القضية الفلسطينية في الخطاب الإعلامي الخليجي

::cck::1446::/cck::
::introtext::

الخطاب الإعلامي لأية دولة أو نظام إقليمي أو دولي لا يمكن فصله عن الخطاب السياسي لها. ولا يشذ الخطاب الإعلامي لدول الخليج قبل وبعد ولادة مجلس التعاون الخليجي عام 1981عن هذه القاعدة؛ بمعنى أن الخطاب الإعلامي لدول مجلس التعاون، منفردة أو مجتمعة، كان ولا يزال وثيق الارتباط بالخطاب السياسي لهذه الدول، وهو الآخر شديد الارتباط بالخطاب السياسي العربي الخاص بالقضية الفلسطينية بأبعادها المختلفة.

::/introtext::
::fulltext::

الخطاب الإعلامي لأية دولة أو نظام إقليمي أو دولي لا يمكن فصله عن الخطاب السياسي لها. ولا يشذ الخطاب الإعلامي لدول الخليج قبل وبعد ولادة مجلس التعاون الخليجي عام 1981عن هذه القاعدة؛ بمعنى أن الخطاب الإعلامي لدول مجلس التعاون، منفردة أو مجتمعة، كان ولا يزال وثيق الارتباط بالخطاب السياسي لهذه الدول، وهو الآخر شديد الارتباط بالخطاب السياسي العربي الخاص بالقضية الفلسطينية بأبعادها المختلفة.

نظرياً يمكن القول إن القضية الفلسطينية تحتل موقعاً محورياً في الخطابين العربيين: السياسي والإعلامي. فالنظام العربي الرسمي لا يزال ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الصراع الإسرائيلي-العربيوالقدس الشريف لب هذه القضية، وإن كان النظام العربي الرسمي قد تحوّل في خطابه السياسي بالقضية الفلسطينية من صراع حضاري وجودي نافٍ للآخر إلى نزاع سياسي قابل للتسوية في إطار القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة بالقضية الفلسطينية والقدس والشرق الأوسط. لا بل إن النظام العربي الرسمي لم يكتف بالطلاق البائن مع لاءات الخرطوم: (لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل) منتهجاً طريق الحلول المنفردة ومستغلاً للانتصار المحدود الذي تحقق له في حرب أكتوبر عام 1973.

فكانت اتفاقية كامب ديفيد في 26/3/1979 التي أخرجت مصر كبرى الدول العربية من ساحة المواجهة مع الكيان الصهيوني لتدخل المنطقة في سلسلة حروب دامية أجبرت العرب وتحديداً دول المواجهة أو (الطوق) العربية على الامتثال للقرار الأمريكي بحضور مؤتمر مدريد للسلام والجلوس على مائدة المفاوضات وجهاً إلى وجه مع إسرائيل مروراً باتفاقية أوسلو في سبتمبر 1993، وإعلان المبادئ الفلسطيني – الإسرائيلي في 13/9/1993، و(معاهدة السلام الأردنية – الإسرائيلية) في 21/10/1993، ومبادرة السلام العربية (السعودية المنشأ) التي تم إقرارها في قمة بيروت العربية عام 2002 وتأكيدها في قمتي الرياض ودمشق عامي (2007-2008) وانتهت بغزو العراق واحتلال أمريكا وبريطانيا له بعد حرب أمريكية- عربية مدمرة عام 1991 وحصار لا مثيل له في التاريخ قديمه وحديثه راح ضحيته أكثر من مليون عراقي معظمهم من الأطفال لنخرج بذلك ثاني أكبر قوة عربية من ساحة المواجهة مع الكيان الصهيوني.

مواكبة الخطاب السياسي

واكب الإعلام الخليجي هذا التطور في الخطاب السياسي العربي في مجال القضية الفلسطينية وفقاً لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وأهمها قرار التقسيم رقم 181/1947 الصادر عن الجمعية العامة وقرار حق العودة أو التعويض لغير الراغبين في العودة إلى ديارهم رقم 194/1948، وقرارا مجلس الأمن 242/1967 و 338/1973.

بيد أن هذا التحول في الخطابين السياسي والإعلامي ومواكبة الإعلام الخليجي له رافقته نظرة نقدية لسياسة الرفض العربية للقرار (181) القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية على ما مساحه 44 في المائة من فلسطين وأخرى يهودية على 56 في المائة من فلسطين، وأن يكون للقدس كيان خاص بها (Corpus Separatum) بإشراف دولي يتقرر مصيره باستفتاء شعبي يجرى بعد انقضاء عشر سنين بانضمام الشطر العربي للدولة العربية واليهودي للدولة اليهودية أو بالبقاء منفصلاً. إذ اعتبر الرفض المسؤول عن (ضياع الفرص) وضياع فلسطين بالكامل أحد أهم الأسباب في توالي نكبات الأمة وصولاً إلى احتلال العراق وتدميره. ولكن الخطاب الإعلامي الخليجي لم يقف عند حد التناغم مع الخطاب السياسي الخليجي، بل بادر إلى الترويج للمبادرات الخليجية وأهمها مشروع الملك فهد للسلام الذي عرف بعد إقراره بالإجماع في قمة (فاس) العربية عام 1982 بـ (مشروع السلام العربي). ويستند مشروع الملك فهد إلى مقايضة السلام بالأرض وفقاً للقرارات الشرعية الدولية.

القضية الفلسطينية قد فقدت الكثير من محوريتها في الخطاب الإعلامي الخليجي تبعاً للمتغيرات الإقليمية والدولية

أما المبادرة الثانية فكانت مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز المشار إليها آنفاً. وأهم ما يميز هذه المبادرة أنها تخلت عن الاحتكام إلى السلاح في تسوية النزاع الإسرائيلي – العربي باللجوء إلى المفاوضات على أساس قرارات الأمم المتحدة التي تقضي بانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس مقابل السلام والتطبيع الكامل مع إسرائيل، فضلاً عن الاعتراف بها، وبالاعتراف أيضاً بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم بإقامة دولتهم المستقلة ذات السيادة التامة وعاصمتها القدس، وتسوية مشكلة اللاجئين وفقاً للقرار 194/1948. أي أن الخطاب الإعلامي الخليجي دخل تبعاً لذلك في مرحلة الترويج للسلام باعتباره خياراً استراتيجياً وحيداً للعرب.

تراجع مكانة القضية الفلسطينية

بيد أن القضية الفلسطينية فقدت الكثير من محوريتها في الخطاب الإعلامي الخليجي تبعاً للمتغيرات الإقليمية والدولية التي تركت أثاراً جلية على الخطاب الإعلامي الخليجي تجاه القضية الفلسطينية وأهمها غزو العراق للكويت، وموقف منظمة التحرير الفلسطينية المرفوض خليجياً، والمنحاز للعراق مظهر آخر لتلازم الخطابين السياسي والإعلامي الخليجيين تجاه القضية الفلسطينية. ولم تتراجع التغطية الإعلامية للقضية الفلسطينية في وسائل الإعلام الخليجية على اختلاف أشكالها وخلفياتها الفكرية والسياسية فحسب، بل حمّل الطرف الفلسطيني وتحديداً رئيسه الراحل ياسر عرفات وزر (ضياع) القضية الفلسطينية، وتلاشى الحلم الفلسطيني في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف بفعل التزامه جانب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. فبعد أن كان الخطاب الإعلامي الخليجي متحمساً لقرار الرباط لعام 1974 القاضي بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب العربي الفلسطيني تلاشى هذا التأييد لدرجة المطالبة باستبدال ياسر عرفات، لا بل إن بعض الأوساط السياسية والفكرية والعلمية الخليجية كانت قد رأت فيه وليس في إسرائيل العدو الفعلي للمصلحة الوطنية للشعب العربي الفلسطيني، و(خيانة) لنضاله الوطني التحرري.

القضية الفلسطينية تستعيد مكانتها

لم يدم هذا التراجع في مكانة القضية الفلسطينية في الخطاب الإعلامي الخليجي؛ فسرعان ما استعادت لأسباب خليجية وإقليمية ودولية مكانتها في الخطابين السياسي والإعلامي الخليجيين، وإن بقيت في الحلق غصة بالنسبة للكويت التي ظلت متمسكة بضرورة اعتذار الرئيس ياسر عرفات الذي فارق الحياة من دون أن يفعل ذلك. واستعادت القضية الفلسطينية ألقها وحيويتها بعد أن تعهد بوش الأب بالتحول إلى القضية الفلسطينية وتسويتها تسوية عادلة بعد أن يفرغ من إخراج العراق من الكويت، فعاود الخطاب الإعلامي الخليجي إثر ذلك متناغماً مع الخطاب السياسي بعد أن نجح ياسر عرفات في مصالحة السعودية وكسب ود دول الخليج الأخرى باستثناء الكويت إلى التركيز على القضية الفلسطينية بأبعادها المختلفة خشية ألا يقع الشعب العربي الفلسطيني (فريسة الخطاب الإعلامي والسياسي العراقي) الذي رأى في التحرك الأمريكي قبل وبعد حرب الخليج الثانية 1991 مجرد لعبة أمريكية لن تتمخض عن شيء ملموس في مجال القضية الفلسطينية. لا سيما أن الإدارة الأمريكية رأت في هزيمة العراق هزيمة للنظام العربي الرسمي بمتطرفيه ومعتدليه. وهو ما أكده الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في لقاء له مع بعض القادة النقابين العرب عندما سأله أحدهم: (وماذا بعد إخراج العراق من الكويت؟ فأجاب مبتسماً: (هذا كان سؤالي لـ (جيمس بيكر) الذي رد قائلاً: (سيادة الرئيس لا تنسى أن العرب جميعاً هزموا وليس العراق وحده).

وتركز الخطاب الإعلامي مجدداً على ضرورة حل القضية الفلسطينية باعتبارها أم المشكلات وبؤرة التوتر والتصادم بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، والانسحاب من كامل الأراضي العربية المحتلة والعودة إلى خطوط الرابع من يونيو عام 1967، وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفقاً للقرار 194/1948 حلاً عادلاً يحقق السلام الدائم والعادل والشامل.

القضية الفلسطينية في (بؤرة) الخطاب الإعلامي الفضائي

بيد أن ثورة تكنولوجيا المعلوماتية التي اجتاحت دول مجلس التعاون الخليجي بانطلاقة فضائية (الجزيرة) من العاصمة القطرية الدوحة وغيرها من الفضائيات الخليجية لاحقاً وما توافر لها من إمكانيات مادية وكوادر بشرية متمرسة في فن صنع الخطاب الإعلامي شكلت نقطة تحول كبيرة في تناول الخطاب الإعلامي الخليجي للقضية الفلسطينية ومساهمته الفعّالة في تشكيل رأي عام إيجابي خليجي وعربي وإقليمي ودولي تجاه القضية الفلسطينية. فقد نجحت الفضائيات الخليجية: الجزيرة (النشرات الأخبارية والحصاد الأخباري والبرامج المتخصصة مثل: الاتجاه المعاكس، بلا حدود، شاهد على العصر، سري ومكتوم، منبر الجزيرة، حوار مفتوح، زيارة خاصة، لقاء اليوم، وضيف المنتصف) والعربية (التغطية الأخبارية، بانوراما، بصراحة، ودبي ( قلم رصاص) وغير ذلك.

ولو قدر للخطاب الإعلامي الخليجي أن يشد أزره بخطاب سياسي خليجي وعربي فعّال وعملي لأمكن له أن يتفوق باقتدار على الخطاب الإعلامي الأمريكي التضليلي المستند إلى تبني الموقف الإسرائيلي باعتبارها دولة مهددة من جيرانها العرب مع أن الرأي العام الغربي يعتبر إسرائيل أكبر مصدر مهدد للسلم والأمن الدوليين تليها أمريكا في عهد بوش الابن.

القنوات الفضائية الخليجية شكلت نقطة تحول كبيرة في تناول الخطاب الإعلامي الخليجي للقضية الفلسطينية

إن الخطاب الإعلامي الخليجي الفضائي الذي تقوده فضائية (الجزيرة) نجح في جعل القضية الفلسطينية أحد أهم محاور خطابه الإعلامي من خلال برامج هادفة تمحورت حول:

* إبقاء القضية الفلسطينية حية في الأذهان ووديعة تتناقلها الأجيال (حق لا يأبى النسيان).

* تشكيل رأي عام خليجي وعربي وإقليمي ودولي إيجابي وداعم للحق العربي الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

* كشف عورة النظام اليهودي الصهيوني، وفضح سياساته العدوانية التوسعية الاستيطانية الإحلالية بأشكالها المختلفة.

* كشف الطبيعة الإجرامية وسياسة حروب الإبادة المنهجية التي تشنها إسرائيل ضد الشعب العربي الفلسطيني.

* كشف الطبيعة العنصرية وسياسات التمييز العنصري التي تنتهجها إسرائيل في شتى مجالات الحياة الفلسطينية.

* إبراز صورة إسرائيل الحقيقية وإصرارها على التنكر للشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية والتي كان آخرها رفض الالتزام بقرار الجمعية العامة القاضي بإزالة جدار الفصل العنصري والذي يعتبره البعض أهم قرار يصدر على الأمم المتحدة لاستنادة إلى قرار محكمة العدل الدولية القاضي بعدم شرعية الجدار ووجوب إزالته وتعويض المتضررين منه باعتباره قراراً كاشفاً وآمراً.

* فضح سياسة المعايير المزدوجة التي تنتهجها أمريكا في تعاملها مع القضايا الإقليمية، فهي مع اغتصاب إسرائيل للأرض العربية الفلسطينية وقتل شعب وتشريده ومحاصرته حتى الموت فيما هي تدعي مناهضته في مكان آخر من العالم.

* كشف الهوة العميقة بين النظام العربي الرسمي والمجتمع المدني العربي وقواه الفاعلة في مجال القضية الفلسطينية والسلام مع الكيان الصهيوني.

* إشراك الرأي العام العربي في تشكيل الخطاب الإعلامي الخليجي الفضائي من خلال برامج جماهيرية مثل: (حوار مفتوح، منبر الجزيرة)، ومواقع الفضائيات الخليجية على الشبكة العنكبوتية بإبداء الآراء والتعليقات على برامجها والمشاركة في استطلاعات الرأي التي تجريها بشأن القضية الفلسطينية وكان آخرها رد الفعل الجماهيري على تصريحات السيناتور باراك أوباما المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة حول القدس أمام لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) بقوله (القدس ستبقى عاصمة إسرائيل ويجب أن تبقى غير مقسمة) والذي كان من بين الأسباب التي حملته على ما يبدو للتراجع عن هذا التصريح نوعاً ما.

* تسليط الضوء على نشاط المقاومة السياسية داخل الخط الأخضر (فلسطين عام 1948) وعلى انتفاضة الأقصى.

* تسليط الضوء على كل النشاطات والفعاليات الشعبية الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية، كما حدث في (ملتقى القدس الدولي) الذي عقد في إسطنبول في 25-27/11/2007م.

* تسليط الضوء على سياسة الحفريات الإسرائيلية ذات الطبيعة التهويدية وإجراءات التهويد الإسرائيلية التشريعية والاستيطانية والديموغرافية والتهجير.

* إبراز نشاطات مراكز الدراسات الخليجية والعربية والعالمية في مجال القضية الفلسطينية.

* كشف الطبيعة العدائية للإعلام الغربي المسيّس تجاه القضية الفلسطينية وتسليط الضوء على رسالته الإعلامية والعدائية المضللة.

* تسليط الضوء على فشل خيار السلام كخيار استراتيجي الذي لم يؤد إلا إلى مزيد من الاستيطان وقضم الأرض والمقدسات الإسلامية وخاصة في مسجد الأقصى الشريف وتحته.

 

وختاماً تكفي جولة خاطفة في الصحافة الخليجية ومتابعة عشوائية للإذاعات الخليجية للوقوف على حجم التغطية الإخبارية والسياسية للقضية الفلسطينية بأبعادها المختلفة.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1446::/cck::
::introtext::

الخطاب الإعلامي لأية دولة أو نظام إقليمي أو دولي لا يمكن فصله عن الخطاب السياسي لها. ولا يشذ الخطاب الإعلامي لدول الخليج قبل وبعد ولادة مجلس التعاون الخليجي عام 1981عن هذه القاعدة؛ بمعنى أن الخطاب الإعلامي لدول مجلس التعاون، منفردة أو مجتمعة، كان ولا يزال وثيق الارتباط بالخطاب السياسي لهذه الدول، وهو الآخر شديد الارتباط بالخطاب السياسي العربي الخاص بالقضية الفلسطينية بأبعادها المختلفة.

::/introtext::
::fulltext::

الخطاب الإعلامي لأية دولة أو نظام إقليمي أو دولي لا يمكن فصله عن الخطاب السياسي لها. ولا يشذ الخطاب الإعلامي لدول الخليج قبل وبعد ولادة مجلس التعاون الخليجي عام 1981عن هذه القاعدة؛ بمعنى أن الخطاب الإعلامي لدول مجلس التعاون، منفردة أو مجتمعة، كان ولا يزال وثيق الارتباط بالخطاب السياسي لهذه الدول، وهو الآخر شديد الارتباط بالخطاب السياسي العربي الخاص بالقضية الفلسطينية بأبعادها المختلفة.

نظرياً يمكن القول إن القضية الفلسطينية تحتل موقعاً محورياً في الخطابين العربيين: السياسي والإعلامي. فالنظام العربي الرسمي لا يزال ينظر إلى القضية الفلسطينية باعتبارها جوهر الصراع الإسرائيلي-العربيوالقدس الشريف لب هذه القضية، وإن كان النظام العربي الرسمي قد تحوّل في خطابه السياسي بالقضية الفلسطينية من صراع حضاري وجودي نافٍ للآخر إلى نزاع سياسي قابل للتسوية في إطار القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة وقراراتها ذات الصلة بالقضية الفلسطينية والقدس والشرق الأوسط. لا بل إن النظام العربي الرسمي لم يكتف بالطلاق البائن مع لاءات الخرطوم: (لا صلح ولا تفاوض ولا اعتراف بإسرائيل) منتهجاً طريق الحلول المنفردة ومستغلاً للانتصار المحدود الذي تحقق له في حرب أكتوبر عام 1973.

فكانت اتفاقية كامب ديفيد في 26/3/1979 التي أخرجت مصر كبرى الدول العربية من ساحة المواجهة مع الكيان الصهيوني لتدخل المنطقة في سلسلة حروب دامية أجبرت العرب وتحديداً دول المواجهة أو (الطوق) العربية على الامتثال للقرار الأمريكي بحضور مؤتمر مدريد للسلام والجلوس على مائدة المفاوضات وجهاً إلى وجه مع إسرائيل مروراً باتفاقية أوسلو في سبتمبر 1993، وإعلان المبادئ الفلسطيني – الإسرائيلي في 13/9/1993، و(معاهدة السلام الأردنية – الإسرائيلية) في 21/10/1993، ومبادرة السلام العربية (السعودية المنشأ) التي تم إقرارها في قمة بيروت العربية عام 2002 وتأكيدها في قمتي الرياض ودمشق عامي (2007-2008) وانتهت بغزو العراق واحتلال أمريكا وبريطانيا له بعد حرب أمريكية- عربية مدمرة عام 1991 وحصار لا مثيل له في التاريخ قديمه وحديثه راح ضحيته أكثر من مليون عراقي معظمهم من الأطفال لنخرج بذلك ثاني أكبر قوة عربية من ساحة المواجهة مع الكيان الصهيوني.

مواكبة الخطاب السياسي

واكب الإعلام الخليجي هذا التطور في الخطاب السياسي العربي في مجال القضية الفلسطينية وفقاً لقرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وأهمها قرار التقسيم رقم 181/1947 الصادر عن الجمعية العامة وقرار حق العودة أو التعويض لغير الراغبين في العودة إلى ديارهم رقم 194/1948، وقرارا مجلس الأمن 242/1967 و 338/1973.

بيد أن هذا التحول في الخطابين السياسي والإعلامي ومواكبة الإعلام الخليجي له رافقته نظرة نقدية لسياسة الرفض العربية للقرار (181) القاضي بتقسيم فلسطين إلى دولتين: عربية على ما مساحه 44 في المائة من فلسطين وأخرى يهودية على 56 في المائة من فلسطين، وأن يكون للقدس كيان خاص بها (Corpus Separatum) بإشراف دولي يتقرر مصيره باستفتاء شعبي يجرى بعد انقضاء عشر سنين بانضمام الشطر العربي للدولة العربية واليهودي للدولة اليهودية أو بالبقاء منفصلاً. إذ اعتبر الرفض المسؤول عن (ضياع الفرص) وضياع فلسطين بالكامل أحد أهم الأسباب في توالي نكبات الأمة وصولاً إلى احتلال العراق وتدميره. ولكن الخطاب الإعلامي الخليجي لم يقف عند حد التناغم مع الخطاب السياسي الخليجي، بل بادر إلى الترويج للمبادرات الخليجية وأهمها مشروع الملك فهد للسلام الذي عرف بعد إقراره بالإجماع في قمة (فاس) العربية عام 1982 بـ (مشروع السلام العربي). ويستند مشروع الملك فهد إلى مقايضة السلام بالأرض وفقاً للقرارات الشرعية الدولية.

القضية الفلسطينية قد فقدت الكثير من محوريتها في الخطاب الإعلامي الخليجي تبعاً للمتغيرات الإقليمية والدولية

أما المبادرة الثانية فكانت مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز المشار إليها آنفاً. وأهم ما يميز هذه المبادرة أنها تخلت عن الاحتكام إلى السلاح في تسوية النزاع الإسرائيلي – العربي باللجوء إلى المفاوضات على أساس قرارات الأمم المتحدة التي تقضي بانسحاب إسرائيل من كامل الأراضي العربية المحتلة بما فيها القدس مقابل السلام والتطبيع الكامل مع إسرائيل، فضلاً عن الاعتراف بها، وبالاعتراف أيضاً بحق الفلسطينيين في تقرير مصيرهم بإقامة دولتهم المستقلة ذات السيادة التامة وعاصمتها القدس، وتسوية مشكلة اللاجئين وفقاً للقرار 194/1948. أي أن الخطاب الإعلامي الخليجي دخل تبعاً لذلك في مرحلة الترويج للسلام باعتباره خياراً استراتيجياً وحيداً للعرب.

تراجع مكانة القضية الفلسطينية

بيد أن القضية الفلسطينية فقدت الكثير من محوريتها في الخطاب الإعلامي الخليجي تبعاً للمتغيرات الإقليمية والدولية التي تركت أثاراً جلية على الخطاب الإعلامي الخليجي تجاه القضية الفلسطينية وأهمها غزو العراق للكويت، وموقف منظمة التحرير الفلسطينية المرفوض خليجياً، والمنحاز للعراق مظهر آخر لتلازم الخطابين السياسي والإعلامي الخليجيين تجاه القضية الفلسطينية. ولم تتراجع التغطية الإعلامية للقضية الفلسطينية في وسائل الإعلام الخليجية على اختلاف أشكالها وخلفياتها الفكرية والسياسية فحسب، بل حمّل الطرف الفلسطيني وتحديداً رئيسه الراحل ياسر عرفات وزر (ضياع) القضية الفلسطينية، وتلاشى الحلم الفلسطيني في إقامة دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف بفعل التزامه جانب الرئيس العراقي الراحل صدام حسين. فبعد أن كان الخطاب الإعلامي الخليجي متحمساً لقرار الرباط لعام 1974 القاضي بالاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية ممثلاً شرعياً ووحيداً للشعب العربي الفلسطيني تلاشى هذا التأييد لدرجة المطالبة باستبدال ياسر عرفات، لا بل إن بعض الأوساط السياسية والفكرية والعلمية الخليجية كانت قد رأت فيه وليس في إسرائيل العدو الفعلي للمصلحة الوطنية للشعب العربي الفلسطيني، و(خيانة) لنضاله الوطني التحرري.

القضية الفلسطينية تستعيد مكانتها

لم يدم هذا التراجع في مكانة القضية الفلسطينية في الخطاب الإعلامي الخليجي؛ فسرعان ما استعادت لأسباب خليجية وإقليمية ودولية مكانتها في الخطابين السياسي والإعلامي الخليجيين، وإن بقيت في الحلق غصة بالنسبة للكويت التي ظلت متمسكة بضرورة اعتذار الرئيس ياسر عرفات الذي فارق الحياة من دون أن يفعل ذلك. واستعادت القضية الفلسطينية ألقها وحيويتها بعد أن تعهد بوش الأب بالتحول إلى القضية الفلسطينية وتسويتها تسوية عادلة بعد أن يفرغ من إخراج العراق من الكويت، فعاود الخطاب الإعلامي الخليجي إثر ذلك متناغماً مع الخطاب السياسي بعد أن نجح ياسر عرفات في مصالحة السعودية وكسب ود دول الخليج الأخرى باستثناء الكويت إلى التركيز على القضية الفلسطينية بأبعادها المختلفة خشية ألا يقع الشعب العربي الفلسطيني (فريسة الخطاب الإعلامي والسياسي العراقي) الذي رأى في التحرك الأمريكي قبل وبعد حرب الخليج الثانية 1991 مجرد لعبة أمريكية لن تتمخض عن شيء ملموس في مجال القضية الفلسطينية. لا سيما أن الإدارة الأمريكية رأت في هزيمة العراق هزيمة للنظام العربي الرسمي بمتطرفيه ومعتدليه. وهو ما أكده الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد في لقاء له مع بعض القادة النقابين العرب عندما سأله أحدهم: (وماذا بعد إخراج العراق من الكويت؟ فأجاب مبتسماً: (هذا كان سؤالي لـ (جيمس بيكر) الذي رد قائلاً: (سيادة الرئيس لا تنسى أن العرب جميعاً هزموا وليس العراق وحده).

وتركز الخطاب الإعلامي مجدداً على ضرورة حل القضية الفلسطينية باعتبارها أم المشكلات وبؤرة التوتر والتصادم بإقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، والانسحاب من كامل الأراضي العربية المحتلة والعودة إلى خطوط الرابع من يونيو عام 1967، وحل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين وفقاً للقرار 194/1948 حلاً عادلاً يحقق السلام الدائم والعادل والشامل.

القضية الفلسطينية في (بؤرة) الخطاب الإعلامي الفضائي

بيد أن ثورة تكنولوجيا المعلوماتية التي اجتاحت دول مجلس التعاون الخليجي بانطلاقة فضائية (الجزيرة) من العاصمة القطرية الدوحة وغيرها من الفضائيات الخليجية لاحقاً وما توافر لها من إمكانيات مادية وكوادر بشرية متمرسة في فن صنع الخطاب الإعلامي شكلت نقطة تحول كبيرة في تناول الخطاب الإعلامي الخليجي للقضية الفلسطينية ومساهمته الفعّالة في تشكيل رأي عام إيجابي خليجي وعربي وإقليمي ودولي تجاه القضية الفلسطينية. فقد نجحت الفضائيات الخليجية: الجزيرة (النشرات الأخبارية والحصاد الأخباري والبرامج المتخصصة مثل: الاتجاه المعاكس، بلا حدود، شاهد على العصر، سري ومكتوم، منبر الجزيرة، حوار مفتوح، زيارة خاصة، لقاء اليوم، وضيف المنتصف) والعربية (التغطية الأخبارية، بانوراما، بصراحة، ودبي ( قلم رصاص) وغير ذلك.

ولو قدر للخطاب الإعلامي الخليجي أن يشد أزره بخطاب سياسي خليجي وعربي فعّال وعملي لأمكن له أن يتفوق باقتدار على الخطاب الإعلامي الأمريكي التضليلي المستند إلى تبني الموقف الإسرائيلي باعتبارها دولة مهددة من جيرانها العرب مع أن الرأي العام الغربي يعتبر إسرائيل أكبر مصدر مهدد للسلم والأمن الدوليين تليها أمريكا في عهد بوش الابن.

القنوات الفضائية الخليجية شكلت نقطة تحول كبيرة في تناول الخطاب الإعلامي الخليجي للقضية الفلسطينية

إن الخطاب الإعلامي الخليجي الفضائي الذي تقوده فضائية (الجزيرة) نجح في جعل القضية الفلسطينية أحد أهم محاور خطابه الإعلامي من خلال برامج هادفة تمحورت حول:

* إبقاء القضية الفلسطينية حية في الأذهان ووديعة تتناقلها الأجيال (حق لا يأبى النسيان).

* تشكيل رأي عام خليجي وعربي وإقليمي ودولي إيجابي وداعم للحق العربي الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

* كشف عورة النظام اليهودي الصهيوني، وفضح سياساته العدوانية التوسعية الاستيطانية الإحلالية بأشكالها المختلفة.

* كشف الطبيعة الإجرامية وسياسة حروب الإبادة المنهجية التي تشنها إسرائيل ضد الشعب العربي الفلسطيني.

* كشف الطبيعة العنصرية وسياسات التمييز العنصري التي تنتهجها إسرائيل في شتى مجالات الحياة الفلسطينية.

* إبراز صورة إسرائيل الحقيقية وإصرارها على التنكر للشرعية الدولية وقرارات الأمم المتحدة الخاصة بالقضية الفلسطينية والتي كان آخرها رفض الالتزام بقرار الجمعية العامة القاضي بإزالة جدار الفصل العنصري والذي يعتبره البعض أهم قرار يصدر على الأمم المتحدة لاستنادة إلى قرار محكمة العدل الدولية القاضي بعدم شرعية الجدار ووجوب إزالته وتعويض المتضررين منه باعتباره قراراً كاشفاً وآمراً.

* فضح سياسة المعايير المزدوجة التي تنتهجها أمريكا في تعاملها مع القضايا الإقليمية، فهي مع اغتصاب إسرائيل للأرض العربية الفلسطينية وقتل شعب وتشريده ومحاصرته حتى الموت فيما هي تدعي مناهضته في مكان آخر من العالم.

* كشف الهوة العميقة بين النظام العربي الرسمي والمجتمع المدني العربي وقواه الفاعلة في مجال القضية الفلسطينية والسلام مع الكيان الصهيوني.

* إشراك الرأي العام العربي في تشكيل الخطاب الإعلامي الخليجي الفضائي من خلال برامج جماهيرية مثل: (حوار مفتوح، منبر الجزيرة)، ومواقع الفضائيات الخليجية على الشبكة العنكبوتية بإبداء الآراء والتعليقات على برامجها والمشاركة في استطلاعات الرأي التي تجريها بشأن القضية الفلسطينية وكان آخرها رد الفعل الجماهيري على تصريحات السيناتور باراك أوباما المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأمريكية المقبلة حول القدس أمام لجنة الشؤون العامة الأمريكية الإسرائيلية (إيباك) بقوله (القدس ستبقى عاصمة إسرائيل ويجب أن تبقى غير مقسمة) والذي كان من بين الأسباب التي حملته على ما يبدو للتراجع عن هذا التصريح نوعاً ما.

* تسليط الضوء على نشاط المقاومة السياسية داخل الخط الأخضر (فلسطين عام 1948) وعلى انتفاضة الأقصى.

* تسليط الضوء على كل النشاطات والفعاليات الشعبية الفلسطينية والعربية والإقليمية والدولية، كما حدث في (ملتقى القدس الدولي) الذي عقد في إسطنبول في 25-27/11/2007م.

* تسليط الضوء على سياسة الحفريات الإسرائيلية ذات الطبيعة التهويدية وإجراءات التهويد الإسرائيلية التشريعية والاستيطانية والديموغرافية والتهجير.

* إبراز نشاطات مراكز الدراسات الخليجية والعربية والعالمية في مجال القضية الفلسطينية.

* كشف الطبيعة العدائية للإعلام الغربي المسيّس تجاه القضية الفلسطينية وتسليط الضوء على رسالته الإعلامية والعدائية المضللة.

* تسليط الضوء على فشل خيار السلام كخيار استراتيجي الذي لم يؤد إلا إلى مزيد من الاستيطان وقضم الأرض والمقدسات الإسلامية وخاصة في مسجد الأقصى الشريف وتحته.

 

وختاماً تكفي جولة خاطفة في الصحافة الخليجية ومتابعة عشوائية للإذاعات الخليجية للوقوف على حجم التغطية الإخبارية والسياسية للقضية الفلسطينية بأبعادها المختلفة.

 

::/fulltext::
::cck::1446::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *