الدبلوماسية السعودية ورأب الصدع الفلسطيني

::cck::1315::/cck::
::introtext::

تعد القضية الفلسطينية ثابتاً من ثوابت السياسة الرئيسية في المملكة العربية السعودية، وذلك من منطلق إيمان الأخيرة بأن ما تقوم به من جهود تجاه القضية الفلسطينية إنما هو واجب تمليه عليها عقيدتها وضميرها وانتماؤها لأمتها العربية والإسلامية. ومن هذا المنطلق، كانت القضية الفلسطينية ولا تزال تشغل حيزاً كبيراً من الجهود السعودية التي تستدعي معها موقفاً حازماً للمملكة ظهرت معالمه طوال السنين التي مرت في فترة عمرها عمر القضية الفلسطينية نفسها.

::/introtext::
::fulltext::

تعد القضية الفلسطينية ثابتاً من ثوابت السياسة الرئيسية في المملكة العربية السعودية، وذلك من منطلق إيمان الأخيرة بأن ما تقوم به من جهود تجاه القضية الفلسطينية إنما هو واجب تمليه عليها عقيدتها وضميرها وانتماؤها لأمتها العربية والإسلامية. ومن هذا المنطلق، كانت القضية الفلسطينية ولا تزال تشغل حيزاً كبيراً من الجهود السعودية التي تستدعي معها موقفاً حازماً للمملكة ظهرت معالمه طوال السنين التي مرت في فترة عمرها عمر القضية الفلسطينية نفسها.

لقد تبنت المملكة العربية السعودية، منذ قيامها دعم القضية الفلسطينية بشكل مباشر، وتعددت أوجه الدعم هذا، واتخذت أشكالاً متنوعة من الدعم المعنوي إلى السياسي فالاقتصادي وحتى الحربي الذي تمثل في قطع الإمدادات النفطية عن الدول المؤيدة لإسرائيل وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وعدد آخر من الدول، وهو القرار الشجاع الذي اتخذه الملك فيصل الذي كان للقضية الفلسطينية موقع خاص في فكره ونهجه منذ أن كان وزيراً للخارجية وحتى توليه الحكم ملكاً فيما بعد، حيث كانت الأولوية لديه دعم الكفاح الفلسطيني وإكسابه الشرعية الدولية والاستمرارية المطلوبة.

ولا شك في أن هذه السياسة استمرت، واكتسبت زخماً إضافياً في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز، الذي أعطى الدبلوماسية السعودية زخماً جديداً ومختلفاً عن السابق، حيث اتسمت بـ (الديناميكية) والتحرك السريع لإطفاء الحرائق التي تعصف بالمنطقة. لكن عنصراً جديداً طرأ على القضية الفلسطينية في السنتين الماضيتين، ليدق معه ناقوس الخطر وتستنفر كل الجهود في محاولة لإعادة الوضع إلى حالته الطبيعية. وتمثل هذا العنصر في الانشقاق الذي حصل بين الفلسطينيين والذي عبّر عن نفسه بصدام بين حركتي فتح وحماس.

وقد اعتبرت المملكة أن هذا الانقسام قد يطيح بالقضية الفلسطينية بأكملها، فالحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني يعد الخطوة الأولى لاستعادة الحقوق، ومن دونه لن تكون هناك حقوق ولا فلسطين لا بحدود (48) ولا (67) ولا حتى وفق المبادرة العربية للسلام، إذ لن تقوم قائمة لأي قضية فلسطينية.

وحاولت السعودية استثمار أصولها المعنوية لرأب الصدع الفلسطيني منطلقة من موقف ثابت يعزز مصداقيتها، والمتمثل في عدم الانحياز إلى أي طرف، خاصة أنها لا تستهدف استعراض نفوذها الإقليمي وليست لها حاجة أو غرض من استغلال فريق ضد فريق آخر، كما أنها لا تستجدي القضية الفلسطينية وتتاجر بها لتكون رافعة إقليمية لموقعها ودورها كما تفعل دول أخرى.

لقد كان الهدف السعودي من اتفاق مكة يتمثل في إعادة الاعتبار إلى وحدة الصف الفلسطيني

وقد حرصت المملكة أيضاً انطلاقاً مما يمكن تسميته بـ (منظومة الحد الأدنى من التنسيق العربي) على الاستعانة بالدور المصري أيضاً في المرحلة الأولى، والبناء عليه في مرحلة لاحقة. ومن هذا المنطلق وعلى هذا الأساس، دعا العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز جميع الأطراف إلى اجتماع في مكة للبحث في إنهاء الاقتتال الداخلي على الفور وإعادة التماسك للنظام الفلسطيني وإخراج حماس وغزة من دائرة الحصار التي تفرضها الولايات المتحدة على حماس وكل من يتعامل معها.

وقد تمحورت أهداف الجهود السعودية في هذه المرحلة بـ:

1- إعادة اللحمة إلى الشعب الفلسطيني ومنع الاقتتال الداخلي تحت أي عنوان لما لهذا من تداعيات مستقبلية تهدد مصير القضية الفلسطينية والفلسطينيين.

2- التمهيد لإعادة فتح ملف القضية الفلسطينية على نطاق واسع من موقع القوة الداخلية المدعومة بجهود الجامعة العربية لتحقيق سلام عادل وشامل ووضع حد للتسويف والتهرب الإسرائيلي من الاستحقاقات المترتبة عليها.

3- رفع القضية الفلسطينية عن دائرة البازار الإقليمي والدولي والتجاذبات التي تحصل والمساومات التي تتم على حساب هذه القضية وعلى حساب الفلسطينيين أنفسهم، والحيلولة دون استخدام القضية ذريعة من قبل أي طرف خارجي.

لكن الأولوية بطبيعة الحال كانت للبند الأول، فرأب الصدع الفلسطيني هو الهدف للتحرك السعودي، ولا شك في أن إيمان الطرفين (فتح وحماس) بمدى أهمية وصدق وإخلاص المملكة للقضية الفلسطينية ساعد على التوصل إلى حل سريع للأزمة، وما لبث أن تم التوصل إلى اتفاق بين كل من فتح وحماس لإنهاء النزاع عرف بـ (اتفاق مكة)، الذي أوجد ارتياحاً لدى الجميع، فقد كان الهدف السعودي يتمثل في إعادة الاعتبار إلى وحدة الصف الفلسطيني وتفويت الفرصة على الإسرائيليين الذين لم يكن التحرك السعودي لمصلحتهم، حيث من الأجدى لهم التهرب من مواجهة عبء القضية الفلسطينية من خلال تعزيز الانقسام الفلسطيني والحيلولة دون توحد الصف الفلسطيني.

لقد أقر اتفاق مكة تشكيل حكومة وحدة وطنية، واعتراف حماس بالقرارات العربية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، فيما حصلت حماس على حق طرح أي اتفاق يتم التوصل إليه مع إسرائيل عبر الرئيس عباس على استفتاء شعبي. وجاء الاتفاق كحل وسط، وبدا أن الجميع حقق غرضه المتمثل في استعادة الوحدة الداخلية وإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة. لكن المهمة لم تكن بهذه السهولة، إذ كان على السعودية أن تسهر على ضمان تطبيق الاتفاق وصموده أمام العواصف الإقليمية والدولية.

وقد برزت في هذا الإطار ثلاث دوائر من التحديات التي فرضت نفسها على اتفاق مكة وعلى دور السعودية في إعادة الاعتبار للتضامن الفلسطيني ووحدة الصف الداخلي، تمثلت الدائرة الأولى في الموقف الأمريكي -الإسرائيلي الذي انزعج بطبيعة الحال من تحرك السعودية الذي تمخض عنه هذا الاتفاق، فالاتفاق يعيد الاعتبار والشرعية للرئيس الفلسطيني ويوزع المهام بين داخلية خدماتية وخارجية تمثيلية تفاوضية بين فتح وحماس، كما أنه يأتي ليخرج حماس من محاولات عزلها دولياً وخنقها عبر محاصرة غزة، ولهذا فإن الدبلوماسية السعودية قدمت اتفاقاً ممتازاً وفق كل المعايير، لكن موقف أمريكا وإسرائيل تقاطع مع الدائرة الثانية من التحديات التي تمثلت في الدول التي تحاول استخدام حماس ورقة للمساومة الإقليمية، الأمر الذي يتناقض مع الحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية وعدم المتاجرة بها لأغراض ضيقة وآنية. وتبين فيما بعد أن الموقف الفلسطيني الداخلي لم يكن متيناً وخضع بطريقة أو أخرى لتوجهات الدائرتين مما أفقد الجهد السعودي معناه وأهدافه.

لقد كانت المملكة تحاول بكل الوسائل المتاحة السهر على تطبيق الاتفاق وصموده وتجاوز التداعيات التي حصلت، لكن الصعوبات كانت أقوى وفرضت نفسها على الوضع العام، ما أدى إلى اندلاع الاشتباكات الفلسطينية-الفلسطينية من جديد مع سيطرة حماس على قطاع غزة.

إن تعثر اتفاق مكة ليس ناجماً عن خلل في السياسة السعودية أو تقصير في متابعة الجهد الدبلوماسي، بقدر ما هو نتيجة للتجاذبات الإقليمية والدولية بين العناصر الفاعلة التي تمتلك مفاتيح وأوراق لعب على الطاولة الفلسطينية، إلى جانب (العبثية) الفلسطينية، الأمر الذي لا يترك مجالاً أمام أي مساعي حميدة لرأب الصدع. ومع ذلك فقد حرصت المملكة على البقاء على مسافة واحدة من جميع الأطراف، لكنها في الوقت نفسه أكدت وتؤكد أن المسؤولية تقع على عاتق الفلسطينيين أنفسهم، وأن الجهود العربية بما فيها السعودية ستظل عرضة للفشل إذا لم يدرك الفلسطينيون خطورة الوضع، ويحافظوا على مصالحهم المشتركة وعلى قضيتهم الفلسطينية.

ولا شك في أن الجهود السعودية في رأب الصدع الفلسطيني والوصول بالفلسطينيين إلى بر الأمان لن تتوقف، لكن من المفيد أيضاً أن نشير إلى أن السياسة السعودية، وإن كانت تعلم مسبقاً برفض الأمريكيين لهكذا تحرك، إلا أنها تلقت صدمة بمشاهدتها تحرك بعض الأطراف العربية بشكل مخالف للتضامن العربي ومسيء للقضية الفلسطينية، الأمر الذي دفعها إلى التراجع قليلاً لإعادة الحسابات على أمل أن تتغير المعطيات من دون أن يتغير الموقف من الفلسطينيين والقضية الفلسطينية.

إن اتفاق مكة هو اتفاق مثالي يؤسس لعلاقة داخلية متينة، ويفتح المجال واسعاً أمام الدبلوماسية العربية للتحرك باتجاه الضغط في سبيل حل القضية الفلسطينية بشكل عادل وفق قرارات المبادرة العربية، وتعثر الاتفاق لا يعني سقوطه، كما يلاحظ أن المجموعة العربية وجدت في الاتفاق أيضاً حلا مثالياً لا يمكن الاستعاضة عنه بأي اتفاق آخر، ولا بد للفلسطينيين في هذا الإطار من أن يدركوا مدى خطورة الإبقاء على هذا الانشقاق في ظل التربص الإسرائيلي بهم، في وقت تبدو المملكة فيه مؤهلة للعب دور تاريخي كبير لصالح القصية الفلسطينية إذا ما أخرج الفلسطينيون أنفسهم من دائرة التجاذب الإقليمية والدولية والارتهان إلى هذه الدولة أو تلك.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1315::/cck::
::introtext::

تعد القضية الفلسطينية ثابتاً من ثوابت السياسة الرئيسية في المملكة العربية السعودية، وذلك من منطلق إيمان الأخيرة بأن ما تقوم به من جهود تجاه القضية الفلسطينية إنما هو واجب تمليه عليها عقيدتها وضميرها وانتماؤها لأمتها العربية والإسلامية. ومن هذا المنطلق، كانت القضية الفلسطينية ولا تزال تشغل حيزاً كبيراً من الجهود السعودية التي تستدعي معها موقفاً حازماً للمملكة ظهرت معالمه طوال السنين التي مرت في فترة عمرها عمر القضية الفلسطينية نفسها.

::/introtext::
::fulltext::

تعد القضية الفلسطينية ثابتاً من ثوابت السياسة الرئيسية في المملكة العربية السعودية، وذلك من منطلق إيمان الأخيرة بأن ما تقوم به من جهود تجاه القضية الفلسطينية إنما هو واجب تمليه عليها عقيدتها وضميرها وانتماؤها لأمتها العربية والإسلامية. ومن هذا المنطلق، كانت القضية الفلسطينية ولا تزال تشغل حيزاً كبيراً من الجهود السعودية التي تستدعي معها موقفاً حازماً للمملكة ظهرت معالمه طوال السنين التي مرت في فترة عمرها عمر القضية الفلسطينية نفسها.

لقد تبنت المملكة العربية السعودية، منذ قيامها دعم القضية الفلسطينية بشكل مباشر، وتعددت أوجه الدعم هذا، واتخذت أشكالاً متنوعة من الدعم المعنوي إلى السياسي فالاقتصادي وحتى الحربي الذي تمثل في قطع الإمدادات النفطية عن الدول المؤيدة لإسرائيل وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وعدد آخر من الدول، وهو القرار الشجاع الذي اتخذه الملك فيصل الذي كان للقضية الفلسطينية موقع خاص في فكره ونهجه منذ أن كان وزيراً للخارجية وحتى توليه الحكم ملكاً فيما بعد، حيث كانت الأولوية لديه دعم الكفاح الفلسطيني وإكسابه الشرعية الدولية والاستمرارية المطلوبة.

ولا شك في أن هذه السياسة استمرت، واكتسبت زخماً إضافياً في عهد الملك عبدالله بن عبدالعزيز، الذي أعطى الدبلوماسية السعودية زخماً جديداً ومختلفاً عن السابق، حيث اتسمت بـ (الديناميكية) والتحرك السريع لإطفاء الحرائق التي تعصف بالمنطقة. لكن عنصراً جديداً طرأ على القضية الفلسطينية في السنتين الماضيتين، ليدق معه ناقوس الخطر وتستنفر كل الجهود في محاولة لإعادة الوضع إلى حالته الطبيعية. وتمثل هذا العنصر في الانشقاق الذي حصل بين الفلسطينيين والذي عبّر عن نفسه بصدام بين حركتي فتح وحماس.

وقد اعتبرت المملكة أن هذا الانقسام قد يطيح بالقضية الفلسطينية بأكملها، فالحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني يعد الخطوة الأولى لاستعادة الحقوق، ومن دونه لن تكون هناك حقوق ولا فلسطين لا بحدود (48) ولا (67) ولا حتى وفق المبادرة العربية للسلام، إذ لن تقوم قائمة لأي قضية فلسطينية.

وحاولت السعودية استثمار أصولها المعنوية لرأب الصدع الفلسطيني منطلقة من موقف ثابت يعزز مصداقيتها، والمتمثل في عدم الانحياز إلى أي طرف، خاصة أنها لا تستهدف استعراض نفوذها الإقليمي وليست لها حاجة أو غرض من استغلال فريق ضد فريق آخر، كما أنها لا تستجدي القضية الفلسطينية وتتاجر بها لتكون رافعة إقليمية لموقعها ودورها كما تفعل دول أخرى.

لقد كان الهدف السعودي من اتفاق مكة يتمثل في إعادة الاعتبار إلى وحدة الصف الفلسطيني

وقد حرصت المملكة أيضاً انطلاقاً مما يمكن تسميته بـ (منظومة الحد الأدنى من التنسيق العربي) على الاستعانة بالدور المصري أيضاً في المرحلة الأولى، والبناء عليه في مرحلة لاحقة. ومن هذا المنطلق وعلى هذا الأساس، دعا العاهل السعودي الملك عبدالله بن عبدالعزيز جميع الأطراف إلى اجتماع في مكة للبحث في إنهاء الاقتتال الداخلي على الفور وإعادة التماسك للنظام الفلسطيني وإخراج حماس وغزة من دائرة الحصار التي تفرضها الولايات المتحدة على حماس وكل من يتعامل معها.

وقد تمحورت أهداف الجهود السعودية في هذه المرحلة بـ:

1- إعادة اللحمة إلى الشعب الفلسطيني ومنع الاقتتال الداخلي تحت أي عنوان لما لهذا من تداعيات مستقبلية تهدد مصير القضية الفلسطينية والفلسطينيين.

2- التمهيد لإعادة فتح ملف القضية الفلسطينية على نطاق واسع من موقع القوة الداخلية المدعومة بجهود الجامعة العربية لتحقيق سلام عادل وشامل ووضع حد للتسويف والتهرب الإسرائيلي من الاستحقاقات المترتبة عليها.

3- رفع القضية الفلسطينية عن دائرة البازار الإقليمي والدولي والتجاذبات التي تحصل والمساومات التي تتم على حساب هذه القضية وعلى حساب الفلسطينيين أنفسهم، والحيلولة دون استخدام القضية ذريعة من قبل أي طرف خارجي.

لكن الأولوية بطبيعة الحال كانت للبند الأول، فرأب الصدع الفلسطيني هو الهدف للتحرك السعودي، ولا شك في أن إيمان الطرفين (فتح وحماس) بمدى أهمية وصدق وإخلاص المملكة للقضية الفلسطينية ساعد على التوصل إلى حل سريع للأزمة، وما لبث أن تم التوصل إلى اتفاق بين كل من فتح وحماس لإنهاء النزاع عرف بـ (اتفاق مكة)، الذي أوجد ارتياحاً لدى الجميع، فقد كان الهدف السعودي يتمثل في إعادة الاعتبار إلى وحدة الصف الفلسطيني وتفويت الفرصة على الإسرائيليين الذين لم يكن التحرك السعودي لمصلحتهم، حيث من الأجدى لهم التهرب من مواجهة عبء القضية الفلسطينية من خلال تعزيز الانقسام الفلسطيني والحيلولة دون توحد الصف الفلسطيني.

لقد أقر اتفاق مكة تشكيل حكومة وحدة وطنية، واعتراف حماس بالقرارات العربية المتعلقة بالقضية الفلسطينية، فيما حصلت حماس على حق طرح أي اتفاق يتم التوصل إليه مع إسرائيل عبر الرئيس عباس على استفتاء شعبي. وجاء الاتفاق كحل وسط، وبدا أن الجميع حقق غرضه المتمثل في استعادة الوحدة الداخلية وإعادة القضية الفلسطينية إلى الواجهة. لكن المهمة لم تكن بهذه السهولة، إذ كان على السعودية أن تسهر على ضمان تطبيق الاتفاق وصموده أمام العواصف الإقليمية والدولية.

وقد برزت في هذا الإطار ثلاث دوائر من التحديات التي فرضت نفسها على اتفاق مكة وعلى دور السعودية في إعادة الاعتبار للتضامن الفلسطيني ووحدة الصف الداخلي، تمثلت الدائرة الأولى في الموقف الأمريكي -الإسرائيلي الذي انزعج بطبيعة الحال من تحرك السعودية الذي تمخض عنه هذا الاتفاق، فالاتفاق يعيد الاعتبار والشرعية للرئيس الفلسطيني ويوزع المهام بين داخلية خدماتية وخارجية تمثيلية تفاوضية بين فتح وحماس، كما أنه يأتي ليخرج حماس من محاولات عزلها دولياً وخنقها عبر محاصرة غزة، ولهذا فإن الدبلوماسية السعودية قدمت اتفاقاً ممتازاً وفق كل المعايير، لكن موقف أمريكا وإسرائيل تقاطع مع الدائرة الثانية من التحديات التي تمثلت في الدول التي تحاول استخدام حماس ورقة للمساومة الإقليمية، الأمر الذي يتناقض مع الحفاظ على وحدة الصف الفلسطيني وإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية وعدم المتاجرة بها لأغراض ضيقة وآنية. وتبين فيما بعد أن الموقف الفلسطيني الداخلي لم يكن متيناً وخضع بطريقة أو أخرى لتوجهات الدائرتين مما أفقد الجهد السعودي معناه وأهدافه.

لقد كانت المملكة تحاول بكل الوسائل المتاحة السهر على تطبيق الاتفاق وصموده وتجاوز التداعيات التي حصلت، لكن الصعوبات كانت أقوى وفرضت نفسها على الوضع العام، ما أدى إلى اندلاع الاشتباكات الفلسطينية-الفلسطينية من جديد مع سيطرة حماس على قطاع غزة.

إن تعثر اتفاق مكة ليس ناجماً عن خلل في السياسة السعودية أو تقصير في متابعة الجهد الدبلوماسي، بقدر ما هو نتيجة للتجاذبات الإقليمية والدولية بين العناصر الفاعلة التي تمتلك مفاتيح وأوراق لعب على الطاولة الفلسطينية، إلى جانب (العبثية) الفلسطينية، الأمر الذي لا يترك مجالاً أمام أي مساعي حميدة لرأب الصدع. ومع ذلك فقد حرصت المملكة على البقاء على مسافة واحدة من جميع الأطراف، لكنها في الوقت نفسه أكدت وتؤكد أن المسؤولية تقع على عاتق الفلسطينيين أنفسهم، وأن الجهود العربية بما فيها السعودية ستظل عرضة للفشل إذا لم يدرك الفلسطينيون خطورة الوضع، ويحافظوا على مصالحهم المشتركة وعلى قضيتهم الفلسطينية.

ولا شك في أن الجهود السعودية في رأب الصدع الفلسطيني والوصول بالفلسطينيين إلى بر الأمان لن تتوقف، لكن من المفيد أيضاً أن نشير إلى أن السياسة السعودية، وإن كانت تعلم مسبقاً برفض الأمريكيين لهكذا تحرك، إلا أنها تلقت صدمة بمشاهدتها تحرك بعض الأطراف العربية بشكل مخالف للتضامن العربي ومسيء للقضية الفلسطينية، الأمر الذي دفعها إلى التراجع قليلاً لإعادة الحسابات على أمل أن تتغير المعطيات من دون أن يتغير الموقف من الفلسطينيين والقضية الفلسطينية.

إن اتفاق مكة هو اتفاق مثالي يؤسس لعلاقة داخلية متينة، ويفتح المجال واسعاً أمام الدبلوماسية العربية للتحرك باتجاه الضغط في سبيل حل القضية الفلسطينية بشكل عادل وفق قرارات المبادرة العربية، وتعثر الاتفاق لا يعني سقوطه، كما يلاحظ أن المجموعة العربية وجدت في الاتفاق أيضاً حلا مثالياً لا يمكن الاستعاضة عنه بأي اتفاق آخر، ولا بد للفلسطينيين في هذا الإطار من أن يدركوا مدى خطورة الإبقاء على هذا الانشقاق في ظل التربص الإسرائيلي بهم، في وقت تبدو المملكة فيه مؤهلة للعب دور تاريخي كبير لصالح القصية الفلسطينية إذا ما أخرج الفلسطينيون أنفسهم من دائرة التجاذب الإقليمية والدولية والارتهان إلى هذه الدولة أو تلك.

::/fulltext::
::cck::1315::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *