هل ثمّة مقاربة أوروبية مشتركة للتعامل مع الصناديق السيادية؟

::cck::1477::/cck::
::introtext::

في عصر الحقائق الاقتصادية العالمية الجديدة، هناك اعتراف واسع بقدرة الصناديق السيادية للثروة على المساهمة في تعزيز استقرار أسواق المال العالمية. وفي الوقت ذاته، أثارت دوافع هذه الصناديق وطبيعتها غير الشفافة هواجس عالمية متزايدة. فالتحول الجذري في السياسات الاستثمارية للصناديق السيادية للثروة باتجاه الأسهم العادية والاستثمارات البديلة وتنوّعها الجغرافي، أثارا جدلاً واسعاً حول الانعكاسات المحتملة لهذا التحول على منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والسوق الأوروبية المشتركة اللذين أطلقا جهوداً دولية، ترمي إلى بلورة ردٍّ مناسب ينظّم أنشطة هذه الصناديق.

::/introtext::
::fulltext::

في عصر الحقائق الاقتصادية العالمية الجديدة، هناك اعتراف واسع بقدرة الصناديق السيادية للثروة على المساهمة في تعزيز استقرار أسواق المال العالمية. وفي الوقت ذاته، أثارت دوافع هذه الصناديق وطبيعتها غير الشفافة هواجس عالمية متزايدة. فالتحول الجذري في السياسات الاستثمارية للصناديق السيادية للثروة باتجاه الأسهم العادية والاستثمارات البديلة وتنوّعها الجغرافي، أثارا جدلاً واسعاً حول الانعكاسات المحتملة لهذا التحول على منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والسوق الأوروبية المشتركة اللذين أطلقا جهوداً دولية، ترمي إلى بلورة ردٍّ مناسب ينظّم أنشطة هذه الصناديق.

تكثّفت هذه المبادرات التنظيمية على خلفيّة النمو المذهل الذي أحرزته أصول الصناديق السيادية للثروة؛ بل إنّ السبب الأهم قد يكمن في تلك القرارات الاستثمارية المهمّة التي اتخذتها مؤخراً بعض الصناديق السيادية والكيانات الاستثمارية الأخرى المملوكة لدول أو الخاضعة لسيطرة سلطات رسميّة. فقد تكثّفت هذه المبادرات إثر السلسلة الأخيرة من عمليات الاستحواذ الكبيرة التي قام بها بعض الكيانات الاستثمارية في أوروبا والعالم.

 

ردٌّ أوروبي مشترك؟

تماشياً مع الجهود الدولية اعترف الاتحاد الأوروبي نهاية عام 2007 بأنّ التزام الصناديق السيادية للثروة بنظام سلوك متفق عليه عالمياً ـ يتم تطويره برعاية صندوق النقد الدولي ـ هو السبيل الأمثل والأكثر فاعلية لتبديد الهواجس المرتبطة بحقيقة أنّ العمليات الدولية لبعض الصناديق السيادية للثروة، قد تعرقل العمل الطبيعي لاقتصادات السوق. كما شدّد الاتحاد الأوروبي على ضرورة تطوير مقاربة أوروبية مشتركة لتعزيز صوت أوروبا في المناقشات الدولية، معتبراً أن نظام السلوك نفسه (هو ببساطة نظام دولي لا أوروبي).

ولم يقرّر الاتحاد الأوروبي ـ الذي يعدّ طرفاً رئيسياً في النظام المالي العالمي ـ اتخاذ أي إجراء قانوني بهذا الشأن، بل قرّر دعم صندوق النقد الدولي ومعايير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية على قاعدة التنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة، في إطار (الحوار المشترك حول الاستثمار). وفي معرض حديثه عن الصناديق السيادية للثروة، أشار خوسيه مانويل باروسّو، رئيس المفوضية الأوروبية، إلى أنّه (من الضروري تطوير مقاربة مشتركة على مستوى الاتحاد الأوروبي لتفادي تشويه صورة السوق الوحيدة، ذات الردود الوطنية غير المتوافقة) كما أكّد على الحاجة لبذل (جهود تعاونية) بين الصناديق السيادية للثروة والدول التي تستقبل استثماراتها. ومع ذلك، قال باروسّو (إنه من الممكن تطبيق تشريعات أوروبية في المستقبل، إذا تعذّر تحقيق الشفافية من خلال الوسائل الطوعية). وطبقاً لمفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون التجارية، بيتر ماندلسون، فإنّ 0الصناديق السيادية للثروة ببساطة (لا يمكنها) أن تقلل من أهميّة الضمانات المتعلقة بشفافية وإدارة الأنظمة في ضمان عدم تحوّل الشك الذي لا يقوم على أدلة إلى إجراءات حمائية ليست في صالح أحد).

وفي وجه التحدي المتمثل في ضرورة التمسك بالتزاماته الدستورية المتعلّقة بإبقاء السوق مفتوحة للاستثمار من ناحية، واتخاذ إجراءات حاسمة لمنع الأزمات المستقبلية وتعزيز سبعة وعشرين اقتصاداً وطنياً والسوق المشتركة ككل، من ناحية أخرى، وقَع الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء تحت ضغط الحاجة للتوفيق بين المعايير التنظيمية الوطنية والأوروبية وتعديل هذه السياسات ضمن إطار قانوني يتم تطويره دولياً.

 

أيُّ مرونة دستورية؟

في الحقيقة، امتنعت المفوضية الأوروبية عن اتخاذ أي إجراء تشريعي وفضّلت تطوير نظام سلوك طوعي لتفادي الردود غير المنسّقة للدول الأعضاء. فالإطار القانوني للاتحاد الأوروبي الخاص بتطوير سياسة تجارية مشتركة تشمل التجارة والاستثمار على حدّ سواء، قوبل بمعارضة عدد من الدول الأعضاء خلال العديد من المناقشات السابقة.

وطبقاً للإطار القانوني للاتحاد الأوروبي، يخضع تدفق الاستثمار لمبادئ حرية حركة رأس المال، لكنّ الالتزام بهذه الحرية ليس مطلقاً لأنّ حركة رأس المال تخضع في أوروبا لضوابط وقيود يفرضها الاتحاد الأوروبي ككل، وأخرى تفرضها الدول الأعضاء بصورة أحاديّة. كما أن البرلمان والمجلس الأوروبييْن قادران على اتخاذ إجراءات بالأغلبية المتفق عليها لتقييد تدفق رأس المال من دول ثالثة، لكنّ إقرار أي إجراء قد يُعتبر خطوة إلى الوراء في قانون الاتحاد الخاص بتحرير حركة رأس المال يتطلب موافقة الدول الأعضاء بالإجماع.

علاوة على ذلك، لا يخضع الاستثمار الأجنبي المباشر في الوقت الراهن كلياً لسياسة الاتحاد الأوروبي التجارية المشتركة، لأن مسألة (الاستثمار) لم تُدرج بوجه عام في أي بند من بنود معاهدات الاتحاد الأوروبي. ففي معاهدة لشبونة ـ التي تلت معاهدات ماستريخت وأمستردام ونيس ـ نجد عبارات صيغت بطريقة مثيرة للجدل تشير إلى الاستثمارات الأجنبية المباشرة في وثيقة السياسة التجارية المشتركة، بعد الإشارة إلى تجارة السلع والخدمات والجوانب التجارية للملكية الفكرية. لكن (معاهدة الإصلاح) التي أُبرمت في لشبونة لم توزّع الصلاحيات بشكل واضح، الأمر الذي قد يؤدي في الحقيقة إلى تكثيف وإعادة إحياء النقاش حول ضوابط الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

مواقف الدول الأعضاء من الاستثمار: بحثاً عن استراتيجية موحّدة

الخلاف بين المفوضيّة الأوروبية والدول الأعضاء حول الصلاحيات القانونية المتعلّقة بإبرام اتفاقيات استثمارية دولية، والذي نشب بسبب البند الدستوري المذكور أعلاه، أُحيل في الماضي إلى محكمة العدل الأوروبية، وأكّدت الأخيرة في كل الدعاوى السابقة أن مسؤولية إبرام اتفاقيات استثمارية مع دول ثالثة هي من صلاحيات الدول الأعضاء.

وكما حدث حتى الآن، ستواصل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ممارسة حقوقها وفقاً لـ (لوائح الاندماج) من أجل تطوير واستخدام الآليات الوطنية لاتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية مصالحها المشروعة ـ باستثناء المنافسة ـ طالما ظلّت هذه الإجراءات بعيدة عن التمييز ومتوافقة ومنسجمة مع نص وروح البنود الأخرى للقوانين الدولية وقانون الاتحاد الأوروبي. ويفترض مسؤولو دول مجلس التعاون الخليجي أنّ مثل هذه الآليات الوطنية قد تستخدم للسيطرة على استثمارات الصناديق السيادية والمستثمرين الآخرين وفرض قيود عليها منذ الآن.

ولدى بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بما فيها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، تشريعات وطنية سارية المفعول تسمح لها بالتعامل مع الصناديق السيادية للثروة: إذ تنظّم فرنسا الاستثمارات الأجنبية بموجب قانون وطني يشتمل على آليات للإبلاغ والتدقيق، تضمن للسلطات الاطلاع على تفاصيل كل نشاط استثماري أجنبي يجري على أراضيها. وبالتالي، يمكن جمع المعلومات اللازمة والتدقيق في الصفقات خلال فترة زمنية محدّدة بشكل واضح. وتم تبني النموذج الفرنسي إلى حدّ ما من قِبَل وزارة الاقتصاد والتكنولوجيا الاتحادية الألمانية بعدما تقدّمت الوزارة بمشروع قانون في أوائل نوفمبر 2007، لتعديل قانون التجارة الخارجية لعام 1961. وينطوي هذا التعديل على ضرورة إجراء عملية مراجعة معقولة قد تُفضي إلى قانون جديد يدخل حيّز التنفيذ في عام 2008. ومن خلال التدقيق في كل حالة، ستكون السلطات الألمانية قادرة على إلغاء عمليات استحواذ محدّدة يقوم بها المستثمرون الأجانب في الشركات الألمانية (التي قد تمنحهم 25 في المائة أو أكثر من قوّة التصويت)، إذا تم تصنيف هذه الحالات كتهديد للنظام العامّ أو الأمن القومي ـ حسب التعريفات الواردة في تعليمات الاتحاد الأوروبي وقرارات محكمة العدل الأوروبية ـ وذلك في غضون الأشهر الثلاثة التي تعقب إنجاز عملية الاستحواذ. والجدير بالذكر أنّ ألمانيا ـ خلافاً للعديد من الدول الأوروبية الأخرى ـ لا تُصنِّف صناعات بعينها كمرافق حسّاسة بالنسبة للأمن القومي، لكنها تحتفظ بحقّها في البت بكل حالة على حدة لتحديد ما إذا كانت الشركة المستهدفة ذات (أهميّة استراتيجية). ولتقييم ومنع الاستثمارات الأجنبية التي تُعتبر ضدّ المصلحة الوطنية، تتبنى بريطانيا مقاربة ذات مستوى رسمي أدنى لكنها متميّزة.

 حركة رأس المال تخضع في أوروبا لضوابط وقيود يفرضها الاتحاد الأوروبي ككل وأخرى تفرضها الدول الأعضاء بصورة أحاديّة

تنسيق المبادرات: اقتراح المفوضيّة الأوروبية لنظام سلوك طوعي

حَظِي بيان المفوضيّة الأوروبية حول الصناديق السيادية للثروة الذي صدر في نهاية فبراير الماضي، بترحيب (قمّة الربيع) التي عقدها المجلس الأوروبي في الثالث عشر والرابع عشر من مارس الماضي. فتطوير مقاربة أوروبية موحّدة يعدُّ أمراً ضرورياً لتفادي (فوضى ضوابط الاستثمار) وتجنّب ظهور ردود وطنية غير منسّقة، لا سيما أنّ بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بدأ فعلاً ـ كما أسلفنا ـ بمراجعة قوانين الاستثمار الوطنية. وفي البيان الآنف الذكر، عرضت المفوضية موقفها بوضوح عبر اقتراح (مقاربة موحّدة ومتوازنة ومتكافئة) على الدول الأعضاء. ويُستشفّ من هذا الطرح أن المفوضيّة تسعى، من ناحية، إلى حماية المصالح السياسية الوطنية المشروعة من خلال تعزيز الشفافية ومعايير المساءلة وقابلية التنبّؤ بمستقبل استثمارات الصناديق السيادية للثروة؛ من دون الوقوع، من ناحية أخرى، في فخ الحماية الاقتصادية ـ حرصاً منها على الوفاء بالتزامها بالحفاظ على بيئة استثمارية مفتوحة. وبصورة عامّة، يمثّل تحرّك المفوضيّة أول محاولة تطلقها الكتلة الأوروبية للتعامل مع أنشطة الصناديق السيادية للثروة بصورة جماعيّة على مستوى الاتحاد الأوروبي كلّه، وذلك بهدف تبديد الهواجس المرتبطة بالغياب المزعوم لشفافية المفوضيّة عندما تساهم في الجهود الدولية لوضع إطار لتعزيز انفتاح وقابليّة مساءلة الصناديق السيادية.

لقد أعلن الاتحاد الأوروبي أنه سيتبنى مقاربة صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية التي تقضي بتطوير نظام سلوك طوعي للصناديق السيادية للثروة يُركّز بوجه خاص على ضمان الإدارة الجيدة والشفافية. وبالتالي، يمكن لهذا النظام السلوكي أن يغطي مجالات عدّة، مثل قواعد تحديد وفصل المسؤوليات داخل البنى الإدارية للصناديق السيادية. ومن المحتمل أن يدعو النظام هذه الصناديق أيضاً إلى الكشف عن طبيعة سياساتها الاستثمارية التي تحدّد أهدافها العامة، وقد يطالب بضمان استقلاليتها العملانية لكي تتمكن من تحقيق أهدافها المعلنة. إضافة إلى ذلك، قد يطلب نظام السلوك الطوعي من الصناديق السيادية للثروة الإعلان عن المبادئ العامة التي تحكم علاقاتها مع السلطات الرسمية، إلى جانب نشر الأسس العامة للإدارة الداخلية التي تقدّم ضمانات بشأن نزاهة الصناديق السيادية. وقد ينص نظام السلوك الطوعي المقترح على ضرورة قيام الصناديق السيادية بتطوير سياسات لإدارة المخاطر ونشرها. وقد تتضمّن البنود المتعلقة بالشفافية ضرورة الكشف سنوياً عن مواقع وتخصيصات الاستثمارات ـ خاصة الاستثمارات التي أفضت إلى امتلاك غالبية أسهم الشركات المستهدَفة ـ مع توضيح كيف تمارس الصناديق السيادية حقوق الملكية. ويمكن للمقترح أن ينصّ أيضاً على ضرورة الكشف عن تفاصيل التمويل الذاتي والائتماني وأحجام ومصادر الموارد المالية. ويمكن أيضاً أنْ يُطلب من الصناديق السيادية توفير المعلومات الكافية عن اللوائح وآليات المراقبة التي تخضع لها أنشطتها في الوطن الأم.

من التعاون إلى الشراكة: تحديد استراتيجيات متماسكة

في نهاية مارس 2008، عرضت وزارة الخزانة الأمريكية مجموعة من المبادئ التي تحكم الأنشطة الاستثمارية للصناديق السيادية للثروة والدول التي تتلقى استثماراتها. ووقّع على الاتفاقية كل من وزارة الخزانة الأمريكية وهيئة أبو ظبي للاستثمار ومؤسسة سنغافورة الحكومية للاستثمار، وحَظِيت الاتفاقية أيضاً بتأييد صندوق التقاعد الحكومي النرويجي؛ الذي يعدُّ ثالث أكبر صندوق سيادي للثروة في العالم. أما صندوق النقد الدولي الذي يخطّط لإنجاز مسودة اتفاقية مع نهاية هذه السنة، فإنه قد يتبنى مبادئ السياسة الاستثمارية التي أقرتها إمارة أبو ظبي في مارسالماضي. ومن المرجّح أن يزيد هذا التطور من الضغوط المفروضة على الصناديق السيادية الخليجية الصغيرة، مما قد يدفعها إلى الالتزام باتفاقية صندوق النقد الدولي المرتقبة.

وردّاً منها على بحث المجتمع الدولي وأوروبا عن إطار تنظيمي للصناديق السيادية للثروة، أعلنت هيئة أبو ظبي للاستثمار، وهي أكبر صندوق سيادي للثروة في العالم، في وثيقة وجهتها في مارس الماضي، إلى وزير الخزانة الأمريكي، هنري پولسِن، ووزراء مالية الدول الصناعية السبع الكبرى وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والمفوضية الأوروبية، أعلنت أنّ كياناتها الاستثمارية تمثل (مستثمرين سلبيين بالدرجة الأولى) يفضّلون الاستحواذ على (حصص صغيرة في الشركات بحيث لا تنطوي على أي حقوق في السيطرة على الشركات أو أي مقاعد في هيئاتها الإدارية أو أي مشاركة في إدارتها أو توجيهها). لكنّ هيئة أبو ظبي للاستثمار لم تستبعد تماماً وبشكل واضح احتمال تغيير هذا النهج في المستقبل.

ورداً على مشاعر الاستياء التي أبدتها أكبر الصناديق السيادية للثروة في العالم والخليج، شدّدت المبادرات التصالحية الأخيرة التي أطلقها ممثلون عن المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي على الحاجة لبدء (حوار تعاوني). لكنّ المسؤولين الخليجيين أعربوا عن قلقهم من أن تقوم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بصورة أحاديّة بترجمة نظام السلوك الطوعي، إلى قوانين وطنية ملزمة. لذا، فإنّ تعزيز الحوار المتبادل بين أوروبا والخليج قد يُفضي إلى وضع آليات تشاورية أكثر فاعلية، كما تُظهر آخر التطورات بكل وضوح.

لا يخضع الاستثمار الأجنبي المباشر في الوقت الراهن كلياً لسياسة الاتحاد الأوروبي التجارية المشتركة

وبطبيعة الحال، لا يمكن تجاهل العلاقات الجيو ـ اقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والخليج أو التقليل من شأنها. ففي عام 2007، تمكّنت الدول الأعضاء بمجلس التعاون الخليجي من رفع قيمة صافي أصولها في الخارج إلى 1.8 تريليون دولار، كما ورد في آخر بحث لمعهد التمويل الدولي. ويجذب الاتحاد الأوروبي جزءاً مهماً من فائض أموال الخليج، وقد ينمو هذا الجزء أكثر إذا قررت دول الخليج العربية تفعيل أجندة تنويع سلات عملاتها. وتشير التقديرات إلى أن خمس إجمالي رأس المال الذي تدفق من دول مجلس التعاون الخليجي إلى الخارج بين عامي (2002 – 2006)، اتّجه إلى السوق الأوروبية المشتركة. كما أن الاتحاد الأوروبي كان مقصد حوالي 20 في المائة من أصول المحافظ الاستثمارية لدول مجلس التعاون الخليجي ونحو 55 في المائة من استثمارات الخليج المباشرة. ومع أنّ نسبة هذا الاستثمار المباشر هامشية، إلا أنها تشير بوضوح إلى وجود اصطفاف استراتيجي مع الاتحاد الأوروبي.

ختاماً، ينبغي على الحوار الدولي أن يبنى على القوانين واللوائح القائمة لأنّ هذا الاتجاه قد يساهم في تعزيز الثقة المتبادلة مع إبقاء الأسواق مفتوحة، في وقت تعمّقت وتوسّعت فيه العلاقات الاقتصادية الخليجية ـ الأوروبية. كما أن إضفاء الصبغة الأوروبية على نفس عملية تطوير سياسة الاستثمار العالميّة يكتسي بالغ الأهمية، لأنّ هذه السياسة تخضع حالياً لاعتبارات الدول التي تتمتع بعلاقات أوثق مع منطقة الخليج ولها مصالح اقتصادية متباينة. وكذلك تتباين المفاضلات الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، لكنْ لا يزال إدراج قانون الصفقات العمومية ومعايير الشفافية والمساءلة واحترام الملكية الفكرية والسياسات الاستثمارية المعلنة ضمن الخطوط العريضة لمفاوضات الاتحاد الأوروبي، ولا يزال أيضاً يمثّل خطوة مهمة نحو بناء علاقات (معمّقة) بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي. ولا بد من وضع أجندة للاستراتيجيات المتبادلة والمحدّدة بشكل واضح إذا كان يُراد للعلاقات الخليجية ـ الأوروبية أن تتطوّر بالفعل من التعاون إلى الشراكة، خاصة في إطار اتفاقيّة للتجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي.

 

 

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1477::/cck::
::introtext::

في عصر الحقائق الاقتصادية العالمية الجديدة، هناك اعتراف واسع بقدرة الصناديق السيادية للثروة على المساهمة في تعزيز استقرار أسواق المال العالمية. وفي الوقت ذاته، أثارت دوافع هذه الصناديق وطبيعتها غير الشفافة هواجس عالمية متزايدة. فالتحول الجذري في السياسات الاستثمارية للصناديق السيادية للثروة باتجاه الأسهم العادية والاستثمارات البديلة وتنوّعها الجغرافي، أثارا جدلاً واسعاً حول الانعكاسات المحتملة لهذا التحول على منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والسوق الأوروبية المشتركة اللذين أطلقا جهوداً دولية، ترمي إلى بلورة ردٍّ مناسب ينظّم أنشطة هذه الصناديق.

::/introtext::
::fulltext::

في عصر الحقائق الاقتصادية العالمية الجديدة، هناك اعتراف واسع بقدرة الصناديق السيادية للثروة على المساهمة في تعزيز استقرار أسواق المال العالمية. وفي الوقت ذاته، أثارت دوافع هذه الصناديق وطبيعتها غير الشفافة هواجس عالمية متزايدة. فالتحول الجذري في السياسات الاستثمارية للصناديق السيادية للثروة باتجاه الأسهم العادية والاستثمارات البديلة وتنوّعها الجغرافي، أثارا جدلاً واسعاً حول الانعكاسات المحتملة لهذا التحول على منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والسوق الأوروبية المشتركة اللذين أطلقا جهوداً دولية، ترمي إلى بلورة ردٍّ مناسب ينظّم أنشطة هذه الصناديق.

تكثّفت هذه المبادرات التنظيمية على خلفيّة النمو المذهل الذي أحرزته أصول الصناديق السيادية للثروة؛ بل إنّ السبب الأهم قد يكمن في تلك القرارات الاستثمارية المهمّة التي اتخذتها مؤخراً بعض الصناديق السيادية والكيانات الاستثمارية الأخرى المملوكة لدول أو الخاضعة لسيطرة سلطات رسميّة. فقد تكثّفت هذه المبادرات إثر السلسلة الأخيرة من عمليات الاستحواذ الكبيرة التي قام بها بعض الكيانات الاستثمارية في أوروبا والعالم.

 

ردٌّ أوروبي مشترك؟

تماشياً مع الجهود الدولية اعترف الاتحاد الأوروبي نهاية عام 2007 بأنّ التزام الصناديق السيادية للثروة بنظام سلوك متفق عليه عالمياً ـ يتم تطويره برعاية صندوق النقد الدولي ـ هو السبيل الأمثل والأكثر فاعلية لتبديد الهواجس المرتبطة بحقيقة أنّ العمليات الدولية لبعض الصناديق السيادية للثروة، قد تعرقل العمل الطبيعي لاقتصادات السوق. كما شدّد الاتحاد الأوروبي على ضرورة تطوير مقاربة أوروبية مشتركة لتعزيز صوت أوروبا في المناقشات الدولية، معتبراً أن نظام السلوك نفسه (هو ببساطة نظام دولي لا أوروبي).

ولم يقرّر الاتحاد الأوروبي ـ الذي يعدّ طرفاً رئيسياً في النظام المالي العالمي ـ اتخاذ أي إجراء قانوني بهذا الشأن، بل قرّر دعم صندوق النقد الدولي ومعايير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية على قاعدة التنسيق الوثيق مع الولايات المتحدة، في إطار (الحوار المشترك حول الاستثمار). وفي معرض حديثه عن الصناديق السيادية للثروة، أشار خوسيه مانويل باروسّو، رئيس المفوضية الأوروبية، إلى أنّه (من الضروري تطوير مقاربة مشتركة على مستوى الاتحاد الأوروبي لتفادي تشويه صورة السوق الوحيدة، ذات الردود الوطنية غير المتوافقة) كما أكّد على الحاجة لبذل (جهود تعاونية) بين الصناديق السيادية للثروة والدول التي تستقبل استثماراتها. ومع ذلك، قال باروسّو (إنه من الممكن تطبيق تشريعات أوروبية في المستقبل، إذا تعذّر تحقيق الشفافية من خلال الوسائل الطوعية). وطبقاً لمفوض الاتحاد الأوروبي للشؤون التجارية، بيتر ماندلسون، فإنّ 0الصناديق السيادية للثروة ببساطة (لا يمكنها) أن تقلل من أهميّة الضمانات المتعلقة بشفافية وإدارة الأنظمة في ضمان عدم تحوّل الشك الذي لا يقوم على أدلة إلى إجراءات حمائية ليست في صالح أحد).

وفي وجه التحدي المتمثل في ضرورة التمسك بالتزاماته الدستورية المتعلّقة بإبقاء السوق مفتوحة للاستثمار من ناحية، واتخاذ إجراءات حاسمة لمنع الأزمات المستقبلية وتعزيز سبعة وعشرين اقتصاداً وطنياً والسوق المشتركة ككل، من ناحية أخرى، وقَع الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء تحت ضغط الحاجة للتوفيق بين المعايير التنظيمية الوطنية والأوروبية وتعديل هذه السياسات ضمن إطار قانوني يتم تطويره دولياً.

 

أيُّ مرونة دستورية؟

في الحقيقة، امتنعت المفوضية الأوروبية عن اتخاذ أي إجراء تشريعي وفضّلت تطوير نظام سلوك طوعي لتفادي الردود غير المنسّقة للدول الأعضاء. فالإطار القانوني للاتحاد الأوروبي الخاص بتطوير سياسة تجارية مشتركة تشمل التجارة والاستثمار على حدّ سواء، قوبل بمعارضة عدد من الدول الأعضاء خلال العديد من المناقشات السابقة.

وطبقاً للإطار القانوني للاتحاد الأوروبي، يخضع تدفق الاستثمار لمبادئ حرية حركة رأس المال، لكنّ الالتزام بهذه الحرية ليس مطلقاً لأنّ حركة رأس المال تخضع في أوروبا لضوابط وقيود يفرضها الاتحاد الأوروبي ككل، وأخرى تفرضها الدول الأعضاء بصورة أحاديّة. كما أن البرلمان والمجلس الأوروبييْن قادران على اتخاذ إجراءات بالأغلبية المتفق عليها لتقييد تدفق رأس المال من دول ثالثة، لكنّ إقرار أي إجراء قد يُعتبر خطوة إلى الوراء في قانون الاتحاد الخاص بتحرير حركة رأس المال يتطلب موافقة الدول الأعضاء بالإجماع.

علاوة على ذلك، لا يخضع الاستثمار الأجنبي المباشر في الوقت الراهن كلياً لسياسة الاتحاد الأوروبي التجارية المشتركة، لأن مسألة (الاستثمار) لم تُدرج بوجه عام في أي بند من بنود معاهدات الاتحاد الأوروبي. ففي معاهدة لشبونة ـ التي تلت معاهدات ماستريخت وأمستردام ونيس ـ نجد عبارات صيغت بطريقة مثيرة للجدل تشير إلى الاستثمارات الأجنبية المباشرة في وثيقة السياسة التجارية المشتركة، بعد الإشارة إلى تجارة السلع والخدمات والجوانب التجارية للملكية الفكرية. لكن (معاهدة الإصلاح) التي أُبرمت في لشبونة لم توزّع الصلاحيات بشكل واضح، الأمر الذي قد يؤدي في الحقيقة إلى تكثيف وإعادة إحياء النقاش حول ضوابط الاستثمارات الأجنبية المباشرة.

مواقف الدول الأعضاء من الاستثمار: بحثاً عن استراتيجية موحّدة

الخلاف بين المفوضيّة الأوروبية والدول الأعضاء حول الصلاحيات القانونية المتعلّقة بإبرام اتفاقيات استثمارية دولية، والذي نشب بسبب البند الدستوري المذكور أعلاه، أُحيل في الماضي إلى محكمة العدل الأوروبية، وأكّدت الأخيرة في كل الدعاوى السابقة أن مسؤولية إبرام اتفاقيات استثمارية مع دول ثالثة هي من صلاحيات الدول الأعضاء.

وكما حدث حتى الآن، ستواصل الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي ممارسة حقوقها وفقاً لـ (لوائح الاندماج) من أجل تطوير واستخدام الآليات الوطنية لاتخاذ الإجراءات المناسبة لحماية مصالحها المشروعة ـ باستثناء المنافسة ـ طالما ظلّت هذه الإجراءات بعيدة عن التمييز ومتوافقة ومنسجمة مع نص وروح البنود الأخرى للقوانين الدولية وقانون الاتحاد الأوروبي. ويفترض مسؤولو دول مجلس التعاون الخليجي أنّ مثل هذه الآليات الوطنية قد تستخدم للسيطرة على استثمارات الصناديق السيادية والمستثمرين الآخرين وفرض قيود عليها منذ الآن.

ولدى بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بما فيها بريطانيا وفرنسا وألمانيا، تشريعات وطنية سارية المفعول تسمح لها بالتعامل مع الصناديق السيادية للثروة: إذ تنظّم فرنسا الاستثمارات الأجنبية بموجب قانون وطني يشتمل على آليات للإبلاغ والتدقيق، تضمن للسلطات الاطلاع على تفاصيل كل نشاط استثماري أجنبي يجري على أراضيها. وبالتالي، يمكن جمع المعلومات اللازمة والتدقيق في الصفقات خلال فترة زمنية محدّدة بشكل واضح. وتم تبني النموذج الفرنسي إلى حدّ ما من قِبَل وزارة الاقتصاد والتكنولوجيا الاتحادية الألمانية بعدما تقدّمت الوزارة بمشروع قانون في أوائل نوفمبر 2007، لتعديل قانون التجارة الخارجية لعام 1961. وينطوي هذا التعديل على ضرورة إجراء عملية مراجعة معقولة قد تُفضي إلى قانون جديد يدخل حيّز التنفيذ في عام 2008. ومن خلال التدقيق في كل حالة، ستكون السلطات الألمانية قادرة على إلغاء عمليات استحواذ محدّدة يقوم بها المستثمرون الأجانب في الشركات الألمانية (التي قد تمنحهم 25 في المائة أو أكثر من قوّة التصويت)، إذا تم تصنيف هذه الحالات كتهديد للنظام العامّ أو الأمن القومي ـ حسب التعريفات الواردة في تعليمات الاتحاد الأوروبي وقرارات محكمة العدل الأوروبية ـ وذلك في غضون الأشهر الثلاثة التي تعقب إنجاز عملية الاستحواذ. والجدير بالذكر أنّ ألمانيا ـ خلافاً للعديد من الدول الأوروبية الأخرى ـ لا تُصنِّف صناعات بعينها كمرافق حسّاسة بالنسبة للأمن القومي، لكنها تحتفظ بحقّها في البت بكل حالة على حدة لتحديد ما إذا كانت الشركة المستهدفة ذات (أهميّة استراتيجية). ولتقييم ومنع الاستثمارات الأجنبية التي تُعتبر ضدّ المصلحة الوطنية، تتبنى بريطانيا مقاربة ذات مستوى رسمي أدنى لكنها متميّزة.

 حركة رأس المال تخضع في أوروبا لضوابط وقيود يفرضها الاتحاد الأوروبي ككل وأخرى تفرضها الدول الأعضاء بصورة أحاديّة

تنسيق المبادرات: اقتراح المفوضيّة الأوروبية لنظام سلوك طوعي

حَظِي بيان المفوضيّة الأوروبية حول الصناديق السيادية للثروة الذي صدر في نهاية فبراير الماضي، بترحيب (قمّة الربيع) التي عقدها المجلس الأوروبي في الثالث عشر والرابع عشر من مارس الماضي. فتطوير مقاربة أوروبية موحّدة يعدُّ أمراً ضرورياً لتفادي (فوضى ضوابط الاستثمار) وتجنّب ظهور ردود وطنية غير منسّقة، لا سيما أنّ بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بدأ فعلاً ـ كما أسلفنا ـ بمراجعة قوانين الاستثمار الوطنية. وفي البيان الآنف الذكر، عرضت المفوضية موقفها بوضوح عبر اقتراح (مقاربة موحّدة ومتوازنة ومتكافئة) على الدول الأعضاء. ويُستشفّ من هذا الطرح أن المفوضيّة تسعى، من ناحية، إلى حماية المصالح السياسية الوطنية المشروعة من خلال تعزيز الشفافية ومعايير المساءلة وقابلية التنبّؤ بمستقبل استثمارات الصناديق السيادية للثروة؛ من دون الوقوع، من ناحية أخرى، في فخ الحماية الاقتصادية ـ حرصاً منها على الوفاء بالتزامها بالحفاظ على بيئة استثمارية مفتوحة. وبصورة عامّة، يمثّل تحرّك المفوضيّة أول محاولة تطلقها الكتلة الأوروبية للتعامل مع أنشطة الصناديق السيادية للثروة بصورة جماعيّة على مستوى الاتحاد الأوروبي كلّه، وذلك بهدف تبديد الهواجس المرتبطة بالغياب المزعوم لشفافية المفوضيّة عندما تساهم في الجهود الدولية لوضع إطار لتعزيز انفتاح وقابليّة مساءلة الصناديق السيادية.

لقد أعلن الاتحاد الأوروبي أنه سيتبنى مقاربة صندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية التي تقضي بتطوير نظام سلوك طوعي للصناديق السيادية للثروة يُركّز بوجه خاص على ضمان الإدارة الجيدة والشفافية. وبالتالي، يمكن لهذا النظام السلوكي أن يغطي مجالات عدّة، مثل قواعد تحديد وفصل المسؤوليات داخل البنى الإدارية للصناديق السيادية. ومن المحتمل أن يدعو النظام هذه الصناديق أيضاً إلى الكشف عن طبيعة سياساتها الاستثمارية التي تحدّد أهدافها العامة، وقد يطالب بضمان استقلاليتها العملانية لكي تتمكن من تحقيق أهدافها المعلنة. إضافة إلى ذلك، قد يطلب نظام السلوك الطوعي من الصناديق السيادية للثروة الإعلان عن المبادئ العامة التي تحكم علاقاتها مع السلطات الرسمية، إلى جانب نشر الأسس العامة للإدارة الداخلية التي تقدّم ضمانات بشأن نزاهة الصناديق السيادية. وقد ينص نظام السلوك الطوعي المقترح على ضرورة قيام الصناديق السيادية بتطوير سياسات لإدارة المخاطر ونشرها. وقد تتضمّن البنود المتعلقة بالشفافية ضرورة الكشف سنوياً عن مواقع وتخصيصات الاستثمارات ـ خاصة الاستثمارات التي أفضت إلى امتلاك غالبية أسهم الشركات المستهدَفة ـ مع توضيح كيف تمارس الصناديق السيادية حقوق الملكية. ويمكن للمقترح أن ينصّ أيضاً على ضرورة الكشف عن تفاصيل التمويل الذاتي والائتماني وأحجام ومصادر الموارد المالية. ويمكن أيضاً أنْ يُطلب من الصناديق السيادية توفير المعلومات الكافية عن اللوائح وآليات المراقبة التي تخضع لها أنشطتها في الوطن الأم.

من التعاون إلى الشراكة: تحديد استراتيجيات متماسكة

في نهاية مارس 2008، عرضت وزارة الخزانة الأمريكية مجموعة من المبادئ التي تحكم الأنشطة الاستثمارية للصناديق السيادية للثروة والدول التي تتلقى استثماراتها. ووقّع على الاتفاقية كل من وزارة الخزانة الأمريكية وهيئة أبو ظبي للاستثمار ومؤسسة سنغافورة الحكومية للاستثمار، وحَظِيت الاتفاقية أيضاً بتأييد صندوق التقاعد الحكومي النرويجي؛ الذي يعدُّ ثالث أكبر صندوق سيادي للثروة في العالم. أما صندوق النقد الدولي الذي يخطّط لإنجاز مسودة اتفاقية مع نهاية هذه السنة، فإنه قد يتبنى مبادئ السياسة الاستثمارية التي أقرتها إمارة أبو ظبي في مارسالماضي. ومن المرجّح أن يزيد هذا التطور من الضغوط المفروضة على الصناديق السيادية الخليجية الصغيرة، مما قد يدفعها إلى الالتزام باتفاقية صندوق النقد الدولي المرتقبة.

وردّاً منها على بحث المجتمع الدولي وأوروبا عن إطار تنظيمي للصناديق السيادية للثروة، أعلنت هيئة أبو ظبي للاستثمار، وهي أكبر صندوق سيادي للثروة في العالم، في وثيقة وجهتها في مارس الماضي، إلى وزير الخزانة الأمريكي، هنري پولسِن، ووزراء مالية الدول الصناعية السبع الكبرى وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التعاون والتنمية الاقتصادية والمفوضية الأوروبية، أعلنت أنّ كياناتها الاستثمارية تمثل (مستثمرين سلبيين بالدرجة الأولى) يفضّلون الاستحواذ على (حصص صغيرة في الشركات بحيث لا تنطوي على أي حقوق في السيطرة على الشركات أو أي مقاعد في هيئاتها الإدارية أو أي مشاركة في إدارتها أو توجيهها). لكنّ هيئة أبو ظبي للاستثمار لم تستبعد تماماً وبشكل واضح احتمال تغيير هذا النهج في المستقبل.

ورداً على مشاعر الاستياء التي أبدتها أكبر الصناديق السيادية للثروة في العالم والخليج، شدّدت المبادرات التصالحية الأخيرة التي أطلقها ممثلون عن المجتمع الدولي والاتحاد الأوروبي على الحاجة لبدء (حوار تعاوني). لكنّ المسؤولين الخليجيين أعربوا عن قلقهم من أن تقوم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بصورة أحاديّة بترجمة نظام السلوك الطوعي، إلى قوانين وطنية ملزمة. لذا، فإنّ تعزيز الحوار المتبادل بين أوروبا والخليج قد يُفضي إلى وضع آليات تشاورية أكثر فاعلية، كما تُظهر آخر التطورات بكل وضوح.

لا يخضع الاستثمار الأجنبي المباشر في الوقت الراهن كلياً لسياسة الاتحاد الأوروبي التجارية المشتركة

وبطبيعة الحال، لا يمكن تجاهل العلاقات الجيو ـ اقتصادية بين الاتحاد الأوروبي والخليج أو التقليل من شأنها. ففي عام 2007، تمكّنت الدول الأعضاء بمجلس التعاون الخليجي من رفع قيمة صافي أصولها في الخارج إلى 1.8 تريليون دولار، كما ورد في آخر بحث لمعهد التمويل الدولي. ويجذب الاتحاد الأوروبي جزءاً مهماً من فائض أموال الخليج، وقد ينمو هذا الجزء أكثر إذا قررت دول الخليج العربية تفعيل أجندة تنويع سلات عملاتها. وتشير التقديرات إلى أن خمس إجمالي رأس المال الذي تدفق من دول مجلس التعاون الخليجي إلى الخارج بين عامي (2002 – 2006)، اتّجه إلى السوق الأوروبية المشتركة. كما أن الاتحاد الأوروبي كان مقصد حوالي 20 في المائة من أصول المحافظ الاستثمارية لدول مجلس التعاون الخليجي ونحو 55 في المائة من استثمارات الخليج المباشرة. ومع أنّ نسبة هذا الاستثمار المباشر هامشية، إلا أنها تشير بوضوح إلى وجود اصطفاف استراتيجي مع الاتحاد الأوروبي.

ختاماً، ينبغي على الحوار الدولي أن يبنى على القوانين واللوائح القائمة لأنّ هذا الاتجاه قد يساهم في تعزيز الثقة المتبادلة مع إبقاء الأسواق مفتوحة، في وقت تعمّقت وتوسّعت فيه العلاقات الاقتصادية الخليجية ـ الأوروبية. كما أن إضفاء الصبغة الأوروبية على نفس عملية تطوير سياسة الاستثمار العالميّة يكتسي بالغ الأهمية، لأنّ هذه السياسة تخضع حالياً لاعتبارات الدول التي تتمتع بعلاقات أوثق مع منطقة الخليج ولها مصالح اقتصادية متباينة. وكذلك تتباين المفاضلات الاقتصادية لدول مجلس التعاون الخليجي، لكنْ لا يزال إدراج قانون الصفقات العمومية ومعايير الشفافية والمساءلة واحترام الملكية الفكرية والسياسات الاستثمارية المعلنة ضمن الخطوط العريضة لمفاوضات الاتحاد الأوروبي، ولا يزال أيضاً يمثّل خطوة مهمة نحو بناء علاقات (معمّقة) بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي. ولا بد من وضع أجندة للاستراتيجيات المتبادلة والمحدّدة بشكل واضح إذا كان يُراد للعلاقات الخليجية ـ الأوروبية أن تتطوّر بالفعل من التعاون إلى الشراكة، خاصة في إطار اتفاقيّة للتجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي ودول مجلس التعاون الخليجي.

 

 

 

::/fulltext::
::cck::1477::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *