دول الخليج ودور النفط في دعم العرب غداة حرب 1973

::cck::1317::/cck::
::introtext::

في مناسبة أليمة هي الذكرى الستون لاغتصاب فلسطين يجد الباحث عن أبعاد وأشكال الصراع نفسه أمام تساؤل جدير بالتوقف أمامه بالفحص والدرس وهو: هل كان لدول الخليج دور في الصراع العربي-الإسرائيلي عبر العقود الستة الماضية أم لا؟

 

::/introtext::
::fulltext::

في مناسبة أليمة هي الذكرى الستون لاغتصاب فلسطين يجد الباحث عن أبعاد وأشكال الصراع نفسه أمام تساؤل جدير بالتوقف أمامه بالفحص والدرس وهو: هل كان لدول الخليج دور في الصراع العربي-الإسرائيلي عبر العقود الستة الماضية أم لا؟

المؤكد أن الإجابة بنعم، وتتعدد صور ذلك الرفد الخليجي من تبرعات مالية لإعداد الجيوش وشراء الأسلحة، وهو أمر غير خاف على أحد، واستقبال وإيواء أعداد غفيرة من الذين هجروا قسراً من ديارهم سواء من مهاجري عام 1948 أو من الذين لحقوا بهم في أعقاب النكسة عام 1967، وبين الأمرين قصة صمود طويلة وقفت فيها دول الخليج مواقف مشرفة في تعضيد المشهد النضالي العربي.

غير أن هناك ملمحاً خاصاً يكاد يتوارى في زحام ملفات القضية وفي حاجة لإزالة الغبار عنه لا سيما بالنسبة للأجيال الشابة التي لم تعاصر الحدث الجلل وهو المشهد الخاص بدور النفط والذي عكس حالة من التجلي العربي غير المسبوق والتضامن الأخوي الفاعل والذي يؤكد صدقية قول الشاعر (بلاد العرب أوطاني وكل العرب أخواني) وهو قول في واقع الأمر يتجاوز دغدغة المشاعر إلى اهتزاز أبراج القوى الكبرى الغربية التي أدركت من موقعها المدى الذي تمثله قوة الوحدة والإرادة العربية في مواجهة العواصف، ولم يكن النفط سوى وجه واحد من تلك الوجوه الوحدوية النهضوية.

والتساؤل كيف استطاع العرب أن يستخدموا النفط كأداة ضغط فعالة لتعزيز القوى العربية المتحاربة في أعقاب السادس من أكتوبر من عام 1973؟

تقول العرب إن ذاكرة العوام لا تزيد على ثلاثة أعوام فما بالنا بأكثر من ثلاثة عقود خلت، لهذا فإننا سنحاول تنشيط الذاكرة بسرد سريع للأحداث.

ففي مواكبة للتحرك العسكري الفعال على الجبهتين المصرية والسورية ولمنع تدهور الموقف بسبب مساندة الولايات المتحدة لإسرائيل اجتمع وزراء النفط العرب في السابع عشر من أكتوبر من عام 1973 في مدينة الكويت وقرروا خفض إنتاجهم من النفط بنسبة 20 في المائة عما كان عليه أول سبتمبر على أن يستمر الخفض بنسبة 5 في المائة من ديسمبر 1973 حتى تنسحب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة وأيضاً قطع إمدادات النفط نهائياً عن الدول المساندة لإسرائيل.

 

ما الذي جرى وقتها؟

يمكن القول بداية إن الولايات المتحدة على نحو خاص عانت من هذا الحظر معاناة شديدة، وقام المعلقون وخاصة في الصحافة الأمريكية وعدد من الصحف الأوروبية بمهاجمة سياسة استخدام سلاح النفط ووصفوها بالابتزاز والابتعاد عن الأخلاقيات، ووصل البعض إلى درجة القول بعدم جواز استخدام سلاح النفط في السياسة على الرغم من أن القانون الدولي يعطي الدول العربية الحق في خفض صادراتها من النفط إلى الدول الأخرى على أساس مبدأ السيادة الدائمة للدول على مواردها الطبيعية.

وقد أحدث استخدام سلاح النفط نتائج إيجابية، حيث أضاف قوة إلى الدول العربية، خاصة وأن الدول العربية المنتجة للنفط قامت برفع الأسعار بنسبة 70 في المائة، وبذلك كانت أولى نتائج هذا السلاح هي اكتساب الدول العربية المنتجة للنفط عائدات ضخمة تترجم إلى قوة اقتصادية، وجاءت النتيجة الثانية بحدوث شقاق بين أوروبا وأمريكا وتقارب بين أوروبا والدول العربية، والنتيجة الثالثة كانت التوجه الذي أعلنت عنه الدول التسع الأعضاء في السوق الأوروبية المشتركة والذي أكد على ضرورة قيام سلام في الشرق الأوسط يستند إلى مبادئ: عدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة، وضرورة احترام سيادة كل دول المنطقة واستقلالها ووحدتها الإقليمية.

والمؤكد أن نجاح تجربة العام 1973 لفتت النظر إلى أن سلاح النفط لم يستخدم بشكل فاعل في أعقاب عدوان 1967، وإن استخدم بحد أدنى من المطلوب ذلك لأنه سرعان ما رفع الحظر من دون الوصول إلى الغايات التي حددها قرار الحظر وهو جلاء القوات الإسرائيلية عن الأراضي العربية التي احتلتها أعقاب الخامس من يونيو 1967.

والمثير في القراءة التاريخية لهذا المشهد البديع هو وجود معارضة من قبل بعض العرب لاستخدام سلاح النفط ومن ذلك ما وصفه أحد المعلقين العراقيين في حينه بأن قرار الحظر بالشكل الذي ظهر عليه كان يقصد به المزايدة السياسية وامتصاص نقمة الجماهير، وأنه كان بغرض كسب الوقت إلى حين إيقاف إطلاق النار على الجبهتين لا سيما أن ما جرى تجاوز فعل التأثير اللحظي للأمر، وامتد إلى بلورة إدراك ووعي مستقبليين لأهمية هذه النعمة – الثروة التي وجدت في أرض العرب.

ومما لا شك فيه أن حديث سلاح النفط في عام 1973 يستوجب كذلك التوقف أمام رجلين من رجالات العرب وقادة العروبة يمثلان منعطفاً تاريخياً في حياة بلديهما وبقية العالم العربي، الأول هو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والثاني هو الراحل الملك فيصل بن عبدالعزيز.. والتساؤل لماذا التوقف أمام هذين النموذجين؟

باختصار غير مخل لأن كلاً منهما قدم درساً عروبياً لو استغل لاحقاً كنواة في إطار الوحدة والاتحاد لوجد يقيناً شكل من أشكال الاتحاد العربي، كما وجد الاتحاد الأوروبي، ذلك أن صيحة الشيخ زايد كانت ولا تزال تملا الآفاق بأن (النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي)، فعندما تدفق السلاح على الجسر الجوي إلى إسرائيل أوفد الشيخ زايد وزير النفط الإماراتي حاملاً توجهات بلاده بقرار قطع النفط نهائياً عن الدول التي تساند إسرائيل، الأمر الذي أدى لأن تقطع الإذاعات العالمية إرسالها لتعلن هذا النبأ، فقد كان القرار بداية لمعركة النفط، وعندها تلقى الشيخ زايد تهديدات بأن عليه أن يتحمل تبعات ذلك القرار، لكن الرجل كان راسخاً كالطود ومصرحاً بالقول (إن الذين قدموا دماءهم في معركة الشرف قد تقدموا الصفوف كلها، وأن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي) مضيفاً: (إننا على استعداد للعودة إلى أكل التمر مرة أخرى، فليس هناك فارق زمني كبير بين رفاهية النفط وبين أن نعود إلى أكل التمر).

أما عن الملك فيصل بن عبدالعزيز فحدّث ولا حرج عن دور قائد عربي شجاع يعتقد الكثيرون أنه دفع حياته ثمناً لموقفه من استخدام النفط كسلاح، ولم يصر فقط على استخدام سلاح النفط ضمن الحدود القصوى، أي القطع الشامل، بل تطلع إلى الاستمرار في سياسة وقف تصدير النفط حتى تؤتي المقاطعة مفعولها الزمني ويجبر الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية على حل التسليم بالحقوق الدنيا للعرب.

وبحسب كثير من الوثائق التاريخية التي ظهرت لاحقاً فإن الملك فيصل كان يتمتع بنظرة ثاقبة ومقدرة هائلة على استشراف الأحداث، ولهذا فإنه كان يتوقع أن تقوم الحرب بين لحظة وأخرى ومن هذا المنطلق فقد أرسل وزير النفط حاملاً رسائل واضحة إلى واشنطن وشركات النفط هناك في إبريل من عام 1973 أي قبل ستة أشهر من وقوع الحرب وكان مفاد الرسائل (لا تعتمدوا على تصرفات الصداقة في شؤون النفط إلا إذا حلت قضية الشرق الأوسط وأزيح الاحتلال عن الأراضي المحتلة وقد سرب وزير النفط السعودي وقتها الخبر إلى صحيفة (واشنطن بوست) ذائعة الصيت فنشرت أن الوزير السعودي جاء ينقل رسالة من الحكومة السعودية مؤداها إن لم تنشط الحكومة الأمريكية في فرض إزالة الاحتلال عن الأراضي المحتلة فهناك تصرفات غير ودية ستتم).

والحاصل أن شأن إيقاف النفط غداة حرب عام 1973 كذراع عربية–خليجية متضامنة وداعمة للدول العربية في صراعها مع إسرائيل لم يكن أمراً يسيراً، بل كانت هناك مخاطر حقيقية تحدق بالقائمين عليه.. فماذا عن ذلك؟

واقع الأمر أن الحديث هنا يطول عن الوثائق البريطانية التي كشف عنها مؤخراً وفيها خطط غربية أمريكية–بريطانية بالدرجة الأولى لاستخدام القوة للاستيلاء على حقول النفط في الشرق الأوسط أثناء فترة الحظر.

كانت هناك خطط أمريكية – بريطانية للاستيلاء على حقول النفط أثناء فترة الحظر

والشاهد أن بريطانيا قد أعدت تلك الخطط بالشراكة مع أطراف غربية عدة وفيها استخدام للقوات الأمريكية المحمولة جواً للاستيلاء على منشآت النفط في السعودية والكويت وأبوظبي، وإلى جانب ذلك فقد كانت هناك خطط أخرى للإطاحة بالحكام العرب وتولي حكام (أكثر مرونة) أو إظهار القوة عن طريق دبلوماسية السفن الحربية  وقد حمل ذلك السيناريو الذي نشير إليه باقتضاب بالغ اسم (السيناريو الأسود).

ورغم أن الخطط الأمريكية والبريطانية لم تمض قدماً حيث انتهى الأمر، أي شأن الحظر، عقب شهور قليلة ثم وقعت مصر وإسرائيل اتفاق سلام، فإن ما جرى قد عكس أولاً إرادة عربية قوية لا تلين أعادت إلى الأذهان زمن الانتصارات العربية المبكرة قبل دخول الانقسامات المذهبية والعرقية بين أبناء العروبة، وثانياً لفتت النظر بشكل غير مسبوق لخطورة هذه الأداة النافذة في يد العرب، الأمر الذي استدعى أن يصرح (ثعلب) السياسة الأمريكية هنري كيسنجر بالقول إن العرب يجلسون على النفط لكن يجب ألا يمتلكوه (وقد كان في صيحته طليعة ومقدمة للكثير من المؤامرات التي حيكت ولا تزال لهذا النفط).

وإذا كانت الإرادة العربية قد نجحت في التأثير في العلاقة الأوروبية–الأمريكية ووضعت قضية الصراع العربي-الإسرائيلي بموقع واضح لا لبس فيه فإن تجرؤ العرب أكسب ذلك الصراع زخماً آسيوياً حقيقياً إذ مثل الحظر النفطي علامة مفصلية في تاريخ اليابان بالعالم العربي وقضايا الشرق الأوسط والصراع العربي-الإسرائيلي، ذلك أن اليابان كانت ضمن أكثر الدول تضرراً من الحظر النفطي الذي أعلنت عنه الدول النفطية العربية على الدول التي تساند إسرائيل. وغير خاف على أحد أن اليابان كانت تعتمد بشكل رئيسي على النفط لتحقيق نموها الكبير، وكانت ثالث دولة في العالم من حيث استهلاك النفط.

وتسجل الأشهر التي تلت حرب أكتوبر 1973 أقصى درجات الاختلاف بين السياسة الخارجية اليابانية والتوجهات الأمريكية تجاه الصراع بين العرب وإسرائيل ففي 22 نوفمبر 1973 خرجت اليابان عن حيادها وتحفظها الذي اتسمت به وصدر بيان عن وزارة الخارجية اليابانية يدين احتلال إسرائيل للأراضي العربية ويؤكد على ضرورة انسحابها من الأراضي التي احتلتها عام 1967، وهددت اليابان بأن حكومتها ستعيد النظر في سياساتها تجاه إسرائيل ما لم يتم ذلك الانسحاب.

والشاهد أن كل ما تقدم ليس إلا غيض من فيض وفي حدود ما يسمح به المسطح المتاح للكتابة، ومجمل القول فإن دور النفط في الصراع العربي-الإسرائيلي كان ولا يزال فاعلاً رغم اختلاف الأجواء وتباين السياقات الدولية، غير أن صيحة المغفور له الشيخ زايد تستحق النظر إليها اليوم وغداً وبعد غد، وأغلب الظن أن اللحظة التي أطلق فيها صيحته الشهيرة كانت لحظة مسروقة من تاريخ العرب المجيد.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1317::/cck::
::introtext::

في مناسبة أليمة هي الذكرى الستون لاغتصاب فلسطين يجد الباحث عن أبعاد وأشكال الصراع نفسه أمام تساؤل جدير بالتوقف أمامه بالفحص والدرس وهو: هل كان لدول الخليج دور في الصراع العربي-الإسرائيلي عبر العقود الستة الماضية أم لا؟

 

::/introtext::
::fulltext::

في مناسبة أليمة هي الذكرى الستون لاغتصاب فلسطين يجد الباحث عن أبعاد وأشكال الصراع نفسه أمام تساؤل جدير بالتوقف أمامه بالفحص والدرس وهو: هل كان لدول الخليج دور في الصراع العربي-الإسرائيلي عبر العقود الستة الماضية أم لا؟

المؤكد أن الإجابة بنعم، وتتعدد صور ذلك الرفد الخليجي من تبرعات مالية لإعداد الجيوش وشراء الأسلحة، وهو أمر غير خاف على أحد، واستقبال وإيواء أعداد غفيرة من الذين هجروا قسراً من ديارهم سواء من مهاجري عام 1948 أو من الذين لحقوا بهم في أعقاب النكسة عام 1967، وبين الأمرين قصة صمود طويلة وقفت فيها دول الخليج مواقف مشرفة في تعضيد المشهد النضالي العربي.

غير أن هناك ملمحاً خاصاً يكاد يتوارى في زحام ملفات القضية وفي حاجة لإزالة الغبار عنه لا سيما بالنسبة للأجيال الشابة التي لم تعاصر الحدث الجلل وهو المشهد الخاص بدور النفط والذي عكس حالة من التجلي العربي غير المسبوق والتضامن الأخوي الفاعل والذي يؤكد صدقية قول الشاعر (بلاد العرب أوطاني وكل العرب أخواني) وهو قول في واقع الأمر يتجاوز دغدغة المشاعر إلى اهتزاز أبراج القوى الكبرى الغربية التي أدركت من موقعها المدى الذي تمثله قوة الوحدة والإرادة العربية في مواجهة العواصف، ولم يكن النفط سوى وجه واحد من تلك الوجوه الوحدوية النهضوية.

والتساؤل كيف استطاع العرب أن يستخدموا النفط كأداة ضغط فعالة لتعزيز القوى العربية المتحاربة في أعقاب السادس من أكتوبر من عام 1973؟

تقول العرب إن ذاكرة العوام لا تزيد على ثلاثة أعوام فما بالنا بأكثر من ثلاثة عقود خلت، لهذا فإننا سنحاول تنشيط الذاكرة بسرد سريع للأحداث.

ففي مواكبة للتحرك العسكري الفعال على الجبهتين المصرية والسورية ولمنع تدهور الموقف بسبب مساندة الولايات المتحدة لإسرائيل اجتمع وزراء النفط العرب في السابع عشر من أكتوبر من عام 1973 في مدينة الكويت وقرروا خفض إنتاجهم من النفط بنسبة 20 في المائة عما كان عليه أول سبتمبر على أن يستمر الخفض بنسبة 5 في المائة من ديسمبر 1973 حتى تنسحب إسرائيل من الأراضي العربية المحتلة وأيضاً قطع إمدادات النفط نهائياً عن الدول المساندة لإسرائيل.

 

ما الذي جرى وقتها؟

يمكن القول بداية إن الولايات المتحدة على نحو خاص عانت من هذا الحظر معاناة شديدة، وقام المعلقون وخاصة في الصحافة الأمريكية وعدد من الصحف الأوروبية بمهاجمة سياسة استخدام سلاح النفط ووصفوها بالابتزاز والابتعاد عن الأخلاقيات، ووصل البعض إلى درجة القول بعدم جواز استخدام سلاح النفط في السياسة على الرغم من أن القانون الدولي يعطي الدول العربية الحق في خفض صادراتها من النفط إلى الدول الأخرى على أساس مبدأ السيادة الدائمة للدول على مواردها الطبيعية.

وقد أحدث استخدام سلاح النفط نتائج إيجابية، حيث أضاف قوة إلى الدول العربية، خاصة وأن الدول العربية المنتجة للنفط قامت برفع الأسعار بنسبة 70 في المائة، وبذلك كانت أولى نتائج هذا السلاح هي اكتساب الدول العربية المنتجة للنفط عائدات ضخمة تترجم إلى قوة اقتصادية، وجاءت النتيجة الثانية بحدوث شقاق بين أوروبا وأمريكا وتقارب بين أوروبا والدول العربية، والنتيجة الثالثة كانت التوجه الذي أعلنت عنه الدول التسع الأعضاء في السوق الأوروبية المشتركة والذي أكد على ضرورة قيام سلام في الشرق الأوسط يستند إلى مبادئ: عدم جواز احتلال أراضي الغير بالقوة، وضرورة احترام سيادة كل دول المنطقة واستقلالها ووحدتها الإقليمية.

والمؤكد أن نجاح تجربة العام 1973 لفتت النظر إلى أن سلاح النفط لم يستخدم بشكل فاعل في أعقاب عدوان 1967، وإن استخدم بحد أدنى من المطلوب ذلك لأنه سرعان ما رفع الحظر من دون الوصول إلى الغايات التي حددها قرار الحظر وهو جلاء القوات الإسرائيلية عن الأراضي العربية التي احتلتها أعقاب الخامس من يونيو 1967.

والمثير في القراءة التاريخية لهذا المشهد البديع هو وجود معارضة من قبل بعض العرب لاستخدام سلاح النفط ومن ذلك ما وصفه أحد المعلقين العراقيين في حينه بأن قرار الحظر بالشكل الذي ظهر عليه كان يقصد به المزايدة السياسية وامتصاص نقمة الجماهير، وأنه كان بغرض كسب الوقت إلى حين إيقاف إطلاق النار على الجبهتين لا سيما أن ما جرى تجاوز فعل التأثير اللحظي للأمر، وامتد إلى بلورة إدراك ووعي مستقبليين لأهمية هذه النعمة – الثروة التي وجدت في أرض العرب.

ومما لا شك فيه أن حديث سلاح النفط في عام 1973 يستوجب كذلك التوقف أمام رجلين من رجالات العرب وقادة العروبة يمثلان منعطفاً تاريخياً في حياة بلديهما وبقية العالم العربي، الأول هو المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، والثاني هو الراحل الملك فيصل بن عبدالعزيز.. والتساؤل لماذا التوقف أمام هذين النموذجين؟

باختصار غير مخل لأن كلاً منهما قدم درساً عروبياً لو استغل لاحقاً كنواة في إطار الوحدة والاتحاد لوجد يقيناً شكل من أشكال الاتحاد العربي، كما وجد الاتحاد الأوروبي، ذلك أن صيحة الشيخ زايد كانت ولا تزال تملا الآفاق بأن (النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي)، فعندما تدفق السلاح على الجسر الجوي إلى إسرائيل أوفد الشيخ زايد وزير النفط الإماراتي حاملاً توجهات بلاده بقرار قطع النفط نهائياً عن الدول التي تساند إسرائيل، الأمر الذي أدى لأن تقطع الإذاعات العالمية إرسالها لتعلن هذا النبأ، فقد كان القرار بداية لمعركة النفط، وعندها تلقى الشيخ زايد تهديدات بأن عليه أن يتحمل تبعات ذلك القرار، لكن الرجل كان راسخاً كالطود ومصرحاً بالقول (إن الذين قدموا دماءهم في معركة الشرف قد تقدموا الصفوف كلها، وأن النفط العربي ليس أغلى من الدم العربي) مضيفاً: (إننا على استعداد للعودة إلى أكل التمر مرة أخرى، فليس هناك فارق زمني كبير بين رفاهية النفط وبين أن نعود إلى أكل التمر).

أما عن الملك فيصل بن عبدالعزيز فحدّث ولا حرج عن دور قائد عربي شجاع يعتقد الكثيرون أنه دفع حياته ثمناً لموقفه من استخدام النفط كسلاح، ولم يصر فقط على استخدام سلاح النفط ضمن الحدود القصوى، أي القطع الشامل، بل تطلع إلى الاستمرار في سياسة وقف تصدير النفط حتى تؤتي المقاطعة مفعولها الزمني ويجبر الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأمريكية على حل التسليم بالحقوق الدنيا للعرب.

وبحسب كثير من الوثائق التاريخية التي ظهرت لاحقاً فإن الملك فيصل كان يتمتع بنظرة ثاقبة ومقدرة هائلة على استشراف الأحداث، ولهذا فإنه كان يتوقع أن تقوم الحرب بين لحظة وأخرى ومن هذا المنطلق فقد أرسل وزير النفط حاملاً رسائل واضحة إلى واشنطن وشركات النفط هناك في إبريل من عام 1973 أي قبل ستة أشهر من وقوع الحرب وكان مفاد الرسائل (لا تعتمدوا على تصرفات الصداقة في شؤون النفط إلا إذا حلت قضية الشرق الأوسط وأزيح الاحتلال عن الأراضي المحتلة وقد سرب وزير النفط السعودي وقتها الخبر إلى صحيفة (واشنطن بوست) ذائعة الصيت فنشرت أن الوزير السعودي جاء ينقل رسالة من الحكومة السعودية مؤداها إن لم تنشط الحكومة الأمريكية في فرض إزالة الاحتلال عن الأراضي المحتلة فهناك تصرفات غير ودية ستتم).

والحاصل أن شأن إيقاف النفط غداة حرب عام 1973 كذراع عربية–خليجية متضامنة وداعمة للدول العربية في صراعها مع إسرائيل لم يكن أمراً يسيراً، بل كانت هناك مخاطر حقيقية تحدق بالقائمين عليه.. فماذا عن ذلك؟

واقع الأمر أن الحديث هنا يطول عن الوثائق البريطانية التي كشف عنها مؤخراً وفيها خطط غربية أمريكية–بريطانية بالدرجة الأولى لاستخدام القوة للاستيلاء على حقول النفط في الشرق الأوسط أثناء فترة الحظر.

كانت هناك خطط أمريكية – بريطانية للاستيلاء على حقول النفط أثناء فترة الحظر

والشاهد أن بريطانيا قد أعدت تلك الخطط بالشراكة مع أطراف غربية عدة وفيها استخدام للقوات الأمريكية المحمولة جواً للاستيلاء على منشآت النفط في السعودية والكويت وأبوظبي، وإلى جانب ذلك فقد كانت هناك خطط أخرى للإطاحة بالحكام العرب وتولي حكام (أكثر مرونة) أو إظهار القوة عن طريق دبلوماسية السفن الحربية  وقد حمل ذلك السيناريو الذي نشير إليه باقتضاب بالغ اسم (السيناريو الأسود).

ورغم أن الخطط الأمريكية والبريطانية لم تمض قدماً حيث انتهى الأمر، أي شأن الحظر، عقب شهور قليلة ثم وقعت مصر وإسرائيل اتفاق سلام، فإن ما جرى قد عكس أولاً إرادة عربية قوية لا تلين أعادت إلى الأذهان زمن الانتصارات العربية المبكرة قبل دخول الانقسامات المذهبية والعرقية بين أبناء العروبة، وثانياً لفتت النظر بشكل غير مسبوق لخطورة هذه الأداة النافذة في يد العرب، الأمر الذي استدعى أن يصرح (ثعلب) السياسة الأمريكية هنري كيسنجر بالقول إن العرب يجلسون على النفط لكن يجب ألا يمتلكوه (وقد كان في صيحته طليعة ومقدمة للكثير من المؤامرات التي حيكت ولا تزال لهذا النفط).

وإذا كانت الإرادة العربية قد نجحت في التأثير في العلاقة الأوروبية–الأمريكية ووضعت قضية الصراع العربي-الإسرائيلي بموقع واضح لا لبس فيه فإن تجرؤ العرب أكسب ذلك الصراع زخماً آسيوياً حقيقياً إذ مثل الحظر النفطي علامة مفصلية في تاريخ اليابان بالعالم العربي وقضايا الشرق الأوسط والصراع العربي-الإسرائيلي، ذلك أن اليابان كانت ضمن أكثر الدول تضرراً من الحظر النفطي الذي أعلنت عنه الدول النفطية العربية على الدول التي تساند إسرائيل. وغير خاف على أحد أن اليابان كانت تعتمد بشكل رئيسي على النفط لتحقيق نموها الكبير، وكانت ثالث دولة في العالم من حيث استهلاك النفط.

وتسجل الأشهر التي تلت حرب أكتوبر 1973 أقصى درجات الاختلاف بين السياسة الخارجية اليابانية والتوجهات الأمريكية تجاه الصراع بين العرب وإسرائيل ففي 22 نوفمبر 1973 خرجت اليابان عن حيادها وتحفظها الذي اتسمت به وصدر بيان عن وزارة الخارجية اليابانية يدين احتلال إسرائيل للأراضي العربية ويؤكد على ضرورة انسحابها من الأراضي التي احتلتها عام 1967، وهددت اليابان بأن حكومتها ستعيد النظر في سياساتها تجاه إسرائيل ما لم يتم ذلك الانسحاب.

والشاهد أن كل ما تقدم ليس إلا غيض من فيض وفي حدود ما يسمح به المسطح المتاح للكتابة، ومجمل القول فإن دور النفط في الصراع العربي-الإسرائيلي كان ولا يزال فاعلاً رغم اختلاف الأجواء وتباين السياقات الدولية، غير أن صيحة المغفور له الشيخ زايد تستحق النظر إليها اليوم وغداً وبعد غد، وأغلب الظن أن اللحظة التي أطلق فيها صيحته الشهيرة كانت لحظة مسروقة من تاريخ العرب المجيد.

::/fulltext::
::cck::1317::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *