تشجيع الاستثمار الاستراتيجي الخليجي في الخارج

::cck::1469::/cck::
::introtext::

لا بد لأي نقاش حول القيود الدولية التي قد تُفرض على الصناديق السيادية للثروة أن يثير السؤال التالي: هل لدى دول الخليج أي بديل يُغنيها عن جمع فوائضها المالية في صناديق سيادية للثروة؟ بالتأكيد نعم.إذ من المعروف أن الصناديق السيادية للثروة تنشط بالدرجة الأولى في أسواق الأسهم وتتسم بالانتهازية وعدم الخضوع لأي ضوابط. لذا، فإن البديل عنها هو الاستثمار الاستراتيجي الرامي إلى اكتساب السيطرة الكاملة أو الجزئية على شركات أجنبية تنشط في قطاعات ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لنمو منطقة الخليج.

::/introtext::
::fulltext::

لا بد لأي نقاش حول القيود الدولية التي قد تُفرض على الصناديق السيادية للثروة أن يثير السؤال التالي: هل لدى دول الخليج أي بديل يُغنيها عن جمع فوائضها المالية في صناديق سيادية للثروة؟ بالتأكيد نعم.إذ من المعروف أن الصناديق السيادية للثروة تنشط بالدرجة الأولى في أسواق الأسهم وتتسم بالانتهازية وعدم الخضوع لأي ضوابط. لذا، فإن البديل عنها هو الاستثمار الاستراتيجي الرامي إلى اكتساب السيطرة الكاملة أو الجزئية على شركات أجنبية تنشط في قطاعات ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لنمو منطقة الخليج.

لقد أسست دول مجلس التعاون الخليجي العديد من الشركات المحلية التي نجحت في تعزيز قدراتها حتى فاقت احتياجات السوق الخليجية، والتي من السهل تحويلها إلى شركات متعددة الجنسيات الخليجية، لكن هذه العملية تواجه عراقيل سببها المخاوف السياسية أو ضعف الهياكل الإنتاجية.

فهناك جملة من الاعتبارات السياسية التي تؤثر في السياسات التي تتبعها شركات النفط الوطنية في مجال الاستثمار في الخارج. وتعد شركة الكويت للبترول شركة النفط الوطنية الوحيدة في الخليج التي طبقت مفهوم دمج الشركات بدرجة كبيرة، فهي لم تأسس فقط لحضورها في الأسواق الأوروبية تحت العلامة التجارية كيو8 (Q8)، بل استحوذت أيضاً على حصة كبيرة (21,6 في المائة) في شركة بريتش بتروليوم (BP) عام 1988. وحينذاك، أعلنت الهيئة البريطانية لمراقبة عمليات الدمج والاحتكار أن حصة شركة الكويت للبترول في شركة بريتش بتروليوم (قد تتعارض، بحسب التوقعات، مع المصلحة العامة البريطانية). وبالتالي، أُجبرت شركة الكويت للبترول على عدم الاحتفاظ بأكثر من 9,9 في المائة من أصول بريتش بتروليوم ـ التي باعتها لاحقاً- لتتخلىعن كامل حصتها في تلك الشركة.

وفُسرت هذه السابقة كإجراء رسمَ الخط الأحمر الذي ينبغي على شركات النفط الوطنية عدم تخطيه ـ وهو ما يُعد تحريماً بحكم الأمر الواقع للاستحواذ على أي شركة نفطية أجنبية- ولم يتغير جوهر هذا الاستنتاج رغم استحواذ شركة فنزويلا للبترول (PDVS) على شركة سيتغو (CITGO) (50 في المائة في عام 1986 والبقية في عام 1990)؛ وفشل الشركة الصينية للنفط البحري (كنوك CNOOC) في الاستحواذ على شركة أنوكال (UNOCAL) في عام 2005.

وظلت عمليات الاستحواذ الخارجية التي قامت بها شركات النفط الوطنية الخليجية الأخرى خجولة للغاية، فقد استحوذت شركة أبو ظبي لخطوط الأنابيب الدولية (IPIC) على 16,7 في المائة فقط من أصول شركة (أو أم ڤي OMV)النمساوية لاستكشاف وإنتاج النفط، وتمتلك أيضاً 9,54 في المائة فقط من أسهم شركة (سيبسا CEPSA) الإسبانية للتنقيب عن النفط والغاز. واستثمرت شركة أرامكو السعوديةفي شبكات أجنبية لتكرير وتوزيع النفط، ولكنْ أيضاً كشريك يمتلك حصصاً صغيرة فقط في مشاريع خارجية مشتركة.

وفي مجال الصناعات البتروكيماوية، لوحظ أن الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) هي الشركة الخليجية الوحيدة التي أنجزت العديد من عمليات الاستحواذ المهمة. وتمتلك شركة أبو ظبي لخطوط الأنابيب الدولية (IPIC) حصة كبيرة (65 في المائة) تسمح لها بالسيطرة على إدارة شركة (بوريلس Borealis)؛ بينما نفذت شركتا (داوDow للمواد الكيميائية والكويتية للصناعات البتروكيماوية) مشروعاً صناعياً مشتركاً تملكه الشركتان مناصفةً مع أصول خارج الكويت. لكن فرص الاستحواذ على شركات بتروكيماوية أجنبية تعززت مؤخراً بشكل كبير، وذلك لأن كل شركات النفط العالمية الرئيسية تقريباً تخلت عن فروعها البتروكيماوية كما مالت كبرى الشركات العالمية للصناعات الكيميائية مؤخراً إلى التخلي عن إنتاج المواد البتروكيماوية الأساسية. ورغم ذلك، لم تحاول الشركات الخليجية الاستحواذ على شركة باسيل Basell (وهي مشروع مشترك سابق لشركتي باسف BASF وشلShell )، التي بيعت في عام 2005 إلى شركة متعددة الجنسيات يقودها مستثمرون روس وهنود؛ ولم تسعَ الشركات الخليجية أيضاً إلى الاستحواذ على شركة (إنوڤين Innovene)، الفرع البتروكيماوي السابق لشركة بريتش بتروليوم والذي استحوذت عليه شركة إينيوس (INEOS) في عام 2005؛ أو إلى الاستحواذ على شركة (لانكسيس Lanxess)، الجناح البتروكيماوي لشركة (بايَر Bayer) الذي طُرحت أسهمه للاكتتاب العام في 2004 (حيث ناهز سعر السهم خمسة عشر يورو ثم سجل أقصى مستوى له في أوائل عام 2007، وقدره 43,50 يورو، ليتراجع مؤخراً إلى 25 يورو). وبالطبع، هناك الكثير من الفرص المتاحة للاستحواذ على أصول بتروكيماوية أخرى حتى من قبل شركات تنشط في القطاع الخاص الخليجي.

الصناديق السيادية للثروة تنشط في أسواق الأسهم وتتسم بالانتهازية وعدم الخضوع لأي ضوابط

إضافة إلى صناعتي النفط والبتروكيماويات، لا ريب في أن دول الخليج لديها مصلحة استراتيجية كبيرة في أنْ تقوم شركاتها المحلية بعمليات استحواذ كبيرة في مجالات أخرى: توليد الطاقة والهندسة والإنشاءات وصناعات الإسمنت ومواد البناء والصلب والألمنيوم، وكذلك البنوك وشركات الهواتف والنقل. إذاً، هناك العديد من المجالات القادرة على تعزيز طموحات دول المجلس التنموية من خلال عمليات الاستحواذ التي قد تؤدي إلى عولمة أهم الشركات الخليجية، لكنْ من الملاحظ أيضاً أن هناك العديد من الحالات المماثلة لحالة شركة موانئ دبي العالمية (التي أثارت مجدداً جدالاً سياسياً ساخناً في الولايات المتحدة).

لماذا شركات الخليج مُقيدة إلى هذا الحد؟ في بعض الحالات لدى الخليج شركات قوية صَممت حتى الآن على تطوير نفسها من دون الاعتماد على الاستحواذ: وهذا ما ينطبق بوجه خاص على حالة دولة الإمارات العربية المتحدة في مجال النقل الجوي. أما في المجالات الأخرى، فقد استهدف المستثمرون الخليجيون بالدرجة الأولى الشركات الصغيرة بالدول النامية، وأحجموا عملياً عن الاستحواذ على الشركات الكبيرة (كما لوحظ حتى الآن في حالات الاستحواذ على شركات الاتصالات الهاتفية). لكنْ في معظم الحالات، تكمن المشكلة الرئيسية في حقيقة أن الشركات الخليجية لا تزال تفتقر إلى القدرات ـ الإدارية وبدرجة أكبر التمويلية ـ التي تمكنها من إطلاق عمليات للاستحواذ على شركات كبيرة. وهناك أيضاً إحجام واسع النطاق عن الاستحواذ وميل شديد نحو تلافي الصفقات الممولة جزئياً من الموارد الخاصة، لأنها تنطوي على مديونية عالية. والسبب الأساسي وراء هذا السلوك، لا سيما في القطاع الخاص، هو رغبة العائلات في الاحتفاظ بكامل السيطرة على شركاتها.

لذلك، ينبغي على حكومات الخليج أن تتخذ الخطوات اللازمة لتطوير الهياكل الإنتاجية وتشجيع شركات المنطقة على استهداف الاستحواذ على شركات أجنبية أكبر. وتتمثل الخطوة الأولى نحو تحقيق هذه الغاية في ضمان امتلاك الهياكل الإنتاجية قطاعات ذات اختصاصات واضحة وبتعزيز دور (الشركات الوطنية القيادية) في كل القطاعات الرئيسية، الأمر الذي قد يعني فصل بعض النشاطات عن الهياكل الإنتاجية للشركات الحالية (مثلاً، فصل إنتاج الفولاذ عن بقية أنشطة سابك وتحويله تدريجياً إلى شركة متخصصة في إنتاج الحديد والصلب) أو تشجيع عمليات الدمج لتأسيس شركات وطنية قيادية أقوى أو شركات خليجية أفضل (مثلاً في القطاع المصرفي)؛ أو قد يعني أخيراً تشجيع مجموعات الشركات العائلية على استثمار جزء أكبر من رؤوس أموالها في أسواق الأسهم كشرط لازم لعملية الإنعاش التدريجي للأصول والتركيز على المجال الرئيسي لكل مجموعة، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور شركات قيادية خليجية جديدة.

وقد تتمثل الخطوة الثانية في تسهيل عمليات الاستحواذ على شركات أجنبية عبر تأسيس هيئة أو أكثر توكل إليها مهمات رصد الفرص والمساعدة على تقييمها وتوفير الأموال المطلوبة لإطلاق محاولات استحواذية في الخارج.

وتقليدياً، أسست حكومات الخليج وكالات ائتمانية لتشجيع التصدير. وفي العقود القليلة الماضية قام عدد متزايد من حكومات دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إما بتأسيس وكالات جديدة أو تعزيز قدرات وكالاتها الائتمانية الداعمة للتصدير، وذلك بهدف تشجيع الشركات الوطنية على الاستثمار في الخارج. غير أن دول الخليج لم تفعل ما فيه الكفاية في هذا المضمار، وقد تنظر في قلب الاتجاه الحالي عبر إعطاء الأولوية الأولى لتشجيع الاستثمار بدلاً من تشجيع الصادرات.

وفي الوقت الراهن، نجد أن كل بنوك الاستثمار العالمية الرئيسية تنشط في الخليج. لذا، فإن توافر المعرفة التقنية في مجال تمويل الاستثمارات بات أمراً محسوماً. والمطلوب هنا هو توجيه الفوائض في الميزانيات بصورة أوضح نحو دعم الاستثمار الاستراتيجي بدلاً من الاستثمار في أسواق الأسهم، وذلك لأن منافع الوكالات الوطنية التي تشجع الاستثمار الاستراتيجي في الخارج قد تكون أكبر بكثير من تلك التي تحققها الصناديق السيادية للثروة.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1469::/cck::
::introtext::

لا بد لأي نقاش حول القيود الدولية التي قد تُفرض على الصناديق السيادية للثروة أن يثير السؤال التالي: هل لدى دول الخليج أي بديل يُغنيها عن جمع فوائضها المالية في صناديق سيادية للثروة؟ بالتأكيد نعم.إذ من المعروف أن الصناديق السيادية للثروة تنشط بالدرجة الأولى في أسواق الأسهم وتتسم بالانتهازية وعدم الخضوع لأي ضوابط. لذا، فإن البديل عنها هو الاستثمار الاستراتيجي الرامي إلى اكتساب السيطرة الكاملة أو الجزئية على شركات أجنبية تنشط في قطاعات ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لنمو منطقة الخليج.

::/introtext::
::fulltext::

لا بد لأي نقاش حول القيود الدولية التي قد تُفرض على الصناديق السيادية للثروة أن يثير السؤال التالي: هل لدى دول الخليج أي بديل يُغنيها عن جمع فوائضها المالية في صناديق سيادية للثروة؟ بالتأكيد نعم.إذ من المعروف أن الصناديق السيادية للثروة تنشط بالدرجة الأولى في أسواق الأسهم وتتسم بالانتهازية وعدم الخضوع لأي ضوابط. لذا، فإن البديل عنها هو الاستثمار الاستراتيجي الرامي إلى اكتساب السيطرة الكاملة أو الجزئية على شركات أجنبية تنشط في قطاعات ذات أهمية استراتيجية بالنسبة لنمو منطقة الخليج.

لقد أسست دول مجلس التعاون الخليجي العديد من الشركات المحلية التي نجحت في تعزيز قدراتها حتى فاقت احتياجات السوق الخليجية، والتي من السهل تحويلها إلى شركات متعددة الجنسيات الخليجية، لكن هذه العملية تواجه عراقيل سببها المخاوف السياسية أو ضعف الهياكل الإنتاجية.

فهناك جملة من الاعتبارات السياسية التي تؤثر في السياسات التي تتبعها شركات النفط الوطنية في مجال الاستثمار في الخارج. وتعد شركة الكويت للبترول شركة النفط الوطنية الوحيدة في الخليج التي طبقت مفهوم دمج الشركات بدرجة كبيرة، فهي لم تأسس فقط لحضورها في الأسواق الأوروبية تحت العلامة التجارية كيو8 (Q8)، بل استحوذت أيضاً على حصة كبيرة (21,6 في المائة) في شركة بريتش بتروليوم (BP) عام 1988. وحينذاك، أعلنت الهيئة البريطانية لمراقبة عمليات الدمج والاحتكار أن حصة شركة الكويت للبترول في شركة بريتش بتروليوم (قد تتعارض، بحسب التوقعات، مع المصلحة العامة البريطانية). وبالتالي، أُجبرت شركة الكويت للبترول على عدم الاحتفاظ بأكثر من 9,9 في المائة من أصول بريتش بتروليوم ـ التي باعتها لاحقاً- لتتخلىعن كامل حصتها في تلك الشركة.

وفُسرت هذه السابقة كإجراء رسمَ الخط الأحمر الذي ينبغي على شركات النفط الوطنية عدم تخطيه ـ وهو ما يُعد تحريماً بحكم الأمر الواقع للاستحواذ على أي شركة نفطية أجنبية- ولم يتغير جوهر هذا الاستنتاج رغم استحواذ شركة فنزويلا للبترول (PDVS) على شركة سيتغو (CITGO) (50 في المائة في عام 1986 والبقية في عام 1990)؛ وفشل الشركة الصينية للنفط البحري (كنوك CNOOC) في الاستحواذ على شركة أنوكال (UNOCAL) في عام 2005.

وظلت عمليات الاستحواذ الخارجية التي قامت بها شركات النفط الوطنية الخليجية الأخرى خجولة للغاية، فقد استحوذت شركة أبو ظبي لخطوط الأنابيب الدولية (IPIC) على 16,7 في المائة فقط من أصول شركة (أو أم ڤي OMV)النمساوية لاستكشاف وإنتاج النفط، وتمتلك أيضاً 9,54 في المائة فقط من أسهم شركة (سيبسا CEPSA) الإسبانية للتنقيب عن النفط والغاز. واستثمرت شركة أرامكو السعوديةفي شبكات أجنبية لتكرير وتوزيع النفط، ولكنْ أيضاً كشريك يمتلك حصصاً صغيرة فقط في مشاريع خارجية مشتركة.

وفي مجال الصناعات البتروكيماوية، لوحظ أن الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) هي الشركة الخليجية الوحيدة التي أنجزت العديد من عمليات الاستحواذ المهمة. وتمتلك شركة أبو ظبي لخطوط الأنابيب الدولية (IPIC) حصة كبيرة (65 في المائة) تسمح لها بالسيطرة على إدارة شركة (بوريلس Borealis)؛ بينما نفذت شركتا (داوDow للمواد الكيميائية والكويتية للصناعات البتروكيماوية) مشروعاً صناعياً مشتركاً تملكه الشركتان مناصفةً مع أصول خارج الكويت. لكن فرص الاستحواذ على شركات بتروكيماوية أجنبية تعززت مؤخراً بشكل كبير، وذلك لأن كل شركات النفط العالمية الرئيسية تقريباً تخلت عن فروعها البتروكيماوية كما مالت كبرى الشركات العالمية للصناعات الكيميائية مؤخراً إلى التخلي عن إنتاج المواد البتروكيماوية الأساسية. ورغم ذلك، لم تحاول الشركات الخليجية الاستحواذ على شركة باسيل Basell (وهي مشروع مشترك سابق لشركتي باسف BASF وشلShell )، التي بيعت في عام 2005 إلى شركة متعددة الجنسيات يقودها مستثمرون روس وهنود؛ ولم تسعَ الشركات الخليجية أيضاً إلى الاستحواذ على شركة (إنوڤين Innovene)، الفرع البتروكيماوي السابق لشركة بريتش بتروليوم والذي استحوذت عليه شركة إينيوس (INEOS) في عام 2005؛ أو إلى الاستحواذ على شركة (لانكسيس Lanxess)، الجناح البتروكيماوي لشركة (بايَر Bayer) الذي طُرحت أسهمه للاكتتاب العام في 2004 (حيث ناهز سعر السهم خمسة عشر يورو ثم سجل أقصى مستوى له في أوائل عام 2007، وقدره 43,50 يورو، ليتراجع مؤخراً إلى 25 يورو). وبالطبع، هناك الكثير من الفرص المتاحة للاستحواذ على أصول بتروكيماوية أخرى حتى من قبل شركات تنشط في القطاع الخاص الخليجي.

الصناديق السيادية للثروة تنشط في أسواق الأسهم وتتسم بالانتهازية وعدم الخضوع لأي ضوابط

إضافة إلى صناعتي النفط والبتروكيماويات، لا ريب في أن دول الخليج لديها مصلحة استراتيجية كبيرة في أنْ تقوم شركاتها المحلية بعمليات استحواذ كبيرة في مجالات أخرى: توليد الطاقة والهندسة والإنشاءات وصناعات الإسمنت ومواد البناء والصلب والألمنيوم، وكذلك البنوك وشركات الهواتف والنقل. إذاً، هناك العديد من المجالات القادرة على تعزيز طموحات دول المجلس التنموية من خلال عمليات الاستحواذ التي قد تؤدي إلى عولمة أهم الشركات الخليجية، لكنْ من الملاحظ أيضاً أن هناك العديد من الحالات المماثلة لحالة شركة موانئ دبي العالمية (التي أثارت مجدداً جدالاً سياسياً ساخناً في الولايات المتحدة).

لماذا شركات الخليج مُقيدة إلى هذا الحد؟ في بعض الحالات لدى الخليج شركات قوية صَممت حتى الآن على تطوير نفسها من دون الاعتماد على الاستحواذ: وهذا ما ينطبق بوجه خاص على حالة دولة الإمارات العربية المتحدة في مجال النقل الجوي. أما في المجالات الأخرى، فقد استهدف المستثمرون الخليجيون بالدرجة الأولى الشركات الصغيرة بالدول النامية، وأحجموا عملياً عن الاستحواذ على الشركات الكبيرة (كما لوحظ حتى الآن في حالات الاستحواذ على شركات الاتصالات الهاتفية). لكنْ في معظم الحالات، تكمن المشكلة الرئيسية في حقيقة أن الشركات الخليجية لا تزال تفتقر إلى القدرات ـ الإدارية وبدرجة أكبر التمويلية ـ التي تمكنها من إطلاق عمليات للاستحواذ على شركات كبيرة. وهناك أيضاً إحجام واسع النطاق عن الاستحواذ وميل شديد نحو تلافي الصفقات الممولة جزئياً من الموارد الخاصة، لأنها تنطوي على مديونية عالية. والسبب الأساسي وراء هذا السلوك، لا سيما في القطاع الخاص، هو رغبة العائلات في الاحتفاظ بكامل السيطرة على شركاتها.

لذلك، ينبغي على حكومات الخليج أن تتخذ الخطوات اللازمة لتطوير الهياكل الإنتاجية وتشجيع شركات المنطقة على استهداف الاستحواذ على شركات أجنبية أكبر. وتتمثل الخطوة الأولى نحو تحقيق هذه الغاية في ضمان امتلاك الهياكل الإنتاجية قطاعات ذات اختصاصات واضحة وبتعزيز دور (الشركات الوطنية القيادية) في كل القطاعات الرئيسية، الأمر الذي قد يعني فصل بعض النشاطات عن الهياكل الإنتاجية للشركات الحالية (مثلاً، فصل إنتاج الفولاذ عن بقية أنشطة سابك وتحويله تدريجياً إلى شركة متخصصة في إنتاج الحديد والصلب) أو تشجيع عمليات الدمج لتأسيس شركات وطنية قيادية أقوى أو شركات خليجية أفضل (مثلاً في القطاع المصرفي)؛ أو قد يعني أخيراً تشجيع مجموعات الشركات العائلية على استثمار جزء أكبر من رؤوس أموالها في أسواق الأسهم كشرط لازم لعملية الإنعاش التدريجي للأصول والتركيز على المجال الرئيسي لكل مجموعة، وهو ما قد يؤدي إلى ظهور شركات قيادية خليجية جديدة.

وقد تتمثل الخطوة الثانية في تسهيل عمليات الاستحواذ على شركات أجنبية عبر تأسيس هيئة أو أكثر توكل إليها مهمات رصد الفرص والمساعدة على تقييمها وتوفير الأموال المطلوبة لإطلاق محاولات استحواذية في الخارج.

وتقليدياً، أسست حكومات الخليج وكالات ائتمانية لتشجيع التصدير. وفي العقود القليلة الماضية قام عدد متزايد من حكومات دول منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية إما بتأسيس وكالات جديدة أو تعزيز قدرات وكالاتها الائتمانية الداعمة للتصدير، وذلك بهدف تشجيع الشركات الوطنية على الاستثمار في الخارج. غير أن دول الخليج لم تفعل ما فيه الكفاية في هذا المضمار، وقد تنظر في قلب الاتجاه الحالي عبر إعطاء الأولوية الأولى لتشجيع الاستثمار بدلاً من تشجيع الصادرات.

وفي الوقت الراهن، نجد أن كل بنوك الاستثمار العالمية الرئيسية تنشط في الخليج. لذا، فإن توافر المعرفة التقنية في مجال تمويل الاستثمارات بات أمراً محسوماً. والمطلوب هنا هو توجيه الفوائض في الميزانيات بصورة أوضح نحو دعم الاستثمار الاستراتيجي بدلاً من الاستثمار في أسواق الأسهم، وذلك لأن منافع الوكالات الوطنية التي تشجع الاستثمار الاستراتيجي في الخارج قد تكون أكبر بكثير من تلك التي تحققها الصناديق السيادية للثروة.

 

::/fulltext::
::cck::1469::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *