احتمالات انضمام اليمن إلى مجلس التعاون الخليجي.. الفرص والقيود
::cck::1455::/cck::
::introtext::
يراود اليمن منذ فترة طويلة فكرة الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، وقد عبر عن هذه الرغبة العديد من المسؤولين اليمنيين، فالرئيس علي عبد الله صالح صرح في أكثر من مناسبة بأن اليمن مكانه الطبيعي في مجلس التعاون الخليجي، وقال: (نحن من الناحية الجغرافية والتاريخية موجودون ولا أحد يستطيع أن يفصل جنوب الجزيرة عن شماله أو عن الخليج العربي). وقد توالت التصريحات اليمنية المطالبة بأهمية الانضمام للمجلس ودعوة الدول الخليجية إلى وضع هذا الطلب في قائمة أولوياتها، ودشنت صنعاء سياسة خارجية مكثفة ناحية الداخل ودول الإقليم المجاور لتؤكد أحقيتها في الانضمام وجدوى انضمامها الفعلي من حيث الفائدة التي يمكن أن تعم على الجانبين.
::/introtext::
::fulltext::
يراود اليمن منذ فترة طويلة فكرة الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، وقد عبر عن هذه الرغبة العديد من المسؤولين اليمنيين، فالرئيس علي عبدالله صالح صرح في أكثر من مناسبة بأن اليمن مكانه الطبيعي في مجلس التعاون الخليجي، وقال: (نحن من الناحية الجغرافية والتاريخية موجودون ولا أحد يستطيع أن يفصل جنوب الجزيرة عن شماله أو عن الخليج العربي). وقد توالت التصريحات اليمنية المطالبة بأهمية الانضمام للمجلس ودعوة الدول الخليجية إلى وضع هذا الطلب في قائمة أولوياتها، ودشنت صنعاء سياسة خارجية مكثفة ناحية الداخل ودول الإقليم المجاور لتؤكد أحقيتها في الانضمام وجدوى انضمامها الفعلي من حيث الفائدة التي يمكن أن تعم على الجانبين.
وارتكزت هذه السياسة على عدة محاور:
أولها: التأكيد على أن التطورات المعاصرة التي تشهدها الساحتان الإقليمية والدولية تفرض الاستعداد اليمني الدائم للانضمام إلى كافة الآليات التنظيمية القائمة أو التي يمكن تشكيلها في المستقبل.
ثانيها: التشديد على أن حاجة المنطقة إلى التلاحم والتضامن بين دولها تفرض النظر إلى الطلب اليمني بالانضمام كبديهة يجب التسليم بها وإقرارها، فحقائق الجغرافيا تفرض نفسها وحقيقة الدور الذي يمكن أن يلعبه اليمن في أمن واستقرار المنطقة لا يمكن الجدل بشأنه.
ثالثها: الترحيب بكافة مبادرات تفعيل العلاقات الثنائية بين اليمن ومجلس التعاون الخليجي باعتبارها خطوات تمهد لاكتساب اليمن العضوية الكاملة بالمجلس، وهو ما وجد ترجمة واقعية له خلال القمة الخليجية في مسقط عام 2001 التي أقرت صيغة لانضمام اليمن تدريجياً إلى دول التعاون، وهي الاشتراك في بعض هيئات مجلس التعاون، وأصدر مجلس الوزراء اليمني في اجتماعه الدوري بتاريخ 1 يناير 2002 بيانا رحب فيه بقرار القمة الخليجية، واعتبره مقدمة على طريق انضمامه إلى عضوية المجلس، فيما رحب الرئيس علي عبد الله صالح بجهود الإمارات في دعم المطلب اليمني، وأقر مجلس الوزراء تشكيل لجنة وزارية لوضع الترتيبات الخاصة بانضمام اليمن إلى هذه الهيئات، والإعداد للانضمام إلى بقية المؤسسات والأجهزة الخليجية الأخرى.
وفي السياق ذاته، قام الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد الرحمن العطية بزيارة إلى اليمن في مارس 2005 أجرى خلالها مباحثات مع الرئيس اليمني ووزير خارجيته أبو بكر القربي حول مسألة الانضمام إلى المجلس، ولا سيما مناقشة المقترحات الأربعة التي تقدم بها المجلس إلى اليمن والتي من بينها مقترح إقامة منطقة تجارة حرة بين الجانبين تنص على تحرير التبادل التجاري والاستثماري بينهما، وهي الخطوة التي ترى دول المجلس أنها تختبر التعاون مع اليمن، وقد يؤدي نجاحها إلى مرحلة أعلى تتمثل بانضمام اليمن إلى الاتحاد الجمركي الخليجي، إضافة إلى مقترحات تقضي بانضمام اليمن كذلك إلى هيئة المقاييس والمواصفات الخليجية بمكتب براءة الاختراع.
هذه التطورات أثارت التساؤل داخل العديد من الأوساط الخليجية حول إمكانية انضمام اليمن إلى مجلس التعاون وانعكاسات هذه الخطوة على التكامل الخليجي في المستقبل؟ وقد برز اتجاهان بصدد هذه القضية لكل منهما منطلقاته ومبرراته، يمكن تناولهما على النحو التالي:
الاتجاه الأول: مؤيد لانضمام اليمن لمجلس التعاون، ويستند أنصاره إلى عدة اعتبارات، أهمها:
1 ـ الموقع الاستراتيجي لليمن: حيث يحتل موقعاً استراتيجياً رئيسياً في الخريطة الأمنية لمنطقة الجزيرة والخليج، فهي التي تمسك بمفاتيح الباب الجنوبي للبحر الأحمر وتتحكم بلقائه المحيط الهندي عبر منطقة خليج عدن وتربط حزام أمن الجزيرة والخليج ابتداء من قناة السويس وانتهاء بشط العرب، وتتحكم بطرق الملاحة البحرية الصاعدة إلى آسيا عبر بحر العرب، و بالتالي فإن اليمن يمثل أحد الشروط الرئيسية لاستقرار المنطقة، ويشكل مع دول مجلس التعاون كتلة استراتيجية واحدة، ولهذا فإن عزل اليمن قد يؤدي إلى خلق اختلالات عميقة في المنطقة يصبح معها الحديث عن أمن الخليج فاقداً لأي قيمة أو مضمون، وذلك لأن الجزيرة والخليج هما منظومة مترابطة متكاملة تشكل نسيجاً واحداً، وهذا يعني أن هناك علاقة تأثير وتأثر بين اليمن ودول الخليج،فوجود خليج عربي مستقر سياسياًواقتصادياً وأمنياً هو المقدمة اللازمة لاستقرار الأوضاع سياسياً واقتصادياً وأمنياً في اليمن، كما أن استقرار اليمن ضرورة ملحة لاستقرار الخليج والجزيرة العربية خصوصاً أن اليمن لا يشكل أية خطورة في هذا الجانب نظراً لافتقاده القدرة على إيصال ما لديه من قوة إلى الأماكن البعيدة في الخليج، كما أنه يبدو أكثر تعقلاً من أن يسمح لنفسه بالتورط في مخططات إقليمية، وأنه قد يقوم بتقديم الدعم الدبلوماسي والسياسي.
2- التشابه في رؤيتي اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي لأمن الخليج: يعد أمن الخليج العربي والسعي إلى تحقيقه والحفاظ عليه أحد المحددات الرئيسية للعلاقات اليمنية ـ الخليجية، وأحد الأهداف العليا التي تسعى إلى تحقيقها في سياستها الخارجية بالنظر إلى الترابط الوثيق بين أمن اليمن واستقراره. وأمن دول الخليج واستقرارها، فأمن الخليج يرتبط ارتباطاً مباشراً بأمن شبه الجزيرة العربية التي يعد اليمن جزءًا منها، ولهذا تهتم صنعاء بأمن الخليج قدر اهتمامها بأمن شبه الجزيرة العربية، ومثلما يعد أمن واستقرار اليمن أحد عناصر الأمن والاستقرار في الخليج والجزيرة، فإن أمن واستقرار الخليج ينعكسان عليها أيضاً، كما أن التصور اليمني لأمن الخليج يقوم على مدرك قومي يرى فيه جزءًا لا يتجزأ من أمن الوطن العربي الكبير من محيطه إلى خليجه، لذا لا يختلف لدى صنعاء أمن الخليج عن أمن البحر الأحمر، كما يستوي لديها أمن الخليج أو أمن شبه الجزيرة مع أمن المغرب العربي، ويترتب على ذلك أن صنعاء لا تفصل بين قضية أمن اليمن وأمن أية دولة عربية خليجية أو غير خليجية.
3- القدرات العسكرية: امتلاك اليمن لحجم سكاني كبير يفوق سكان دول المنطقة في الخليج والجزيرة العربية باستثناء كل من العراق وإيران، وقد تعطى لليمن ميزة إقليمية كونه يعد عمقاً ديموغرافياً قد يؤدي إلى تحقيق نوع من التوازن المطلوب في الخليج سواء من حيث القدرات الدفاعية نظراً لامتلاكه جيشاً قوياً لديه القدرة على استيعاب أنماط الحرب الجديدة والمتطورة قد تشكل نواة لإنشاء جيش خليجي قوي خصوصًا أن دول المجلس الخليجي تعاني اختلالات ديموغرافية هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنها تعد رافداً للعمالة للمحافظة على التركيبة السكانية في الخليج وعلى عروبة الخليج. كما أن ارتباط اليمن مع المجلس وفق صيغة ما من شأنه إضافة عامل مهم إلى معادلة الأمن والاستقرار في شبه الجزيرة العربية في ضوء ما شهده عالم الجريمة المنظمة، خاصة تهريب المخدرات والأسلحة وغسيل الأموال، من تطورات تقنية وعملياتية الأمر الذي تطلب تعاوناً أمنياً بناءً بين دول الجزيرة العربية جميعًا بغية مكافحتها والقضاء عليها.
4 ـ يمتلك الاقتصاد اليمني بعض خصائص وإمكانات التكامل الإقليمي، أبرزها منظومة التشريعات الاقتصادية وأطر آليات العمل الاقتصادي واستقرار واتساع سوق العمل، ووجود إمكانات بشرية هائلة مع انخفاض أجورها، وتوفر مصادر رخيصة للطاقة ووجود بنية تحتية متكاملة وامتلاك موقع حيوي بالنسبة لمنطقة الجزيرة والخليج ومنطقة القرن الإفريقي وشرق إفريقيا، وقد تساهم هذه الإمكانات، متى أحسن استغلالها في تحقيق التكامل الاقتصادي بين اليمن ودول المجلس على المدى البعيد.
الاتجاه الثاني : يعارض انضمام اليمن إلى مجلس التعاون، ويستند في ذلك إلى كونه يواجه عدة تحديات أو معوقات، أمنية وسياسية واقتصادية، تمثل بدورها قيوداً على انضمامه إلى مجلس التعاون على الأقل في المديين القصير والمتوسط، تتمثل في التالي:
1 ـ الوضع الاقتصادي: يعاني اليمن من خلل وتدنٍ في أداء آلته الإنتاجية، وتخلف بناه وهياكله الاقتصادية وبناه التحتية وأساليبه الإدارية، فضلاً عن انخفاض مستوى العمالة اليمنية التي لا تملك قابلية تنافسية في مواجهة العمالة الوافدة التي استوطنت في الخليج العربي، فضلاً عن تنامي مشكلة البطالة، كما تراود الكثيرين شكوك حول الأوضاع الأمنية المرتبطة بالبيئة الملائمة للاستثمار، وهذه التحديات في حقيقة الأمر تخلق نوعاً من الشروط المسبقة التي ينبغي على اليمن أن يفي بها، وبطريقة تجعل اليمن عنصراً مطلوباً في مجلس التعاون، وليس مجرد عنصر مطالب بالانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، وهذا يفرض على صنعاء أن تتبنى سياسات تقنع دول الخليج بأهمية اليمن للمجلس من الناحية العملية البعيدة عن التنظير السياسي.
2ـ الوضع السياسي والأمني: حيث يعد النظام السياسي في اليمن القائم دستورياً على مبادئ الجمهورية والتعددية الحزبية والتداول السلمي للسلطة أهم عوائق قبول اليمن في منظومة خليجية تقوم أنظمتها السياسية على أسس الملكية الوراثية ومنع العمل الحزبي والتداول السلمي للسلطة وفق انتخابات ديمقراطية تعددية، ويشهد اليمن منذ قيام الجمهورية انفتاحاً سياسياً وهذه قد تكون ميزة خاصة باليمن، ولكن رغم هذا الانفتاح هناك العديد من التحديات التي ظهرت على الساحة اليمنية كغياب العلاقة بين النظام السياسي والأحزاب المعارضة نتيجة لانعدام الثقة، وكذلك ضعف البناء المؤسسي وخصوصاً أن المؤسسات السياسية لها دور في صنع القرار.
أما بالنسبة للأوضاع الأمنية فتتسم بعدم الاستقرار الداخلي، فضلاً عن المشكلات التي تواجهها الدولة المركزية في بسط نفوذها الأمني على كافة الأقاليم اليمنية، وتنامي نفوذ الجماعات الأصولية المتطرفة، وانتشار الأسلحة بين فئات الشعب اليمني، حيث تفيد تقديرات وزارة الداخلية اليمنية بوجود ما لا يقل عن 60 مليون قطعة سلاح متنوعة.
وتبدو خطورة ما سبق أن الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة في اليمن قد تحول دون تحقيق أي دور ملموس في المنطقة، كما أنها قد تشكل بيئة طاردة للمشاريع الاستثمارية والاقتصادية التي قد تُقدم عليها دول المجلس مستقبلاً.
3- اختلاف أولوية السياسة الخارجية للجانبين:من الصعوبة بمكان تجاهل الاختلاف بين طبيعة الأنظمة السياسية القائمة في دول الخليج العربية من جانب، وطبيعة النظام السياسي القائم في صنعاء من جانب ثان، وأثر هذا الاختلاف في مواقف كلا الجانبين السياسية الآنية والمستقبلية تجاه بعض القضايا الإقليمية والدولية. وبالإضافة إلى ذلك فإن اختلاف ظروف وقدرات كل من الطرفين، اليمني والخليجي، السياسية والاقتصادية، فضلاً عن تباين رؤى القيادات السياسية فيهما لمصادر التهديد الخاصة بها، من شأنه إحداث قدر من التباين الذي قد يصل إلى التعارض والتناقض في سياسات كلا الطرفين الخارجية (على اعتبار أن دول الخليج الست قد نجحت في بلورة أسس مشتركة لسياساتها الخارجية تستهدف مواجهة التحديات الخارجية المشتركة انطلاقًا من أسس ومبادئ أرستها قرارات ومواثيق أجهزة مجلس التعاون المختلفة) وهو ما تجسد في اختلاف الأولويات في السياسة الخارجية لكل منهما، ففي الوقت الذي تهتم فيه دول الخليج الست بالتطورات التي تشهدها إيران والعراق وعملية السلام في الشرق الأوسط، فإن اليمن يركز ناظريه على ما يحدث في البحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي في المقام الأول.
4- القيود القانونية: وترتبط بمجلس التعاون، فعلى الرغم من إشارة ديباجة النظام الأساسي المنشئ للمجلس إلى سمة أساسية من سمات الدول الأعضاء به والتي يمكن اعتبارها عنصراً أساسياً في تحديد عضوية المجلس، وهي التشابه في أنظمة الحُكم وقيامه في كل الدول الأعضاء على أساس العقيدة الإسلامية، فإنه لم ينص صراحة على نظام معين للعضوية يتضمن الشروط الواجب توافرها في الدول الراغبة في الانضمام والإجراءات القانونية اللازمة لإتمامه، وذلك على اعتبار أن ترك موضوع العضوية تبعًا لتغير الظروف السياسية في المنطقة يعطي فرصة أكبر لبلورة التعاون الخليجي المنشود ويدفعه إلى الأمام لتكوين مجموعة متناسقة ومتماسكة تمكنها من تحقيق أهدافها من دون خلل في التوازنات السياسية بالمجلس. فقد نصت المادة الخامسة من النظام الأساسي للمجلس على أنه (يتكون من الدول الست التي اشتركت في اجتماع وزراء الخارجية في الرياض بتاريخ 4/2/1981). وتعتبر تلك المادة من أكثر مواد النظام الأساسي المثيرة للجدل بين السياسيين والمتخصصين، فتحديد أعضاء المجلس بالاسم دون فتح العضوية للغير بشرط أوضاع معينة قد يفهم منه أن عضوية مجلس التعاون مقتصرة على الدول الست، ولا يجوز الانسحاب منه أو قيام عوارض تسقط العضوية عن بعض دوله، الأمر الذي يعتبر مانعًا قانونيًا أمام دخول اليمن للمجلس، وتجاوز هذه المعضلة القانونية يتطلب تعديل النظام الأساسي للمجلس وإضافة بند خاص بنظام العضوية والشروط الواجب توافرها في الدولة الراغبة في الانضمام إليه.
ورغم أن الاتجاهين السابقين يقفان على طرفي النقيض، فإن الثابت هو أن انضمام اليمن إلى مجلس التعاون قضية ذو أبعاد معقدة ومتداخلة، بعضها يرتبط بالأوضاع الداخلية اليمنية سواء في شقها الإيجابي أو السلبي، والبعض الآخر يرتبط بخصوصية دول مجلس التعاون الخليجي، وتماثل أنظمتها السياسية والاقتصادية،والتي تختلف في جوانب كثيرة عن اليمن كما سبق الإشارة، وهذا يتطلب من طرفي العلاقة الشروع بإقامة حوار عميق وهادئ وأكثر شفافية لتقليل أية فجوات سياسية واقتصادية بين الجانبين للوصول إلى أعلى مستوى ممكن من النجاح في تحقيق المصالح الذاتية بكل طرف، وترسيخ الثقة وإزالة المخاوف التي ترتهن بها آفاق المستقبل في تطوير العلاقات اليمنية الخليجية، وتوظيف الروابط الإنسانية القائمة وإيجاد روابط مصلحية جديدة تعتمد التاريخ المشترك وترابط المصالح للانطلاق منهما إلى بناء خطط وتنفيذ برامج تنموية شاملة تتسع لكل الأبعاد وتكفي جميع الشرائح وتدعو كافة الفئات للمشاركة فيها.
ويمكن الإشارة إلى صيغتين، تصلح أي منهما كإطار لعلاقات مستقبلية بين مجلس التعاون أو دوله من جهة وبين اليمن من جهة ثانية، وذلك في مرحلة إعداده إلى الانضمام، هما:
الأولى: انتهاج سياسة المشاركة بين مجلس التعاون كجهة واحدة وبين اليمن أو أية دولة ترغب في الانضمام إليه أو تسعى إلى الحصول على علاقات متميزة بدوله مقارنة بعلاقات المجلس العادية مع دول العالم، وذلك من خلال اتفاقيات تجمع الطرفين وتمنح الطرف الخارجي عن المجلس وضعاً خاصاً، ويمكن الاستفادة في هذا الخصوص من تجربة توسيع الاتحاد الأوروبي، فمن المعروف أن دولاً عديدة من أوروبا الشرقية أعربت عن رغبتها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي نهاية العام 1991، ونظراً لأن هذه الدول لم تكن بنفس مستوى التطور السياسي والاقتصادي لدول الاتحاد، فقد وضع الاتحاد عدة معايير سياسية واقتصادية أمام هذه الدول الراغبة في الانضمام، كما تعهد في الوقت ذاته بتقديم المساعدات اللازمة لهذه الدول لمساعدتها في الوصول إلى هذه المعايير. ولهذا يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي وضع معايير مماثلة أمام اليمن تأخذ في الاعتبار بالطبع الخصوصية الثقافية والحضارية لليمن.
الثانية: التفكير في إنشاء منظمة إقليمية ذات طابع اقتصادي تضم دول مجلس التعاون الست وبعض دول المنطقة، مثل اليمن، وذلك بغية خلق إطار للتعاون الاقتصادي لدول الجزيرة العربية والخليج العربي، وذلك على غرار منظمة التعاون الاقتصادي في وسط آسيا (الأيكو) والتي تضم 10 دول مختلفة في التوجهات السياسية والأيديولوجية والأوضاع الاقتصادية والنظم الاجتماعية والثقافية، حيث وضعت لنفسها نظاماً للعضوية يتسم بالمرونة وذلك بعد أن أعطت اتفاقية (أزمير) عام 1977 المنشئة للمنظمة قدراً من المرونة في الاشتراطات اللازمة للعضوية بنصها على شرطين يكفي توفر أحدهمــا في الدولة الســاعية للانضمـام إليها بإتمام هذا الانضمام، وهما : الاتصال الجغرافي بين الدولة ومنطقة المنظمة، وأن يكون للدولة الراغبة في الانضمام أهداف ومبادئ المنظمة.
وتتسم هاتان الصيغتان بعدة خصائص أساسية تجعلهما أقرب الحلول والصيغ لتدشين علاقة فاعلة وعملية بين مجلس التعاون من جانب واليمن أو أية دولة أخرى من جانب ثان منها:
أولاً: عدم التعارض مع بنود النظام الأساسي المنشئ لمجلس التعاون الخليجي.
ثانياً: أنهما لا تتطلبان إجراءات قانونية أو سياسية أو اقتصادية يتماثل حجمها ودرجة إحداثها لتغييرات في الأنظمة المعمول بها داخل الدول الساعية للانضمام للمجلس مع ما تحدثه الإجراءات التي يتطلبها انضمام تلك الدول الكاملة للمجلس.
ثالثاً:تحقيق مصالح كل من الطرفين، الخليجي بالحفاظ على أمن واستقرار منطقة الخليج العربي، واليمني في تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية مرسومة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1455::/cck::
::introtext::
يراود اليمن منذ فترة طويلة فكرة الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، وقد عبر عن هذه الرغبة العديد من المسؤولين اليمنيين، فالرئيس علي عبد الله صالح صرح في أكثر من مناسبة بأن اليمن مكانه الطبيعي في مجلس التعاون الخليجي، وقال: (نحن من الناحية الجغرافية والتاريخية موجودون ولا أحد يستطيع أن يفصل جنوب الجزيرة عن شماله أو عن الخليج العربي). وقد توالت التصريحات اليمنية المطالبة بأهمية الانضمام للمجلس ودعوة الدول الخليجية إلى وضع هذا الطلب في قائمة أولوياتها، ودشنت صنعاء سياسة خارجية مكثفة ناحية الداخل ودول الإقليم المجاور لتؤكد أحقيتها في الانضمام وجدوى انضمامها الفعلي من حيث الفائدة التي يمكن أن تعم على الجانبين.
::/introtext::
::fulltext::
يراود اليمن منذ فترة طويلة فكرة الانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، وقد عبر عن هذه الرغبة العديد من المسؤولين اليمنيين، فالرئيس علي عبدالله صالح صرح في أكثر من مناسبة بأن اليمن مكانه الطبيعي في مجلس التعاون الخليجي، وقال: (نحن من الناحية الجغرافية والتاريخية موجودون ولا أحد يستطيع أن يفصل جنوب الجزيرة عن شماله أو عن الخليج العربي). وقد توالت التصريحات اليمنية المطالبة بأهمية الانضمام للمجلس ودعوة الدول الخليجية إلى وضع هذا الطلب في قائمة أولوياتها، ودشنت صنعاء سياسة خارجية مكثفة ناحية الداخل ودول الإقليم المجاور لتؤكد أحقيتها في الانضمام وجدوى انضمامها الفعلي من حيث الفائدة التي يمكن أن تعم على الجانبين.
وارتكزت هذه السياسة على عدة محاور:
أولها: التأكيد على أن التطورات المعاصرة التي تشهدها الساحتان الإقليمية والدولية تفرض الاستعداد اليمني الدائم للانضمام إلى كافة الآليات التنظيمية القائمة أو التي يمكن تشكيلها في المستقبل.
ثانيها: التشديد على أن حاجة المنطقة إلى التلاحم والتضامن بين دولها تفرض النظر إلى الطلب اليمني بالانضمام كبديهة يجب التسليم بها وإقرارها، فحقائق الجغرافيا تفرض نفسها وحقيقة الدور الذي يمكن أن يلعبه اليمن في أمن واستقرار المنطقة لا يمكن الجدل بشأنه.
ثالثها: الترحيب بكافة مبادرات تفعيل العلاقات الثنائية بين اليمن ومجلس التعاون الخليجي باعتبارها خطوات تمهد لاكتساب اليمن العضوية الكاملة بالمجلس، وهو ما وجد ترجمة واقعية له خلال القمة الخليجية في مسقط عام 2001 التي أقرت صيغة لانضمام اليمن تدريجياً إلى دول التعاون، وهي الاشتراك في بعض هيئات مجلس التعاون، وأصدر مجلس الوزراء اليمني في اجتماعه الدوري بتاريخ 1 يناير 2002 بيانا رحب فيه بقرار القمة الخليجية، واعتبره مقدمة على طريق انضمامه إلى عضوية المجلس، فيما رحب الرئيس علي عبد الله صالح بجهود الإمارات في دعم المطلب اليمني، وأقر مجلس الوزراء تشكيل لجنة وزارية لوضع الترتيبات الخاصة بانضمام اليمن إلى هذه الهيئات، والإعداد للانضمام إلى بقية المؤسسات والأجهزة الخليجية الأخرى.
وفي السياق ذاته، قام الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي عبد الرحمن العطية بزيارة إلى اليمن في مارس 2005 أجرى خلالها مباحثات مع الرئيس اليمني ووزير خارجيته أبو بكر القربي حول مسألة الانضمام إلى المجلس، ولا سيما مناقشة المقترحات الأربعة التي تقدم بها المجلس إلى اليمن والتي من بينها مقترح إقامة منطقة تجارة حرة بين الجانبين تنص على تحرير التبادل التجاري والاستثماري بينهما، وهي الخطوة التي ترى دول المجلس أنها تختبر التعاون مع اليمن، وقد يؤدي نجاحها إلى مرحلة أعلى تتمثل بانضمام اليمن إلى الاتحاد الجمركي الخليجي، إضافة إلى مقترحات تقضي بانضمام اليمن كذلك إلى هيئة المقاييس والمواصفات الخليجية بمكتب براءة الاختراع.
هذه التطورات أثارت التساؤل داخل العديد من الأوساط الخليجية حول إمكانية انضمام اليمن إلى مجلس التعاون وانعكاسات هذه الخطوة على التكامل الخليجي في المستقبل؟ وقد برز اتجاهان بصدد هذه القضية لكل منهما منطلقاته ومبرراته، يمكن تناولهما على النحو التالي:
الاتجاه الأول: مؤيد لانضمام اليمن لمجلس التعاون، ويستند أنصاره إلى عدة اعتبارات، أهمها:
1 ـ الموقع الاستراتيجي لليمن: حيث يحتل موقعاً استراتيجياً رئيسياً في الخريطة الأمنية لمنطقة الجزيرة والخليج، فهي التي تمسك بمفاتيح الباب الجنوبي للبحر الأحمر وتتحكم بلقائه المحيط الهندي عبر منطقة خليج عدن وتربط حزام أمن الجزيرة والخليج ابتداء من قناة السويس وانتهاء بشط العرب، وتتحكم بطرق الملاحة البحرية الصاعدة إلى آسيا عبر بحر العرب، و بالتالي فإن اليمن يمثل أحد الشروط الرئيسية لاستقرار المنطقة، ويشكل مع دول مجلس التعاون كتلة استراتيجية واحدة، ولهذا فإن عزل اليمن قد يؤدي إلى خلق اختلالات عميقة في المنطقة يصبح معها الحديث عن أمن الخليج فاقداً لأي قيمة أو مضمون، وذلك لأن الجزيرة والخليج هما منظومة مترابطة متكاملة تشكل نسيجاً واحداً، وهذا يعني أن هناك علاقة تأثير وتأثر بين اليمن ودول الخليج،فوجود خليج عربي مستقر سياسياًواقتصادياً وأمنياً هو المقدمة اللازمة لاستقرار الأوضاع سياسياً واقتصادياً وأمنياً في اليمن، كما أن استقرار اليمن ضرورة ملحة لاستقرار الخليج والجزيرة العربية خصوصاً أن اليمن لا يشكل أية خطورة في هذا الجانب نظراً لافتقاده القدرة على إيصال ما لديه من قوة إلى الأماكن البعيدة في الخليج، كما أنه يبدو أكثر تعقلاً من أن يسمح لنفسه بالتورط في مخططات إقليمية، وأنه قد يقوم بتقديم الدعم الدبلوماسي والسياسي.
2- التشابه في رؤيتي اليمن ودول مجلس التعاون الخليجي لأمن الخليج: يعد أمن الخليج العربي والسعي إلى تحقيقه والحفاظ عليه أحد المحددات الرئيسية للعلاقات اليمنية ـ الخليجية، وأحد الأهداف العليا التي تسعى إلى تحقيقها في سياستها الخارجية بالنظر إلى الترابط الوثيق بين أمن اليمن واستقراره. وأمن دول الخليج واستقرارها، فأمن الخليج يرتبط ارتباطاً مباشراً بأمن شبه الجزيرة العربية التي يعد اليمن جزءًا منها، ولهذا تهتم صنعاء بأمن الخليج قدر اهتمامها بأمن شبه الجزيرة العربية، ومثلما يعد أمن واستقرار اليمن أحد عناصر الأمن والاستقرار في الخليج والجزيرة، فإن أمن واستقرار الخليج ينعكسان عليها أيضاً، كما أن التصور اليمني لأمن الخليج يقوم على مدرك قومي يرى فيه جزءًا لا يتجزأ من أمن الوطن العربي الكبير من محيطه إلى خليجه، لذا لا يختلف لدى صنعاء أمن الخليج عن أمن البحر الأحمر، كما يستوي لديها أمن الخليج أو أمن شبه الجزيرة مع أمن المغرب العربي، ويترتب على ذلك أن صنعاء لا تفصل بين قضية أمن اليمن وأمن أية دولة عربية خليجية أو غير خليجية.
3- القدرات العسكرية: امتلاك اليمن لحجم سكاني كبير يفوق سكان دول المنطقة في الخليج والجزيرة العربية باستثناء كل من العراق وإيران، وقد تعطى لليمن ميزة إقليمية كونه يعد عمقاً ديموغرافياً قد يؤدي إلى تحقيق نوع من التوازن المطلوب في الخليج سواء من حيث القدرات الدفاعية نظراً لامتلاكه جيشاً قوياً لديه القدرة على استيعاب أنماط الحرب الجديدة والمتطورة قد تشكل نواة لإنشاء جيش خليجي قوي خصوصًا أن دول المجلس الخليجي تعاني اختلالات ديموغرافية هذا من جهة ومن جهة أخرى فإنها تعد رافداً للعمالة للمحافظة على التركيبة السكانية في الخليج وعلى عروبة الخليج. كما أن ارتباط اليمن مع المجلس وفق صيغة ما من شأنه إضافة عامل مهم إلى معادلة الأمن والاستقرار في شبه الجزيرة العربية في ضوء ما شهده عالم الجريمة المنظمة، خاصة تهريب المخدرات والأسلحة وغسيل الأموال، من تطورات تقنية وعملياتية الأمر الذي تطلب تعاوناً أمنياً بناءً بين دول الجزيرة العربية جميعًا بغية مكافحتها والقضاء عليها.
4 ـ يمتلك الاقتصاد اليمني بعض خصائص وإمكانات التكامل الإقليمي، أبرزها منظومة التشريعات الاقتصادية وأطر آليات العمل الاقتصادي واستقرار واتساع سوق العمل، ووجود إمكانات بشرية هائلة مع انخفاض أجورها، وتوفر مصادر رخيصة للطاقة ووجود بنية تحتية متكاملة وامتلاك موقع حيوي بالنسبة لمنطقة الجزيرة والخليج ومنطقة القرن الإفريقي وشرق إفريقيا، وقد تساهم هذه الإمكانات، متى أحسن استغلالها في تحقيق التكامل الاقتصادي بين اليمن ودول المجلس على المدى البعيد.
الاتجاه الثاني : يعارض انضمام اليمن إلى مجلس التعاون، ويستند في ذلك إلى كونه يواجه عدة تحديات أو معوقات، أمنية وسياسية واقتصادية، تمثل بدورها قيوداً على انضمامه إلى مجلس التعاون على الأقل في المديين القصير والمتوسط، تتمثل في التالي:
1 ـ الوضع الاقتصادي: يعاني اليمن من خلل وتدنٍ في أداء آلته الإنتاجية، وتخلف بناه وهياكله الاقتصادية وبناه التحتية وأساليبه الإدارية، فضلاً عن انخفاض مستوى العمالة اليمنية التي لا تملك قابلية تنافسية في مواجهة العمالة الوافدة التي استوطنت في الخليج العربي، فضلاً عن تنامي مشكلة البطالة، كما تراود الكثيرين شكوك حول الأوضاع الأمنية المرتبطة بالبيئة الملائمة للاستثمار، وهذه التحديات في حقيقة الأمر تخلق نوعاً من الشروط المسبقة التي ينبغي على اليمن أن يفي بها، وبطريقة تجعل اليمن عنصراً مطلوباً في مجلس التعاون، وليس مجرد عنصر مطالب بالانضمام إلى مجلس التعاون الخليجي، وهذا يفرض على صنعاء أن تتبنى سياسات تقنع دول الخليج بأهمية اليمن للمجلس من الناحية العملية البعيدة عن التنظير السياسي.
2ـ الوضع السياسي والأمني: حيث يعد النظام السياسي في اليمن القائم دستورياً على مبادئ الجمهورية والتعددية الحزبية والتداول السلمي للسلطة أهم عوائق قبول اليمن في منظومة خليجية تقوم أنظمتها السياسية على أسس الملكية الوراثية ومنع العمل الحزبي والتداول السلمي للسلطة وفق انتخابات ديمقراطية تعددية، ويشهد اليمن منذ قيام الجمهورية انفتاحاً سياسياً وهذه قد تكون ميزة خاصة باليمن، ولكن رغم هذا الانفتاح هناك العديد من التحديات التي ظهرت على الساحة اليمنية كغياب العلاقة بين النظام السياسي والأحزاب المعارضة نتيجة لانعدام الثقة، وكذلك ضعف البناء المؤسسي وخصوصاً أن المؤسسات السياسية لها دور في صنع القرار.
أما بالنسبة للأوضاع الأمنية فتتسم بعدم الاستقرار الداخلي، فضلاً عن المشكلات التي تواجهها الدولة المركزية في بسط نفوذها الأمني على كافة الأقاليم اليمنية، وتنامي نفوذ الجماعات الأصولية المتطرفة، وانتشار الأسلحة بين فئات الشعب اليمني، حيث تفيد تقديرات وزارة الداخلية اليمنية بوجود ما لا يقل عن 60 مليون قطعة سلاح متنوعة.
وتبدو خطورة ما سبق أن الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة في اليمن قد تحول دون تحقيق أي دور ملموس في المنطقة، كما أنها قد تشكل بيئة طاردة للمشاريع الاستثمارية والاقتصادية التي قد تُقدم عليها دول المجلس مستقبلاً.
3- اختلاف أولوية السياسة الخارجية للجانبين:من الصعوبة بمكان تجاهل الاختلاف بين طبيعة الأنظمة السياسية القائمة في دول الخليج العربية من جانب، وطبيعة النظام السياسي القائم في صنعاء من جانب ثان، وأثر هذا الاختلاف في مواقف كلا الجانبين السياسية الآنية والمستقبلية تجاه بعض القضايا الإقليمية والدولية. وبالإضافة إلى ذلك فإن اختلاف ظروف وقدرات كل من الطرفين، اليمني والخليجي، السياسية والاقتصادية، فضلاً عن تباين رؤى القيادات السياسية فيهما لمصادر التهديد الخاصة بها، من شأنه إحداث قدر من التباين الذي قد يصل إلى التعارض والتناقض في سياسات كلا الطرفين الخارجية (على اعتبار أن دول الخليج الست قد نجحت في بلورة أسس مشتركة لسياساتها الخارجية تستهدف مواجهة التحديات الخارجية المشتركة انطلاقًا من أسس ومبادئ أرستها قرارات ومواثيق أجهزة مجلس التعاون المختلفة) وهو ما تجسد في اختلاف الأولويات في السياسة الخارجية لكل منهما، ففي الوقت الذي تهتم فيه دول الخليج الست بالتطورات التي تشهدها إيران والعراق وعملية السلام في الشرق الأوسط، فإن اليمن يركز ناظريه على ما يحدث في البحر الأحمر ومنطقة القرن الإفريقي في المقام الأول.
4- القيود القانونية: وترتبط بمجلس التعاون، فعلى الرغم من إشارة ديباجة النظام الأساسي المنشئ للمجلس إلى سمة أساسية من سمات الدول الأعضاء به والتي يمكن اعتبارها عنصراً أساسياً في تحديد عضوية المجلس، وهي التشابه في أنظمة الحُكم وقيامه في كل الدول الأعضاء على أساس العقيدة الإسلامية، فإنه لم ينص صراحة على نظام معين للعضوية يتضمن الشروط الواجب توافرها في الدول الراغبة في الانضمام والإجراءات القانونية اللازمة لإتمامه، وذلك على اعتبار أن ترك موضوع العضوية تبعًا لتغير الظروف السياسية في المنطقة يعطي فرصة أكبر لبلورة التعاون الخليجي المنشود ويدفعه إلى الأمام لتكوين مجموعة متناسقة ومتماسكة تمكنها من تحقيق أهدافها من دون خلل في التوازنات السياسية بالمجلس. فقد نصت المادة الخامسة من النظام الأساسي للمجلس على أنه (يتكون من الدول الست التي اشتركت في اجتماع وزراء الخارجية في الرياض بتاريخ 4/2/1981). وتعتبر تلك المادة من أكثر مواد النظام الأساسي المثيرة للجدل بين السياسيين والمتخصصين، فتحديد أعضاء المجلس بالاسم دون فتح العضوية للغير بشرط أوضاع معينة قد يفهم منه أن عضوية مجلس التعاون مقتصرة على الدول الست، ولا يجوز الانسحاب منه أو قيام عوارض تسقط العضوية عن بعض دوله، الأمر الذي يعتبر مانعًا قانونيًا أمام دخول اليمن للمجلس، وتجاوز هذه المعضلة القانونية يتطلب تعديل النظام الأساسي للمجلس وإضافة بند خاص بنظام العضوية والشروط الواجب توافرها في الدولة الراغبة في الانضمام إليه.
ورغم أن الاتجاهين السابقين يقفان على طرفي النقيض، فإن الثابت هو أن انضمام اليمن إلى مجلس التعاون قضية ذو أبعاد معقدة ومتداخلة، بعضها يرتبط بالأوضاع الداخلية اليمنية سواء في شقها الإيجابي أو السلبي، والبعض الآخر يرتبط بخصوصية دول مجلس التعاون الخليجي، وتماثل أنظمتها السياسية والاقتصادية،والتي تختلف في جوانب كثيرة عن اليمن كما سبق الإشارة، وهذا يتطلب من طرفي العلاقة الشروع بإقامة حوار عميق وهادئ وأكثر شفافية لتقليل أية فجوات سياسية واقتصادية بين الجانبين للوصول إلى أعلى مستوى ممكن من النجاح في تحقيق المصالح الذاتية بكل طرف، وترسيخ الثقة وإزالة المخاوف التي ترتهن بها آفاق المستقبل في تطوير العلاقات اليمنية الخليجية، وتوظيف الروابط الإنسانية القائمة وإيجاد روابط مصلحية جديدة تعتمد التاريخ المشترك وترابط المصالح للانطلاق منهما إلى بناء خطط وتنفيذ برامج تنموية شاملة تتسع لكل الأبعاد وتكفي جميع الشرائح وتدعو كافة الفئات للمشاركة فيها.
ويمكن الإشارة إلى صيغتين، تصلح أي منهما كإطار لعلاقات مستقبلية بين مجلس التعاون أو دوله من جهة وبين اليمن من جهة ثانية، وذلك في مرحلة إعداده إلى الانضمام، هما:
الأولى: انتهاج سياسة المشاركة بين مجلس التعاون كجهة واحدة وبين اليمن أو أية دولة ترغب في الانضمام إليه أو تسعى إلى الحصول على علاقات متميزة بدوله مقارنة بعلاقات المجلس العادية مع دول العالم، وذلك من خلال اتفاقيات تجمع الطرفين وتمنح الطرف الخارجي عن المجلس وضعاً خاصاً، ويمكن الاستفادة في هذا الخصوص من تجربة توسيع الاتحاد الأوروبي، فمن المعروف أن دولاً عديدة من أوروبا الشرقية أعربت عن رغبتها في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي نهاية العام 1991، ونظراً لأن هذه الدول لم تكن بنفس مستوى التطور السياسي والاقتصادي لدول الاتحاد، فقد وضع الاتحاد عدة معايير سياسية واقتصادية أمام هذه الدول الراغبة في الانضمام، كما تعهد في الوقت ذاته بتقديم المساعدات اللازمة لهذه الدول لمساعدتها في الوصول إلى هذه المعايير. ولهذا يمكن لدول مجلس التعاون الخليجي وضع معايير مماثلة أمام اليمن تأخذ في الاعتبار بالطبع الخصوصية الثقافية والحضارية لليمن.
الثانية: التفكير في إنشاء منظمة إقليمية ذات طابع اقتصادي تضم دول مجلس التعاون الست وبعض دول المنطقة، مثل اليمن، وذلك بغية خلق إطار للتعاون الاقتصادي لدول الجزيرة العربية والخليج العربي، وذلك على غرار منظمة التعاون الاقتصادي في وسط آسيا (الأيكو) والتي تضم 10 دول مختلفة في التوجهات السياسية والأيديولوجية والأوضاع الاقتصادية والنظم الاجتماعية والثقافية، حيث وضعت لنفسها نظاماً للعضوية يتسم بالمرونة وذلك بعد أن أعطت اتفاقية (أزمير) عام 1977 المنشئة للمنظمة قدراً من المرونة في الاشتراطات اللازمة للعضوية بنصها على شرطين يكفي توفر أحدهمــا في الدولة الســاعية للانضمـام إليها بإتمام هذا الانضمام، وهما : الاتصال الجغرافي بين الدولة ومنطقة المنظمة، وأن يكون للدولة الراغبة في الانضمام أهداف ومبادئ المنظمة.
وتتسم هاتان الصيغتان بعدة خصائص أساسية تجعلهما أقرب الحلول والصيغ لتدشين علاقة فاعلة وعملية بين مجلس التعاون من جانب واليمن أو أية دولة أخرى من جانب ثان منها:
أولاً: عدم التعارض مع بنود النظام الأساسي المنشئ لمجلس التعاون الخليجي.
ثانياً: أنهما لا تتطلبان إجراءات قانونية أو سياسية أو اقتصادية يتماثل حجمها ودرجة إحداثها لتغييرات في الأنظمة المعمول بها داخل الدول الساعية للانضمام للمجلس مع ما تحدثه الإجراءات التي يتطلبها انضمام تلك الدول الكاملة للمجلس.
ثالثاً:تحقيق مصالح كل من الطرفين، الخليجي بالحفاظ على أمن واستقرار منطقة الخليج العربي، واليمني في تحقيق مكاسب اقتصادية وسياسية مرسومة.
::/fulltext::
::cck::1455::/cck::
