمر المثار منذ وقوع الاحتلال الأمريكي للعراق وأفغانستان بعد أحداث سبتمبر، وقد طرحه جورج بوش الابن في سياق وعوده المتكررة بإنشاء دولة فلسطينية لا مكان فيها للاجئين. وهكذا فالتحدي الأَكبر الذي يواجه الحفاظ على الهوية يكمن في المساعي المبذولة لتوفير سبل فقدانها بفعل الأَطراف الخارجية ومؤثرات البيئة الدولية. وفي المقابل فإن الإصرار على حق العودة، وعدم ربط التعويض عما لحق الفلسطيني من ضرر بفعل الاحتلال بالتنازل عن هذا الحق يعتبران الحل الأمثل. كما أن موقفاً عربياً موحداً من شأنه دعم الفلسطينيين في حفاظهم على هويتهم وعدم التفريط فيها.
الأَوضاع القانونية
تضم الجالية الفلسطينية في دول الخليج فلسطينيين جاءوا من الأرض المحتلة ومن دول الملجأ ومن كل مكان. مما يجعل التعرف إليهم يتطلب إلماماً بالمشكلات القانونية التي تخص كل الفلسطينيين. فمنهم من يحمل جواز سفر أردنياً أو جواز السلطة، ومنهم من لديه وثيقة مصرية أو عراقية أو سورية أو لبنانية، ومنهم من لديه جواز سفر أَمريكي أَو بريطاني أو كندي أو يحمل أي جنسية أوروبية أو أجنبية. وجميعهم يصنفون من وجهة نظر القانون الدولي ومقررات الأمم المتحدة وبروتوكولات الجامعة العربية كلاجئين أو نازحين أو مهاجرين غادروا فلسطين مجبرين أو مضطرين بسبب ظروف الاحتلال.
وقد تعاملت معهم التشريعات المحلية في دول الخليج باعتبارهم وافدين أو أجانب أو مقيمين بصورة مؤقتة، أو بتعبير أدق: عمالة وافدة، وهو اصطلاح يحمل دلالة تؤكد على السبب الذي استقدموا من أجله، ومن ثم لهم نفس حقوق وواجبات العمالة الوافدة من البلدان الأخرى. والإقامة في دول الخليج بهذه الصورة تنتهي بانتهاء العمل، ومن ثم يتعين على من أنهيت خدماته ولم يجد عملاً آخر أن يغادر البلاد، كي لا يعرّض نفسه لمخالفة القانون أو لغرامة مالية. وهكذا يعود إلى بلد الملجأ الأول أو إلى أية دولة عربية أو أَجنبية يستطيع الوصول إليها إن سمح له بذلك. وفي بعض الأَحيان لا يُسمح له حتى بالرجوع إلى بلد الملجأ الأول، كما هو الحال بالنسبة لمصر، حيث يمنع قانونها رجوع الفلسطيني حامل وثيقة السفر المصرية إلى مصر واستقراره فيها ما لم تكن لديه إقامة سارية المفعول، لأن الإقامة عندهم مؤقتة وليست دائمة، ترتبط بكون الفلسطيني أجنبياً، ومن ثم ينطبق عليه قانون معاملة الأجانب في مصر، بينما على العكس من ذلك فالفلسطيني اللاجئ في سوريا أو لبنان أو الأردن لديه إقامة دائمة ترتبط بكونه لديه وثيقة صادرة من هذه الدول.
الموقف الخليجي المساند للقضية الفلسطينية يعود لفترة زمنية بعيدة وإلى أيام الثورة العربية الكبرى
ورغم أن بروتوكول الدار البيضاء (1964) الذي أقرته الجامعة العربية الخاص بمعاملة الفلسطينيين في الدول العربية المضيفة والقاضي بعدم تجنيسهم من أجل الحفاظ على هويتهم السياسية، يدعو إلى منحهم حقوق الإقامة الدائمة والمساواة بمواطني الدولة التي يقيمون على أرضها وتوفير فرص العمل لهم ومنحهم حرية التنقل بين الدول العربية، إلا أن وضعهم القانوني في دول الخليج لا يسمح لهم بحق الإقامة الدائمة أو المساواة مع المواطن، ولا يمنحهم وثائق سفر تسهل تنقلهم. كما أن القانون الخليجي لا ينظر إليهم ولا يتعامل معهم كلاجئين أو نازحين أو مهاجرين بل كعمالة وافدة.
إن حرية التنقل بين الدول الخليجية وبعضها بالنسبة للوافدين، لا تتم إلا بشرط الحصول على تأشيرة. ويشترط عند السفر عدم تجاوز الستة أشهر خارج الدولة، وإلا تعتبر الإقامة لاغية ولا يحق له الدخول ثانية إلا بتأشيرة جديدة وعقد عمل آخر، لأن إقامته في البلاد مؤقتة لمدة سنة أو ثلاث سنوات أو خمس سنوات، قابلة للتجديد بشهادة من مكان عمله. وبعد كارثة دول الخليج أصبح لا يحق لحملة الوثائق المصرية الرجوع بعقد عمل جديد، ولا استقدام أسرهم الذين يحملون وثائق مصرية، ولا الحصول على تأشيرات زيارة أو عمل. ويرجع سبب هذا المنع إلى أن الحكومة المصرية لا تسمح لحملة وثائقهم بالعودة إلى مصر إلا بشرط الإقامة سارية المفعول، وهذا لا يتوفر عند الغالبية الساحقة منهم، مما يؤدي إلى اضطرار الذين أنهيت خدماتهم في دول الخليج إلى البقاء مخالفين بإقامة غير شرعية، مما يشكل عبئاً قانونياً عليهم وعلى دول الخليج المستضيفة. بينما حملة الوثائق السورية واللبنانية لديهم إقامة دائمة في سوريا ولبنان، ويستطيعون العودة إليهما في أي وقت يشاءون، مما يعني اطمئنان حكومات الخليج إلى رجوعهم لبلاد الملجأ الأول من دون أي مخالفات قانونية أو عبء عليهم. ولذلك منعت دول الخليج عمل تأشيرات لحملة الوثائق المصرية طالما أن الحكومة المصرية لا تسمح لهم بالدخول تحت أي ظرف.
ولم يؤد السماح بالتملك العقاري للأجانب في ظل الطفرة العقارية التي تشهدها دول الخليج الآن، سوى إلى تملك قلة قليلة من الفلسطينيين لشقق صغيرة باهظة الثمن، بينما أغلبيتهم الساحقة مستأجرون معرضون لترك العقار إما لزيادة إيجارات الشقق والمحال التجارية أو تلبية لرغبة المالك في هدم العقار وبناء غيره. وفي ما يتعلق بالاستثمار التجاري يشترط القانون وجود كفيل خليجي للمشروع أو المنشأة يكون هو المالك الحقيقي من وجهة نظر القانون، حتى لو كان ذلك صورياً من الناحية الفعلية، فالقانون لا يسمح للوافد المستثمر بأن يكون المالك للمشروع، إلا في حدود ضيقة جداً سمح بها مؤخراً، لكنها لا تشكل عامل استقرار تجاري.
وهكذا فالوضع القانوني للفلسطينيين في دول الخليج، جسّد مشكلة عدم المواءمة بين بروتوكول الدار البيضاء وقوانين العمل والإقامة في دول الخليج، التي تعكس التطبيق الواقعي لأحوالهم الاجتماعية، بصورة لا تشعرهم بالاستقرار نتيجة لعدم وجود ضمانات محلية تكفل تطبيق أطر الحماية العربية والدولية، فهم لا يعاملون معاملة استثنائية، وكل فلسطيني يدرك تماماً أنه سيغادر دول الخليج يوماً ما، وأنه بمرور الزمن ستتفاقم المشكلة أكثر وأكثر، فمن لديه هوية أو جواز سلطة يستطيع الرجوع إلى فلسطين وهم قلة، ومن لديه جواز أردني يرجع إلى الأردن، ومن لديه وثيقة سورية يعود إليها دون ممانعة، وكذلك الحال بالنسبة للبنان، أما من لديه وثيقة مصرية دون إقامة سارية فلن تقبل به مصر ولا أية دولة.
وخلاصة القول أن الوضع القانوني للوافدين من غير الفلسطينيين، عرباً وغيرهم، المقيمين في دول الخليج لا يترتب عليه في واقع الأمر أية إشكاليات أو سلبيات بالنسبة لهم، فهم في نهاية المطاف سيعودون إلى أوطانهم معزَّزين مكرَّمين، وتتكفل بهم حكومات بلادهم دون معاناة من مشكلات إقامة أو عمل أو استقرار أو حتى تنقل بين الدول، ويعد ذلك تنظيماً للعمالة تقوم به الحكومات الخليجية لحفظ الحقوق والواجبات، وتحديد الالتزامات بصورة لا تجحف بحق أي طرف. أما بالنسبة للفلسطينيين في الخليج فإن ظروفهم السياسية، باعتبارهم لاجئين أو نازحين أو مهاجرين طُردوا أو أُجبروا على مغادرة وطنهم، ترتب عليها أن يكون وضعهم القانوني كوافدين ذو انعكاسات سلبية عليهم، مما أدى إلى فرض بعض التحديات ( إقامة مؤقتة، وظيفة غير دائمة، مسكن لا يمكن تملكه، عدم الشعور بالاستقرار). هذه التحديات، وإن كان الظاهر أن الوضع القانوني لهم كعمالة وافدة يعد انعكاساً لها، إلا أن السبب الجوهري لهذه التحديات الذي يؤكده المقال ليس كذلك، بل يتمثل في طبيعة وضعهم كلاجئين أو مهاجرين. وهو ما يجعل الوضع السياسي المفروض عليهم من قبل العدو الصهيوني السبب الرئيسي لما يعانونه في دول الخليج.
الأوضاع الاجتماعية
من التحديات التي واجهت الفلسطيني في دول الخليج: تباين المناهج الدراسية في كل دولة مضيفة، عدم كفاية المساحة التي تحتلها القضية الفلسطينية والصراع العربي-الإسرائيلي في كتب التاريخ المدرسية، ضآلة المعلومات المقدمة عن جغرافية فلسطين وتاريخها، عدم السماح لأبناء موظفي القطاع الخاص بالالتحاق بالمدارس الحكومية، ظهور مشكلة الرسوم الباهظة عند الالتحاق بالمدارس الخاصة، توقف المنح الدراسية للطلاب. ومنها أيضاً، عدم توافر الفرص الكاملة لدخول الطلاب الفلسطينيين جامعات دول الخليج بسبب نظام الحصص المقرر الذي يسمح للفلسطينيين بعدد محدود من المقاعد في الجامعة سنوياً، وهو لا يكفي لسد حاجة الحاصلين على الثانوية العامة، الأمر الذي يؤدي إلى حرمان الكثيرين من مواصلة تعليمهم الجامعي بسبب عدم القدرة على تغطية النفقات المطلوبة لتعليمهم خارج الدولة. أما المقتدرون منهم على إرسال أبنائهم إلى أوروبا والولايات المتحدة أو إلى الدول العربية الأخرى، فيعدُّون قلة قليلة. ولا تنتهي المشكلة عند توفير الرسوم والمقعد الدراسي في الجامعة لحل عقدة القبول، وإنما هناك معاناة أخرى تتعلق بضياع إقامة من يتوجه للدراسة في الخارج، فيواجه صعوبة العودة إلى مكان أهله في الدولة الخليجية بعد تخرجه بسبب انتهاء إقامته أو تجاوزه للمدة المسموح بها للعودة ثانية. وتبرز هذه المشكلة بشدة لحاملي الوثائق المصرية الآن، إذ يجد الطالب نفسه في ورطة مستديمة لا يستطيع الفكاك منها.
الأوضاع الاقتصادية
تضم القوة العاملة الفلسطينية في دول الخليج: عمالاً ومزارعين من ذوي الدخل المتدني، عمالاً مهرة من ذوي الدخل المتواضع، موظفي حكومة وموظفي قطاع خاص وصغار رجال أعمال، صحفيين ومهندسين وأطباء ومحامين ومعلمين، كبار رجال أعمال وكبار موظفي حكومة من ذوي الدخل الأكثر ارتفاعاً. وقد شغل الفلسطينيون مجالات عمل عديدة منها: العمل الحكومي، قطاع التعليم، شركات النفط، البنوك، وسائل الإعلام، شركات المقاولات. وكل موظف يعيل ثلاثة أشخاص أو أكثر، علاوة على مساعدة ذويه في فلسطين أو في بلد اللجوء.
ولقد كان لكارثة الخليج تداعياتها الوخيمة، إذ استنزفت من الجالية الفلسطينية ما بين 4,5 و8,5 مليار دولار، وخسر فلسطينيو الداخل وحدهم قرابة 13,095 مليار دولار. وتوقف الدعم المالي المقدم من الكويت لمنظمة التحرير وللأرض المحتلة، وانخفض الدعم الوارد من دول الخليج الأخرى إلى النصف تقريباً، وكذلك التحويلات النقدية أحد أهم مصادر الناتج القومي الفلسطيني. وانعكس ذلك سلباً على البنية الاقتصادية وعلى الأوضاع الاجتماعية والمعيشية، مما أدى إلى تدهور الوضع الاقتصادي الفلسطيني.
وعلى النقيض من ذلك كان لانتفاضة الأقصى انعكاسها الإيجابي على أوضاع الفلسطينيين في الخليج، إذ ساهمت في تجاوز الكثير من السلبيات التي خلفتها كارثة دول الخليج، وحرصت دول الخليج وجمعياتها الخيرية على الوقوف إلى جانب إخوانهم في الأرض المحتلة، فقدموا لهم الدعم المالي، وأرسلوا طائرات الإغاثة، واستقبلوا بعضاً من جرحى الانتفاضة، ووظفوا إعلامهم ومؤسساتهم الثقافية من أجل نصرة القضية الفلسطينية، وقاطعت جماهيرهم البضائع الأمريكية، وتعاطفت شعوب الخليج مع أشقائهم الفلسطينيين بشكل لم يسبق لها مثيل.
::/introtext::
::fulltext::::/fulltext::
::cck::1313::/cck::
