هل الفساد الاقتصادي العراقي أحد ملامح توطين الاحتلال الأمريكي؟

::cck::1348::/cck::
::introtext::

(قبل الغزو أيها السادة وعلى الرغم من ظروف الحصار القاسية كان لدينا في العراق 18 كلية طب وست كليات لطب الأسنان وأربع للصيدلة وعشرات من كليات ومعاهد ومدارس التمريض ومعاوني ومساعدي الأطباء.

::/introtext::
::fulltext::

(قبل الغزو أيها السادة وعلى الرغم من ظروف الحصار القاسية كان لدينا في العراق 18 كلية طب وست كليات لطب الأسنان وأربع للصيدلة وعشرات من كليات ومعاهد ومدارس التمريض ومعاوني ومساعدي الأطباء.

افتتحت أول كلية للطب في بغداد عام 1927، وكان أول عميد لها لفترة طويلة الطبيب الإنكليزي سندرسن كاتب المذكرات الذهبية عن فترة خدمته الطبية لعقود في العراق بعنوان (عشرة آلاف ليلة وليلة في العراق)، وكان لدينا أكثر من 39000 سرير طبي في مستشفيات تعليمية رصينة ومستشفيات مدن وأقضية ونواح ومراكز طبية، وكان لدينا أيضاً أكثر من34000 طبيب مسجل، 20 في المائة منهم اختصاصيون، وكنا نخرّج أكثر من ألف طبيب سنوياً، وكانت لدينا دراسات طبية تخصصية عليا لأكثر من 30 اختصاصاً تمنح البورد العراقي لأكثر من 250 طبيباً سنوياً.( (كلمة الدكتور عمر الكبيسي أمام أعضاء البرلمان الأوروبي في18مارس 2009) بدأت بها لما لها من انعكاسات ودلالات على ما حل في العراق من تردي في كافة مفاصل الحياة والقطاعات بعد الاحتلال الأمريكي، وقد يتساءل القارئ عن علاقة كلمة الكبيسي والفساد الاقتصادي؟ فالعلاقة وطيدة، لأن المعيار الرئيسي لتقدم أي بلد يقاس على أن الصحة والتعليم ركيزتان رئيسيتان لبناء الإنسان، وكلاهما مؤشران يقيسان مدى التقدم الحاصل في التنمية البشرية لذلك البلد وخلوه من آفة الفساد الاقتصادي.

لقد أصبح الفساد في العراق بكافة أشكاله ظاهرة طبيعية ينظر إليها على أنها ممارسات مشروعة 

وهناك مجس آخر يستطيع المرء من خلاله أن يتحسس خلو البلد من وباء الرشوة حال دخوله المنافذ الحدودية والتدرج في تعقيب المعاملات الرسمية من جمارك وإصدار جوازات السفر إلى عمليات البيع والشراء في العقارات إلى التعيينات إلى الأجهزة الأمنية، وغيرها من الخدمات، فهل استفحلت هذه الآفة في العراق واستوطنت بعد الاحتلال الأمريكي؟

ست سنوات مضت على احتلال العراق والكلام يدور عن إصلاح الاقتصاد وهذا الكلام لا يقدم شيئاً كثيراً للاقتصاد، فالقطاع الاقتصادي يعاني معضلة كبيرة، تهريب النفط لا يزال قائماً، والقطاع الخاص معطل، ونسبة البطالة عالية، ونظام محاسبي ضعيف لا يتلاءم والمرحلة.

المعيار الرئيسي لتقدم أي بلد يقاس على أن الصحة والتعليم ركيزتان رئيسيتان لبناء الإنسان

وقد عُرف الفساد بصيغ عدة منها (الانحراف الأخلاقي لمسؤولين في الحكومة والإدارة والتنازل عن أملاك الدولة من أجل مصالح شخصية). لكن التعريف المعتمد بهذا الصدد هوذلك الذي استخدمه لأول مرة البنك الدولي، واعتمد في كافة الكتابات: (استخدام الوظيفة العامة لتحقيق منافع خاصة)، أو (الاستغلال السيئ للوظيفة العامة أي الرسمية من أجل تحقيق المصلحة الخاصة).وفي هذا المعنى، تندرج كافة ممارسات الاستغلال السيئ للوظيفة الحكومية أو الخاصة إذا تعلق الأمر بالشركات الكبرى، ومن ذلك: (العمولات، الرشى، التهرب الضريبي، تهريب الأموال، الغش الجمركي أو التهرب من الجمارك، إفشاء أسرار العقود والصفقات، الوساطة والمحسوبية في الوظائف العامة).

رافق تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء الكثير من الممارسات الفاسدة 

لقد أصبح الفساد في العراق بكافة أشكاله ظاهرة طبيعية ينظر إليها على أنها ممارسات مشروعة لاسيما عندما عجزت الدولة عن مواجهة المشكلات الاقتصادية بعد فرض الحصار الاقتصادي، إذ أخذ الفساد ينتشر في كافة دوائر ومؤسسات الدولة، كما رافق تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء الكثير من الممارسات الفاسدة، حيث كشف مؤخراً عن توريط العديد من المسؤولين المحليين والدوليين في صفقات مشبوهة يتولى مجلس الأمن الدولي التحقيق فيها، ويبدو أن ما حصل في العراق من احتلال وانهيار كامل لهياكل الدولة ومؤسساتها كان للفساد الواسع المستشري والبيروقراطية وعلى كافة المستويات الدور الأبرز في حدوثه.

إن المشاهد الحالية لم تتغير بعد الاحتلال بل على العكس ازدادت ممارسات الفساد كنتيجة طبيعية لما ذكر، فضلاً عن أسباب أخرى كان من أهمها: الازدواجية في السلطة مابين الإدارتين الأمريكية والعراقية، الفراغ السياسي والأمني وانتشار الإرهاب، فقدان ثقة المجتمع بالعديد من الكوادر التي جاءت من الخارج، والتي استلمت إدارة الحكم كونها لا تملك المعرفة الكاملة في كيفية الإدارة والسيطرة لبلد مثل العراق، واعتماد مبدأ المحسوبية الحزبية والفئوية عند توزيع المناصب والوظائف وعدم الأخذ بمبدأ الكفاءة.

لقد أصبح الفساد في العراق (الثقافة السائدة) قانوناً لابد من التطبيق، أما حالة اللافساد، فهذا هو الاستثناء ويعود السبب في ذلك إلى الحروب المتكررة والأزمات الاقتصادية وحالة عدم الثقة بقدرات الحكومة على حل الأزمات، كما أن الحكومة وللعديد من السنوات لم تنظر إلى الفرد كإنسان له حقوق، بالمقابل كان للإدارة الأمريكية كسلطة احتلال ممثلة في الحاكم المدني بول بريمر اليد الطولى للفساد في العراق عبر احتكار عملية توزيع عقود الإعمار والتي صممت بطريقة تمنع الشركات الصغيرة من الدخول في دائرة المنافسة حيث قلة المعلومات المتوفرة عن العقود أو في دفع الأموال مقابل عدم إخضاع تلك العقود للإشراف، الأمر الذي مكّن كبرى الشركات ومنها (هاليبرتون وبكتل) والتي ترتبط بعلاقات مع الحكومة الأمريكية من الفوز بأغلب تلك العقود والتي بدأت تظهر دلائلها من خلال الأرباح الهائلة التي حققتها تلك الشركات، الأمر الذي دفع رئيس منظمة الشفافية الدولية بيتر إيجن إلى التأكيد على ضرورة مكافحة الرشا وتجنب سيطرة نخب فاسدة على موارد البلد في ظل غياب الشفافية في عقود إعادة الإعمار في العراق.

وكذلك في تقارير المفتش العام لسلطة الاحتلال ستيوارت بوين والتقرير الصادر في شباط 2005 من أن إدارة الاحتلال تسببت في ضياع ما يقارب 9 مليارات دولار من موارد صندوق التنمية العراقي المشكل بموجب قرار مجلس الأمن الدولي (1483) والتي أنفقت بطرق لا تتوافق والمعايير الدولية والمحاسبية على تأسيس وإعادة تأهيل الوزارات العراقية، وأن هناك الكثير من الثغرات في أوجه الإنفاق من دون أن يتحقق أي تحسن في مستوى أداء تلك المؤسسات ولا في أسلوب عملها، كما أن المجلس الدولي للمراقبة والإشراف التابع للأمم المتحدة والمشكل بموجب الفقرة(12) من القرار المذكور أعلاه، والذي أنيطت به مهمة التدقيق في الأموال المودعة في صندوق التنمية وجهات الصرف، قد شدد في العديد من التقارير على أن هناك الكثير من المخالفات التي رافقت عمليات بيع النفط، وفي عدم وجود منظومة لتحديد كميات النفط المستخرجة فعليا والمستهلكة، الأمر الذي سهّل عمليات تهريب النفط على نطاق واسع. فقد وجد المجلس على سبيل المثال أن الكميات غير المطابقة من زيت الوقود المنتج والمستهلك والمصدر بلغت 618203 أطنان للمدة من نهاية يونيو ولغاية يناير من عام 2004، بمعنى أن الكميات المنتجة هي أكبر من الكميات المستهلكة والمصدرة، وأن قيمة المبيعات غير المطابقة بلغت ما يقارب 69 مليون دولار، كما أن قسماً من إيرادات الصادرات النفطية قد تم إيداعها في حسابات مصرفية تعود لمصارف عراقية وأردنية من دون إيداعها في الحساب الخاص بصندوق التنمية العراقي، فضلاً عن العديد من التجاوزات الأخرى.

أما ستيوارت بوين المفتش العام الأمريكي المختص بإعادة إعمار العراق فقال للكونغرس نهاية فبراير 2009 إن المبالغ المهدرة في مشاريع فاشلة أو لم توظف بشكل جيد في العراق تصل إلى ما بين 15 و20 في المائة من 21 مليار دولار هي قيمة صندوق إغاثة وإعادة إعمار العراق الذي أسسه الكونغرس بعد دخول القوات الأمريكية البلاد عام 2003، ولم يذكر بوين الذي كان يتحدث أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي أمثلة محددة، لكنه ألقى باللائمة في ذلك على نهج تتبعه الولايات المتحدة يسعى إلى تحديث كل جوانب المجتمع العراقي من النظام المصرفي إلى قوانين المرور، بالإضافة إلى سوء الوضع الأمني وعدم وجود بنية لتعبئة الموارد. وهذه الأرقام هي نتاج حوالي 135 عملية تدقيق قام بها فريق بوين في السنوات القليلة الماضية. وصرح بوين بأن إعادة الإعمار في كل من العراق وأفغانستان تواجه مشكلات لأن الولايات المتحدة لم تضع إطار عمل لعمليات الإغاثة والطوارئ. وخصص الكونغرس الأمريكي 48 مليار دولار كمساعدات لإعادة إعمار العراق و32 مليار دولار لأفغانستان، وينفق الكثير من هذه الأموال على تطوير قوات الجيش والشرطة في البلدين.

وقال مكتب محاسبة الحكومة وهو جهاز محاسبة غير حزبي تابع للكونغرس إن البيت الأبيض تجاهل طلبات تقدم بها لإلقاء نظرة على المسودات الأولية للاستراتيجية.

وتوقعت أرقام مكتب محاسبة الحكومة حدوث عجز بمليارات الدولارات في الخطة الخمسية التي تدعمها الولايات المتحدة لتحقيق أهداف متعلقة بالأمن والتنمية ومكافحة الفساد، وأضاف المكتب أن الخطة تتعثر بسبب تراجع المساعدات التي يقدمها المجتمع الدولي.

وأظهر جدول بياني وضعه المكتب ارتفاع حجم العجز من 503 ملايين دولار العام الحالي إلى 5.8 مليار دولار في غضون أربع سنوات.

ويؤكد التحليل التاريخي أن بناء نظام سياسي ديمقراطي لم يتحقق يوماً بمجرد فعل إرادي مهما يكون للدفاع عن الحريات والحقوق الديمقراطية من تأثير حاسم في التقدم صوب إقرار النظام السياسي الاجتماعي لهذه الحريات والحقوق. وقد يكفي للبرهنة على هذا التأكيد أن نشير إلى النظم السياسية للإدارة الاستعمارية للرأسمالية الأوروبية، التي قامت على أساس القهر السافر لشعوب المستعمرات وأشباه المستعمرات، ناهيك عن الاستعباد والاسترقاق والطرد الجماعي في ظل نظم الاستعمار الاستيطاني. وهذا ما يعاد تطبيقه للاستيطان الأمريكي في العراق.

وطبقاً للنظرية الاقتصادية فإن الفساد يعوق النمو الاقتصادي من خلال استخلاص الريع (الاستئثار بالفائض الاقتصادي ) مما يؤثر سلباً في هذا النمو سواء بالنسبة لمنظمي المشروعات المحلية أو الأجنبية.

وهكذا يمكن القول إن أغلب الدراسات الحديثة أثبتت وجود علاقة عكسية بين الفساد والنمو الاقتصادي، وإن هذه العلاقة ليست حتمية في كل الأوقات، فقد يوجد الفساد لكنه لا يكون عائقاً للنمو الاقتصادي كما في تجربة جنوب شرق آسيا.

ولذلك نجد أن  للفساد آثاراً اقتصادية سيئة في المجتمع، وهذه الآثار تتمثل في إعاقة النمو الاقتصادي إلى جانب أثره السيئ في القطاع الضريبي بالحد من موارد الدولة، مما يجعلها غير قادرة على الوفاء بالحاجات الأساسية للمجتمع من جهة، ومن جهة أخرى فإن الفساد يخل بمبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الأعباء العامة.

هذا إلى جانب أثره في الإنفاق الحكومي من خلال سوء تخصيص الموارد العامة أو ضعف جودة السلع المستوردة أو المشروعات المقامة بالإضافة إلى أثر الفساد في سوق الصرف الأجنبي من خلال زيادة عجز ميزان المدفوعات، وتفاقم هذا العجز باستمرار الفساد مما يضطر الدولة إلى الاقتراض عند عجزها عن سداد ديونها، وعلاوة على ما سبق فإن الفساد يسهم في الإخلال بمبدأ الشفافية.

كما أن لمنظمة الشفافية الدولية دوراً بارزاً في محاربة الفساد الدولي من خلال إجراءات متنوعة، لعل أحدثها تقديم المتعاقدين والموردين للسلع والخدمات لإقرارات موقعة من قبلهم بعدم تقديم رشى تتصل بالعقود الرسمية، وفي الوقت نفسه تلتزم الحكومة نفسها بقواعد الشفافية، وذلك بمنع وقبول الرشى بوساطة المسؤولين العموميين، وفي بعض الدول هناك مجموعات وطنية تعمل على تحقيق ذلك من خلال التزام المنتمين للحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، أما العوامل الخارجية للفساد فيكون التخفيف من حدتها بإصلاح مؤسسي وسياسي من شأنه الحد منه إلى مستويات معقولة بحيث لا يعوق الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية، كما يمكن الاستعانة ببعض المنظمات الدولية التي من شأنها تقديم المعونات لمؤازرة الإصلاحات الديمقراطية، وإقامة اقتصادات أكثر قدرة على المنافسة والأخذ بتوجيه إداري أفضل ومن هذه المنظمات منظمة الشفافية الدولية.

وبإيجاز فإن للفساد أشكالاً كثيرة، فقد يكون فردياً أو مؤسسياً أو منتظماً، وقد يكون الفساد مؤقتاً أوفي مؤسسة معينة أو في قطاع معين دون غيره. وتتفق آراء المحللين على أن الفساد وخصوصاً الممتد أو المنتظم يعد أخطر أنواع الفساد، إذ ينشأ ويترعرع في المجتمعات التي تتصف بنمو اقتصادي منخفض وغير منتظم، وضعف مؤسسات المجتمع المدني، وسيادة السياسات القمعية، وغياب الآليات والمؤسسات التي تتعامل مع الفساد. حينئذ ينتشر الفساد في مفاصل الحياة الاجتماعية كاملاً ويصبح ظاهرة يعاني منها المجتمع.

أخيراًقد يتعين الاعتراف بأن مدى الإصلاح المؤسسي يبدو واسعاً للغاية وعميقاً، فحتى إذا نظرنا للإصلاح من وجهة نظر اقتصاديةبحتة، فإن النجاح الاقتصادي يتوقف على الاستقرار الاقتصادي الكليالذي تأثر بدوره بمدى كفاءة وشفافية المؤسسات الحاكمة للمجتمع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، فهذه المؤسسات تمارس تأثيراً مباشراً وغير مباشر على الاقتصاد الكلي من خلال التنظيم القانوني واللائحي ومدى تشجيعها للمنافسة الحرة، ومدى كفاءة الحماية القانونية لحقوق الملكية، ومدى مكافحة الفساد والتقليل من التعقيدات البيروقراطية، ومدى الحرص على محاربة الفقر والتفاوتالاجتماعي، ومدى جودة وكفاءة تخصيص الموارد، وكذلك لاشك في أن البيئة القانونية الجيدة تشريعياً، والحاسمة قضائياً، والمؤسسات المالية العاملة على تعبئة الموارد المحلية والخارجية اللازمة للتوسع في الاستثمار المنتج، والنظام التعليمي القادر على تأمين عاملين ذوي قدرات ومهارات متميزة، ونظم التأمين الاجتماعي التي تحقق تماسك اللحمة الاجتماعية وتمتص القلاقل والاضطرابات الاجتماعية، إنما تشكل كافة القاعدة جوهرية لأي نجاح اقتصادي متميز ومستمر.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1348::/cck::
::introtext::

(قبل الغزو أيها السادة وعلى الرغم من ظروف الحصار القاسية كان لدينا في العراق 18 كلية طب وست كليات لطب الأسنان وأربع للصيدلة وعشرات من كليات ومعاهد ومدارس التمريض ومعاوني ومساعدي الأطباء.

::/introtext::
::fulltext::

(قبل الغزو أيها السادة وعلى الرغم من ظروف الحصار القاسية كان لدينا في العراق 18 كلية طب وست كليات لطب الأسنان وأربع للصيدلة وعشرات من كليات ومعاهد ومدارس التمريض ومعاوني ومساعدي الأطباء.

افتتحت أول كلية للطب في بغداد عام 1927، وكان أول عميد لها لفترة طويلة الطبيب الإنكليزي سندرسن كاتب المذكرات الذهبية عن فترة خدمته الطبية لعقود في العراق بعنوان (عشرة آلاف ليلة وليلة في العراق)، وكان لدينا أكثر من 39000 سرير طبي في مستشفيات تعليمية رصينة ومستشفيات مدن وأقضية ونواح ومراكز طبية، وكان لدينا أيضاً أكثر من34000 طبيب مسجل، 20 في المائة منهم اختصاصيون، وكنا نخرّج أكثر من ألف طبيب سنوياً، وكانت لدينا دراسات طبية تخصصية عليا لأكثر من 30 اختصاصاً تمنح البورد العراقي لأكثر من 250 طبيباً سنوياً.( (كلمة الدكتور عمر الكبيسي أمام أعضاء البرلمان الأوروبي في18مارس 2009) بدأت بها لما لها من انعكاسات ودلالات على ما حل في العراق من تردي في كافة مفاصل الحياة والقطاعات بعد الاحتلال الأمريكي، وقد يتساءل القارئ عن علاقة كلمة الكبيسي والفساد الاقتصادي؟ فالعلاقة وطيدة، لأن المعيار الرئيسي لتقدم أي بلد يقاس على أن الصحة والتعليم ركيزتان رئيسيتان لبناء الإنسان، وكلاهما مؤشران يقيسان مدى التقدم الحاصل في التنمية البشرية لذلك البلد وخلوه من آفة الفساد الاقتصادي.

لقد أصبح الفساد في العراق بكافة أشكاله ظاهرة طبيعية ينظر إليها على أنها ممارسات مشروعة 

وهناك مجس آخر يستطيع المرء من خلاله أن يتحسس خلو البلد من وباء الرشوة حال دخوله المنافذ الحدودية والتدرج في تعقيب المعاملات الرسمية من جمارك وإصدار جوازات السفر إلى عمليات البيع والشراء في العقارات إلى التعيينات إلى الأجهزة الأمنية، وغيرها من الخدمات، فهل استفحلت هذه الآفة في العراق واستوطنت بعد الاحتلال الأمريكي؟

ست سنوات مضت على احتلال العراق والكلام يدور عن إصلاح الاقتصاد وهذا الكلام لا يقدم شيئاً كثيراً للاقتصاد، فالقطاع الاقتصادي يعاني معضلة كبيرة، تهريب النفط لا يزال قائماً، والقطاع الخاص معطل، ونسبة البطالة عالية، ونظام محاسبي ضعيف لا يتلاءم والمرحلة.

المعيار الرئيسي لتقدم أي بلد يقاس على أن الصحة والتعليم ركيزتان رئيسيتان لبناء الإنسان

وقد عُرف الفساد بصيغ عدة منها (الانحراف الأخلاقي لمسؤولين في الحكومة والإدارة والتنازل عن أملاك الدولة من أجل مصالح شخصية). لكن التعريف المعتمد بهذا الصدد هوذلك الذي استخدمه لأول مرة البنك الدولي، واعتمد في كافة الكتابات: (استخدام الوظيفة العامة لتحقيق منافع خاصة)، أو (الاستغلال السيئ للوظيفة العامة أي الرسمية من أجل تحقيق المصلحة الخاصة).وفي هذا المعنى، تندرج كافة ممارسات الاستغلال السيئ للوظيفة الحكومية أو الخاصة إذا تعلق الأمر بالشركات الكبرى، ومن ذلك: (العمولات، الرشى، التهرب الضريبي، تهريب الأموال، الغش الجمركي أو التهرب من الجمارك، إفشاء أسرار العقود والصفقات، الوساطة والمحسوبية في الوظائف العامة).

رافق تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء الكثير من الممارسات الفاسدة 

لقد أصبح الفساد في العراق بكافة أشكاله ظاهرة طبيعية ينظر إليها على أنها ممارسات مشروعة لاسيما عندما عجزت الدولة عن مواجهة المشكلات الاقتصادية بعد فرض الحصار الاقتصادي، إذ أخذ الفساد ينتشر في كافة دوائر ومؤسسات الدولة، كما رافق تطبيق برنامج النفط مقابل الغذاء الكثير من الممارسات الفاسدة، حيث كشف مؤخراً عن توريط العديد من المسؤولين المحليين والدوليين في صفقات مشبوهة يتولى مجلس الأمن الدولي التحقيق فيها، ويبدو أن ما حصل في العراق من احتلال وانهيار كامل لهياكل الدولة ومؤسساتها كان للفساد الواسع المستشري والبيروقراطية وعلى كافة المستويات الدور الأبرز في حدوثه.

إن المشاهد الحالية لم تتغير بعد الاحتلال بل على العكس ازدادت ممارسات الفساد كنتيجة طبيعية لما ذكر، فضلاً عن أسباب أخرى كان من أهمها: الازدواجية في السلطة مابين الإدارتين الأمريكية والعراقية، الفراغ السياسي والأمني وانتشار الإرهاب، فقدان ثقة المجتمع بالعديد من الكوادر التي جاءت من الخارج، والتي استلمت إدارة الحكم كونها لا تملك المعرفة الكاملة في كيفية الإدارة والسيطرة لبلد مثل العراق، واعتماد مبدأ المحسوبية الحزبية والفئوية عند توزيع المناصب والوظائف وعدم الأخذ بمبدأ الكفاءة.

لقد أصبح الفساد في العراق (الثقافة السائدة) قانوناً لابد من التطبيق، أما حالة اللافساد، فهذا هو الاستثناء ويعود السبب في ذلك إلى الحروب المتكررة والأزمات الاقتصادية وحالة عدم الثقة بقدرات الحكومة على حل الأزمات، كما أن الحكومة وللعديد من السنوات لم تنظر إلى الفرد كإنسان له حقوق، بالمقابل كان للإدارة الأمريكية كسلطة احتلال ممثلة في الحاكم المدني بول بريمر اليد الطولى للفساد في العراق عبر احتكار عملية توزيع عقود الإعمار والتي صممت بطريقة تمنع الشركات الصغيرة من الدخول في دائرة المنافسة حيث قلة المعلومات المتوفرة عن العقود أو في دفع الأموال مقابل عدم إخضاع تلك العقود للإشراف، الأمر الذي مكّن كبرى الشركات ومنها (هاليبرتون وبكتل) والتي ترتبط بعلاقات مع الحكومة الأمريكية من الفوز بأغلب تلك العقود والتي بدأت تظهر دلائلها من خلال الأرباح الهائلة التي حققتها تلك الشركات، الأمر الذي دفع رئيس منظمة الشفافية الدولية بيتر إيجن إلى التأكيد على ضرورة مكافحة الرشا وتجنب سيطرة نخب فاسدة على موارد البلد في ظل غياب الشفافية في عقود إعادة الإعمار في العراق.

وكذلك في تقارير المفتش العام لسلطة الاحتلال ستيوارت بوين والتقرير الصادر في شباط 2005 من أن إدارة الاحتلال تسببت في ضياع ما يقارب 9 مليارات دولار من موارد صندوق التنمية العراقي المشكل بموجب قرار مجلس الأمن الدولي (1483) والتي أنفقت بطرق لا تتوافق والمعايير الدولية والمحاسبية على تأسيس وإعادة تأهيل الوزارات العراقية، وأن هناك الكثير من الثغرات في أوجه الإنفاق من دون أن يتحقق أي تحسن في مستوى أداء تلك المؤسسات ولا في أسلوب عملها، كما أن المجلس الدولي للمراقبة والإشراف التابع للأمم المتحدة والمشكل بموجب الفقرة(12) من القرار المذكور أعلاه، والذي أنيطت به مهمة التدقيق في الأموال المودعة في صندوق التنمية وجهات الصرف، قد شدد في العديد من التقارير على أن هناك الكثير من المخالفات التي رافقت عمليات بيع النفط، وفي عدم وجود منظومة لتحديد كميات النفط المستخرجة فعليا والمستهلكة، الأمر الذي سهّل عمليات تهريب النفط على نطاق واسع. فقد وجد المجلس على سبيل المثال أن الكميات غير المطابقة من زيت الوقود المنتج والمستهلك والمصدر بلغت 618203 أطنان للمدة من نهاية يونيو ولغاية يناير من عام 2004، بمعنى أن الكميات المنتجة هي أكبر من الكميات المستهلكة والمصدرة، وأن قيمة المبيعات غير المطابقة بلغت ما يقارب 69 مليون دولار، كما أن قسماً من إيرادات الصادرات النفطية قد تم إيداعها في حسابات مصرفية تعود لمصارف عراقية وأردنية من دون إيداعها في الحساب الخاص بصندوق التنمية العراقي، فضلاً عن العديد من التجاوزات الأخرى.

أما ستيوارت بوين المفتش العام الأمريكي المختص بإعادة إعمار العراق فقال للكونغرس نهاية فبراير 2009 إن المبالغ المهدرة في مشاريع فاشلة أو لم توظف بشكل جيد في العراق تصل إلى ما بين 15 و20 في المائة من 21 مليار دولار هي قيمة صندوق إغاثة وإعادة إعمار العراق الذي أسسه الكونغرس بعد دخول القوات الأمريكية البلاد عام 2003، ولم يذكر بوين الذي كان يتحدث أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأمريكي أمثلة محددة، لكنه ألقى باللائمة في ذلك على نهج تتبعه الولايات المتحدة يسعى إلى تحديث كل جوانب المجتمع العراقي من النظام المصرفي إلى قوانين المرور، بالإضافة إلى سوء الوضع الأمني وعدم وجود بنية لتعبئة الموارد. وهذه الأرقام هي نتاج حوالي 135 عملية تدقيق قام بها فريق بوين في السنوات القليلة الماضية. وصرح بوين بأن إعادة الإعمار في كل من العراق وأفغانستان تواجه مشكلات لأن الولايات المتحدة لم تضع إطار عمل لعمليات الإغاثة والطوارئ. وخصص الكونغرس الأمريكي 48 مليار دولار كمساعدات لإعادة إعمار العراق و32 مليار دولار لأفغانستان، وينفق الكثير من هذه الأموال على تطوير قوات الجيش والشرطة في البلدين.

وقال مكتب محاسبة الحكومة وهو جهاز محاسبة غير حزبي تابع للكونغرس إن البيت الأبيض تجاهل طلبات تقدم بها لإلقاء نظرة على المسودات الأولية للاستراتيجية.

وتوقعت أرقام مكتب محاسبة الحكومة حدوث عجز بمليارات الدولارات في الخطة الخمسية التي تدعمها الولايات المتحدة لتحقيق أهداف متعلقة بالأمن والتنمية ومكافحة الفساد، وأضاف المكتب أن الخطة تتعثر بسبب تراجع المساعدات التي يقدمها المجتمع الدولي.

وأظهر جدول بياني وضعه المكتب ارتفاع حجم العجز من 503 ملايين دولار العام الحالي إلى 5.8 مليار دولار في غضون أربع سنوات.

ويؤكد التحليل التاريخي أن بناء نظام سياسي ديمقراطي لم يتحقق يوماً بمجرد فعل إرادي مهما يكون للدفاع عن الحريات والحقوق الديمقراطية من تأثير حاسم في التقدم صوب إقرار النظام السياسي الاجتماعي لهذه الحريات والحقوق. وقد يكفي للبرهنة على هذا التأكيد أن نشير إلى النظم السياسية للإدارة الاستعمارية للرأسمالية الأوروبية، التي قامت على أساس القهر السافر لشعوب المستعمرات وأشباه المستعمرات، ناهيك عن الاستعباد والاسترقاق والطرد الجماعي في ظل نظم الاستعمار الاستيطاني. وهذا ما يعاد تطبيقه للاستيطان الأمريكي في العراق.

وطبقاً للنظرية الاقتصادية فإن الفساد يعوق النمو الاقتصادي من خلال استخلاص الريع (الاستئثار بالفائض الاقتصادي ) مما يؤثر سلباً في هذا النمو سواء بالنسبة لمنظمي المشروعات المحلية أو الأجنبية.

وهكذا يمكن القول إن أغلب الدراسات الحديثة أثبتت وجود علاقة عكسية بين الفساد والنمو الاقتصادي، وإن هذه العلاقة ليست حتمية في كل الأوقات، فقد يوجد الفساد لكنه لا يكون عائقاً للنمو الاقتصادي كما في تجربة جنوب شرق آسيا.

ولذلك نجد أن  للفساد آثاراً اقتصادية سيئة في المجتمع، وهذه الآثار تتمثل في إعاقة النمو الاقتصادي إلى جانب أثره السيئ في القطاع الضريبي بالحد من موارد الدولة، مما يجعلها غير قادرة على الوفاء بالحاجات الأساسية للمجتمع من جهة، ومن جهة أخرى فإن الفساد يخل بمبدأ العدالة الاجتماعية في توزيع الأعباء العامة.

هذا إلى جانب أثره في الإنفاق الحكومي من خلال سوء تخصيص الموارد العامة أو ضعف جودة السلع المستوردة أو المشروعات المقامة بالإضافة إلى أثر الفساد في سوق الصرف الأجنبي من خلال زيادة عجز ميزان المدفوعات، وتفاقم هذا العجز باستمرار الفساد مما يضطر الدولة إلى الاقتراض عند عجزها عن سداد ديونها، وعلاوة على ما سبق فإن الفساد يسهم في الإخلال بمبدأ الشفافية.

كما أن لمنظمة الشفافية الدولية دوراً بارزاً في محاربة الفساد الدولي من خلال إجراءات متنوعة، لعل أحدثها تقديم المتعاقدين والموردين للسلع والخدمات لإقرارات موقعة من قبلهم بعدم تقديم رشى تتصل بالعقود الرسمية، وفي الوقت نفسه تلتزم الحكومة نفسها بقواعد الشفافية، وذلك بمنع وقبول الرشى بوساطة المسؤولين العموميين، وفي بعض الدول هناك مجموعات وطنية تعمل على تحقيق ذلك من خلال التزام المنتمين للحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص، أما العوامل الخارجية للفساد فيكون التخفيف من حدتها بإصلاح مؤسسي وسياسي من شأنه الحد منه إلى مستويات معقولة بحيث لا يعوق الاستقرار السياسي والتنمية الاقتصادية، كما يمكن الاستعانة ببعض المنظمات الدولية التي من شأنها تقديم المعونات لمؤازرة الإصلاحات الديمقراطية، وإقامة اقتصادات أكثر قدرة على المنافسة والأخذ بتوجيه إداري أفضل ومن هذه المنظمات منظمة الشفافية الدولية.

وبإيجاز فإن للفساد أشكالاً كثيرة، فقد يكون فردياً أو مؤسسياً أو منتظماً، وقد يكون الفساد مؤقتاً أوفي مؤسسة معينة أو في قطاع معين دون غيره. وتتفق آراء المحللين على أن الفساد وخصوصاً الممتد أو المنتظم يعد أخطر أنواع الفساد، إذ ينشأ ويترعرع في المجتمعات التي تتصف بنمو اقتصادي منخفض وغير منتظم، وضعف مؤسسات المجتمع المدني، وسيادة السياسات القمعية، وغياب الآليات والمؤسسات التي تتعامل مع الفساد. حينئذ ينتشر الفساد في مفاصل الحياة الاجتماعية كاملاً ويصبح ظاهرة يعاني منها المجتمع.

أخيراًقد يتعين الاعتراف بأن مدى الإصلاح المؤسسي يبدو واسعاً للغاية وعميقاً، فحتى إذا نظرنا للإصلاح من وجهة نظر اقتصاديةبحتة، فإن النجاح الاقتصادي يتوقف على الاستقرار الاقتصادي الكليالذي تأثر بدوره بمدى كفاءة وشفافية المؤسسات الحاكمة للمجتمع سياسياً واقتصادياً واجتماعياً، فهذه المؤسسات تمارس تأثيراً مباشراً وغير مباشر على الاقتصاد الكلي من خلال التنظيم القانوني واللائحي ومدى تشجيعها للمنافسة الحرة، ومدى كفاءة الحماية القانونية لحقوق الملكية، ومدى مكافحة الفساد والتقليل من التعقيدات البيروقراطية، ومدى الحرص على محاربة الفقر والتفاوتالاجتماعي، ومدى جودة وكفاءة تخصيص الموارد، وكذلك لاشك في أن البيئة القانونية الجيدة تشريعياً، والحاسمة قضائياً، والمؤسسات المالية العاملة على تعبئة الموارد المحلية والخارجية اللازمة للتوسع في الاستثمار المنتج، والنظام التعليمي القادر على تأمين عاملين ذوي قدرات ومهارات متميزة، ونظم التأمين الاجتماعي التي تحقق تماسك اللحمة الاجتماعية وتمتص القلاقل والاضطرابات الاجتماعية، إنما تشكل كافة القاعدة جوهرية لأي نجاح اقتصادي متميز ومستمر.

 

::/fulltext::
::cck::1348::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *