الإرهاب بين خطأ المقاربة السياسية ومخاطر المعالجات الأمنية

::cck::1333::/cck::
::introtext::

شهدت بعض بلدان المغرب العربي خلال السنوات الأخيرة أحداثاً إرهابية خرجت عن مألوف النشاط الإرهابي الذي يضرب عدداً من البلدان العربية والإسلامية منذ نحو عقدين. وانطوت بعض هذه الأحداث على عناصر جديدة تنبئ بتحول في الظاهرة الإرهابية التيبدأت تأخذ منحى جديداًيختلف من حيث أهدافه والمتورطين فيه عن ممارسات العنف التي كانت معروفة حتى الآن. 

::/introtext::
::fulltext::

شهدت بعض بلدان المغرب العربي خلال السنوات الأخيرة أحداثاً إرهابية خرجت عن مألوف النشاط الإرهابي الذي يضرب عدداً من البلدان العربية والإسلامية منذ نحو عقدين. وانطوت بعض هذه الأحداث على عناصر جديدة تنبئ بتحول في الظاهرة الإرهابية التيبدأت تأخذ منحى جديداًيختلف من حيث أهدافه والمتورطين فيه عن ممارسات العنف التي كانت معروفة حتى الآن.

أهم سمات هذا النمط الجديد من الإرهاب هي عدم وضوح أهدافه السياسية 

إن أهم سمات هذا النمط الجديد من الإرهاب هي عدم وضوح أهدافه السياسية وغموض بنية الجماعات التي تقف وراءه والتباس الحدود بين المنطلقات الإيديولوجية والدوافع الذاتية للجيل الجديد من المتورطين فيه والذين ينحدر كثير منهم من أوساط الجريمة التقليدية أو من الفئات الاجتماعية الأكثر هامشية التي تستغلها عصابات الجريمة المنظمة عادة. ويتحرك كثير من هؤلاء فيما يبدو لا بدافع قناعات دينية أو إيديولوجية راسخة بقدر ما يندفعون تحت تأثير الانفعال بواقع الغبن والقهر الذي يسود مجتمعاتهم والعالم من حولهم.

إن المظاهر الجديدة للإرهاب تعبر في أحيان كثيرة عن نزعة تمرد وصرخة إحباط ويأس أكثر مما تندرج ضمن مشروع سياسي أو تعكس قناعة إيديولوجية. ويبدو أن قطاعاً واسعاً ممن اجتذبهم خط الإرهاب خلال السنوات الأخيرة يجدون في هذه الممارسة موضة جديدة من موضات الانحراف وفرصة للخروج على نظام مجتمعات ودول يعتبر هؤلاء أنفسهم في حل من أي التزام تجاهها.

وفي مواجهة ظاهرة الإرهاب هذه يميل البعض إلى اعتماد مقاربة سياسية تنسب إلى تيارات فكرية وسياسية معينة مسؤولية تفريخ جماعات الإرهاب، وهو مسلك في تفسير الظاهرة الإرهابية يمكن فهمه في سياق الخصومة الإيديولوجية والتنافس السياسي القائم داخل المجتمعات العربية. لكن الذي يهمنا التأكيد عليه هنا هو أن هذا الربط، بغض النظر عن مصداقيته أو عدمها، فإنه لا يسهم إطلاقاً في جهود القضاء على الإرهاب؛ بل لا نبالغ إن قلنا إنه يقدم خدمة جليلة للإرهابيين، ويسهم في إطالة أمد الظاهرة لأنه يقدم تشخيصاً خاطئاً للمشكلة، ويصرف بذلك الانتباه عن أسبابها الحقيقية.

وثمة رؤية أخرى للظاهرة من وجهة نظر سياسية وهي، على خلاف الأُولى، لا تهتم باتهام هذا الطرف أو ذاك بقدر ما تحرص على البحث عن مبررات وذرائع سياسية للسلوك الإرهابي، ومن ثم فهي ترى أن التعامل معه ينبغي أن يتم على أسس سياسية في المقام الأول. ورغم أن أغلب الجماعات الإرهابية نشأت في الأصل إما احتجاجاً على مظالم سياسية فعلية أو تعبيراً عن مطالب أو مطامح سياسية، إلا أن كثيراً من التنظيمات التي ينطبق عليها وصف الإرهاب ينتهي بها الأمر إلى أن تنخرط بديناميكية عنف أعمى تجعل من المستحيل نسبتها إلى أي مشروع سياسي لأن العنف يتحول بالنسبة لها إلى ممارسة مقصودة لذاتها. وبالتالي يصبح من غير المسؤول منح مثل هذه الجماعات صفة سياسية لا تستحقها، ولعلها لا تطلبها أصلاً. 

أغلب الجماعات الإرهابية نشأت في الأصل إما احتجاجاً على مظالم سياسية فعلية أو تعبيراً عن مطالب أو مطامح سياسية

في المقابل يرى البعض أن الطريقة الوحيدة للقضاء على الإرهاب تعتمد على المعالجات الأمنية دون غيرها، باعتبار أن الأمر يتعلق بأعمال إجرامية يتعين التصدي لها بالحزم والحزم فقط. ولا وجه للاعتراض على وصف الإرهاب بأنه عمل إجرامي، وأن الحزم مطلوب في مواجهته، ويشمل ذلك بالضرورة الملاحقة الأمنية للإرهابيين. غير أنه من المفيد التأكيد على أن التعويل على الحل الأمني دون غيره ينطوي على سوء تقدير لطبيعة الظاهرة قد تترتب عليه مخاطر جمة.

وفي الواقع لم يعد الأمر يتعلق بتنظيمات ذات بنية هرمية منضبطة وقيادة يوكل إليها رسم الاستراتيجيات واختيار الأهداف، بل إن أغلب ما هنالك هو مجموعات من الخلايا الصغيرة محدودة الأعضاء مفككة الروابط تفتقر إلى التنسيق المنتظم فيما بينها بقدر ما تفتقد الوعي بمعطيات المناخ السياسي والواقع الاجتماعي. ومن هنا تأتي الصعوبة الزائدة في تتبع نشاط هذه الخلايا أو رصد تحركات أعضائها، ناهيك عن أنه في حكم المستحيل اعتماد معايير وضوابط منطقية يمكن على أساسها توقع تصرفاتها واستباق عملياتها.

وفي الوقت نفسه أثبتت التجارب أن الاعتماد حصراً على المعالجات الأمنية ـ خاصة في البلدان التي لا تتمتع أجهزتها بالقدر الكافي من المهنية ولا تملك القدرة على أداء مهامها بفاعلية وضمن الأطر القانونية التي تكفل الحقوق وتصون الحريات ـ يؤدي في الغالب إلى مضار عديدة من أهمها أن التجاوزات التي تحصل من حين إلى آخر ينتج عنها في النهاية ضعف مصداقية الاتهامات الموجهة للمتورطين في أعمال الإرهاب والمرتبطين بخلاياه، وربما يولد تعاطفاً مع الإرهابيين لدى بعض القطاعات الاجتماعية اليائسة التي لا يهمها أن ترى بطولة زائفة في أفعال من يتحدى سلطات تعتبرها تلك القطاعات مسؤولة عن كل مآسيها.

ومن اللازم إذن تجاوز التقابل التقليدي بين المقاربتين الأمنية والسياسية، فالثابت أن أياً منهما لا تكفي وحدها لمواجهة هذه الظاهرة المعقدة التي تتطلب دمج المقاربتين ضمن تصور أشمل يأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية، لكنه لا يقتصر عليها بل يدرجها ضمن رؤية متكاملة تراعي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتلبي الاحتياجات النفسية والتربوية للفئات الأكثر عرضة للانخراط بصفوف جماعات الإرهاب. 

::/fulltext::

76-510
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1333::/cck::
::introtext::

شهدت بعض بلدان المغرب العربي خلال السنوات الأخيرة أحداثاً إرهابية خرجت عن مألوف النشاط الإرهابي الذي يضرب عدداً من البلدان العربية والإسلامية منذ نحو عقدين. وانطوت بعض هذه الأحداث على عناصر جديدة تنبئ بتحول في الظاهرة الإرهابية التيبدأت تأخذ منحى جديداًيختلف من حيث أهدافه والمتورطين فيه عن ممارسات العنف التي كانت معروفة حتى الآن. 

::/introtext::
::fulltext::

شهدت بعض بلدان المغرب العربي خلال السنوات الأخيرة أحداثاً إرهابية خرجت عن مألوف النشاط الإرهابي الذي يضرب عدداً من البلدان العربية والإسلامية منذ نحو عقدين. وانطوت بعض هذه الأحداث على عناصر جديدة تنبئ بتحول في الظاهرة الإرهابية التيبدأت تأخذ منحى جديداًيختلف من حيث أهدافه والمتورطين فيه عن ممارسات العنف التي كانت معروفة حتى الآن.

أهم سمات هذا النمط الجديد من الإرهاب هي عدم وضوح أهدافه السياسية 

إن أهم سمات هذا النمط الجديد من الإرهاب هي عدم وضوح أهدافه السياسية وغموض بنية الجماعات التي تقف وراءه والتباس الحدود بين المنطلقات الإيديولوجية والدوافع الذاتية للجيل الجديد من المتورطين فيه والذين ينحدر كثير منهم من أوساط الجريمة التقليدية أو من الفئات الاجتماعية الأكثر هامشية التي تستغلها عصابات الجريمة المنظمة عادة. ويتحرك كثير من هؤلاء فيما يبدو لا بدافع قناعات دينية أو إيديولوجية راسخة بقدر ما يندفعون تحت تأثير الانفعال بواقع الغبن والقهر الذي يسود مجتمعاتهم والعالم من حولهم.

إن المظاهر الجديدة للإرهاب تعبر في أحيان كثيرة عن نزعة تمرد وصرخة إحباط ويأس أكثر مما تندرج ضمن مشروع سياسي أو تعكس قناعة إيديولوجية. ويبدو أن قطاعاً واسعاً ممن اجتذبهم خط الإرهاب خلال السنوات الأخيرة يجدون في هذه الممارسة موضة جديدة من موضات الانحراف وفرصة للخروج على نظام مجتمعات ودول يعتبر هؤلاء أنفسهم في حل من أي التزام تجاهها.

وفي مواجهة ظاهرة الإرهاب هذه يميل البعض إلى اعتماد مقاربة سياسية تنسب إلى تيارات فكرية وسياسية معينة مسؤولية تفريخ جماعات الإرهاب، وهو مسلك في تفسير الظاهرة الإرهابية يمكن فهمه في سياق الخصومة الإيديولوجية والتنافس السياسي القائم داخل المجتمعات العربية. لكن الذي يهمنا التأكيد عليه هنا هو أن هذا الربط، بغض النظر عن مصداقيته أو عدمها، فإنه لا يسهم إطلاقاً في جهود القضاء على الإرهاب؛ بل لا نبالغ إن قلنا إنه يقدم خدمة جليلة للإرهابيين، ويسهم في إطالة أمد الظاهرة لأنه يقدم تشخيصاً خاطئاً للمشكلة، ويصرف بذلك الانتباه عن أسبابها الحقيقية.

وثمة رؤية أخرى للظاهرة من وجهة نظر سياسية وهي، على خلاف الأُولى، لا تهتم باتهام هذا الطرف أو ذاك بقدر ما تحرص على البحث عن مبررات وذرائع سياسية للسلوك الإرهابي، ومن ثم فهي ترى أن التعامل معه ينبغي أن يتم على أسس سياسية في المقام الأول. ورغم أن أغلب الجماعات الإرهابية نشأت في الأصل إما احتجاجاً على مظالم سياسية فعلية أو تعبيراً عن مطالب أو مطامح سياسية، إلا أن كثيراً من التنظيمات التي ينطبق عليها وصف الإرهاب ينتهي بها الأمر إلى أن تنخرط بديناميكية عنف أعمى تجعل من المستحيل نسبتها إلى أي مشروع سياسي لأن العنف يتحول بالنسبة لها إلى ممارسة مقصودة لذاتها. وبالتالي يصبح من غير المسؤول منح مثل هذه الجماعات صفة سياسية لا تستحقها، ولعلها لا تطلبها أصلاً. 

أغلب الجماعات الإرهابية نشأت في الأصل إما احتجاجاً على مظالم سياسية فعلية أو تعبيراً عن مطالب أو مطامح سياسية

في المقابل يرى البعض أن الطريقة الوحيدة للقضاء على الإرهاب تعتمد على المعالجات الأمنية دون غيرها، باعتبار أن الأمر يتعلق بأعمال إجرامية يتعين التصدي لها بالحزم والحزم فقط. ولا وجه للاعتراض على وصف الإرهاب بأنه عمل إجرامي، وأن الحزم مطلوب في مواجهته، ويشمل ذلك بالضرورة الملاحقة الأمنية للإرهابيين. غير أنه من المفيد التأكيد على أن التعويل على الحل الأمني دون غيره ينطوي على سوء تقدير لطبيعة الظاهرة قد تترتب عليه مخاطر جمة.

وفي الواقع لم يعد الأمر يتعلق بتنظيمات ذات بنية هرمية منضبطة وقيادة يوكل إليها رسم الاستراتيجيات واختيار الأهداف، بل إن أغلب ما هنالك هو مجموعات من الخلايا الصغيرة محدودة الأعضاء مفككة الروابط تفتقر إلى التنسيق المنتظم فيما بينها بقدر ما تفتقد الوعي بمعطيات المناخ السياسي والواقع الاجتماعي. ومن هنا تأتي الصعوبة الزائدة في تتبع نشاط هذه الخلايا أو رصد تحركات أعضائها، ناهيك عن أنه في حكم المستحيل اعتماد معايير وضوابط منطقية يمكن على أساسها توقع تصرفاتها واستباق عملياتها.

وفي الوقت نفسه أثبتت التجارب أن الاعتماد حصراً على المعالجات الأمنية ـ خاصة في البلدان التي لا تتمتع أجهزتها بالقدر الكافي من المهنية ولا تملك القدرة على أداء مهامها بفاعلية وضمن الأطر القانونية التي تكفل الحقوق وتصون الحريات ـ يؤدي في الغالب إلى مضار عديدة من أهمها أن التجاوزات التي تحصل من حين إلى آخر ينتج عنها في النهاية ضعف مصداقية الاتهامات الموجهة للمتورطين في أعمال الإرهاب والمرتبطين بخلاياه، وربما يولد تعاطفاً مع الإرهابيين لدى بعض القطاعات الاجتماعية اليائسة التي لا يهمها أن ترى بطولة زائفة في أفعال من يتحدى سلطات تعتبرها تلك القطاعات مسؤولة عن كل مآسيها.

ومن اللازم إذن تجاوز التقابل التقليدي بين المقاربتين الأمنية والسياسية، فالثابت أن أياً منهما لا تكفي وحدها لمواجهة هذه الظاهرة المعقدة التي تتطلب دمج المقاربتين ضمن تصور أشمل يأخذ في الاعتبار الأبعاد السياسية والأمنية، لكنه لا يقتصر عليها بل يدرجها ضمن رؤية متكاملة تراعي الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وتلبي الاحتياجات النفسية والتربوية للفئات الأكثر عرضة للانخراط بصفوف جماعات الإرهاب. 

::/fulltext::
::cck::1333::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *