إعادة البناء في العراق.. دروس في تجربة التحديث اليابانية
::cck::1372::/cck::
::introtext::
حاولت الإدارة الأمريكية بعد احتلالها للعراق في عام 2003 بناء نظام جديد لا يمت بأي صلة للفترة التي سبقت هذا التاريخ، بل أصرت الولايات المتحدة والنخبة الحاكمة العراقية على اتباع وتطبيق المعايير الأوروبية والأمريكية ذاتها في التحديث والبناء، وهي التي نهلت منها كافة الدول العربية، والعراق على وجه الخصوص، في بدايات تأسيس الدولة في عام 1921.
::/introtext::
::fulltext::
حاولت الإدارة الأمريكية بعد احتلالها للعراق في عام 2003 بناء نظام جديد لا يمت بأي صلة للفترة التي سبقت هذا التاريخ، بل أصرت الولايات المتحدة والنخبة الحاكمة العراقية على اتباع وتطبيق المعايير الأوروبية والأمريكية ذاتها في التحديث والبناء، وهي التي نهلت منها كافة الدول العربية، والعراق على وجه الخصوص، في بدايات تأسيس الدولة في عام 1921.
بقي العراق والدول العربية التي بنت مؤسساتها على التجربة الغربية تراوح مكانها غير قادرة على الاعتماد على مؤسساتها في دفع العجلة التنموية إلى الأمام، بل استمرت كلها تعتمد على صيرورتها بما تقدمه الأنظمة الغربية من مساعدات وهبات؛ مما يضع هذه الدول على المحك أمام إعادة تقييم التجربة الغربية في التحديث والبناء.
انتقلت اليابان خلال ثلاثة عقود من مجتمع شبه مدمر إلى قوة اقتصادية كبيرة
هذا البناء الذي يستند إلى المركزية الأوروبية الأمريكية في التحديث وإعادة البناء يغفل تماماً تجارب بعض الشعوب التي مرت بالظروف ذاتها التي مرت بها الشعوب العربية والتي تتقاطع معها في كثير من الخطوط سواء التاريخية والمنظومة القيمية وغيرها. واليابان إحدى هذه الدول التي تقدم مشروعاً نهضوياً يستحق النظر إليه بملية لأسباب مختلفة؛ فإذا استثنينا النجاحات الكبيرة التي جعلت اليابان من أوائل الدول المتقدمة في العصر الحديث بعد انهيار شامل طالها بعد الحرب العالمية الثانية، فإن الظروف الإقليمية والدولية والأهم الداخلية تتشابه كثيراً مع ما يمر فيه العراق الآن وبعد عام 2003، تستحق من الدارسين العرب الوقوف كثيراً للبحث في هذه التجربة واستخلاص الدروس التي تساعد العراق على الخروج من كبوته.
أولاً: أثر التواصل مع العامل البشري المؤهل في التجربة اليابانية
تميزت مرحلة التحديث الأولى في عهد الإمبراطور (مايجي) (1868-1912) بتوجيه التحديث لصالح العسكر، الأمر الذي جعلها خلال سنين قليلة واحدة من الدول الامبريالية الكبرى؛ بحيث دفعت الدول المجاورة ثمناً باهظاً للنزعة التوسعية؛ والتي انتهت بسقوط اليابان تحت الاحتلال الأمريكي عام 1945.
كان الفضل في نجاح حركة التحديث الأولى هو الاعتماد على تنمية العنصر البشري كونه من أهم العوامل التي تصنع التنمية البشرية المستدامة. إن استمرار عملية التحديث بعد عام 1945 رغم السيطرة الأجنبية هو لنظرة الإصلاحيين في اليابان من أمثال (شيغيرو يوشيدا) إلى رفض كل المقولات التي تعمل على إحداث قطع تاريخي يفصل العصر الحالي عن جذوره السابقة؛ فاليابان دولة اعتمدت في تنميتها البشرية على مقولتي التراكم الداخلي والإيجابي، والإصلاحات الشمولية، كشرطين متلازمين لبناء عملية التحديث وانتقالها للمراحل اللاحقة.
بكلمة أخرى (تتبنى الدراسات العلمية توصيف المراحل الأساسية في تاريخ اليابان الحديث على قاعدة تعاقب سمتي التغيير والاستمرارية منذ مرحلة حكم أسرة توكاغاوا حتى الآن مع التركيز على سمات التراكم الإيجابي في تلك المراحل..)، أي أن التحديث الذي وصلت إليه اليابان ليس وليد المرحلة التي أعقبت الهزيمة في عام 1945، بل هو نتاج استمرارية وتراكم الخبرات البشرية بحيث لم يحدث قطع تاريخي بين مراحل التطور التاريخي للدولة اليابانية.
الظروف التي مرت باليابان دولياً وإقليمياً وداخلياً تتشابه كثيراً مع ما يمر به العراق الآن
وأسهمت الولايات المتحدة في تبني مشروع تنموي للدول التي وقعت تحت نفوذها مثل اليابان والدول الآسيوية والعربية، إلا أن هذه الدول لم تستطع الوصول إلى ما وصلت إليه اليابان، لكون الأخيرة أدركت منذ البداية أن الإصلاحات الغربية أسهمت بالتحديث، لكن اليابان عرفت كيف (توطن الإصلاحات بما يتلاءم مع بنية المجتمع وطبيعة الشعب الياباني الذي استوعب جيداً ما يلائمه من تلك المقولات (المشاريع)، وطورها، ثم اختار بنفسه طريقة خاصة في التحديث باتت نموذجاً لشعوب أو مجتمعات أخرى)؛ فالحداثة كما يرى الباحث مسعود ضاهر هي نتاج نضج في البنى الداخلية أولاً، ومن هنا كانت العلوم العصرية والتكنولوجية ثانياً، والتمسك بكل ما هو إيجابي في تاريخه وتراثه وحضارته ثالثاً، كفيلان بأن يدفع أي مجتمع لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولذلك تعزي اليابان نهضتها إلى هذه العوامل الثلاثة بحيث تصبح الموارد الطبيعية إذا كانت متوفرة مجرد عوامل تعمل على تسريع عملية التحديث؛ فكفاءة العنصر البشري هي التي أسهمت مجدداً في بناء النهضة الثانية رغم سقوطها تحت الاحتلال الأمريكي؛ فاليابان كانت بلداً شبه مهدم عند نهاية الحرب العالمية الثانية وفرضت عليها إدارة الاحتلال شروطاً قسرية وانتقامية قاسية طالت شرائح واسعة من شعبها ومؤسساتها الدستورية والعسكرية والإدارية والاقتصادية والتربوية وغيرها، وغيرت الدستور، وعاقبت كبار العسكريين والإداريين كمجرمي حرب. لكن تغيرت هذه السياسة في الأعوام اللاحقة فتم تخفيف كافة القيود تمهيداً لإلغاء الاحتلال الأمريكي نفسه بموجب اتفاقية سان فرانسيسكو لعام 1951، وتحولت اليابان بسرعة مذهلة من الدولة العدو الأول في تلك المنطقة إلى الدولة الأكثر رعاية من جانب الأمريكيين، وإلى القاعدة الصلبة التي بنت عليها الإدارة الأمريكية الكثير من مخططاتها السياسية لمحاربة الشيوعية في منطقة جنوب وشرق آسيا.
استفاد اليابانيون من هذه الظروف الإقليمية، والحاجة الأمريكية إلى تنمية العنصر البشري بدفعه إلى استيراد التكنولوجيا المتطورة، وأرسلت آلاف اليابانيين سنوياً لتلقي العلوم العصرية والتدريب لتنتقل اليابان خلال ثلاثة عقود من مجتمع مدمر أو شبه مدمر إلى قوة اقتصادية كبيرة، والقوة الاقتصادية الثانية على مستوى العالم، وإلى واحد من أكثر المجتمعات دينامية في مجال العلم والتكنولوجيا ومن أكثرها تطوراً من حيث حجم الكتلة المالية والطبقة الوسطى العريضة.
وخلال السنوات الأولى من السيطرة الأمريكية على اليابان (1945-1948) كانت السياسة الأمريكية تعتمد على النهج ذاته الذي ما زالت تتبعه في العراق حالياً؛ إقصاء العنصر البشري المؤهل لقيادة التغيير بذرائع تحالفها مع الإمبراطور، لكنها سرعان ما غيرت من سياستها تحت وقع الضغوط والتهديدات الإقليمية، وإصرار الإصلاحيين على التغيير بمعايير يابانية واحترام خصوصية اليابان وإرثها القيمي والثقافي، وانفتاح اليابان على الرساميل الأجنبية التي قدمت بهدف الربح السريع، ولم تتعارض مع توجهات المحتل.
ثانياً: إقصاء العامل البشري في التجربة العراقية الجديدة
في المقابل، وبإسقاط التجربة والظروف اليابانية على الحالة العراقية نجد تشابهاً عميقاً لهذه الظروف ما يجعل التجربة اليابانية في التحديث والإصلاح نموذجاً يحتذى، فيما لو تجاوزنا بعض السياسات التي رافقت عملية البناء والإصلاح بعد عام 2003 والتي يتحمل تبعاتها المحتل الأمريكي والنخب الحاكمة التي شاركته الحكم.
فبغض النظر عن المواقف السلبية تجاه نظام الحكم السابق (البعثي)، إلا أن هذا النظام الذي حكم العراق لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً ساهم في تقديم نخب قيادية علمية مؤهلة، واعتمد عليها لصالح الأهداف والطموحات العسكرية للبلاد وقيادته؛ أي أنه لم يفقد أهمية العنصر البشري في التنمية وإن كانت الأهداف ذهبت باتجاه عسكرة البلاد بالصورة التي أدت بعد سنوات إلى بروز العراق قوة إقليمية عسكرية فارضة نفسها كجزء من معادلة التوازن العسكري في المنطقة، ما جعل الدول المجاورة على اختلاف الذرائع تدفع جزءاً من ثمن النزعة العسكرية لهذا النظام وهو ما أدى أخيراً إلى احتلال العراق على يد القوات الأمريكية. ولا يمكن إغفال ما قدمه النظام السابق من نهضة علمية وتربوية وصحية فاقت في تفوقها جاراتها في العالم العربي والدول المحيطة؛ وهو ما يطرح أهمية الاعتماد على هذه الحقبة في تراكم الخبرات الداخلية، والاعتماد على العنصر البشري في تنمية وتحديث البنى الداخلية، لصالح استمرارية التحديث بعد عام 2003. لكن العملية السياسية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية بعد عام 2003 قطعت التواصل التاريخي، رافضة التراكم الداخلي واستمراريته على العكس تماماً مما حدث بالتجربة اليابانية كما مر علينا؛ فقد اتبعت الإدارة الأمريكية السياسات التالية لإقصاء العامل البشري المعوّل عليه في إحداث التنمية في المجتمع العراقي:
1- إصدار جملة من القرارات والأوامر التي طالت السياسة الاقتصادية بما يتلاءم مع المنظور الأمريكي من دون الأخذ بالحسبان واقع البلاد وطبيعة تكوين سكانه الذي اعتمد على سيطرة الدولة وتحكمها باقتصاده. وهو ما انعكس بصورة سلبية على أغلب القطاعات، ومنها الزراعية التي تشهد هجرة كبيرة للأيدي العاملة الخبيرة نحو قطاعات أخرى، وهو ما اعتبر انهياراً كبيراً بالقطاع الزراعي.
2- في القطاع الصحي أشارت منظمة ميداكت (Medact) في تقريرها الذي حمل عنوان (إعادة التأهيل تحت النيران إلى الخلل والفوضى اللذين يعتريان هذا القطاع نظراً لفرار الأطباء والعاملين بالتمريض إلى الخارج وارتفاع معدل وفيات الأطفال؛ بحيث صرف أكثر من 18 مليار دولار خصصت لإعادة إعمار العراق تم توجيه أربعة في المائة منها فقط للرعاية الصحية.. وقال التقرير (إن نحو 75 في المائة من الأطباء والصيادلة والعاملين بالتمريض تركوا وظائفهم منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على البلاد عام 2003. وهاجر أكثر من نصف الفارين). ويرى التقرير أن السبب لا يكمن فقط في خوف هؤلاء والتهديد بالاغتيال والقتل، بل نتيجة للسياسات والاستراتيجيات الصحية المتبعة من قبل إدارة البنتاغون (لإعادة بناء القطاع الصحي متجاهلة الممارسات الدولية، وافتقاره لإطار عمل مؤسسي ونقص كبير في العاملين وانقطاع الكهرباء ونقص إمدادات المياه النقية والانتهاكات المتكررة للحياد الطبي).
3- حل الجيش العراقي وأجهزة الاستخبارات العراقية ومنع أعضاء حزب البعث العاملين من تسلم مناصب حكومية، ترك 400 ألف شخص من دون عمل ما عرّض حياة عوائل يصل مجموع أفرادها إلى حوالي 2.5 مليون نسمة (أي 10 في المائة من السكان) للخطر، وهو ما ترك مؤسسات البلاد خالية ممن هو قادر على إدارتها. فعلى سبيل المثال لم يتمكن الطلبة الجامعيون الذين أكملوا دراساتهم من الحصول على شهاداتهم، كذلك هي الحال مع الشرطة ومراكز الكهرباء والمستشفيات.
4- طالت عمليات الإقصاء اجتثاث الموظفين المدنيين في وزارتي الإعلام والدفاع والمحاكم العسكرية ومحاكمأمن الدولة التي أمر بحلها الحاكم المدني بريمر، وأصرت الحكومات المتعاقبة على هذه السياسات، وطالت عمليات القتل والانتقام البعثيين في معظمالمدن العراقية.
إن المتتبع للنظام السياسي الذي جاء بعد عام 2003 يجد حرصاً كبيراً لدى الإدارة الأمريكية (ربما لدوافع انتقامية ضد النظام البعثي ورئيسه) والقوى العراقية التي شاركت المحتل في قطع أي تواصل أو حديث عن المرحلة السابقة، والعمل على تأسيس مجتمع عراقي جديد لا تربطه بالماضي أية صلات، ما يعني إقصاء العامل الأبرز في إحداث أي تنمية أو تحديث يرتجى، وهو تراكم الخبرات لدى العنصر البشري المعول الأساسي في عملية البناء والتحديث. فلأكثر من 30 سنة كان البلد يدار من قبل دولة الحزب الواحد، وهذا أدى إلى تشكل ارتباط ملايين من العراقيين بالنظام، كذلك أدى ذلك إلى أن كل اولئك التكنوقراط الذين يديرون محطات الكهرباء ومراكز الشرطة والمدارس والمستشفيات هم أعضاء في حزب البعث، والآن هؤلاء خارج العمل، وتصر السياسات الحالية والإدارة العراقية على رفض إدراجهم أو مشاركتهم في إدارة البلد وبنائها لغايات خاصة وإقليمية.
لم يكن هناك أي اهتمام في بناء العنصر البشري بعد مرحلة التغيير والاحتلال والذي عصفت به الجوانب السلبية من حكم الأنظمة السابقة، واعتمد البناء الجديد على عنصر بشري مثقل بأعباء مرحلة الحصار الاقتصادي وتفشي الفساد وانعدام الشفافية؛ والإصرار على رفض الاستعانة بالعنصر البشري الذي تراكمت لديه الخبرات والمتهم والمسلط عليه سيف سياسة اجتثاث البعث، وتقرير ذلك بتوثيقه بالدستور. ولا تزال أغلب القوى (الشيعية والكردية) تصر على عدم عودة هؤلاء للحياة العامة أو المساهمة في إعادة البناء؛ بحيث يصنف العراق الآن بعد ست سنوات من الاحتلال من الدول الأكثر فساداً (في المرتبة 178 من أصل 180 دولة) بحسب مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2008، وتمتاز الحكومات المحلية التي نشأت بضعف في إدارة المشاريع المتعلقة بإعادة البناء، وهو ما دلت عليه مؤشرات حكومية تحدثت عن فشل باستغلال الميزانيات المخصصة للحكومات المحلية للسنة الخامسة على التوالي؛ بحيث لم ينفذ إلا أقل من 23 في المائة من الميزانية المخصصة.
في المقابل أصر الإصلاحيون اليابانيون على الاستفادة من التراكم الداخلي وفرض السياسات الكفيلة بالاستفادة من الخبرات السابقة في رفض كامل لقرارات التطهير لإدراكهم أن النهضة اليابانية تعتمد أساساً على هذا التراكم في خبرات العنصر البشري وإرثه التاريخي وخصوصيته الثقافية. ففي ظل إصرار المصلحين اليابانيين على رفض السياسات الأمريكية بالتطهير بالوقت نفسه تزايد الضغوط الإقليمية، وجدت الولايات المتحدة أهمية التراجع عن هذه القرارات منذ عام 1951:
1- فعلى المستوى الاقتصادي أصدرت القيادة العليا للقوى المتحالفة في 18 ديسمبر 1948 برنامج الاستقرار الاقتصادي الذي هدف إلى استقرار النقد وتأمين جباية الضرائب، والأهم إرجاع المؤسسات الاقتصادية الكبيرة والعاملين فيها، والتراجع عن سياسات وتوجيهات الجنرال الأمريكي ماك آرثر في تطهير هذه المؤسسات من كبار الإداريين والعاملين في القطاع المالي.
2- إصدار قرارات تتعلق بإطلاق سراح عشرات الآلاف من اليابانيين من السجون التي أودعوا فيها. في حين ما زال يقبع الآلاف من العراقيين في السجون العراقية والقوات متعددة الجنسيات وقسم كبير منهم من ذوي الخبرات العلمية التي حرم العراق من الاستفادة من خبراتهم بمختلف الاختصاصات.
3- في مايو 1949 أصدر الجنرال ماك آرثر مذكرة تضمنت توجهات للقيادة العليا يشير فيها إلى تدابير جديدة ستتبدل تدريجياً من الرقابة العسكرية الصارمة إلى المساعدة الودية التي تقوم بها قوى صديقة تمارس فعل الحماية وليس الوصاية.
4- حلت القيادة العليا كافة المكاتب الأمريكية التي كانت مكلفة رسمياً بمراقبة الشؤون المدنية في المحافظات اليابانية وذلك في الفترة من يوليو إلى نوفمبر 1949، ما أوجد تدابير جديدة وارتياحاً كبيراً لدى مختلف فئات الشعب الياباني الذي بدأ يستعيد ثقته بحكومته الوطنية ويجدد ثقته بالإدارة اليابانية.
5- في مطلع عام 1950 اتخذت الإدارة الأمريكية تدابير عملية تهدف إلى تأهيل اليابان لدخول الساحة الدولية كدولة مستقلة وكاملة السيادة.
6- تخفيض عدد اليابانيين الذين صنفوا سابقاً كمجرمي حرب، في حين لا تزال المحاكم العراقية تحاكم كبار المسؤوليين، كما أن (الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث) ما زالت تمارس دورها بموجب التشريعات في إقصاء البعثيين وأعمدة النظام السابق من العمل في المؤسسات الحكومية والوطنية ولديها سلطة تقريرية من دون الرجوع للقضاء في الحكم من الذي له الحق في العمل بالدولة أم لا.
ثالثاً: الدستور العراقي يصادق على إقصاء العامل البشري على خلاف دستور اليابان
الدستور العراقي الذي أقر في أكتوبر عام 2005 والذي تمت صياغته بناء على توجيهات الحاكم المدني بالاعتماد كلياً على ما صاغه (نوح فلدمان) في قانون إدارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية، لم يأخذ في الاعتبار الاعتراضات الكبيرة عليه من قبل مختلف شرائح المجتمع العراقي والنخب المثقفة في إصرار واضح للمحتل بتشريع الدستور الذي قطع أي تواصل مع الفترة السابقة، مؤكداً على سياسة الاجتثاث والإقصاء لمكون مهم للمجتمع، مقدماً نظاماً اقتصادياً ليبرالياً غير مكترث بخصوصية الاقتصاد العراقي الذي يعتبر استمراراً لمنظومة الاقتصاد في المنطقة، رافضاً إقامة التوازن ما بين حرية العمل للقطاع الخاص المراقب وتحفيز القطاع عام ودفعه إلى القيام بعمل جيد يضمن العدالة الاجتماعية لجميع شرائح المجتمع، بل ترك القطاع الخاص يلعب دوره في إعادة البناء بحيث انتقل الاقتصاد العراقي من كونه اقتصاداً إنتاجياً استهلاكياً إلى اقتصاد استهلاكي، وفتح الباب على مشرعيه لرؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار رافضاً إعطاء الأولويات للشركات المحلية القادرة على إعادة البناء في بعض الجوانب المهنية أو وضع الضوابط للحيلولة دون انتقال السيطرة الاقتصادية إلى سيطرة سياسية خارجية على مقدرات البلاد أو تحولها إلى شريعة الغاب، كما عليه الوضع الآن.
الدستور العراقي تمت صياغته والموافقة عليه والعمل به في أقل من شهرين
أوقفت القوات المحتلة العمل بالدستور الياباني لعام 1889 وأبدلته بدستور جديد عام 1946 ؛ والمتتبع للخطوات التي قادت لصياغة الدستور يجد إسهاماً كبيراً من القادة الوطنيين بالإصرار على إجراء تعديلات عليها رافضين الاكتفاء بقبول المواد المفروضة من قبل المستعمر؛ بل أصروا على إعطاء الوقت للمشرعين من كافة طوائف المجتمع الياباني التشاور بخصوص الدستور؛ بحيث أخذ وقتاً طويلاً قبل إقراره وبدأ العمل فيه عام 1947، وعلى خلاف ما جرى بصياغة الدستور العراقي الذي تمت صياغته والموافقة عليه والعمل به في أقل من شهرين.
ولذلك يجد المتابع لما جرى من بناء سياسي ودستوري في العراق رغبة لأطراف محلية وأمريكية في صياغة دستور يعبر عن مصالح فئوية ومذهبية أكثر من كونه تعبيراً وطنياً يؤكد على الهوية الوطنية ومبدأ المواطنة. وهو ما لم يفتقده الدستور الياباني الذي يتشابه مع الدستور العراقي الجديد بالنواحي التالية:
1- الفصل بين السلطات.
2- البرلمان أو الدايت (Diet) مركز سن القوانين.
3- الاعتماد على مبدأ الانتخاب الحر.
4- العمل السياسي المستند إلى أحزاب جديدة تؤمن بالممارسة الديمقراطية المقتبسة عن النموذج الغربي.
بحيث سن الدستور مؤكداً على هذه المبادىء الليبرالية، لكنه افتقد أهم العوامل التي أسهمت في إثراء التجربة اليابانية ودفعها إلى التطور وهي إقصاء العامل البشري المؤهل، ورفض الإرث التاريخي السابق ورفض الإقرار بالخصوصية العراقية التي تعتمد على تراكم الخبرات، والاستمرارية ورفض القطع التاريخي، وتنسجم مع الهوية والثقافة العربية؛ بحيث وجد العراق نفسه متخبطاً لا يستطيع تحديد هويته كونها عربية أو إسلامية أو مذهبية أو خليطاً من كل ذلك. والآن يواجه الدستور العراقي إعادة للنظر في أغلب فقراته بحيث وصل عدد الفقرات المثيرة للجدل إلى ستين فقرة، والتي تحتاج إلى إعادة النظر بها، أي أن الدستور الذي تم العمل به رسخ بناء مؤسساتياً أقيم على أسس ضعيفة وخاطئة ما يعرض هذا البنيان في المستقبل إلى الخطر، ومعرض دوماً إلى الخلل.
لقد اعتمد البناء الأمريكي للنظام السياسي على فكرة خاطئة أوقعت البلاد في صراع طائفي لهدف تحويل العراق إلى جبهة تنسجم مع الرغبات الأمريكية في المنطقة ضمن مشروعها للشرق الأوسط الكبير، الذي لا يبدو أنه ينتهي إلى حدود العراق بل يسعى باتجاه آسيا؛ فقد استندت في تشخيصه للمشكلة في العراق بعد عام 2003 إلى عقدة الماضي الذي جعل من أقلية (سنية) تحكم البلاد وأغلبية (شيعية) محرومة لم تعط الحق في الحكم؛ بحيث وجدت أن البناء والتطوير في العراق سيقومان على منح الأغلبية الحق بأن يكونوا بالحكم كون السنة أخذوا نصيبهم بالحكم، ولذلك تم إقصاء شريحة واسعة من هذا المجتمع. وانبرى الشيعة أحزاباً ومرجعيات للحفاظ على هذا البناء الطائفي وإقصاء أي محاولة أو سياسة تحول دون سيطرة الشيعة على الحكم. فعلى سبيل المثال نورد دور الحكومة في بناء المؤسسات الأمنية (الجيش والشرطة)، وسعي الحكومات التي تعاقبت منذ مجلس الحكم إلى الآن على رفض وجود قوة ثالثة بالاضافة للجيش والشرطة التي وقعت تحت سيطرة الشيعة وقوات البشمركة الكردية؛ إذ رغم الجهود التي بذلت من قبل قوات الصحوة السنية في التحسن الأمني الأخير إلا أن الحكومة رفضت طويلاً إدماج هؤلاء بمؤسسات الدولة لأسباب طائفية مردها خشية الحكومة الشيعية التي تستحوذ على الحكم من عودة السنة للحكم بما يشكل تهديداً للبناء الطائفي الذي سار عليه العراق منذ عام 2003 والذي أعطى لأحد المكونات السيطرة شبه الكاملة على الدولة ومؤسساتها.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1372::/cck::
::introtext::
حاولت الإدارة الأمريكية بعد احتلالها للعراق في عام 2003 بناء نظام جديد لا يمت بأي صلة للفترة التي سبقت هذا التاريخ، بل أصرت الولايات المتحدة والنخبة الحاكمة العراقية على اتباع وتطبيق المعايير الأوروبية والأمريكية ذاتها في التحديث والبناء، وهي التي نهلت منها كافة الدول العربية، والعراق على وجه الخصوص، في بدايات تأسيس الدولة في عام 1921.
::/introtext::
::fulltext::
حاولت الإدارة الأمريكية بعد احتلالها للعراق في عام 2003 بناء نظام جديد لا يمت بأي صلة للفترة التي سبقت هذا التاريخ، بل أصرت الولايات المتحدة والنخبة الحاكمة العراقية على اتباع وتطبيق المعايير الأوروبية والأمريكية ذاتها في التحديث والبناء، وهي التي نهلت منها كافة الدول العربية، والعراق على وجه الخصوص، في بدايات تأسيس الدولة في عام 1921.
بقي العراق والدول العربية التي بنت مؤسساتها على التجربة الغربية تراوح مكانها غير قادرة على الاعتماد على مؤسساتها في دفع العجلة التنموية إلى الأمام، بل استمرت كلها تعتمد على صيرورتها بما تقدمه الأنظمة الغربية من مساعدات وهبات؛ مما يضع هذه الدول على المحك أمام إعادة تقييم التجربة الغربية في التحديث والبناء.
انتقلت اليابان خلال ثلاثة عقود من مجتمع شبه مدمر إلى قوة اقتصادية كبيرة
هذا البناء الذي يستند إلى المركزية الأوروبية الأمريكية في التحديث وإعادة البناء يغفل تماماً تجارب بعض الشعوب التي مرت بالظروف ذاتها التي مرت بها الشعوب العربية والتي تتقاطع معها في كثير من الخطوط سواء التاريخية والمنظومة القيمية وغيرها. واليابان إحدى هذه الدول التي تقدم مشروعاً نهضوياً يستحق النظر إليه بملية لأسباب مختلفة؛ فإذا استثنينا النجاحات الكبيرة التي جعلت اليابان من أوائل الدول المتقدمة في العصر الحديث بعد انهيار شامل طالها بعد الحرب العالمية الثانية، فإن الظروف الإقليمية والدولية والأهم الداخلية تتشابه كثيراً مع ما يمر فيه العراق الآن وبعد عام 2003، تستحق من الدارسين العرب الوقوف كثيراً للبحث في هذه التجربة واستخلاص الدروس التي تساعد العراق على الخروج من كبوته.
أولاً: أثر التواصل مع العامل البشري المؤهل في التجربة اليابانية
تميزت مرحلة التحديث الأولى في عهد الإمبراطور (مايجي) (1868-1912) بتوجيه التحديث لصالح العسكر، الأمر الذي جعلها خلال سنين قليلة واحدة من الدول الامبريالية الكبرى؛ بحيث دفعت الدول المجاورة ثمناً باهظاً للنزعة التوسعية؛ والتي انتهت بسقوط اليابان تحت الاحتلال الأمريكي عام 1945.
كان الفضل في نجاح حركة التحديث الأولى هو الاعتماد على تنمية العنصر البشري كونه من أهم العوامل التي تصنع التنمية البشرية المستدامة. إن استمرار عملية التحديث بعد عام 1945 رغم السيطرة الأجنبية هو لنظرة الإصلاحيين في اليابان من أمثال (شيغيرو يوشيدا) إلى رفض كل المقولات التي تعمل على إحداث قطع تاريخي يفصل العصر الحالي عن جذوره السابقة؛ فاليابان دولة اعتمدت في تنميتها البشرية على مقولتي التراكم الداخلي والإيجابي، والإصلاحات الشمولية، كشرطين متلازمين لبناء عملية التحديث وانتقالها للمراحل اللاحقة.
بكلمة أخرى (تتبنى الدراسات العلمية توصيف المراحل الأساسية في تاريخ اليابان الحديث على قاعدة تعاقب سمتي التغيير والاستمرارية منذ مرحلة حكم أسرة توكاغاوا حتى الآن مع التركيز على سمات التراكم الإيجابي في تلك المراحل..)، أي أن التحديث الذي وصلت إليه اليابان ليس وليد المرحلة التي أعقبت الهزيمة في عام 1945، بل هو نتاج استمرارية وتراكم الخبرات البشرية بحيث لم يحدث قطع تاريخي بين مراحل التطور التاريخي للدولة اليابانية.
الظروف التي مرت باليابان دولياً وإقليمياً وداخلياً تتشابه كثيراً مع ما يمر به العراق الآن
وأسهمت الولايات المتحدة في تبني مشروع تنموي للدول التي وقعت تحت نفوذها مثل اليابان والدول الآسيوية والعربية، إلا أن هذه الدول لم تستطع الوصول إلى ما وصلت إليه اليابان، لكون الأخيرة أدركت منذ البداية أن الإصلاحات الغربية أسهمت بالتحديث، لكن اليابان عرفت كيف (توطن الإصلاحات بما يتلاءم مع بنية المجتمع وطبيعة الشعب الياباني الذي استوعب جيداً ما يلائمه من تلك المقولات (المشاريع)، وطورها، ثم اختار بنفسه طريقة خاصة في التحديث باتت نموذجاً لشعوب أو مجتمعات أخرى)؛ فالحداثة كما يرى الباحث مسعود ضاهر هي نتاج نضج في البنى الداخلية أولاً، ومن هنا كانت العلوم العصرية والتكنولوجية ثانياً، والتمسك بكل ما هو إيجابي في تاريخه وتراثه وحضارته ثالثاً، كفيلان بأن يدفع أي مجتمع لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
ولذلك تعزي اليابان نهضتها إلى هذه العوامل الثلاثة بحيث تصبح الموارد الطبيعية إذا كانت متوفرة مجرد عوامل تعمل على تسريع عملية التحديث؛ فكفاءة العنصر البشري هي التي أسهمت مجدداً في بناء النهضة الثانية رغم سقوطها تحت الاحتلال الأمريكي؛ فاليابان كانت بلداً شبه مهدم عند نهاية الحرب العالمية الثانية وفرضت عليها إدارة الاحتلال شروطاً قسرية وانتقامية قاسية طالت شرائح واسعة من شعبها ومؤسساتها الدستورية والعسكرية والإدارية والاقتصادية والتربوية وغيرها، وغيرت الدستور، وعاقبت كبار العسكريين والإداريين كمجرمي حرب. لكن تغيرت هذه السياسة في الأعوام اللاحقة فتم تخفيف كافة القيود تمهيداً لإلغاء الاحتلال الأمريكي نفسه بموجب اتفاقية سان فرانسيسكو لعام 1951، وتحولت اليابان بسرعة مذهلة من الدولة العدو الأول في تلك المنطقة إلى الدولة الأكثر رعاية من جانب الأمريكيين، وإلى القاعدة الصلبة التي بنت عليها الإدارة الأمريكية الكثير من مخططاتها السياسية لمحاربة الشيوعية في منطقة جنوب وشرق آسيا.
استفاد اليابانيون من هذه الظروف الإقليمية، والحاجة الأمريكية إلى تنمية العنصر البشري بدفعه إلى استيراد التكنولوجيا المتطورة، وأرسلت آلاف اليابانيين سنوياً لتلقي العلوم العصرية والتدريب لتنتقل اليابان خلال ثلاثة عقود من مجتمع مدمر أو شبه مدمر إلى قوة اقتصادية كبيرة، والقوة الاقتصادية الثانية على مستوى العالم، وإلى واحد من أكثر المجتمعات دينامية في مجال العلم والتكنولوجيا ومن أكثرها تطوراً من حيث حجم الكتلة المالية والطبقة الوسطى العريضة.
وخلال السنوات الأولى من السيطرة الأمريكية على اليابان (1945-1948) كانت السياسة الأمريكية تعتمد على النهج ذاته الذي ما زالت تتبعه في العراق حالياً؛ إقصاء العنصر البشري المؤهل لقيادة التغيير بذرائع تحالفها مع الإمبراطور، لكنها سرعان ما غيرت من سياستها تحت وقع الضغوط والتهديدات الإقليمية، وإصرار الإصلاحيين على التغيير بمعايير يابانية واحترام خصوصية اليابان وإرثها القيمي والثقافي، وانفتاح اليابان على الرساميل الأجنبية التي قدمت بهدف الربح السريع، ولم تتعارض مع توجهات المحتل.
ثانياً: إقصاء العامل البشري في التجربة العراقية الجديدة
في المقابل، وبإسقاط التجربة والظروف اليابانية على الحالة العراقية نجد تشابهاً عميقاً لهذه الظروف ما يجعل التجربة اليابانية في التحديث والإصلاح نموذجاً يحتذى، فيما لو تجاوزنا بعض السياسات التي رافقت عملية البناء والإصلاح بعد عام 2003 والتي يتحمل تبعاتها المحتل الأمريكي والنخب الحاكمة التي شاركته الحكم.
فبغض النظر عن المواقف السلبية تجاه نظام الحكم السابق (البعثي)، إلا أن هذا النظام الذي حكم العراق لأكثر من خمسة وثلاثين عاماً ساهم في تقديم نخب قيادية علمية مؤهلة، واعتمد عليها لصالح الأهداف والطموحات العسكرية للبلاد وقيادته؛ أي أنه لم يفقد أهمية العنصر البشري في التنمية وإن كانت الأهداف ذهبت باتجاه عسكرة البلاد بالصورة التي أدت بعد سنوات إلى بروز العراق قوة إقليمية عسكرية فارضة نفسها كجزء من معادلة التوازن العسكري في المنطقة، ما جعل الدول المجاورة على اختلاف الذرائع تدفع جزءاً من ثمن النزعة العسكرية لهذا النظام وهو ما أدى أخيراً إلى احتلال العراق على يد القوات الأمريكية. ولا يمكن إغفال ما قدمه النظام السابق من نهضة علمية وتربوية وصحية فاقت في تفوقها جاراتها في العالم العربي والدول المحيطة؛ وهو ما يطرح أهمية الاعتماد على هذه الحقبة في تراكم الخبرات الداخلية، والاعتماد على العنصر البشري في تنمية وتحديث البنى الداخلية، لصالح استمرارية التحديث بعد عام 2003. لكن العملية السياسية التي انتهجتها الإدارة الأمريكية بعد عام 2003 قطعت التواصل التاريخي، رافضة التراكم الداخلي واستمراريته على العكس تماماً مما حدث بالتجربة اليابانية كما مر علينا؛ فقد اتبعت الإدارة الأمريكية السياسات التالية لإقصاء العامل البشري المعوّل عليه في إحداث التنمية في المجتمع العراقي:
1- إصدار جملة من القرارات والأوامر التي طالت السياسة الاقتصادية بما يتلاءم مع المنظور الأمريكي من دون الأخذ بالحسبان واقع البلاد وطبيعة تكوين سكانه الذي اعتمد على سيطرة الدولة وتحكمها باقتصاده. وهو ما انعكس بصورة سلبية على أغلب القطاعات، ومنها الزراعية التي تشهد هجرة كبيرة للأيدي العاملة الخبيرة نحو قطاعات أخرى، وهو ما اعتبر انهياراً كبيراً بالقطاع الزراعي.
2- في القطاع الصحي أشارت منظمة ميداكت (Medact) في تقريرها الذي حمل عنوان (إعادة التأهيل تحت النيران إلى الخلل والفوضى اللذين يعتريان هذا القطاع نظراً لفرار الأطباء والعاملين بالتمريض إلى الخارج وارتفاع معدل وفيات الأطفال؛ بحيث صرف أكثر من 18 مليار دولار خصصت لإعادة إعمار العراق تم توجيه أربعة في المائة منها فقط للرعاية الصحية.. وقال التقرير (إن نحو 75 في المائة من الأطباء والصيادلة والعاملين بالتمريض تركوا وظائفهم منذ الغزو الذي قادته الولايات المتحدة على البلاد عام 2003. وهاجر أكثر من نصف الفارين). ويرى التقرير أن السبب لا يكمن فقط في خوف هؤلاء والتهديد بالاغتيال والقتل، بل نتيجة للسياسات والاستراتيجيات الصحية المتبعة من قبل إدارة البنتاغون (لإعادة بناء القطاع الصحي متجاهلة الممارسات الدولية، وافتقاره لإطار عمل مؤسسي ونقص كبير في العاملين وانقطاع الكهرباء ونقص إمدادات المياه النقية والانتهاكات المتكررة للحياد الطبي).
3- حل الجيش العراقي وأجهزة الاستخبارات العراقية ومنع أعضاء حزب البعث العاملين من تسلم مناصب حكومية، ترك 400 ألف شخص من دون عمل ما عرّض حياة عوائل يصل مجموع أفرادها إلى حوالي 2.5 مليون نسمة (أي 10 في المائة من السكان) للخطر، وهو ما ترك مؤسسات البلاد خالية ممن هو قادر على إدارتها. فعلى سبيل المثال لم يتمكن الطلبة الجامعيون الذين أكملوا دراساتهم من الحصول على شهاداتهم، كذلك هي الحال مع الشرطة ومراكز الكهرباء والمستشفيات.
4- طالت عمليات الإقصاء اجتثاث الموظفين المدنيين في وزارتي الإعلام والدفاع والمحاكم العسكرية ومحاكمأمن الدولة التي أمر بحلها الحاكم المدني بريمر، وأصرت الحكومات المتعاقبة على هذه السياسات، وطالت عمليات القتل والانتقام البعثيين في معظمالمدن العراقية.
إن المتتبع للنظام السياسي الذي جاء بعد عام 2003 يجد حرصاً كبيراً لدى الإدارة الأمريكية (ربما لدوافع انتقامية ضد النظام البعثي ورئيسه) والقوى العراقية التي شاركت المحتل في قطع أي تواصل أو حديث عن المرحلة السابقة، والعمل على تأسيس مجتمع عراقي جديد لا تربطه بالماضي أية صلات، ما يعني إقصاء العامل الأبرز في إحداث أي تنمية أو تحديث يرتجى، وهو تراكم الخبرات لدى العنصر البشري المعول الأساسي في عملية البناء والتحديث. فلأكثر من 30 سنة كان البلد يدار من قبل دولة الحزب الواحد، وهذا أدى إلى تشكل ارتباط ملايين من العراقيين بالنظام، كذلك أدى ذلك إلى أن كل اولئك التكنوقراط الذين يديرون محطات الكهرباء ومراكز الشرطة والمدارس والمستشفيات هم أعضاء في حزب البعث، والآن هؤلاء خارج العمل، وتصر السياسات الحالية والإدارة العراقية على رفض إدراجهم أو مشاركتهم في إدارة البلد وبنائها لغايات خاصة وإقليمية.
لم يكن هناك أي اهتمام في بناء العنصر البشري بعد مرحلة التغيير والاحتلال والذي عصفت به الجوانب السلبية من حكم الأنظمة السابقة، واعتمد البناء الجديد على عنصر بشري مثقل بأعباء مرحلة الحصار الاقتصادي وتفشي الفساد وانعدام الشفافية؛ والإصرار على رفض الاستعانة بالعنصر البشري الذي تراكمت لديه الخبرات والمتهم والمسلط عليه سيف سياسة اجتثاث البعث، وتقرير ذلك بتوثيقه بالدستور. ولا تزال أغلب القوى (الشيعية والكردية) تصر على عدم عودة هؤلاء للحياة العامة أو المساهمة في إعادة البناء؛ بحيث يصنف العراق الآن بعد ست سنوات من الاحتلال من الدول الأكثر فساداً (في المرتبة 178 من أصل 180 دولة) بحسب مؤشر مدركات الفساد الصادر عن منظمة الشفافية الدولية لعام 2008، وتمتاز الحكومات المحلية التي نشأت بضعف في إدارة المشاريع المتعلقة بإعادة البناء، وهو ما دلت عليه مؤشرات حكومية تحدثت عن فشل باستغلال الميزانيات المخصصة للحكومات المحلية للسنة الخامسة على التوالي؛ بحيث لم ينفذ إلا أقل من 23 في المائة من الميزانية المخصصة.
في المقابل أصر الإصلاحيون اليابانيون على الاستفادة من التراكم الداخلي وفرض السياسات الكفيلة بالاستفادة من الخبرات السابقة في رفض كامل لقرارات التطهير لإدراكهم أن النهضة اليابانية تعتمد أساساً على هذا التراكم في خبرات العنصر البشري وإرثه التاريخي وخصوصيته الثقافية. ففي ظل إصرار المصلحين اليابانيين على رفض السياسات الأمريكية بالتطهير بالوقت نفسه تزايد الضغوط الإقليمية، وجدت الولايات المتحدة أهمية التراجع عن هذه القرارات منذ عام 1951:
1- فعلى المستوى الاقتصادي أصدرت القيادة العليا للقوى المتحالفة في 18 ديسمبر 1948 برنامج الاستقرار الاقتصادي الذي هدف إلى استقرار النقد وتأمين جباية الضرائب، والأهم إرجاع المؤسسات الاقتصادية الكبيرة والعاملين فيها، والتراجع عن سياسات وتوجيهات الجنرال الأمريكي ماك آرثر في تطهير هذه المؤسسات من كبار الإداريين والعاملين في القطاع المالي.
2- إصدار قرارات تتعلق بإطلاق سراح عشرات الآلاف من اليابانيين من السجون التي أودعوا فيها. في حين ما زال يقبع الآلاف من العراقيين في السجون العراقية والقوات متعددة الجنسيات وقسم كبير منهم من ذوي الخبرات العلمية التي حرم العراق من الاستفادة من خبراتهم بمختلف الاختصاصات.
3- في مايو 1949 أصدر الجنرال ماك آرثر مذكرة تضمنت توجهات للقيادة العليا يشير فيها إلى تدابير جديدة ستتبدل تدريجياً من الرقابة العسكرية الصارمة إلى المساعدة الودية التي تقوم بها قوى صديقة تمارس فعل الحماية وليس الوصاية.
4- حلت القيادة العليا كافة المكاتب الأمريكية التي كانت مكلفة رسمياً بمراقبة الشؤون المدنية في المحافظات اليابانية وذلك في الفترة من يوليو إلى نوفمبر 1949، ما أوجد تدابير جديدة وارتياحاً كبيراً لدى مختلف فئات الشعب الياباني الذي بدأ يستعيد ثقته بحكومته الوطنية ويجدد ثقته بالإدارة اليابانية.
5- في مطلع عام 1950 اتخذت الإدارة الأمريكية تدابير عملية تهدف إلى تأهيل اليابان لدخول الساحة الدولية كدولة مستقلة وكاملة السيادة.
6- تخفيض عدد اليابانيين الذين صنفوا سابقاً كمجرمي حرب، في حين لا تزال المحاكم العراقية تحاكم كبار المسؤوليين، كما أن (الهيئة الوطنية العليا لاجتثاث البعث) ما زالت تمارس دورها بموجب التشريعات في إقصاء البعثيين وأعمدة النظام السابق من العمل في المؤسسات الحكومية والوطنية ولديها سلطة تقريرية من دون الرجوع للقضاء في الحكم من الذي له الحق في العمل بالدولة أم لا.
ثالثاً: الدستور العراقي يصادق على إقصاء العامل البشري على خلاف دستور اليابان
الدستور العراقي الذي أقر في أكتوبر عام 2005 والذي تمت صياغته بناء على توجيهات الحاكم المدني بالاعتماد كلياً على ما صاغه (نوح فلدمان) في قانون إدارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية، لم يأخذ في الاعتبار الاعتراضات الكبيرة عليه من قبل مختلف شرائح المجتمع العراقي والنخب المثقفة في إصرار واضح للمحتل بتشريع الدستور الذي قطع أي تواصل مع الفترة السابقة، مؤكداً على سياسة الاجتثاث والإقصاء لمكون مهم للمجتمع، مقدماً نظاماً اقتصادياً ليبرالياً غير مكترث بخصوصية الاقتصاد العراقي الذي يعتبر استمراراً لمنظومة الاقتصاد في المنطقة، رافضاً إقامة التوازن ما بين حرية العمل للقطاع الخاص المراقب وتحفيز القطاع عام ودفعه إلى القيام بعمل جيد يضمن العدالة الاجتماعية لجميع شرائح المجتمع، بل ترك القطاع الخاص يلعب دوره في إعادة البناء بحيث انتقل الاقتصاد العراقي من كونه اقتصاداً إنتاجياً استهلاكياً إلى اقتصاد استهلاكي، وفتح الباب على مشرعيه لرؤوس الأموال الأجنبية للاستثمار رافضاً إعطاء الأولويات للشركات المحلية القادرة على إعادة البناء في بعض الجوانب المهنية أو وضع الضوابط للحيلولة دون انتقال السيطرة الاقتصادية إلى سيطرة سياسية خارجية على مقدرات البلاد أو تحولها إلى شريعة الغاب، كما عليه الوضع الآن.
الدستور العراقي تمت صياغته والموافقة عليه والعمل به في أقل من شهرين
أوقفت القوات المحتلة العمل بالدستور الياباني لعام 1889 وأبدلته بدستور جديد عام 1946 ؛ والمتتبع للخطوات التي قادت لصياغة الدستور يجد إسهاماً كبيراً من القادة الوطنيين بالإصرار على إجراء تعديلات عليها رافضين الاكتفاء بقبول المواد المفروضة من قبل المستعمر؛ بل أصروا على إعطاء الوقت للمشرعين من كافة طوائف المجتمع الياباني التشاور بخصوص الدستور؛ بحيث أخذ وقتاً طويلاً قبل إقراره وبدأ العمل فيه عام 1947، وعلى خلاف ما جرى بصياغة الدستور العراقي الذي تمت صياغته والموافقة عليه والعمل به في أقل من شهرين.
ولذلك يجد المتابع لما جرى من بناء سياسي ودستوري في العراق رغبة لأطراف محلية وأمريكية في صياغة دستور يعبر عن مصالح فئوية ومذهبية أكثر من كونه تعبيراً وطنياً يؤكد على الهوية الوطنية ومبدأ المواطنة. وهو ما لم يفتقده الدستور الياباني الذي يتشابه مع الدستور العراقي الجديد بالنواحي التالية:
1- الفصل بين السلطات.
2- البرلمان أو الدايت (Diet) مركز سن القوانين.
3- الاعتماد على مبدأ الانتخاب الحر.
4- العمل السياسي المستند إلى أحزاب جديدة تؤمن بالممارسة الديمقراطية المقتبسة عن النموذج الغربي.
بحيث سن الدستور مؤكداً على هذه المبادىء الليبرالية، لكنه افتقد أهم العوامل التي أسهمت في إثراء التجربة اليابانية ودفعها إلى التطور وهي إقصاء العامل البشري المؤهل، ورفض الإرث التاريخي السابق ورفض الإقرار بالخصوصية العراقية التي تعتمد على تراكم الخبرات، والاستمرارية ورفض القطع التاريخي، وتنسجم مع الهوية والثقافة العربية؛ بحيث وجد العراق نفسه متخبطاً لا يستطيع تحديد هويته كونها عربية أو إسلامية أو مذهبية أو خليطاً من كل ذلك. والآن يواجه الدستور العراقي إعادة للنظر في أغلب فقراته بحيث وصل عدد الفقرات المثيرة للجدل إلى ستين فقرة، والتي تحتاج إلى إعادة النظر بها، أي أن الدستور الذي تم العمل به رسخ بناء مؤسساتياً أقيم على أسس ضعيفة وخاطئة ما يعرض هذا البنيان في المستقبل إلى الخطر، ومعرض دوماً إلى الخلل.
لقد اعتمد البناء الأمريكي للنظام السياسي على فكرة خاطئة أوقعت البلاد في صراع طائفي لهدف تحويل العراق إلى جبهة تنسجم مع الرغبات الأمريكية في المنطقة ضمن مشروعها للشرق الأوسط الكبير، الذي لا يبدو أنه ينتهي إلى حدود العراق بل يسعى باتجاه آسيا؛ فقد استندت في تشخيصه للمشكلة في العراق بعد عام 2003 إلى عقدة الماضي الذي جعل من أقلية (سنية) تحكم البلاد وأغلبية (شيعية) محرومة لم تعط الحق في الحكم؛ بحيث وجدت أن البناء والتطوير في العراق سيقومان على منح الأغلبية الحق بأن يكونوا بالحكم كون السنة أخذوا نصيبهم بالحكم، ولذلك تم إقصاء شريحة واسعة من هذا المجتمع. وانبرى الشيعة أحزاباً ومرجعيات للحفاظ على هذا البناء الطائفي وإقصاء أي محاولة أو سياسة تحول دون سيطرة الشيعة على الحكم. فعلى سبيل المثال نورد دور الحكومة في بناء المؤسسات الأمنية (الجيش والشرطة)، وسعي الحكومات التي تعاقبت منذ مجلس الحكم إلى الآن على رفض وجود قوة ثالثة بالاضافة للجيش والشرطة التي وقعت تحت سيطرة الشيعة وقوات البشمركة الكردية؛ إذ رغم الجهود التي بذلت من قبل قوات الصحوة السنية في التحسن الأمني الأخير إلا أن الحكومة رفضت طويلاً إدماج هؤلاء بمؤسسات الدولة لأسباب طائفية مردها خشية الحكومة الشيعية التي تستحوذ على الحكم من عودة السنة للحكم بما يشكل تهديداً للبناء الطائفي الذي سار عليه العراق منذ عام 2003 والذي أعطى لأحد المكونات السيطرة شبه الكاملة على الدولة ومؤسساتها.
::/fulltext::
::cck::1372::/cck::
