الخليج العربي والقوى الكبرى.. هل يمكن إيجاد حيز للفاعلية؟

::cck::1371::/cck::
::introtext::

يحتل الخليج كمنظومة، أي مجموع دوله والأحداث التي يعيشها، موقعاً مميزاً في نظر القوى الكبرى وتفاعلاتها. إذ كان ولا يزال مجالاً تفاعلياً مؤثراً في اعتبارات تلك القوى، سعياً لاحتكار مزاياه وموارده المتدفقة. وتعطي القراءة التاريخية لعلاقة دول المنطقة بالتفاعلات العالمية انطباعات سلبية مفادها أنها لم تحاول الانطلاق من حقيقة تملكها لإمكانيات ذاتية، ووقوعها في مجال استراتيجي مهم في اعتبارات القوى الدولية، نقول إنها لم تحاول الانطلاق نحو صياغة وضع ملائم في الخريطة السياسية العالمية.

::/introtext::
::fulltext::

يحتل الخليج كمنظومة، أي مجموع دوله والأحداث التي يعيشها، موقعاً مميزاً في نظر القوى الكبرى وتفاعلاتها. إذ كان ولا يزال مجالاً تفاعلياً مؤثراً في اعتبارات تلك القوى، سعياً لاحتكار مزاياه وموارده المتدفقة. وتعطي القراءة التاريخية لعلاقة دول المنطقة بالتفاعلات العالمية انطباعات سلبية مفادها أنها لم تحاول الانطلاق من حقيقة تملكها لإمكانيات ذاتية، ووقوعها في مجال استراتيجي مهم في اعتبارات القوى الدولية، نقول إنها لم تحاول الانطلاق نحو صياغة وضع ملائم في الخريطة السياسية العالمية.

أصبحت الدول الخليجية اليوم في مواجهة بيئة جديدة، حجم فرصها يكاد لا يذكر، سواء إقليمياً أو عالمياً، وتعاد فيها صياغة أولويات أغلب القوى الفاعلة، بهدفضمان موقع قيادي في النظام العالمي. واستمرار التحولات في كلتا البيئتين قد يجعل فرص الدول الخليجية لتعديل سلبيات البيئة الدولية ضدها / عليها محدودة مستقبلاً، طالما بقي حالها على ما هو عليه الآن. ولذلك يفترض تأهيل نفسها إلى مستوى التحدي الذي تفرضه البيئة الدولية، والأمر كله متوقف على إرادة التعامل مع بيئة يتوقع أن تجد نفسها فيها أبرز الخاسرين إذا ما بقي التعاون الإقليمي على ضعفه الحالي، عبر وضع منطلقات استراتيجية وسياسات تكتيكية مرحلية بقصد تقليل حجم تكاليف التحولات الدولية وتعظيم المزايا القابلة للتحقق فيها.

وفي ضوء ما تقدم نتساءل، ما هي المتغيرات التي تربط الدول الخليجية بالبيئة الدولية؟ وهل استطاعت دول المنطقة الارتقاء بأدائها الدولي إلى مستوى يتناغم وإمكاناتها الذاتية، وإلى الأهمية التي تعطيها لها القوى الأخرى، أم أنها بقيت مجالاً تفاعلياً غير قادر على استثمار إمكانياته وتأهيلها إلى مستويات طموحة تتناسب وواقعها، والأهداف بعيدة المدى التي ترغب في تحقيقها.

 المنطقة في نظر القوى الكبرى

في سبيل ضمان تحقيق غاية تعزيز مواقعها الدولية في القيادة والريادة العالمية تسعى القوى الكبرى إلى توليد أو بناء مجالات إقليمية تابعة. وإذا ما أخذنا منطقة الخليج العربي، فسنجد أن تلك القوى تنظر إليها باهتمام بالغ. وعبرت سياسات تلك القوى وتعبر عن فحوى اتجاه مفاده أن ضمان موقع أفضل في منطقة الخليج يفيد بضمان خطوة تجاه الاستحواذ على موقع متقدم نسبياً في القطبية الدولية. فالمنطقة تؤمن مصدراً متدفقاً من الموارد السياسية: 40 في المائة من الاستهلاك العالمي للنفط، الذي مثل 39 في المائة من إجمالي مكونات الطاقة المستهلكة عام 2006. وتؤشر الحقائق إلى أن النفط، بات يمثل سلعة تتعرض لمزيد من الندرة، إذ يتزايد الطلب عليه بمعدلات تفوق الزيادات المتوقعة للإنتاج، وأن دول منطقة الخليج لا تزال قادرة على زيادة إنتاجها حتى خلال العقد المقبل، والواضح أنه لا خيارات واسعة أمام القوى المختلفة في الاعتماد على نفط منطقة الخليج.

أ- نجد أن الفارق بين ما تنتجه وبين ما تستهلكه الولايات المتحدة (استهلكت 25  في المائة من إجمالي معروض النفط العالمي عام 2006)، وصل إلى (10 ملايين برميل يومياً)، ولجأت إلى استيراد نحو 7 في المائة من احتياجها من هذه المنطقة، ورغم النسبة المنخفضة من استهلاكها للنفط من المنطقة، وإمكانية الاقتصاد الأمريكي خفض اعتماده، إلاأنها لا تزال تنشر وجوداً عسكرياً مهماً فيها، وذلك لا يفسر الارتباط بين الوجود الأمريكي ونسبة الاستهلاك منه، ويعود السبب إلى حجم الاحتياطي من مصادر الطاقة الذي توفره أو من الممكن أن توفره المنطقة، ولا تزال الاقتصادات الصناعية للقوى الأخرى مرتهنة بفاعليتها ونشاطها على النفط المستورد من هذه المنطقة،ويرتبط استمرار نمو اقتصاد الولايات المتحدة بتمكين تلك الاقتصادات بوصفها السوق الأرحب للسلع والمنتجات الأمريكية.

ب- الاتحاد الأوروبي (في عام 2006 استورد 6.5 مليون برميل نفط، منها 3 ملايين برميل يومياً من نفط الخليج) ليس أمامه إلا خياران لتقليل الاعتماد على نفط المنطقة من إجمالي الوزن النسبي لمصادر الطاقة المستهلكة وإزاء صعوبة تنظيم ترشيد الاستهلاك لمصادر الطاقة هما: الأول، توسيع مخزونه النفطي أو تنويع المصادر الجغرافية للمجهزين مع استمرار نضوب نفط بحر الشمال. والثاني، إنشاء محطات لتوليد الطاقة النووية، طالما لا توجد خيارات تجارية لمصادر الطاقة البديلة أو المتجددة الأخرى.

ج- الصين، وهي واحدة من أكبر القوى زيادة في استهلاك النفط، وشكل عام 2006 نحو 35 في المائة من إجمالي الطاقة المستهلكة (9 ملايين برميل)، استوردت منه 36 في المائة (3 ملايين برميل)، ويتوقع أن يصل الاستيراد لهذا المصدر 50 في المائة من إجمالي تكوينه للطاقة المستهلكة،الأمر الذي بات فيه أمن الطاقة محوراً مهماً في سياسة الصين الخارجية. وإزاء تصاعد طلبها ورغبتها في تجنب خيارات تضيق عليها استراتيجياً، فإنها لجأت إلى استراتيجيات عدة: توسيع استثماراتها في دول مجهزة مختلفة مثل فنزويلا ونيجيريا والسودان وإيران، وأيضاً توسيع بناء مفاعلات الطاقة النووية، وزيادة الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة خاصة الكهرومائية، وتوسيع علاقاتها مع دول الخليج.

د- الهند، تعد الهند ثاني أكبر بلد نام في تسارع استهلاك النفط (استوردت 70 في المائة من احتياجها). ويتسارع طلبها على المصادر الهيدروكربونية (خامات النفط والغاز ومشتقاتهما المكررة) من منطقة الخليج. وتواجه الهند وضعاً استراتيجياً مقلقاً متعلقاً بأمن الطاقة، فهناك منافسة مع الصين على امتداد جنوب شرق آسيا، أما مصادر تزويد الهيدروكربونات في منطقة الخليج فمثقلة أساساً بالوجود الأمريكي. كما أن توجهها نحو إيران فيه صعوبات تتعلق باتجاهات الأخيرة السياسية.

هـ- اليابان، ورغم أن استهلاكها للنفط من إجمالي مكون الطاقة المستهلكة شبه مستقر، إلا أنها اختارت مساندة السياسة الأمريكية في منطقة الخليج، مع إقامة روابط تجارية مع دول المنطقة من أجل تأمين حاجاتها من الموارد الهيدروكربونية.

علاوة على ذلك، تقع المنطقة عند مفترق أكثر من دائرة استراتيجية عالمية: الآسيوية، الأوروبية، والإفريقية، ومن ثم فالسيطرة عليها تؤمن الاستحواذ على موقع عالمي أفضل مقارنة بالخصوم المحتملين، أو علىالأقل عدم تمكينهم من محاصرته استراتيجياً، وهذا ما يفسر تكالب القوى الكبرى على المنطقة، والسعي المتواصل للسيطرة عليها وإخضاعها لنفوذها ومتطلبات سياساتها الدولية. لكن أين الدول الخليجية من هذا؟

 الدول الخليجية..إمكانيات القوة وعناصر الضعف في علاقاتها بالقوى الكبرى

يلاحظ أنه في تعاملاتها مع المنطقة تقيم القوى الكبرى علاقات واسعة مع دولها، وتجلب قواتها العسكرية إليها أو بالقرب منها، كما أرسلت المندوبين والمبعوثين لمناقشة مشكلات المنطقة ضمن إطار تحركات إجرائية هادفة إلى إعادة تشكيل دائمة للخريطة السياسية بما يتواءم مع مصالح تلك القوى. مثلاً، تعاملت الولايات المتحدة مع المنطقة (قضايا / دول) بسياسات ذات اتجاهين:

الاتجاه الأول: امتلاك مفاتيح المنطقة بمعنى وضع كافة المتغيرات المؤثرة في حالات استقرار المنطقة أو عدمه تحت سيطرتها بحيث يتيح لها ذلك مجالاً واسعاً للحركة في الأوقات المناسبة سواء نحو زيادة التعاملات الإيجابية فيها أو نحو إثارة المنطقة سلباً خدمة لمصالحها.

الاتجاه الثاني: إيصال رسالة إلى القوى المختلفة مفادها أن القطبية لا تزال أحادية. وأنها، أي تلك القوى لا تملك أوراقاً كافية للتعامل مع قضايا ومناطق العالم الحساسة، أي المنطقة العربية ومنطقة الخليج بالذات وقضاياها، وليست لديها الإرادة على فعل ذلك.

تقع منطقة الخليج عند مفترق أكثر من دائرة استراتيجية عالمية آسيوية وأوروبية وإفريقية

 لقد أسهمت سياسات وإجراءات القوى الكبرى في تقييد حرية دول المنطقة في الحركة السياسية الدولية، وحتى البينية كذلك. وما ساعد على ظهور هذا المتغير هو عدم تأهيل دولها للموارد الإقليمية. وتاريخياً، لم تستطع هذه الدول أداء أدوار دولية فاعلة إنما كانت طرفاً يؤدي أدواراً تابعة في الاستراتيجيات الدولية. وامتلكت القوى الكبرى قدرة تقرير أمر القضايا/ العلاقات الإقليمية المصيرية. ولم يكن للدول الخليجية رأي في صياغة تلك العلاقات أو في تحديد مسارات قضاياها. ويرجع جانب مهم من أسباب عجز هذه الدول عن بلورة موقف مهم إزاء قضاياها أو علاقاتها الدولية أو البينية إلى تركيزها على واقع المشهد الأمني أو كما أريد له أن يكون المؤثر بشكل حاسم في سياساتها وخياراتها. والجانب الآخر يمكن إرجاعه إلى بروز إشكالية عدم الاستقرار السياسي (الشرعية/الخلافة) إلى السطح، بفعل متغيرات مضمرة غير محسومة، وأهمها قضية غياب الأسس الدستورية الواضحة التي تستطيع مواجهة ظروف غياب أو تغيب رئيس البلاد عن دوره السياسي. وكلا السببين صارا مرتبطين بالتوافقات الاستراتيجية بين الدول الخليجية والقوى الكبرى التي تريد حفظ مصالحها. وتفاعلهما جعل تلك الدول مشدودة نحو متغيرات مثل:

أ- تداخل القضايا في المنطقة، وأيضاً تداخل أبعادها، فقضايا أمن الطاقة والوضع في العراق منذ عام 1990، وطموحات إيران، وانتشار التشدد الديني وبروز جماعات تعتنق فلسفة العنف كوسيلة لحل التناقضات مع القوى الغربية إلى سطح المشهد الخليجي، تترابط بفعل إرادي أو دونه نتيجة لوجود تداخل قومي ومذهبي ومصلحي بين دول المنطقة.

ب- سيادة عدم الثقة بين دول الإقليم، وهذا ما جعل الاستقرار معضلة تاريخية، بل صارت مستعصية في ظرف وجود أجندات خارجية طامحة لتوظيف الإقليم (موارده وقضاياه ودوله) لصالحها.

ج- زيادة تدويل قضاياها، ومنها الأمنية، ومرد ذلك في قسمه الأعظم إلى اهتمام القوى الكبرى بأمن الطاقة.

د- ارتفاع سقف التهديدات المحتملة وتلك المتصورة مقارنة بالتهديدات الواقعية أو التقليدية الناجمة عن تهديد عسكري خارجي. فالمؤشرات الحديثة صارت تسلط الضوء على مصادر التهديد الداخلية. وما يميز أو يوسم تلك المصادر هو الكمون والمفاجأة لجماعات ساخطة ضد سياسات موجودة في المنطقة أو استهداف منشآت ومصالح للقوى الغربية.

والملاحظ على اهتمامات دول مجلس التعاون الخليجي من خلال النظر إلى مقررات اجتماعات القمة فيها، أنها علاوة على التركيز التقليدي على كيفية تطوير جوانب التعاون الثنائية والمشتركة، فإنها تعطي تركيزاً على قضايا الوضع الإقليمي. وأبرزها:

القضية الأولى، الملف الأمني في العراق: فالعراق وصل إلى مرحلة لا يمكن التنبؤ بمساره في ظل الاحتقان الذي عاشه البلد للفترة (2005-2007)، إذ تصاعدت أعمال الحرب الأهلية، وتزايدت الجماعات المتشددة، الأمر الذي بات يهدد بانتقال العدوى إلى دول خليجية.

القضية الثانية، التغير في التوازن الإقليمي لصالح إيران: رغم أن الإنفاق العسكري لدول مجلس التعاون بلغ عام 2005 نحو (36 مليار دولار)، مقارنة بإنفاق إيران البالغ (7 مليارات دولار) إلا أنه يبقى في معظمه إنفاقاًغير مخطط يغطي نفقات تكميلية وبنى تحتية وأحياناً إسرافاً على شراء منظومات أسلحة غير مقدر، كما أن اختلال موازنة القوى البشرية مقارنة بإيران لا يزال حرجاً. وعلى أثر التدخل الأمريكي في العراق عام 2003، لم يحدث إنهاء قوة العراق لصالح الميزان العربي في علاقات القوى الإقليمية، بل انتهى العراق ليكون ورقة مضافة في الأجندات الإيرانية، وإلى الضد من الدول العربية بحكم أجندات القوى السياسية التي مكنتها الولايات المتحدة من السيطرة على حكم وموارد العراق. هذا الوضع فرض خريطة جديدة، مفادها عدم إمكانية الوثوق بالعراق في الحسابات الخليجية كقوة صديقة أو محايدة، وهو في أفضل الأحوال ورقة بيد إيران والولايات المتحدة، وبالتالي يمكن استخدامه ضدها في حال الرغبة في الحصول على التزامات أو فرض شرعية محددة. وقد يستخدم من قبل إيران في فرض وصاية أوسع على عموم الشيعة العرب؛ إذا ما انتهت الإدارة الأمريكية إلى ضرورة منح إيران تفويضاً رسمياً أو فعلياً بإدارة العراق كاستراتيجية تقلل بها حجم خسائرها، أو كاستراتيجية تزيد بها ضغطها على الدول الخليجية العربية؛ بمعنى آخر إنه سيولد أزمة ازدواج الولاء الطائفي- السياسي لمواطني المنطقة.

 القضية الثالثة، الانتشار النووي: تكاد تطورات هذا الملف تنذر بتداعيات سلبية على أمن المنطقة، جراء تداخله مع مصالح الولايات المتحدة الرافضة لحصول إيران على السلاح النووي. وما يزيد من التعقيد في القضايا الإقليمية هو عدم وجود اتفاق إقليمي على آلية فاعلة لأمن الإقليم، وغياب لغة الحوار السياسي، وسيادة عدم الثقة، وتأكيد إيران المستمر على أن امتلاكها برنامجاً نووياًأمر ناجم عن الحاجة الداخلية، وعدم التفريط فيه هو جزء من الكرامة القومية.

 القضية الرابعة، الترابط بين أمن الخليج والأمن الإقليمي الأوسع (الصراع العربي-الإسرائيلي): فأي ارتفاع في سقف التوتر الإقليمي المرتبط بالصراع بين العرب وإسرائيل له تأثيره في منطقة الخليج. ويلاحظ أن الولايات المتحدة أرادت إشراك هذه الدول في لقاء أنابوليس في ولاية مريلاند في نهاية نوفمبر 2007، وقبلها في محادثات ولقاءات التسوية في مدريد وأوسلو وغيرها لاعتقادها بوجود ارتباط دائم بين مكونات الأمن الإقليمي في المنطقة العربية بشكل عام.

وإجمالاً، ومنذ فترة ليست بالقصيرة، يوجد تقبل واسع واعتراف دولي ضماناً أو صراحة بقبول دور الولايات المتحدة إزاء قضايا المنطقة المصيرية،وأصبح من الصعوبة على دولها تجاوزه أو عدم تصور وجوده. ورغم ذلك فإن استمرار تمتع الولايات المتحدة بالمزايا التي توفرها المنطقة اقترن بقدرتها على تحمل تكاليف تنفيذ دورها الريادي، واقتضى منها ذلك إعطاء الاهتمام لاعتبارين هما:

 أ- بقاؤها راعية للعمليات السياسية، وضمانها عدم خروج التفاعلات السياسية على نطاق سيطرتها، وإلا فإن الاتجاهات والقوى الدافعة سواء نحو ضرورة تحقيق تعاون إقليمي أو حتى نحو تقليص إن لم يكن نبذ الاعتماد على القوى الأجنبية، نقول إنها قد تستقر وتحتل مواقع متقدمة في وضع وتنفيذ السياسات الإقليمية، على نحو يؤثر سلباً في مصالح الولايات المتحدة فيها.

ب- عدم السماح باتساع أدوار القوى الدولية الأخرى تجاه قضايا المنطقة. لقد اعتمدت الولايات المتحدة أساليب تقوم على تعزيز مركزيتها في التفاعلات الدولية للمنطقة، وبذلك ضمنت وجود سياسات دولية في إطار ما تسمح به على الأقل، واستطاعت بفعل ذلك جعل علاقة المنطقة مع القوى الأخرى تترشح من خلال ما تقبل وما تعترف هي به؛ طالما أن علاقات القوى في النظام العالمي الراهن لا تغري القوى الدولية الأخرى بممارسة أدوار مستقلة عن الأدوار الأمريكية، كما نجد أن القوى الأخرى لم تشكل لها بعد مصالح واضحة تدافع عنها في منطقة الخليج.

ويلاحظ أن دول الخليج، وبفعل اقتراب أسعار النفط في السوق العالمية من مستوى (100 دولار للبرميل)، نهاية نوفمبر 2007، وبالتالي تحقيقها إيرادات مهمة، إلا أنه تبقى هناك مسائل خاضعة لنقاش أي رقم، فالارتفاع مرهون بالسوق الاستهلاكية وليس بالعرض والإنتاج، وهو بجانب منه يعود إلى انخفاض قيمة الدولار في السوق العالمية، وبالتالي فإن قيمة العائدات بقيت منخفضة عما كانت عليه عام 1981، ولا تشكل إلا نحو (40-43 دولاراً بقيمة الدولار في تلك السنة)، وزاد من انخفاض قيمة عوائد النفط ارتفاع أسعار المنتجات في الدول الصناعية، جراء عوامل عدة أبرزها التضخم، كما أن نسبة مهمة من عائد الإنتاج تذهب كأرباح للشركات المنتجة وأجور للاستخراج وللنقل والصيانة.

وفي إطار هذا التفاعل (أدوار القوى الكبرى، الضعف السياسي الداخلي، الضعف الاقتصادي) لم يكن مستغرباً عدم قدرة دول الخليج على النهوض بأدائها ودورها الدولي إلى مستوى يتناغم والأهمية التي تعطيها لها القوى الأخرى، أو حتى نحو تلك الأحداث الدولية التي لديها فيها مصالح حيوية، والتي تفرض عليها مشاركة أكثر سعة فيها من تلك المشاركة المتحققة، مثل السياسات النفطية، طالما أن إمكانات إعادة تأهيل واستثمار الموارد ذاتياً بطريقة سياسية غير متوافرة في المرحلة الراهنة، وأن الإرادة الخليجية لا تزال غير مستقرة على خيار استثمار التنافس والصراع الدوليين فيما بين القوى المختلفة أو في الأقل عند مستوى خيار تحييد آثارها فيالمنطقة.

 نحو أدوار خليجية دولية فاعلة

تشهد البيئتان الإقليمية والعالمية إعادة تشكل مستمرة، منذ مستهل القرن الحالي بسبب متغيرات عدة، لعل أهمها إدراك قوى مهمة ضرورة إعادة تشكل العلاقات الدولية، وسعيها إلى تسريع ذلك التشكل عبر توسيع مساحات التعاون وبناء القدرات. وبالطبع قابله مسعى أمريكي في تصريف مختلف الأمور السياسية، والثقافية والاقتصادية، وحتى الأمنية– العسكرية، وفقاً لمبادئها باعتبارها الطرف المهيمن على السياسة الدولية. بيد أن المسعى الأمريكي محكوم بإرادة صياغة وتنفيذ استراتيجيات محددة المعالم للنظام العالمي القادم ولنظمه الإقليمية المختلفة. بمعنى إعادة صياغة علاقات أطرافه وفق أنساق تقوم على تقديم تعاون على ما عداه من الاعتبارات الأخرى وردع الأطراف المعتدية، وفقاً لقيم النظام قيد التشكل.

ونتساءل هنا، أين موقع دول الخليج في السياسة الدولية في ضوء عملية إعادة التشكل للنظام الدولي؟ هل يتوقع أن تكون فاعلة من خلال استثمار مواردها أم سيطغى عليها عدم الفاعلية؟ وهل بإمكانها استثمار عناصر الصراع في علاقات القوى الكبرى أو على الأقل تحييد آثارها السلبية فيها، أم أن حالها ووضعها الراهن لا يشجعان على توقع احتمال زوال السلبية واللافاعلية من أدائها، وبالتالي تبقى مجالاً تابعاً وطرفاً غير فاعل في النظام الدولي؟

إن النظام الدولي كتفاعلات هو نظام المنتصر، يبقى ما بقي سيده قادراً على فرضه. وهو لم يكن منذ البدء نظاماً أحادي القطب، إنما كان تجمعاً لدول الشمال بزعامة الولايات المتحدة، التي سعت إلى انطلاقها نحو القيادة دون أي منافس حقيقي، ولا صدام قوياً مع القوى المعادية لها. ويأتي الفراغ الذي يسمح بإعادة التشكل من مسألتين: الأولى كون تعثر القوى المنافسة في ملء الفراغ الذي خلفه تفكك الاتحاد السوفييتي مؤقت. والثانية كون الولايات المتحدة لم تنجح في فرض أنموذج لنظام عالمي على دول العالم المختلفة، إنما بقيت في إطار ممارسة قدرتها التأثيرية على الأطراف التي تخرج عن دائرة تأثيرها. ويرجع ذلك إلى بقاء الصراع في العلاقة مع القوى الأخرى، وعدم تقبل الأخيرة لكافة الطروحات الأمريكية. والواضح أن الصراع الدولي حقيقة قائمة لم تستطع الأحادية القطبية أن تلغيه. وكان جانب من هذا الصراع بين القوى الكبرى، على ساحاتها نفسها، وقسم منه جرى على ساحات أطراف ثالثة، وأهمها المنطقة العربية. ولا يتوقع أن يحمل المستقبل أوضاعاً مغايرة باستثناء الاتجاه نحو الدفع بمساحات الصراع إلىالأطراف الثالثة رغبة من القوى الكبرى في عدم تحمل تكاليفه العالية مباشرة.

ومنذ انتهاء الحرب الباردة، لم تستثمر دول المنطقة هذا الصراع في تعزيز مواقعها الدولية أو في دعم عملية التنمية الداخلية الشاملة، إنما بقيت متأثرة سلباً به، حيث بقيت مجالاً تابعاً تلجأ من خلاله القوى الكبرى إلى تصفية جانب من تركة صراعها الدولي. واليوم، تتبلور محاولات للقوى الكبرى وللولايات المتحدة تحديداًلإعادة صياغة النظام الدولي، وعلاقة أطرافه المختلفة تحت دعاوى مختلفة. وفي أغلب تلك المحاولات تضع تلك القوى الاستراتيجيات إلى الضد من مصالح العرب، بل تواجه بالرفض أي حالة عربية تدعو إلى الاستقلالية أو المشاركة في نشاطات الأقطاب الفاعلة في محاولات إعادة صياغة النظام الدولي. وإذا ما شرع بإعادة رسم الخريطة الدولية المقبلة ستكون فرص دول المنطقة في التقدم في هذه البيئة محدودة. ومن ثم إذا ما تم تبلور سياسات دولية مؤيدة للسياسات الأمريكية فعلى دول المنطقةإما المشاركة فيها باعتبارها طرفاً تابعاً للقوى الكبرى أو البقاء خارج دائرة الفعل الدولي المؤثر بحكم كونها مجالاً دولياً وطرفاً لم يؤهل بعد إمكانياته إلى مستوى القدرة على تنفيذ أدوار دولية فاعلة. وهذا الوضع يفرض ضرورة التفكير في إعادة رسم وصياغة لمعظم أحوال الإقليم بقصد تأكيد وإبراز وجودها وهويتها في المجتمع الدولي، وعدم السماح لهذا المجتمع بتجاوزها أو اعتبارها مجرد بلدان على خريطته السياسية. ونرى أن الخطوات تجاه الفاعلية تقتضي التحرك في دوائر ثلاث، هي:

 * الدائرة الأولى، امتلاك الإرادة في الحصول على فاعلية دولية عبر برامج عمل داخلية وإقليمية وعالمية، وتأهيل ما يمكن تأهيله من الموارد والإمكانيات بقصد تنفيذ وتعزيز فعل هذه الإرادة.

* الدائرة الثانية، تتضمن العمل على تحييد أقصى قدر ممكن من تناقضات وصراعات القوى الكبرى عن المنطقة. بمعنى ألا تنساق دول الإقليم وراء علاقة إيديولوجية لصالح قوة كبرى واحدة دون سواها، فهذا الوضع يفرض عليهاتحمل أعباء التبعية، وأعباء معاداة القوى الأخرى لها، وبالتالي معاداتها من قبل تلك القوى. مع ملاحظة، أنه لا توجد مؤشرات كافية تفيد كون الانحسار في قوة الولايات المتحدة وتأثيرها في الإقليم يفيد بحدوث تفعيل لأدوار الدول الخليجية.

* التحرك الأخير ينطوي على السعي الدائم لإيجاد بيئة إقليمية وعالمية إيجابية لصالح قضايا المنطقة، والعمل إن أمكن على ربط القوى الإقليمية والعالمية مع دول الإقليم في علاقات تعاون موسعة، مقننة ومتعددة المضامين، واستثمارأجواء التنافس على المنطقة لصالحها. وهنا تطرح إمكانية إعادة تشكيل المنظومة الإقليمية، ربما بضم اليمن إليها أو تأصيل الحوار مع مصر.

::/fulltext::

6-371
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1371::/cck::
::introtext::

يحتل الخليج كمنظومة، أي مجموع دوله والأحداث التي يعيشها، موقعاً مميزاً في نظر القوى الكبرى وتفاعلاتها. إذ كان ولا يزال مجالاً تفاعلياً مؤثراً في اعتبارات تلك القوى، سعياً لاحتكار مزاياه وموارده المتدفقة. وتعطي القراءة التاريخية لعلاقة دول المنطقة بالتفاعلات العالمية انطباعات سلبية مفادها أنها لم تحاول الانطلاق من حقيقة تملكها لإمكانيات ذاتية، ووقوعها في مجال استراتيجي مهم في اعتبارات القوى الدولية، نقول إنها لم تحاول الانطلاق نحو صياغة وضع ملائم في الخريطة السياسية العالمية.

::/introtext::
::fulltext::

يحتل الخليج كمنظومة، أي مجموع دوله والأحداث التي يعيشها، موقعاً مميزاً في نظر القوى الكبرى وتفاعلاتها. إذ كان ولا يزال مجالاً تفاعلياً مؤثراً في اعتبارات تلك القوى، سعياً لاحتكار مزاياه وموارده المتدفقة. وتعطي القراءة التاريخية لعلاقة دول المنطقة بالتفاعلات العالمية انطباعات سلبية مفادها أنها لم تحاول الانطلاق من حقيقة تملكها لإمكانيات ذاتية، ووقوعها في مجال استراتيجي مهم في اعتبارات القوى الدولية، نقول إنها لم تحاول الانطلاق نحو صياغة وضع ملائم في الخريطة السياسية العالمية.

أصبحت الدول الخليجية اليوم في مواجهة بيئة جديدة، حجم فرصها يكاد لا يذكر، سواء إقليمياً أو عالمياً، وتعاد فيها صياغة أولويات أغلب القوى الفاعلة، بهدفضمان موقع قيادي في النظام العالمي. واستمرار التحولات في كلتا البيئتين قد يجعل فرص الدول الخليجية لتعديل سلبيات البيئة الدولية ضدها / عليها محدودة مستقبلاً، طالما بقي حالها على ما هو عليه الآن. ولذلك يفترض تأهيل نفسها إلى مستوى التحدي الذي تفرضه البيئة الدولية، والأمر كله متوقف على إرادة التعامل مع بيئة يتوقع أن تجد نفسها فيها أبرز الخاسرين إذا ما بقي التعاون الإقليمي على ضعفه الحالي، عبر وضع منطلقات استراتيجية وسياسات تكتيكية مرحلية بقصد تقليل حجم تكاليف التحولات الدولية وتعظيم المزايا القابلة للتحقق فيها.

وفي ضوء ما تقدم نتساءل، ما هي المتغيرات التي تربط الدول الخليجية بالبيئة الدولية؟ وهل استطاعت دول المنطقة الارتقاء بأدائها الدولي إلى مستوى يتناغم وإمكاناتها الذاتية، وإلى الأهمية التي تعطيها لها القوى الأخرى، أم أنها بقيت مجالاً تفاعلياً غير قادر على استثمار إمكانياته وتأهيلها إلى مستويات طموحة تتناسب وواقعها، والأهداف بعيدة المدى التي ترغب في تحقيقها.

 المنطقة في نظر القوى الكبرى

في سبيل ضمان تحقيق غاية تعزيز مواقعها الدولية في القيادة والريادة العالمية تسعى القوى الكبرى إلى توليد أو بناء مجالات إقليمية تابعة. وإذا ما أخذنا منطقة الخليج العربي، فسنجد أن تلك القوى تنظر إليها باهتمام بالغ. وعبرت سياسات تلك القوى وتعبر عن فحوى اتجاه مفاده أن ضمان موقع أفضل في منطقة الخليج يفيد بضمان خطوة تجاه الاستحواذ على موقع متقدم نسبياً في القطبية الدولية. فالمنطقة تؤمن مصدراً متدفقاً من الموارد السياسية: 40 في المائة من الاستهلاك العالمي للنفط، الذي مثل 39 في المائة من إجمالي مكونات الطاقة المستهلكة عام 2006. وتؤشر الحقائق إلى أن النفط، بات يمثل سلعة تتعرض لمزيد من الندرة، إذ يتزايد الطلب عليه بمعدلات تفوق الزيادات المتوقعة للإنتاج، وأن دول منطقة الخليج لا تزال قادرة على زيادة إنتاجها حتى خلال العقد المقبل، والواضح أنه لا خيارات واسعة أمام القوى المختلفة في الاعتماد على نفط منطقة الخليج.

أ- نجد أن الفارق بين ما تنتجه وبين ما تستهلكه الولايات المتحدة (استهلكت 25  في المائة من إجمالي معروض النفط العالمي عام 2006)، وصل إلى (10 ملايين برميل يومياً)، ولجأت إلى استيراد نحو 7 في المائة من احتياجها من هذه المنطقة، ورغم النسبة المنخفضة من استهلاكها للنفط من المنطقة، وإمكانية الاقتصاد الأمريكي خفض اعتماده، إلاأنها لا تزال تنشر وجوداً عسكرياً مهماً فيها، وذلك لا يفسر الارتباط بين الوجود الأمريكي ونسبة الاستهلاك منه، ويعود السبب إلى حجم الاحتياطي من مصادر الطاقة الذي توفره أو من الممكن أن توفره المنطقة، ولا تزال الاقتصادات الصناعية للقوى الأخرى مرتهنة بفاعليتها ونشاطها على النفط المستورد من هذه المنطقة،ويرتبط استمرار نمو اقتصاد الولايات المتحدة بتمكين تلك الاقتصادات بوصفها السوق الأرحب للسلع والمنتجات الأمريكية.

ب- الاتحاد الأوروبي (في عام 2006 استورد 6.5 مليون برميل نفط، منها 3 ملايين برميل يومياً من نفط الخليج) ليس أمامه إلا خياران لتقليل الاعتماد على نفط المنطقة من إجمالي الوزن النسبي لمصادر الطاقة المستهلكة وإزاء صعوبة تنظيم ترشيد الاستهلاك لمصادر الطاقة هما: الأول، توسيع مخزونه النفطي أو تنويع المصادر الجغرافية للمجهزين مع استمرار نضوب نفط بحر الشمال. والثاني، إنشاء محطات لتوليد الطاقة النووية، طالما لا توجد خيارات تجارية لمصادر الطاقة البديلة أو المتجددة الأخرى.

ج- الصين، وهي واحدة من أكبر القوى زيادة في استهلاك النفط، وشكل عام 2006 نحو 35 في المائة من إجمالي الطاقة المستهلكة (9 ملايين برميل)، استوردت منه 36 في المائة (3 ملايين برميل)، ويتوقع أن يصل الاستيراد لهذا المصدر 50 في المائة من إجمالي تكوينه للطاقة المستهلكة،الأمر الذي بات فيه أمن الطاقة محوراً مهماً في سياسة الصين الخارجية. وإزاء تصاعد طلبها ورغبتها في تجنب خيارات تضيق عليها استراتيجياً، فإنها لجأت إلى استراتيجيات عدة: توسيع استثماراتها في دول مجهزة مختلفة مثل فنزويلا ونيجيريا والسودان وإيران، وأيضاً توسيع بناء مفاعلات الطاقة النووية، وزيادة الاستثمار في مصادر الطاقة البديلة خاصة الكهرومائية، وتوسيع علاقاتها مع دول الخليج.

د- الهند، تعد الهند ثاني أكبر بلد نام في تسارع استهلاك النفط (استوردت 70 في المائة من احتياجها). ويتسارع طلبها على المصادر الهيدروكربونية (خامات النفط والغاز ومشتقاتهما المكررة) من منطقة الخليج. وتواجه الهند وضعاً استراتيجياً مقلقاً متعلقاً بأمن الطاقة، فهناك منافسة مع الصين على امتداد جنوب شرق آسيا، أما مصادر تزويد الهيدروكربونات في منطقة الخليج فمثقلة أساساً بالوجود الأمريكي. كما أن توجهها نحو إيران فيه صعوبات تتعلق باتجاهات الأخيرة السياسية.

هـ- اليابان، ورغم أن استهلاكها للنفط من إجمالي مكون الطاقة المستهلكة شبه مستقر، إلا أنها اختارت مساندة السياسة الأمريكية في منطقة الخليج، مع إقامة روابط تجارية مع دول المنطقة من أجل تأمين حاجاتها من الموارد الهيدروكربونية.

علاوة على ذلك، تقع المنطقة عند مفترق أكثر من دائرة استراتيجية عالمية: الآسيوية، الأوروبية، والإفريقية، ومن ثم فالسيطرة عليها تؤمن الاستحواذ على موقع عالمي أفضل مقارنة بالخصوم المحتملين، أو علىالأقل عدم تمكينهم من محاصرته استراتيجياً، وهذا ما يفسر تكالب القوى الكبرى على المنطقة، والسعي المتواصل للسيطرة عليها وإخضاعها لنفوذها ومتطلبات سياساتها الدولية. لكن أين الدول الخليجية من هذا؟

 الدول الخليجية..إمكانيات القوة وعناصر الضعف في علاقاتها بالقوى الكبرى

يلاحظ أنه في تعاملاتها مع المنطقة تقيم القوى الكبرى علاقات واسعة مع دولها، وتجلب قواتها العسكرية إليها أو بالقرب منها، كما أرسلت المندوبين والمبعوثين لمناقشة مشكلات المنطقة ضمن إطار تحركات إجرائية هادفة إلى إعادة تشكيل دائمة للخريطة السياسية بما يتواءم مع مصالح تلك القوى. مثلاً، تعاملت الولايات المتحدة مع المنطقة (قضايا / دول) بسياسات ذات اتجاهين:

الاتجاه الأول: امتلاك مفاتيح المنطقة بمعنى وضع كافة المتغيرات المؤثرة في حالات استقرار المنطقة أو عدمه تحت سيطرتها بحيث يتيح لها ذلك مجالاً واسعاً للحركة في الأوقات المناسبة سواء نحو زيادة التعاملات الإيجابية فيها أو نحو إثارة المنطقة سلباً خدمة لمصالحها.

الاتجاه الثاني: إيصال رسالة إلى القوى المختلفة مفادها أن القطبية لا تزال أحادية. وأنها، أي تلك القوى لا تملك أوراقاً كافية للتعامل مع قضايا ومناطق العالم الحساسة، أي المنطقة العربية ومنطقة الخليج بالذات وقضاياها، وليست لديها الإرادة على فعل ذلك.

تقع منطقة الخليج عند مفترق أكثر من دائرة استراتيجية عالمية آسيوية وأوروبية وإفريقية

 لقد أسهمت سياسات وإجراءات القوى الكبرى في تقييد حرية دول المنطقة في الحركة السياسية الدولية، وحتى البينية كذلك. وما ساعد على ظهور هذا المتغير هو عدم تأهيل دولها للموارد الإقليمية. وتاريخياً، لم تستطع هذه الدول أداء أدوار دولية فاعلة إنما كانت طرفاً يؤدي أدواراً تابعة في الاستراتيجيات الدولية. وامتلكت القوى الكبرى قدرة تقرير أمر القضايا/ العلاقات الإقليمية المصيرية. ولم يكن للدول الخليجية رأي في صياغة تلك العلاقات أو في تحديد مسارات قضاياها. ويرجع جانب مهم من أسباب عجز هذه الدول عن بلورة موقف مهم إزاء قضاياها أو علاقاتها الدولية أو البينية إلى تركيزها على واقع المشهد الأمني أو كما أريد له أن يكون المؤثر بشكل حاسم في سياساتها وخياراتها. والجانب الآخر يمكن إرجاعه إلى بروز إشكالية عدم الاستقرار السياسي (الشرعية/الخلافة) إلى السطح، بفعل متغيرات مضمرة غير محسومة، وأهمها قضية غياب الأسس الدستورية الواضحة التي تستطيع مواجهة ظروف غياب أو تغيب رئيس البلاد عن دوره السياسي. وكلا السببين صارا مرتبطين بالتوافقات الاستراتيجية بين الدول الخليجية والقوى الكبرى التي تريد حفظ مصالحها. وتفاعلهما جعل تلك الدول مشدودة نحو متغيرات مثل:

أ- تداخل القضايا في المنطقة، وأيضاً تداخل أبعادها، فقضايا أمن الطاقة والوضع في العراق منذ عام 1990، وطموحات إيران، وانتشار التشدد الديني وبروز جماعات تعتنق فلسفة العنف كوسيلة لحل التناقضات مع القوى الغربية إلى سطح المشهد الخليجي، تترابط بفعل إرادي أو دونه نتيجة لوجود تداخل قومي ومذهبي ومصلحي بين دول المنطقة.

ب- سيادة عدم الثقة بين دول الإقليم، وهذا ما جعل الاستقرار معضلة تاريخية، بل صارت مستعصية في ظرف وجود أجندات خارجية طامحة لتوظيف الإقليم (موارده وقضاياه ودوله) لصالحها.

ج- زيادة تدويل قضاياها، ومنها الأمنية، ومرد ذلك في قسمه الأعظم إلى اهتمام القوى الكبرى بأمن الطاقة.

د- ارتفاع سقف التهديدات المحتملة وتلك المتصورة مقارنة بالتهديدات الواقعية أو التقليدية الناجمة عن تهديد عسكري خارجي. فالمؤشرات الحديثة صارت تسلط الضوء على مصادر التهديد الداخلية. وما يميز أو يوسم تلك المصادر هو الكمون والمفاجأة لجماعات ساخطة ضد سياسات موجودة في المنطقة أو استهداف منشآت ومصالح للقوى الغربية.

والملاحظ على اهتمامات دول مجلس التعاون الخليجي من خلال النظر إلى مقررات اجتماعات القمة فيها، أنها علاوة على التركيز التقليدي على كيفية تطوير جوانب التعاون الثنائية والمشتركة، فإنها تعطي تركيزاً على قضايا الوضع الإقليمي. وأبرزها:

القضية الأولى، الملف الأمني في العراق: فالعراق وصل إلى مرحلة لا يمكن التنبؤ بمساره في ظل الاحتقان الذي عاشه البلد للفترة (2005-2007)، إذ تصاعدت أعمال الحرب الأهلية، وتزايدت الجماعات المتشددة، الأمر الذي بات يهدد بانتقال العدوى إلى دول خليجية.

القضية الثانية، التغير في التوازن الإقليمي لصالح إيران: رغم أن الإنفاق العسكري لدول مجلس التعاون بلغ عام 2005 نحو (36 مليار دولار)، مقارنة بإنفاق إيران البالغ (7 مليارات دولار) إلا أنه يبقى في معظمه إنفاقاًغير مخطط يغطي نفقات تكميلية وبنى تحتية وأحياناً إسرافاً على شراء منظومات أسلحة غير مقدر، كما أن اختلال موازنة القوى البشرية مقارنة بإيران لا يزال حرجاً. وعلى أثر التدخل الأمريكي في العراق عام 2003، لم يحدث إنهاء قوة العراق لصالح الميزان العربي في علاقات القوى الإقليمية، بل انتهى العراق ليكون ورقة مضافة في الأجندات الإيرانية، وإلى الضد من الدول العربية بحكم أجندات القوى السياسية التي مكنتها الولايات المتحدة من السيطرة على حكم وموارد العراق. هذا الوضع فرض خريطة جديدة، مفادها عدم إمكانية الوثوق بالعراق في الحسابات الخليجية كقوة صديقة أو محايدة، وهو في أفضل الأحوال ورقة بيد إيران والولايات المتحدة، وبالتالي يمكن استخدامه ضدها في حال الرغبة في الحصول على التزامات أو فرض شرعية محددة. وقد يستخدم من قبل إيران في فرض وصاية أوسع على عموم الشيعة العرب؛ إذا ما انتهت الإدارة الأمريكية إلى ضرورة منح إيران تفويضاً رسمياً أو فعلياً بإدارة العراق كاستراتيجية تقلل بها حجم خسائرها، أو كاستراتيجية تزيد بها ضغطها على الدول الخليجية العربية؛ بمعنى آخر إنه سيولد أزمة ازدواج الولاء الطائفي- السياسي لمواطني المنطقة.

 القضية الثالثة، الانتشار النووي: تكاد تطورات هذا الملف تنذر بتداعيات سلبية على أمن المنطقة، جراء تداخله مع مصالح الولايات المتحدة الرافضة لحصول إيران على السلاح النووي. وما يزيد من التعقيد في القضايا الإقليمية هو عدم وجود اتفاق إقليمي على آلية فاعلة لأمن الإقليم، وغياب لغة الحوار السياسي، وسيادة عدم الثقة، وتأكيد إيران المستمر على أن امتلاكها برنامجاً نووياًأمر ناجم عن الحاجة الداخلية، وعدم التفريط فيه هو جزء من الكرامة القومية.

 القضية الرابعة، الترابط بين أمن الخليج والأمن الإقليمي الأوسع (الصراع العربي-الإسرائيلي): فأي ارتفاع في سقف التوتر الإقليمي المرتبط بالصراع بين العرب وإسرائيل له تأثيره في منطقة الخليج. ويلاحظ أن الولايات المتحدة أرادت إشراك هذه الدول في لقاء أنابوليس في ولاية مريلاند في نهاية نوفمبر 2007، وقبلها في محادثات ولقاءات التسوية في مدريد وأوسلو وغيرها لاعتقادها بوجود ارتباط دائم بين مكونات الأمن الإقليمي في المنطقة العربية بشكل عام.

وإجمالاً، ومنذ فترة ليست بالقصيرة، يوجد تقبل واسع واعتراف دولي ضماناً أو صراحة بقبول دور الولايات المتحدة إزاء قضايا المنطقة المصيرية،وأصبح من الصعوبة على دولها تجاوزه أو عدم تصور وجوده. ورغم ذلك فإن استمرار تمتع الولايات المتحدة بالمزايا التي توفرها المنطقة اقترن بقدرتها على تحمل تكاليف تنفيذ دورها الريادي، واقتضى منها ذلك إعطاء الاهتمام لاعتبارين هما:

 أ- بقاؤها راعية للعمليات السياسية، وضمانها عدم خروج التفاعلات السياسية على نطاق سيطرتها، وإلا فإن الاتجاهات والقوى الدافعة سواء نحو ضرورة تحقيق تعاون إقليمي أو حتى نحو تقليص إن لم يكن نبذ الاعتماد على القوى الأجنبية، نقول إنها قد تستقر وتحتل مواقع متقدمة في وضع وتنفيذ السياسات الإقليمية، على نحو يؤثر سلباً في مصالح الولايات المتحدة فيها.

ب- عدم السماح باتساع أدوار القوى الدولية الأخرى تجاه قضايا المنطقة. لقد اعتمدت الولايات المتحدة أساليب تقوم على تعزيز مركزيتها في التفاعلات الدولية للمنطقة، وبذلك ضمنت وجود سياسات دولية في إطار ما تسمح به على الأقل، واستطاعت بفعل ذلك جعل علاقة المنطقة مع القوى الأخرى تترشح من خلال ما تقبل وما تعترف هي به؛ طالما أن علاقات القوى في النظام العالمي الراهن لا تغري القوى الدولية الأخرى بممارسة أدوار مستقلة عن الأدوار الأمريكية، كما نجد أن القوى الأخرى لم تشكل لها بعد مصالح واضحة تدافع عنها في منطقة الخليج.

ويلاحظ أن دول الخليج، وبفعل اقتراب أسعار النفط في السوق العالمية من مستوى (100 دولار للبرميل)، نهاية نوفمبر 2007، وبالتالي تحقيقها إيرادات مهمة، إلا أنه تبقى هناك مسائل خاضعة لنقاش أي رقم، فالارتفاع مرهون بالسوق الاستهلاكية وليس بالعرض والإنتاج، وهو بجانب منه يعود إلى انخفاض قيمة الدولار في السوق العالمية، وبالتالي فإن قيمة العائدات بقيت منخفضة عما كانت عليه عام 1981، ولا تشكل إلا نحو (40-43 دولاراً بقيمة الدولار في تلك السنة)، وزاد من انخفاض قيمة عوائد النفط ارتفاع أسعار المنتجات في الدول الصناعية، جراء عوامل عدة أبرزها التضخم، كما أن نسبة مهمة من عائد الإنتاج تذهب كأرباح للشركات المنتجة وأجور للاستخراج وللنقل والصيانة.

وفي إطار هذا التفاعل (أدوار القوى الكبرى، الضعف السياسي الداخلي، الضعف الاقتصادي) لم يكن مستغرباً عدم قدرة دول الخليج على النهوض بأدائها ودورها الدولي إلى مستوى يتناغم والأهمية التي تعطيها لها القوى الأخرى، أو حتى نحو تلك الأحداث الدولية التي لديها فيها مصالح حيوية، والتي تفرض عليها مشاركة أكثر سعة فيها من تلك المشاركة المتحققة، مثل السياسات النفطية، طالما أن إمكانات إعادة تأهيل واستثمار الموارد ذاتياً بطريقة سياسية غير متوافرة في المرحلة الراهنة، وأن الإرادة الخليجية لا تزال غير مستقرة على خيار استثمار التنافس والصراع الدوليين فيما بين القوى المختلفة أو في الأقل عند مستوى خيار تحييد آثارها فيالمنطقة.

 نحو أدوار خليجية دولية فاعلة

تشهد البيئتان الإقليمية والعالمية إعادة تشكل مستمرة، منذ مستهل القرن الحالي بسبب متغيرات عدة، لعل أهمها إدراك قوى مهمة ضرورة إعادة تشكل العلاقات الدولية، وسعيها إلى تسريع ذلك التشكل عبر توسيع مساحات التعاون وبناء القدرات. وبالطبع قابله مسعى أمريكي في تصريف مختلف الأمور السياسية، والثقافية والاقتصادية، وحتى الأمنية– العسكرية، وفقاً لمبادئها باعتبارها الطرف المهيمن على السياسة الدولية. بيد أن المسعى الأمريكي محكوم بإرادة صياغة وتنفيذ استراتيجيات محددة المعالم للنظام العالمي القادم ولنظمه الإقليمية المختلفة. بمعنى إعادة صياغة علاقات أطرافه وفق أنساق تقوم على تقديم تعاون على ما عداه من الاعتبارات الأخرى وردع الأطراف المعتدية، وفقاً لقيم النظام قيد التشكل.

ونتساءل هنا، أين موقع دول الخليج في السياسة الدولية في ضوء عملية إعادة التشكل للنظام الدولي؟ هل يتوقع أن تكون فاعلة من خلال استثمار مواردها أم سيطغى عليها عدم الفاعلية؟ وهل بإمكانها استثمار عناصر الصراع في علاقات القوى الكبرى أو على الأقل تحييد آثارها السلبية فيها، أم أن حالها ووضعها الراهن لا يشجعان على توقع احتمال زوال السلبية واللافاعلية من أدائها، وبالتالي تبقى مجالاً تابعاً وطرفاً غير فاعل في النظام الدولي؟

إن النظام الدولي كتفاعلات هو نظام المنتصر، يبقى ما بقي سيده قادراً على فرضه. وهو لم يكن منذ البدء نظاماً أحادي القطب، إنما كان تجمعاً لدول الشمال بزعامة الولايات المتحدة، التي سعت إلى انطلاقها نحو القيادة دون أي منافس حقيقي، ولا صدام قوياً مع القوى المعادية لها. ويأتي الفراغ الذي يسمح بإعادة التشكل من مسألتين: الأولى كون تعثر القوى المنافسة في ملء الفراغ الذي خلفه تفكك الاتحاد السوفييتي مؤقت. والثانية كون الولايات المتحدة لم تنجح في فرض أنموذج لنظام عالمي على دول العالم المختلفة، إنما بقيت في إطار ممارسة قدرتها التأثيرية على الأطراف التي تخرج عن دائرة تأثيرها. ويرجع ذلك إلى بقاء الصراع في العلاقة مع القوى الأخرى، وعدم تقبل الأخيرة لكافة الطروحات الأمريكية. والواضح أن الصراع الدولي حقيقة قائمة لم تستطع الأحادية القطبية أن تلغيه. وكان جانب من هذا الصراع بين القوى الكبرى، على ساحاتها نفسها، وقسم منه جرى على ساحات أطراف ثالثة، وأهمها المنطقة العربية. ولا يتوقع أن يحمل المستقبل أوضاعاً مغايرة باستثناء الاتجاه نحو الدفع بمساحات الصراع إلىالأطراف الثالثة رغبة من القوى الكبرى في عدم تحمل تكاليفه العالية مباشرة.

ومنذ انتهاء الحرب الباردة، لم تستثمر دول المنطقة هذا الصراع في تعزيز مواقعها الدولية أو في دعم عملية التنمية الداخلية الشاملة، إنما بقيت متأثرة سلباً به، حيث بقيت مجالاً تابعاً تلجأ من خلاله القوى الكبرى إلى تصفية جانب من تركة صراعها الدولي. واليوم، تتبلور محاولات للقوى الكبرى وللولايات المتحدة تحديداًلإعادة صياغة النظام الدولي، وعلاقة أطرافه المختلفة تحت دعاوى مختلفة. وفي أغلب تلك المحاولات تضع تلك القوى الاستراتيجيات إلى الضد من مصالح العرب، بل تواجه بالرفض أي حالة عربية تدعو إلى الاستقلالية أو المشاركة في نشاطات الأقطاب الفاعلة في محاولات إعادة صياغة النظام الدولي. وإذا ما شرع بإعادة رسم الخريطة الدولية المقبلة ستكون فرص دول المنطقة في التقدم في هذه البيئة محدودة. ومن ثم إذا ما تم تبلور سياسات دولية مؤيدة للسياسات الأمريكية فعلى دول المنطقةإما المشاركة فيها باعتبارها طرفاً تابعاً للقوى الكبرى أو البقاء خارج دائرة الفعل الدولي المؤثر بحكم كونها مجالاً دولياً وطرفاً لم يؤهل بعد إمكانياته إلى مستوى القدرة على تنفيذ أدوار دولية فاعلة. وهذا الوضع يفرض ضرورة التفكير في إعادة رسم وصياغة لمعظم أحوال الإقليم بقصد تأكيد وإبراز وجودها وهويتها في المجتمع الدولي، وعدم السماح لهذا المجتمع بتجاوزها أو اعتبارها مجرد بلدان على خريطته السياسية. ونرى أن الخطوات تجاه الفاعلية تقتضي التحرك في دوائر ثلاث، هي:

 * الدائرة الأولى، امتلاك الإرادة في الحصول على فاعلية دولية عبر برامج عمل داخلية وإقليمية وعالمية، وتأهيل ما يمكن تأهيله من الموارد والإمكانيات بقصد تنفيذ وتعزيز فعل هذه الإرادة.

* الدائرة الثانية، تتضمن العمل على تحييد أقصى قدر ممكن من تناقضات وصراعات القوى الكبرى عن المنطقة. بمعنى ألا تنساق دول الإقليم وراء علاقة إيديولوجية لصالح قوة كبرى واحدة دون سواها، فهذا الوضع يفرض عليهاتحمل أعباء التبعية، وأعباء معاداة القوى الأخرى لها، وبالتالي معاداتها من قبل تلك القوى. مع ملاحظة، أنه لا توجد مؤشرات كافية تفيد كون الانحسار في قوة الولايات المتحدة وتأثيرها في الإقليم يفيد بحدوث تفعيل لأدوار الدول الخليجية.

* التحرك الأخير ينطوي على السعي الدائم لإيجاد بيئة إقليمية وعالمية إيجابية لصالح قضايا المنطقة، والعمل إن أمكن على ربط القوى الإقليمية والعالمية مع دول الإقليم في علاقات تعاون موسعة، مقننة ومتعددة المضامين، واستثمارأجواء التنافس على المنطقة لصالحها. وهنا تطرح إمكانية إعادة تشكيل المنظومة الإقليمية، ربما بضم اليمن إليها أو تأصيل الحوار مع مصر.

::/fulltext::
::cck::1371::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *