الحمائية العالمية تهدد تجارة الشرق الأوسط الدولية

::cck::1415::/cck::
::introtext::

يبدو أن أهم جوانب التباطؤ الذي تشهده التجارة العالمية حالياًهو تزامن انخفاض حجم صادرات وواردات الاقتصادات المتقدمة الكبرى منذسبتمبر 2008مع انخفاض حجم صادرات وواردات الاقتصادات النامية أيضاً. فالتجارة هي واحدة من القنوات المهمة التي تنشر عدوى الركود الاقتصادي العالمي الحالي. 

::/introtext::
::fulltext::

يبدو أن أهم جوانب التباطؤ الذي تشهده التجارة العالمية حالياًهو تزامن انخفاض حجم صادرات وواردات الاقتصادات المتقدمة الكبرى منذسبتمبر 2008مع انخفاض حجم صادرات وواردات الاقتصادات النامية أيضاً. فالتجارة هي واحدة من القنوات المهمة التي تنشر عدوى الركود الاقتصادي العالمي الحالي.

لا بد أن بلدان الشرق الأوسط عموماً ودول مجلس التعاون الخليجي الست على وجه الخصوص، ستتأثر بذلك كثيراً لا سيما أنها تعتمد بامتياز على التجارة الدولية لتحقيق النموالاقتصادي والتنمية الشاملة.المهم هنا هو أن أثر التباطؤ الاقتصادي العالمي يتجلى بوضوح في تجارة السلع الأساسية التي تضررت نتيجة لتراجع الأسعار وأزمة تمويل التجارة. ونظراً لكون بلدان الشرق الأوسط مصدرة رئيسية للسلع، فلا بد أن اقتصاداتها قد تأثرت سلباً بسبب تراجع الطلب العالمي على السلع الأساسية، خصوصاً النفط والبتروكيماويات. يضاف إلى ذلك أنطفرة النزعات الحمائية، كإجراء لمواجهة الأزمة الاقتصادية،أدت إلى تفاقم مشكلات بلدان الشرق الأوسط لا سيما أن اقتصاداتها تعتمد في الوقت ذاته على الواردات أيضاً. وقد يكون من السابق لأوانه استخلاص استنتاجات أوسع نطاقاً في هذه اللحظة، لكن إلقاء نظرةسريعة على التدابير التي اتخذتها دول العالم مؤخراً لتقييدالتجارة، كما هو واضح من التغطية الشاملة التي توفرها المبادرة التنبيهية للتجارة العالمية (GTA)، يجعلنا نتأكد تماماً أن منطقة الشرق الأوسط تأثرتسلباً إلى أبعد الحدود. فالمبادرةالتنبيهية هي عبارة عن شبكة عالمية من الباحثين والمحللين المستقلين، تراقب وتتحقق من التدابير الحكومية التي تم تطبيقها منذ أول اجتماع ذي صلة لمجموعة العشرين في نوفمبر 2008. ويقوم مركز أبحاث الاقتصاد والسياسات (CEPR)الذي يتخذ من لندن مقراً له، بتنسيق مشروع المبادرة التنبيهية، أما مركز الخليج للأبحاث ومقره دبي،فهو الشريك الإقليمي في الشرق الأوسط. 

إعادة توجيه تجارة الشرق الأوسط

ربما تكون تجارة الشرق الأوسط واحدة من دراسات الحالات المثيرة للاهتمام في تحليل أثر تدابير السياسات التجارية المطبقة خلال الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية. فبلدان الشرق الأوسط هي في الحقيقة اقتصادات مفتوحة بدرجة عالية،وصل المتوسط الإجمالي لنسبة التجارة إلى الناتج المحلي الإجمالي فيها إلى 105.2 في  2008. وتشكل كل من صادرات وواردات السلع والخدمات جزءاً مهماً للغاية من الناتج المحلي الإجمالي لكافة بلدان الشرق الأوسط، مما يدل على أهمية التجارة الدولية بالنسبة لاقتصادات هذه المنطقة. فما  تميزت به هذه المنطقة تحديداً – من وفرة في النفط وندرة في المياه – يجعل من التجارة الدولية عاملاً لا يمكن الاستغناء عنه في تحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز النمو فيها،لكنه يجعل بلدانها في الوقت ذاته أكثر عرضة للتقلبات الدورية للتجارة العالمية.

طفرة النزعات الحمائية كإجراء لمواجهة الأزمة الاقتصادية أدت إلى تفاقم مشكلات بلدان الشرق الأوسط 

وقد حدث في الآونة الأخيرة، تحول واضح في الوجهة الجغرافيةللتجارة العالمية لمنطقة الشرق الأوسط بما يتفق مع تغير القوة الاقتصادية لعدد من بلدان المنطقة. فما كان يحصل في الماضي هو أن الدول غير المصدرة للنفط، المكتظة بالسكان والأكثر تنوعاً،كمصر على سبيل المثال، كانت تشكل القوى الاقتصادية الكبرى في المنطقة، لكن ما حصل مؤخراً، هو أن مجلس التعاون الخليجي برز كأهم مركز اقتصادي في المنطقة – لا سيما أنه بات يشكل حوالي 60 فى المائة من مجمل الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الشرق الأوسط. والأهم من ذلك هو أن دول مجلس التعاون الخليجي باتت أكثر اندماجاً في عملية العولمة من بقية دول المنطقة.

دول مجلس التعاون تعتمد بامتياز على التجارة الدولية لتحقيق نموها الاقتصادي وتنميتها الشاملة 

إلا أن تراجع حركة التجارة العالمية نتيجة للأزمة الاقتصادية الراهنة،كان له تأثير سلبي في بلدان الشرق الأوسط. وكما تشير آخر التقارير، تراجعت صادرات الشرق الأوسط إلى أمريكا الشمالية بنسبة كبيرة،فبعد أن كانت تمثل ما نسبته  10.5 في المائة و 14.2 في المائة من إجمالي صادراتها في (2005 – 2006) على التوالي، انخفضت الى 2.3 في المائة في 2007. وتعد الولايات المتحدة وجهة مهمة لصادرات دول منطقة الشرق الأوسط – ففي عام 2006، استقطبت الولايات المتحدة 19 في المائة من إجمالي صادرات كل من مصر والمملكة العربية السعودية و 15.6 في المائة من إجمالي صادرات الأردن. لكن وبالنظر لكون الركود الاقتصادي قد بلغ مداه في الولايات المتحدة، فمن الطبيعي أن تكون بلدان الشرق الأوسط هذه من بين دول العالم الأكثر تضرراً من ذلك الركود. ولا شك في أن هناك مؤشرات سلبية مماثلة من المرجح أن تظهر أيضاً في أوروباً، خصوصاً أنها شريك تجاري رئيسي آخر لعدد من بلدان الشرق الأوسط. فالبلدان غير المصدرة للنفط تحديداً، تعتمد اعتماداً كبيراًفي السوق الأوروبية،ولهذا فإن تباطؤ النشاط الاقتصادي في الدول الأوروبية سيكون له تأثير كبير في صادرات تلك البلدان. إلا أن الوضع مختلف بالنسبة لتجارة البلدان الرئيسية المصدرة للنفط (دول مجلس التعاون الخليجي) مع آسيا. ففي حين انخفضت صادرات النفط والبتروكيماويات إلى دول العالم المتقدم بسبب تراجع الطلب وارتفاع أسعار النفط، فإن منطقة آسيا، كونها أكبر وجهة للصادرات،لاتزالشريكاً تجارياً مهماً، حتى إن كان هناك انخفاض معتدل في الصادرات إليها.

أثر تدابير حكومات الدول الأجنبية على المصالح التجارية الشرق أوسطية

تضمنت قاعدة بيانات المبادرة التنبيهية للتجارة العالمية لغاية الحادي عشر من سبتمبر 2009، ما مجموعه 240 تدبيراًاتخذتها حكومات الدول الأجنبية، من شأنها أن تؤثر في بلدان الشرق الأوسط، منها 146 تدبيراً  تؤثر في دول مجلس التعاون الخليجيمباشرة. ومن المهم أن نشير هنا إلى أن التدابير التمييزية (أشير إليها بعلامات حمراء وكهرمانية في قاعدة البيانات) تشكل الأغلبية الساحقة (95 في المائة) من مجموع التدابير التي اتخذت ضد دول الشرق الأوسط،فيما تشكل تدابير تحرير التجارة ولبرلتها النسبة الباقية. بعبارة أخرى، في حين تواجه دول الشرق الأوسط ما مجموعه 204 تدابير تجارية تمييزية طبقتها أو على وشك أن تطبقها دول من مختلف أنحاء العالم ضدها، فإن عدد تدابير تحرير التجارة التي تؤثر في المنطقة يبلغ 36 تدبيراً فقط. هذا يعني أن دول الشرق الأوسط، كونها اقتصادات مفتوحة إلى حد كبير، ستواجه وطأة زيادة الحمائية في كافة أنحاء العالم، وستتأثر تجارتها العالمية كثيراً بسبب التدابير التقييدية التي طبقتها بقية دول العالم خلال الأزمة، وهو ما من شأنه أن يزيد من حدة التأثير سلباًفي النمو والتنمية الاقتصادية في المنطقة.

وتواجه دولة الإمارات العربية المتحدة أكبر عدد من التدابير التجارية التمييزية، تليها المملكة العربية السعودية وإيران وعُمان والأردن والكويت وسوريا ولبنان والبحرين وقطر والعراق. يضاف إلى ذلك أن طبيعة التدابير التمييزية تكرس الحمائية المتزايدة في كافة أنحاء العالم، وتؤكد عليها، وهو ما من شأنه أن يعرقل حركة التجارة العالمية في منطقة الشرق الأوسط في المستقبل القريب إلى حد كبير. وإلى جانب التدابير المعرقلة للتجارة مثل القيود المفروضة على التصدير ودعم الصادرات والإجراءات الجمركية والعوائق غير الجمركية والعوائق التقنية والإجراءات التجارية الدفاعية، تواجه بلدان الشرق الأوسط أيضاًجملة من تدابير الاستثمار السلبي المطبقة في بقية دول العالم. بيد أن هذه التدابير التقييدية ليست موجهة مباشرة ضد دول الشرق الأوسط، بل هي نتيجة لتزايد التدابير الحمائية التي يجري اتخاذها لمواجهة الأزمة الاقتصادية.

ورغم ما تواجهه دول الشرق الأوسط عموماً ودول مجلس التعاون الخليجي بصورة خاصة، من بيئة تجارية تمييزية على نحو متزايد في أعقاب الركود الاقتصادي العالمي، فإنها لا تقوم باتخاذ أي تدابير شاملة مضادة تتعلق بالتجارة الدولية. وهذا واضح من تصنيف التدابير التي تم حصرها في قاعدة بيانات المبادرة التنبيهية. فلغاية الحادي عشر من سبتمبر  2009، قامت بلدان الشرق الأوسط باتخاذ، أو أنها على وشك اتخاذ، جملة من التدابير لا يتجاوز عددها الـ  15 تدبيراً، منها 12 تدبيراً تجارياً تمييزياً، في حين أن الثلاثة المتبقية هي تدابير لتحرير التجارة. والأهم من ذلك، أن هذه التدابير التمييزية عابرة للغاية في طبيعتها، ولم تتخذ إلا على أسس صحيّة، وسيكون لها بالتالي تأثير موضعي هامشي على التجارة العالمية.

وهكذا فإن دول الشرق الأوسط عموماً ودول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص،ستواجه تحديات هائلة في تجارتها الدولية خلال فترة الركود الاقتصادي العالمي الحالي. وبحكم كونها اقتصادات تعتمد بقوة على التجارة، فإن مستقبل النمو الاقتصادي في المنطقة سيتأثر بلا شك بهذه الاتجاهات السلبية. ونظراً لكون نجاح أي سياسة تجاريةيتوقف بدرجة كبيرة على مساهمتها الفعلية في تحسين فرص الوصول إلى الأسواق بالنسبة للمنتجات والخدمات المنتجة محلياً، وعلى قدرتها على التقليل من الآثار المترتبة على الانفتاح وتحرير التجارة والعولمة في  السوق المحلية، فإنه يتعين على دول الشرق الأوسط أن تعيد توجيه استراتيجيتها التجارية لمواجهة الانتشار المتزايد للتدابير التجارية التمييزية في كافة أنحاء العالم. وهذا بدوره يحتم على هذه الدول أن تعمل بنظم سياسات ملائمة على الصعيدين الوطني والإقليمي. وبهذا الصدد، ينبغي على دول مجلس التعاون الخليجي أن تأخذ زمام المبادرة في تشكيل جبهة جماعية في مختلف المحافل متعددة الأطراف، مثل مجموعة الـعشرينومنظمة التجارة العالمية (WTO)، للمطالبة بمعايير أفضل لمراقبة ورصد نظام تجاري متعدد الأطراف تستفيد منه. كما يتعين على دول المجلس أن تعزز التكامل الاقتصادي على الصعيد الإقليمي الأوسع في منطقة الشرق الأوسط، مما قد يعطيها قدرة أكبر على التفاوض وفرض الشروط على المستوى العالمي. وطالما أن الدبلوماسية التجارية في المنطقة لاتزال في مهدها، فإنه يتعين على الهيئات متعددة الأطراف، مثل منظمة التجارة العالمية،أن تعمل أيضاًعلى تعزيز بناء القدرات في المنطقة.

التجارة هي واحدة من القنوات المهمة التي تنشر عدوى الركود الاقتصادي العالمي الحالي

ملاحظات ختامية

خلافاً للاقتصادات الإقليمية الأخرى، تساهم منطقة الشرق الأوسط بقوة في نظام التجارة متعدد الأطراف. ولا شك في أن الطفرة في عدد التدابير المعرقلة للتجارة، والتي تطبقها الاقتصادات في كافة أنحاء العالم لمواجهة الركود الاقتصادي،ستؤثر سلباًفي دول الشرق الأوسط بشكل عام ودول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص، لتصبح بالتالي عائقاً محتملاً في وجه النمو الاقتصادي في المستقبل. ومن المفارقات أنه، في حين ما زالت هناك رغبة قوية لدى الاقتصادات الصناعية في التراجع عن الممارسات الحمائية القديمة الجيدة، فإن منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي، تواصل السير على طريق تحرير التجارة ولبرلتها حتى في مواجهة الركود الاقتصادي العالمي القاسي. فبالعودة إلى مؤشرات المبادرة التنبيهية، نجد أن اتجاهات التدابير التجارية التي اتخذتها دول منطقة الشرق الأوسط في مواجهة بقية دول العالم خلال الأزمة الاقتصادية الحالية، هي أقل عرقلة للتجارة بالمقارنة بالتأثير السلبي لجملة التدابير التي اتخذتها بقية دول العالم ضد منطقة الشرق الأوسط. وفي حين أن المحاولات الأخيرة قد تكون من باب (العودة إلى الأساسيات)، فإن صنع السياسات ذات الصلة بالتجارة لايزال ضعيفاً نسبياً في منطقة الشرق الأوسط خلال الأزمة المالية الحالية. ولا شك في أن أوجه القصور هذه هي نتيجة لقلة الوعي، وعدم العمل على بناء قدرات ذات صلة بالتجارة في المنطقة. ولهذا يتعين على صناع السياسات في المنطقة معالجة هذه الأمور في أقرب وقت ممكن.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1415::/cck::
::introtext::

يبدو أن أهم جوانب التباطؤ الذي تشهده التجارة العالمية حالياًهو تزامن انخفاض حجم صادرات وواردات الاقتصادات المتقدمة الكبرى منذسبتمبر 2008مع انخفاض حجم صادرات وواردات الاقتصادات النامية أيضاً. فالتجارة هي واحدة من القنوات المهمة التي تنشر عدوى الركود الاقتصادي العالمي الحالي. 

::/introtext::
::fulltext::

يبدو أن أهم جوانب التباطؤ الذي تشهده التجارة العالمية حالياًهو تزامن انخفاض حجم صادرات وواردات الاقتصادات المتقدمة الكبرى منذسبتمبر 2008مع انخفاض حجم صادرات وواردات الاقتصادات النامية أيضاً. فالتجارة هي واحدة من القنوات المهمة التي تنشر عدوى الركود الاقتصادي العالمي الحالي.

لا بد أن بلدان الشرق الأوسط عموماً ودول مجلس التعاون الخليجي الست على وجه الخصوص، ستتأثر بذلك كثيراً لا سيما أنها تعتمد بامتياز على التجارة الدولية لتحقيق النموالاقتصادي والتنمية الشاملة.المهم هنا هو أن أثر التباطؤ الاقتصادي العالمي يتجلى بوضوح في تجارة السلع الأساسية التي تضررت نتيجة لتراجع الأسعار وأزمة تمويل التجارة. ونظراً لكون بلدان الشرق الأوسط مصدرة رئيسية للسلع، فلا بد أن اقتصاداتها قد تأثرت سلباً بسبب تراجع الطلب العالمي على السلع الأساسية، خصوصاً النفط والبتروكيماويات. يضاف إلى ذلك أنطفرة النزعات الحمائية، كإجراء لمواجهة الأزمة الاقتصادية،أدت إلى تفاقم مشكلات بلدان الشرق الأوسط لا سيما أن اقتصاداتها تعتمد في الوقت ذاته على الواردات أيضاً. وقد يكون من السابق لأوانه استخلاص استنتاجات أوسع نطاقاً في هذه اللحظة، لكن إلقاء نظرةسريعة على التدابير التي اتخذتها دول العالم مؤخراً لتقييدالتجارة، كما هو واضح من التغطية الشاملة التي توفرها المبادرة التنبيهية للتجارة العالمية (GTA)، يجعلنا نتأكد تماماً أن منطقة الشرق الأوسط تأثرتسلباً إلى أبعد الحدود. فالمبادرةالتنبيهية هي عبارة عن شبكة عالمية من الباحثين والمحللين المستقلين، تراقب وتتحقق من التدابير الحكومية التي تم تطبيقها منذ أول اجتماع ذي صلة لمجموعة العشرين في نوفمبر 2008. ويقوم مركز أبحاث الاقتصاد والسياسات (CEPR)الذي يتخذ من لندن مقراً له، بتنسيق مشروع المبادرة التنبيهية، أما مركز الخليج للأبحاث ومقره دبي،فهو الشريك الإقليمي في الشرق الأوسط. 

إعادة توجيه تجارة الشرق الأوسط

ربما تكون تجارة الشرق الأوسط واحدة من دراسات الحالات المثيرة للاهتمام في تحليل أثر تدابير السياسات التجارية المطبقة خلال الأزمة الاقتصادية العالمية الحالية. فبلدان الشرق الأوسط هي في الحقيقة اقتصادات مفتوحة بدرجة عالية،وصل المتوسط الإجمالي لنسبة التجارة إلى الناتج المحلي الإجمالي فيها إلى 105.2 في  2008. وتشكل كل من صادرات وواردات السلع والخدمات جزءاً مهماً للغاية من الناتج المحلي الإجمالي لكافة بلدان الشرق الأوسط، مما يدل على أهمية التجارة الدولية بالنسبة لاقتصادات هذه المنطقة. فما  تميزت به هذه المنطقة تحديداً – من وفرة في النفط وندرة في المياه – يجعل من التجارة الدولية عاملاً لا يمكن الاستغناء عنه في تحقيق التنمية الاقتصادية وتعزيز النمو فيها،لكنه يجعل بلدانها في الوقت ذاته أكثر عرضة للتقلبات الدورية للتجارة العالمية.

طفرة النزعات الحمائية كإجراء لمواجهة الأزمة الاقتصادية أدت إلى تفاقم مشكلات بلدان الشرق الأوسط 

وقد حدث في الآونة الأخيرة، تحول واضح في الوجهة الجغرافيةللتجارة العالمية لمنطقة الشرق الأوسط بما يتفق مع تغير القوة الاقتصادية لعدد من بلدان المنطقة. فما كان يحصل في الماضي هو أن الدول غير المصدرة للنفط، المكتظة بالسكان والأكثر تنوعاً،كمصر على سبيل المثال، كانت تشكل القوى الاقتصادية الكبرى في المنطقة، لكن ما حصل مؤخراً، هو أن مجلس التعاون الخليجي برز كأهم مركز اقتصادي في المنطقة – لا سيما أنه بات يشكل حوالي 60 فى المائة من مجمل الناتج المحلي الإجمالي لمنطقة الشرق الأوسط. والأهم من ذلك هو أن دول مجلس التعاون الخليجي باتت أكثر اندماجاً في عملية العولمة من بقية دول المنطقة.

دول مجلس التعاون تعتمد بامتياز على التجارة الدولية لتحقيق نموها الاقتصادي وتنميتها الشاملة 

إلا أن تراجع حركة التجارة العالمية نتيجة للأزمة الاقتصادية الراهنة،كان له تأثير سلبي في بلدان الشرق الأوسط. وكما تشير آخر التقارير، تراجعت صادرات الشرق الأوسط إلى أمريكا الشمالية بنسبة كبيرة،فبعد أن كانت تمثل ما نسبته  10.5 في المائة و 14.2 في المائة من إجمالي صادراتها في (2005 – 2006) على التوالي، انخفضت الى 2.3 في المائة في 2007. وتعد الولايات المتحدة وجهة مهمة لصادرات دول منطقة الشرق الأوسط – ففي عام 2006، استقطبت الولايات المتحدة 19 في المائة من إجمالي صادرات كل من مصر والمملكة العربية السعودية و 15.6 في المائة من إجمالي صادرات الأردن. لكن وبالنظر لكون الركود الاقتصادي قد بلغ مداه في الولايات المتحدة، فمن الطبيعي أن تكون بلدان الشرق الأوسط هذه من بين دول العالم الأكثر تضرراً من ذلك الركود. ولا شك في أن هناك مؤشرات سلبية مماثلة من المرجح أن تظهر أيضاً في أوروباً، خصوصاً أنها شريك تجاري رئيسي آخر لعدد من بلدان الشرق الأوسط. فالبلدان غير المصدرة للنفط تحديداً، تعتمد اعتماداً كبيراًفي السوق الأوروبية،ولهذا فإن تباطؤ النشاط الاقتصادي في الدول الأوروبية سيكون له تأثير كبير في صادرات تلك البلدان. إلا أن الوضع مختلف بالنسبة لتجارة البلدان الرئيسية المصدرة للنفط (دول مجلس التعاون الخليجي) مع آسيا. ففي حين انخفضت صادرات النفط والبتروكيماويات إلى دول العالم المتقدم بسبب تراجع الطلب وارتفاع أسعار النفط، فإن منطقة آسيا، كونها أكبر وجهة للصادرات،لاتزالشريكاً تجارياً مهماً، حتى إن كان هناك انخفاض معتدل في الصادرات إليها.

أثر تدابير حكومات الدول الأجنبية على المصالح التجارية الشرق أوسطية

تضمنت قاعدة بيانات المبادرة التنبيهية للتجارة العالمية لغاية الحادي عشر من سبتمبر 2009، ما مجموعه 240 تدبيراًاتخذتها حكومات الدول الأجنبية، من شأنها أن تؤثر في بلدان الشرق الأوسط، منها 146 تدبيراً  تؤثر في دول مجلس التعاون الخليجيمباشرة. ومن المهم أن نشير هنا إلى أن التدابير التمييزية (أشير إليها بعلامات حمراء وكهرمانية في قاعدة البيانات) تشكل الأغلبية الساحقة (95 في المائة) من مجموع التدابير التي اتخذت ضد دول الشرق الأوسط،فيما تشكل تدابير تحرير التجارة ولبرلتها النسبة الباقية. بعبارة أخرى، في حين تواجه دول الشرق الأوسط ما مجموعه 204 تدابير تجارية تمييزية طبقتها أو على وشك أن تطبقها دول من مختلف أنحاء العالم ضدها، فإن عدد تدابير تحرير التجارة التي تؤثر في المنطقة يبلغ 36 تدبيراً فقط. هذا يعني أن دول الشرق الأوسط، كونها اقتصادات مفتوحة إلى حد كبير، ستواجه وطأة زيادة الحمائية في كافة أنحاء العالم، وستتأثر تجارتها العالمية كثيراً بسبب التدابير التقييدية التي طبقتها بقية دول العالم خلال الأزمة، وهو ما من شأنه أن يزيد من حدة التأثير سلباًفي النمو والتنمية الاقتصادية في المنطقة.

وتواجه دولة الإمارات العربية المتحدة أكبر عدد من التدابير التجارية التمييزية، تليها المملكة العربية السعودية وإيران وعُمان والأردن والكويت وسوريا ولبنان والبحرين وقطر والعراق. يضاف إلى ذلك أن طبيعة التدابير التمييزية تكرس الحمائية المتزايدة في كافة أنحاء العالم، وتؤكد عليها، وهو ما من شأنه أن يعرقل حركة التجارة العالمية في منطقة الشرق الأوسط في المستقبل القريب إلى حد كبير. وإلى جانب التدابير المعرقلة للتجارة مثل القيود المفروضة على التصدير ودعم الصادرات والإجراءات الجمركية والعوائق غير الجمركية والعوائق التقنية والإجراءات التجارية الدفاعية، تواجه بلدان الشرق الأوسط أيضاًجملة من تدابير الاستثمار السلبي المطبقة في بقية دول العالم. بيد أن هذه التدابير التقييدية ليست موجهة مباشرة ضد دول الشرق الأوسط، بل هي نتيجة لتزايد التدابير الحمائية التي يجري اتخاذها لمواجهة الأزمة الاقتصادية.

ورغم ما تواجهه دول الشرق الأوسط عموماً ودول مجلس التعاون الخليجي بصورة خاصة، من بيئة تجارية تمييزية على نحو متزايد في أعقاب الركود الاقتصادي العالمي، فإنها لا تقوم باتخاذ أي تدابير شاملة مضادة تتعلق بالتجارة الدولية. وهذا واضح من تصنيف التدابير التي تم حصرها في قاعدة بيانات المبادرة التنبيهية. فلغاية الحادي عشر من سبتمبر  2009، قامت بلدان الشرق الأوسط باتخاذ، أو أنها على وشك اتخاذ، جملة من التدابير لا يتجاوز عددها الـ  15 تدبيراً، منها 12 تدبيراً تجارياً تمييزياً، في حين أن الثلاثة المتبقية هي تدابير لتحرير التجارة. والأهم من ذلك، أن هذه التدابير التمييزية عابرة للغاية في طبيعتها، ولم تتخذ إلا على أسس صحيّة، وسيكون لها بالتالي تأثير موضعي هامشي على التجارة العالمية.

وهكذا فإن دول الشرق الأوسط عموماً ودول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص،ستواجه تحديات هائلة في تجارتها الدولية خلال فترة الركود الاقتصادي العالمي الحالي. وبحكم كونها اقتصادات تعتمد بقوة على التجارة، فإن مستقبل النمو الاقتصادي في المنطقة سيتأثر بلا شك بهذه الاتجاهات السلبية. ونظراً لكون نجاح أي سياسة تجاريةيتوقف بدرجة كبيرة على مساهمتها الفعلية في تحسين فرص الوصول إلى الأسواق بالنسبة للمنتجات والخدمات المنتجة محلياً، وعلى قدرتها على التقليل من الآثار المترتبة على الانفتاح وتحرير التجارة والعولمة في  السوق المحلية، فإنه يتعين على دول الشرق الأوسط أن تعيد توجيه استراتيجيتها التجارية لمواجهة الانتشار المتزايد للتدابير التجارية التمييزية في كافة أنحاء العالم. وهذا بدوره يحتم على هذه الدول أن تعمل بنظم سياسات ملائمة على الصعيدين الوطني والإقليمي. وبهذا الصدد، ينبغي على دول مجلس التعاون الخليجي أن تأخذ زمام المبادرة في تشكيل جبهة جماعية في مختلف المحافل متعددة الأطراف، مثل مجموعة الـعشرينومنظمة التجارة العالمية (WTO)، للمطالبة بمعايير أفضل لمراقبة ورصد نظام تجاري متعدد الأطراف تستفيد منه. كما يتعين على دول المجلس أن تعزز التكامل الاقتصادي على الصعيد الإقليمي الأوسع في منطقة الشرق الأوسط، مما قد يعطيها قدرة أكبر على التفاوض وفرض الشروط على المستوى العالمي. وطالما أن الدبلوماسية التجارية في المنطقة لاتزال في مهدها، فإنه يتعين على الهيئات متعددة الأطراف، مثل منظمة التجارة العالمية،أن تعمل أيضاًعلى تعزيز بناء القدرات في المنطقة.

التجارة هي واحدة من القنوات المهمة التي تنشر عدوى الركود الاقتصادي العالمي الحالي

ملاحظات ختامية

خلافاً للاقتصادات الإقليمية الأخرى، تساهم منطقة الشرق الأوسط بقوة في نظام التجارة متعدد الأطراف. ولا شك في أن الطفرة في عدد التدابير المعرقلة للتجارة، والتي تطبقها الاقتصادات في كافة أنحاء العالم لمواجهة الركود الاقتصادي،ستؤثر سلباًفي دول الشرق الأوسط بشكل عام ودول مجلس التعاون الخليجي على وجه الخصوص، لتصبح بالتالي عائقاً محتملاً في وجه النمو الاقتصادي في المستقبل. ومن المفارقات أنه، في حين ما زالت هناك رغبة قوية لدى الاقتصادات الصناعية في التراجع عن الممارسات الحمائية القديمة الجيدة، فإن منطقة الشرق الأوسط، وخصوصاً دول مجلس التعاون الخليجي، تواصل السير على طريق تحرير التجارة ولبرلتها حتى في مواجهة الركود الاقتصادي العالمي القاسي. فبالعودة إلى مؤشرات المبادرة التنبيهية، نجد أن اتجاهات التدابير التجارية التي اتخذتها دول منطقة الشرق الأوسط في مواجهة بقية دول العالم خلال الأزمة الاقتصادية الحالية، هي أقل عرقلة للتجارة بالمقارنة بالتأثير السلبي لجملة التدابير التي اتخذتها بقية دول العالم ضد منطقة الشرق الأوسط. وفي حين أن المحاولات الأخيرة قد تكون من باب (العودة إلى الأساسيات)، فإن صنع السياسات ذات الصلة بالتجارة لايزال ضعيفاً نسبياً في منطقة الشرق الأوسط خلال الأزمة المالية الحالية. ولا شك في أن أوجه القصور هذه هي نتيجة لقلة الوعي، وعدم العمل على بناء قدرات ذات صلة بالتجارة في المنطقة. ولهذا يتعين على صناع السياسات في المنطقة معالجة هذه الأمور في أقرب وقت ممكن.

::/fulltext::
::cck::1415::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *