الاقتصاد السياسي لصناعة البطالة: هل هناك مقايضة بين الاستهلاك والبطالة في الاقتصادات الخليجية؟

::cck::1480::/cck::
::introtext::

تًعد البطالة أحد التحديات الخطيرة التي تواجه الاقتصاديات النامية والمتقدمة على حد سواء وهي نتاج مباشر لفشل السياسات الاقتصادية التي ينتج عنها بقاء طاقات معطلة لا تساهم في التنمية الاقتصادية، بل تصبح عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الوطني لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار التكاليف الاجتماعية والأمنية التي تفرض واقعاً يحتم على قطاع الأعمال والأفراد تبني سلوك جديد قد يكون مكلفاً جداً في الأجل الطويل.

::/introtext::
::fulltext::

تًعد البطالة أحد التحديات الخطيرة التي تواجه الاقتصاديات النامية والمتقدمة على حد سواء وهي نتاج مباشر لفشل السياسات الاقتصادية التي ينتج عنها بقاء طاقات معطلة لا تساهم في التنمية الاقتصادية، بل تصبح عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الوطني لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار التكاليف الاجتماعية والأمنية التي تفرض واقعاً يحتم على قطاع الأعمال والأفراد تبني سلوك جديد قد يكون مكلفاً جداً في الأجل الطويل.

ينظر بعض الأشخاص إلى مشكلة البطالة على أنها مشكلة اقتصادية بحتة، وتتطلب بالتالي حلولاً اقتصادية لعلاج مشكلة البطالة إلا أن هناك مجموعة كبيرة من الأسباب التي إنوجدت فسوف تؤدي إلى تفاقم عدد العاطلين عن العمل، هذا التفسير يكون أكثر مصداقية في الدول النامية على وجه الخصوص وذلك بسبب غياب أو تعطيل دور المؤسسات العامة ذات الشخصية الاعتبارية خاصة تلك التي تضمن المشاركة والشفافية والرقابة على النشاطات الحكومية. وتحاول وسائل الإعلام الحكومية المحلية حشد تبريرات لمشكلة البطالة بإلقاء اللائمة على المواطنين والعادات والتقاليد بأنها السبب في ازدراء بعض المهن والأعمال الحرفية مما يتطلب استقدام أيدي عاملة أجنبية للقيام بتلك الأعمال. ولقد تم دحض تلك الحجة لاسيما أن العمل المهني كان يقوم به مواطنون، حيث قام آباؤنا وأجدادنا ببناء المدن وحفر الآبار والعمل في العديد من الأعمال المهنية الأخرى قبل التوسع في جلب العمّال الأجانب. ومؤخراً اضطرت الحكومات أن تقدم أسباباً جديدة تحملها جزءاً من المسؤولية، حيث اعترفت بإخفاقات السياسة التعليمية التي لم تواكب احتياجات سوق العمل، وفشلت في تطوير رأس المال البشري الذي هو عماد أي تنمية اقتصادية من خلال خلق جيل من المتعلمين القادرين على المنافسة في الحقول العلمية على المستوى العالمي. لقد نجحت دول لا تملك أياً من الموارد الاقتصادية المتوافرة في منطقة الخليج من خلال الاستثمار في رأس المال البشري الذي قاد إلى تنمية اقتصادية هائلة تضاهي بقية دول العالم، بل تفوقت حتى على بعض الدول المتقدمة.

إن دراسة البطالة خصوصاً في المنطقة الخليجية لا يمكن أن تصل إلى تفسيرات منطقية للخلل الهيكلي في سوق العمل وتبني حلول جذرية من دون الاستئناس بأساليب التحليل المتاحة في حقول الاقتصاد السياسي لاسيما في ظل وجود الإدارة الفردية من قبل النخب السياسية الحاكمة التي تراعي توازنات سياسية ومصالح فردية، وترضخ لمطالبات جماعات ضغط قادرة على اقتحام الدوائر السياسية من خلال الروابط العائلية والعلاقات الاجتماعية التي لها دور فعّال في صياغة القرارات المصيرية.

على الرغم من تفاقم نسب البطالة إلى أرقام مخيفة فإن الوافدين ما زالوا يسيطرون على الوظائف عالية الدخول

أحد أهم معوقات التنمية في البلدان الخليجية هو عدم وجود طبقة عمالية ماهرة تساهم في التنمية الصناعية، وتتعامل مع المستجدات التقنية، وتقوم بنقل التقنية من خلال العمل مع قوى عاملة أجنبية خصوصاً في المصانع التي يملكها مستثمرون أجانب في هذه الفترة التي ازدادت فيها الاستثمارات الأجنبية مع انطلاق منظمة التجارة العالمية التي إحدى أهم اتفاقياتها تدعو إلى تعزيز وحماية الاستثمارات الأجنبية المرتبطة بالتجارة (Trade-Related Investment Measures، TRIMS). لقد أهملت الدول الخليجية تطوير القوى العاملة المهنية في بداية مشوارها في التنمية وعندما تنبهت لذلك الإهمال والخطأ الفادح لم تحرص على تصحيح التشوهات التي تؤثر في كفاءة سوق العمل وطفقت تخصص ميزانيات ضخمة للتعليم الفني والتدريب المهني، لكن دون أي حرص على توفير وظائف مهنية وفي الوقت نفسه لم تستطع التخلي عن القوى العاملة الأجنبية وإحلالها بأخرى وطنية، وبالتالي فإن الإنفاق الكبير على التدريب والتأهيل المهني لم تتمخض عنه نتائج ايجابية ملموسة سوى الهدر المالي والمزيد من القوى العاملة المهنية العاطلة. لقد كان هناك فهم خاطئ لدى بعض الدول الخليجية يتمثل في أن وجود طبقة عاملة تحفها مخاطر وتحديات سياسية من تكوين نقابات واتحادات عمالية قد تمارس ضغوطاً سياسية من خلال الإضرابات والمظاهرات التي قد تزعزع النظام السياسي، لذا فإن البديل هو جلب عمالة أجنبية ليست لديها أي تطلعات أو تنظيمات سياسية. وفي هذا الصدد لعبت العديد من الدول ذات الفوائض العمالية دوراً كبيراً في حماية مصالح وتوفير وظائف لعمالتها بممارسة ضغوط دبلوماسية ومطالبات من النخب السياسية الحاكمة والتي ليست بالضرورة تخدم المصالح الوطنية، بل تراعي الاستقرار السياسي للنظام في ظل الضعف والوهن اللذين يعاني منهما على المستويين الإقليمي والدولي بسبب تهميش وإقصاء المواطنين من العملية السياسية بسبب حظر الأحزاب وغياب المؤسسات البرلمانية التي من المفترض أن تدافع عن المصالح الاستراتيجية الوطنية وتخفف الضغوط الأجنبية.

إن أهم أسباب تهميش المواطنين وإقصاؤهم من العملية السياسية وتجاهل مطالباتهم وإهمال الرأي العام كمحدد للسياسات العامة هي مصادر تمويل الإنفاق الحكومي الذي يعتمد على الريع النفطي، حيث يُعفى المواطنون من دفع الضرائب المباشرة على الأوعية الضريبية المتاحة كالدخل والأرباح، لكن في الوقت نفسه عندما تحتاج الخزانة الحكومية إلى مصادر تمويل إضافية تقوم بفرض (رسوم ثابتة) يقوم بدفعها المواطنون لقاء خدمات مبالغ في أثمانها، كما تستحوذ الحكومة على نصيب الأسد من مشاريع الخدمات الربحية ذات الهوامش الربحية العالية. ولعل قاعدة الاقتصاد السياسي الشهيرة والتي تقول (لا ضرائب لا تمثيل) تمثل واقع سوق العمل الخليجي، حيث لا يحتل هدف توظيف المواطنين أي مكان في المراتب المتقدمة في قائمة الأوليات الوطنية، بل تنظر الحكومات إلى توظيف المواطنين كمنة لا حقاً وطنياً ملزماً للحكومة وكذلك بقية الخدمات العامة التي تقدمها الحكومة وتنظر إليها كميزة تمنحها لمن تشاء وتحرم منها السواد الأعظم من المواطنين. ويتضح من أسواق العمل الخليجية أن الحكومات الخليجية لا تحبذ توظيف المواطنين في القطاع الخاص، والدليل على ذلك هو أنه على الرغم من تفاقم نسب البطالة إلى أرقام مخيفة فإن الوافدين ما زالوا يسيطرون على الوظائف عالية الدخول على الرغم من تأهيلهم المتواضع. إن أهم الأسباب التي جعلت الحكومات المحلية لا تحبذ توظيف المواطنين في القطاع الخاص هو ذلك الاعتقاد الخاطئ بأن وجود المواطنين في نشاطات بعيدة عن سيطرة الحكومة سوف يخلق نخباً مستقلة مالياً، وقد تكون منافسة للنخب السياسية الحاكمة، وتؤدي إلى فرض تغيير في شكل الأنظمة السياسية، كما أن وظائف القطاع الحكومي فيها العديد من الشروط والقيود التي تصادر حرية التعبير والقدرة على انتقاد القرارات والسياسات الحكومية لاسيما إذا استحضرنا بعض الإعلانات والقرارات الحكومية التي تهدد المواطنين بعقوبة الفصل من الوظائف الحكومية إذا تجرأ أحدهم وقام بانتقاد الحكومة في وسائل الإعلام.

وحاول المتخصصون في التنمية الاقتصادية الإجابة عن لغز محير في العديد من الدول النامية ألا وهو لماذا تتبنى العديد من الدول النامية سياسات عديمة الفاعلية والكفاءة أو ذات نتائج سلبية على الاقتصاد الوطني، وفي الوقت نفسه يتم تعطيل وإلغاء القرارات المهمة للاقتصاد الوطني، ووجدوا أن هناك قائمة طويلة من الأسباب التي تفسر ذلك الوضع المتناقض. ومن أبرز هذه الأسباب الفساد الإداري والمالي الذي يعتبر مشكلة متلازمة لأسلوب الإدارة المركزية، حيث يدافع صانعو القرار عن مصالحهم الشخصية على حساب المصالح الوطنية، كما أن الأنظمة السياسية التي تعاني تشوهات وخللاً في تركيبة وبنية أساليب الحكم قد تولد لديها (برانويا) من أي تغيرات سياسية واقتصادية تثير مخاوف مبالغاً فيها في ما يتعلق باستقرار ومستقبل الأوضاع السياسية. وتعاني العديد من القرارات التي تتخذها الحكومات مشكلة (عدم التوافق الزمني) التي تعني أن القرارات الكفوءة التي تم اتخاذها في فترات سابقة قد لا تبدو كذلك في الأوقات اللاحقة لاسيما عند حدوث كوارث طبيعية أو أزمات سياسية واقتصادية تستدعي أن تتخلى الحكومة عن سياساتها المعلنة على الرغم من قدرتها على تعظيم النتائج أو تقليص التكاليف ومن ثم تحقيق الصالح العام. إلا أن المشكلة تكمن في استشراء دور وفاعلية جماعات الضغط التي تستطيع التأثير في القرارات لدى الغالبية العظمى من البلدان الخليجية.

وهناك العديد من الوقائع والدلائل التي تشير إلى وجود مقايضة بين الاستهلاك والبطالة في البلدان الخليجية، ولعل أهمها هو السماح لقطاع الأعمال باستقدام الأيدي العاملة الأجنبية على الرغم من تفشي البطالة بين المواطنين، بل إنه في أحيان كثيرة تُتخذ قرارات يتضح منها أنها تدعم قطاع رجال الأعمال على حساب الطبقة العاملة الوطنية التي أصبحت تواجه صعوبات جمة في الحصول على مصدر للرزق. فعلى سبيل المثال، لم تتخذ الجهات المنظمة لأسواق العمل الخليجية أي إجراءات كفيلة بإزالة التشوهات الموجودة والتي أفضت إلى إقصاء المواطنين من سوق العمل وفشل برامج توطين الوظائف التي انطلقت مؤخراً في أعقاب ارتفاع موجات البطالة. إن أحد أهم أسباب عزوف الشباب الخليجيين عن الحصول على وظائف في القطاع الخاص هو تدني مستوى الأجور بشكل كبير بحيث إن الدخل الذي يحصل عليه من الوظيفة قد لا يغطي تكاليف النقل من مقر سكنه إلى موقع العمل. وقد عارض المسؤولون الحلول المطروحة والكفيلة بحل مشكلة العزوف تلك ألا وهي تطبيق الحد الأدنى للأجور بحيث تضمن دخلاً لطالب العمل، وكان أحد المبررات التي تُساق لتبرير معارضة تطبيق الحد الأدنى للأجور هو ذريعة إمكانية وجود اضطرابات في عرض السلع التي يعمل في إنتاجها أجانب ومن ثم ارتفاع أسعارها مما يؤثر سلباً في رفاه المستهلك. وباتباع الحجة السابقة يكون صانع القرار يتغاضى عن بعض نسب البطالة المرتفعة في مقابل الحصول على معدلات استهلاك مرتفعة نوعاً ما، إلا أنه في الآونة الأخيرة بدأت تظهر مشكلة البطالة كتحد جديد لابد من التعامل معه ومحاولة حلها قبل أن تتفاقم.

إن تاريخ استقدام القوى العاملة الأجنبية يعود إلى الفترات التي كان هناك نقص حاد في العمالة الوطنية خاصة في فترات بناء المرافق ومشاريع البنية التحتية والتي تزامنت مع الطفرة النفطية في أوائل السبعينات الميلادية. ولم تكن مشكلة البطالة الوطنية بارزة في تلك الفترة بسبب قلة التعداد السكاني واستخدام صانع القرار للوظائف الإدارية العامة كوسيلة لتوزيع العوائد النفطية على المواطنين، أما في ما يتعلق بالوظائف المهنية والخدمية فكان هناك سماح باستقدام عمالة من الدول العربية المجاورة لسد النقص، إلا أنه في أواسط الثمانينات الميلادية أدى انهيار أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية إلى حدوث عجز مزمن في الموازنة العامة نظراً لكون عوائد النفط الخام رافداً أساسياً للإيرادات العامة في البلدان الخليجية، وترتب على ذلك العجز تباطؤ في إيجاد الوظائف العامة في حين كانت هناك سيطرة تامة للعمالة الأجنبية على وظائف القطاع الخاص مما نجمت عنه بطالة في صفوف المواطنين.

إن ما يحدث الآن في أسواق العمل الخليجية ما هو إلا نتيجة مباشرة لما يُعرف بالآثار الديناميكية المصاحبة للهجرة الدولية للأيدي العاملة، فاستمرار نزوح العمال الأجانب ترتب عليه تراجع الأجور ومن ثم إقصاء المواطنين عن سوق العمل. فانتقال العمّال من البلدان التي تتمتع بوفرة عمالية (كدول شبه القارة الهندية ذات الأجور المنخفضة) إلى سوق العمل الخليجي الذي كان إلى وقت قريب يعاني نقصاً حاداً في الأيدي العاملة أدى إلى منع ارتفاع الأجور، وأفضى إلى خلل مزمن في سوق العمل، ترتب على ذلك وجود تشوه في سوق العمل ومن ثم الفشل ليس في إيجاد قوى عاملة وطنية فقط، ولكن أيضاً تدني كفاءة السوق في توجيه راغبي العمل إلى الوظائف المتاحة، حيث إن وجود العمال الأجانب ترتبت عليه أيضاً تغيرات في مستويات الرفاه لدى المواطن الخليجي، فمن الممكن تصنيف المواطنين الخليجيين إلى فئات ثلاث حسب علاقاتهم بأولئك العمال الأجانب:

الفئة الأولى: المواطنون الذين لديهم دخل مرتفع، سواء كانوا موظفين حكوميين أو رجال أعمال، وفي الوقت نفسه يقومون باستقدام أيدي عاملة أجنبية مما يخلق لهم ريعاً إضافياً بانتفاعهم مباشرة من وجود العمال الأجانب من خلال الهامش الربحي المرتفع من وراء توظيف العمال الأجانب بدلاًمن المواطنين، كما أن هناك فائدة أخرى غير مباشرة يتحصلون عليها في جانب الاستهلاك من خلال تراجع مستويات الأسعار بسبب توظيف الأيدي العاملة الأجنبية الرخيصة والتي تنعكس على مستويات أسعار السلع الاستهلاكية.

الفئة الثانية: هي القطاع الأعظم من المواطنين (الطبقة الوسطى) وهم الموظفون ذوو الدخل المرتفع، وبالتالي تكون هناك استفادة غير مباشرة من وجود العمال الأجانب من خلال تراجع مستويات أسعار السلع الاستهلاكية نظراً لتوظيف أيدي عاملة أجنبية رخيصة مقارنة بأجور العمالة الوطنية.

الفئة الثالثة: هي المجموعة الأقل حظاً وهي فئة ذوي الدخل المحدود والعاطلون عن العمل، وبالتالي ليست لديهم دخول تفي بمتطلبات الحياة الكريمة بسبب مزاحمة العمالة الأجنبية لها وإقصائها من سوق العمل. 

ويتضح مما سبق أن هناك جوانب إيجابية من استقدام الأيدي العاملة الأجنبية سواء كانت هذه الإيجابيات بشكل مباشر أو غير مباشر. فصاحب العمل الذي يقوم باستقدام الأيدي العاملة يتحصل على ريع من توظيف أولئك العمال الأجانب رخيصي الأجور، ويتمثل ذلك الريع في الأرباح المرتفعة والتي تنعكس إيجاباً على دخله ومن ثم استهلاكه ومستوى الرفاه الذي يتمتع به. كما أن المستهلك يستفيد كذلك من انخفاض أسعار السلع المترتب على تدني أجور العمال الأجانب، مما يعني زيادة في دخله الحقيقي، وبالتالي زيادة كمية السلع التي يستطيع شراءها ومن ثم يُعتبر ذلك تحسناً في مستوى الرفاه الذي يتمتع به.

أحد أهم معوقات التنمية في البلدان الخليجية هو عدم وجود طبقة عمالية ماهرة تساهم في التنمية الصناعية

لكن هناك نواحي سلبية ترتبط بوجود العمال الأجانب والتي قد تكون ذات آثار مباشرة وغير مباشرة على رفاه المستهلك في منطقة الخليج. إذ يتأثر المواطنون بشكل مباشر بارتفاع معدلات البطالة، فعندما يكون أحد أفراد الأسرة عاطلاً عن العمل فإن ذلك يزيد من الاعتماد على دخل رب الأسرة مما يعني التراجع الواضح في مستوى رفاه المواطن بسبب تراجع المقدرة على الإنفاق على السلع الاستهلاكية الضرورية والكمالية. فعلى سبيل المثال، مما يؤكد هذا التراجع في الدخل الفردي للمواطن في المنطقة الخليجية ما تناقلته التقارير الاقتصادية الدولية من انخفاض الدخل القومي الفردي السعودي بنسبة 50 في المائة على مدى العقدين الماضيين والذي يتزامن مع الزيادة الكبيرة في استقدام الأيدي العاملة الأجنبية.

وفي المقابل هناك تأثيرات سلبية غير مباشرة تنعكس على رفاه المستهلك، وترتبط بتفشي معدلات البطالة في المجتمع، ومن أهم تلك الآثار السلبية انتشار جرائم السرقات والاعتداء على الأموال الخاصة والعامة، حيث يترتب على ذلك توجيه المستهلك لجزء من دخله للإنفاق على النواحي الأمنية مما يقلل من الدخل المتاح والذي ينفق على السلع والخدمات الأخرى. بل ظهرت العصابات التي تمتهن الجرائم الاقتصادية المنظمة والإرهاب والتي لم تكن موجودة في السابق، وكل ذلك أتى متزامناً مع الارتفاع الملحوظ في معدلات البطالة بين فئات الشباب. فجميع هذه المؤثرات السلبية تنعكس على دالة منفعة المستهلك، حيث يمكن وضع معدلات البطالة كمتغير يقوم بإنقاص معدلات المنفعة على عكس كمية الاستهلاك التي تزيد من مستوى الإشباع الذي يتحصل عليه المستهلك من السلع المختلفة، ولعل تلك العلاقة السابقة تدل بشكل قاطع على وجود مقايضة بين البطالة والاستهلاك، حيث يتغاضى صانع القرار عن نسب معينة من البطالة من أجل دعم الاستهلاك الخاص.

::/fulltext::

47-30-35b
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1480::/cck::
::introtext::

تًعد البطالة أحد التحديات الخطيرة التي تواجه الاقتصاديات النامية والمتقدمة على حد سواء وهي نتاج مباشر لفشل السياسات الاقتصادية التي ينتج عنها بقاء طاقات معطلة لا تساهم في التنمية الاقتصادية، بل تصبح عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الوطني لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار التكاليف الاجتماعية والأمنية التي تفرض واقعاً يحتم على قطاع الأعمال والأفراد تبني سلوك جديد قد يكون مكلفاً جداً في الأجل الطويل.

::/introtext::
::fulltext::

تًعد البطالة أحد التحديات الخطيرة التي تواجه الاقتصاديات النامية والمتقدمة على حد سواء وهي نتاج مباشر لفشل السياسات الاقتصادية التي ينتج عنها بقاء طاقات معطلة لا تساهم في التنمية الاقتصادية، بل تصبح عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الوطني لاسيما إذا أخذنا في الاعتبار التكاليف الاجتماعية والأمنية التي تفرض واقعاً يحتم على قطاع الأعمال والأفراد تبني سلوك جديد قد يكون مكلفاً جداً في الأجل الطويل.

ينظر بعض الأشخاص إلى مشكلة البطالة على أنها مشكلة اقتصادية بحتة، وتتطلب بالتالي حلولاً اقتصادية لعلاج مشكلة البطالة إلا أن هناك مجموعة كبيرة من الأسباب التي إنوجدت فسوف تؤدي إلى تفاقم عدد العاطلين عن العمل، هذا التفسير يكون أكثر مصداقية في الدول النامية على وجه الخصوص وذلك بسبب غياب أو تعطيل دور المؤسسات العامة ذات الشخصية الاعتبارية خاصة تلك التي تضمن المشاركة والشفافية والرقابة على النشاطات الحكومية. وتحاول وسائل الإعلام الحكومية المحلية حشد تبريرات لمشكلة البطالة بإلقاء اللائمة على المواطنين والعادات والتقاليد بأنها السبب في ازدراء بعض المهن والأعمال الحرفية مما يتطلب استقدام أيدي عاملة أجنبية للقيام بتلك الأعمال. ولقد تم دحض تلك الحجة لاسيما أن العمل المهني كان يقوم به مواطنون، حيث قام آباؤنا وأجدادنا ببناء المدن وحفر الآبار والعمل في العديد من الأعمال المهنية الأخرى قبل التوسع في جلب العمّال الأجانب. ومؤخراً اضطرت الحكومات أن تقدم أسباباً جديدة تحملها جزءاً من المسؤولية، حيث اعترفت بإخفاقات السياسة التعليمية التي لم تواكب احتياجات سوق العمل، وفشلت في تطوير رأس المال البشري الذي هو عماد أي تنمية اقتصادية من خلال خلق جيل من المتعلمين القادرين على المنافسة في الحقول العلمية على المستوى العالمي. لقد نجحت دول لا تملك أياً من الموارد الاقتصادية المتوافرة في منطقة الخليج من خلال الاستثمار في رأس المال البشري الذي قاد إلى تنمية اقتصادية هائلة تضاهي بقية دول العالم، بل تفوقت حتى على بعض الدول المتقدمة.

إن دراسة البطالة خصوصاً في المنطقة الخليجية لا يمكن أن تصل إلى تفسيرات منطقية للخلل الهيكلي في سوق العمل وتبني حلول جذرية من دون الاستئناس بأساليب التحليل المتاحة في حقول الاقتصاد السياسي لاسيما في ظل وجود الإدارة الفردية من قبل النخب السياسية الحاكمة التي تراعي توازنات سياسية ومصالح فردية، وترضخ لمطالبات جماعات ضغط قادرة على اقتحام الدوائر السياسية من خلال الروابط العائلية والعلاقات الاجتماعية التي لها دور فعّال في صياغة القرارات المصيرية.

على الرغم من تفاقم نسب البطالة إلى أرقام مخيفة فإن الوافدين ما زالوا يسيطرون على الوظائف عالية الدخول

أحد أهم معوقات التنمية في البلدان الخليجية هو عدم وجود طبقة عمالية ماهرة تساهم في التنمية الصناعية، وتتعامل مع المستجدات التقنية، وتقوم بنقل التقنية من خلال العمل مع قوى عاملة أجنبية خصوصاً في المصانع التي يملكها مستثمرون أجانب في هذه الفترة التي ازدادت فيها الاستثمارات الأجنبية مع انطلاق منظمة التجارة العالمية التي إحدى أهم اتفاقياتها تدعو إلى تعزيز وحماية الاستثمارات الأجنبية المرتبطة بالتجارة (Trade-Related Investment Measures، TRIMS). لقد أهملت الدول الخليجية تطوير القوى العاملة المهنية في بداية مشوارها في التنمية وعندما تنبهت لذلك الإهمال والخطأ الفادح لم تحرص على تصحيح التشوهات التي تؤثر في كفاءة سوق العمل وطفقت تخصص ميزانيات ضخمة للتعليم الفني والتدريب المهني، لكن دون أي حرص على توفير وظائف مهنية وفي الوقت نفسه لم تستطع التخلي عن القوى العاملة الأجنبية وإحلالها بأخرى وطنية، وبالتالي فإن الإنفاق الكبير على التدريب والتأهيل المهني لم تتمخض عنه نتائج ايجابية ملموسة سوى الهدر المالي والمزيد من القوى العاملة المهنية العاطلة. لقد كان هناك فهم خاطئ لدى بعض الدول الخليجية يتمثل في أن وجود طبقة عاملة تحفها مخاطر وتحديات سياسية من تكوين نقابات واتحادات عمالية قد تمارس ضغوطاً سياسية من خلال الإضرابات والمظاهرات التي قد تزعزع النظام السياسي، لذا فإن البديل هو جلب عمالة أجنبية ليست لديها أي تطلعات أو تنظيمات سياسية. وفي هذا الصدد لعبت العديد من الدول ذات الفوائض العمالية دوراً كبيراً في حماية مصالح وتوفير وظائف لعمالتها بممارسة ضغوط دبلوماسية ومطالبات من النخب السياسية الحاكمة والتي ليست بالضرورة تخدم المصالح الوطنية، بل تراعي الاستقرار السياسي للنظام في ظل الضعف والوهن اللذين يعاني منهما على المستويين الإقليمي والدولي بسبب تهميش وإقصاء المواطنين من العملية السياسية بسبب حظر الأحزاب وغياب المؤسسات البرلمانية التي من المفترض أن تدافع عن المصالح الاستراتيجية الوطنية وتخفف الضغوط الأجنبية.

إن أهم أسباب تهميش المواطنين وإقصاؤهم من العملية السياسية وتجاهل مطالباتهم وإهمال الرأي العام كمحدد للسياسات العامة هي مصادر تمويل الإنفاق الحكومي الذي يعتمد على الريع النفطي، حيث يُعفى المواطنون من دفع الضرائب المباشرة على الأوعية الضريبية المتاحة كالدخل والأرباح، لكن في الوقت نفسه عندما تحتاج الخزانة الحكومية إلى مصادر تمويل إضافية تقوم بفرض (رسوم ثابتة) يقوم بدفعها المواطنون لقاء خدمات مبالغ في أثمانها، كما تستحوذ الحكومة على نصيب الأسد من مشاريع الخدمات الربحية ذات الهوامش الربحية العالية. ولعل قاعدة الاقتصاد السياسي الشهيرة والتي تقول (لا ضرائب لا تمثيل) تمثل واقع سوق العمل الخليجي، حيث لا يحتل هدف توظيف المواطنين أي مكان في المراتب المتقدمة في قائمة الأوليات الوطنية، بل تنظر الحكومات إلى توظيف المواطنين كمنة لا حقاً وطنياً ملزماً للحكومة وكذلك بقية الخدمات العامة التي تقدمها الحكومة وتنظر إليها كميزة تمنحها لمن تشاء وتحرم منها السواد الأعظم من المواطنين. ويتضح من أسواق العمل الخليجية أن الحكومات الخليجية لا تحبذ توظيف المواطنين في القطاع الخاص، والدليل على ذلك هو أنه على الرغم من تفاقم نسب البطالة إلى أرقام مخيفة فإن الوافدين ما زالوا يسيطرون على الوظائف عالية الدخول على الرغم من تأهيلهم المتواضع. إن أهم الأسباب التي جعلت الحكومات المحلية لا تحبذ توظيف المواطنين في القطاع الخاص هو ذلك الاعتقاد الخاطئ بأن وجود المواطنين في نشاطات بعيدة عن سيطرة الحكومة سوف يخلق نخباً مستقلة مالياً، وقد تكون منافسة للنخب السياسية الحاكمة، وتؤدي إلى فرض تغيير في شكل الأنظمة السياسية، كما أن وظائف القطاع الحكومي فيها العديد من الشروط والقيود التي تصادر حرية التعبير والقدرة على انتقاد القرارات والسياسات الحكومية لاسيما إذا استحضرنا بعض الإعلانات والقرارات الحكومية التي تهدد المواطنين بعقوبة الفصل من الوظائف الحكومية إذا تجرأ أحدهم وقام بانتقاد الحكومة في وسائل الإعلام.

وحاول المتخصصون في التنمية الاقتصادية الإجابة عن لغز محير في العديد من الدول النامية ألا وهو لماذا تتبنى العديد من الدول النامية سياسات عديمة الفاعلية والكفاءة أو ذات نتائج سلبية على الاقتصاد الوطني، وفي الوقت نفسه يتم تعطيل وإلغاء القرارات المهمة للاقتصاد الوطني، ووجدوا أن هناك قائمة طويلة من الأسباب التي تفسر ذلك الوضع المتناقض. ومن أبرز هذه الأسباب الفساد الإداري والمالي الذي يعتبر مشكلة متلازمة لأسلوب الإدارة المركزية، حيث يدافع صانعو القرار عن مصالحهم الشخصية على حساب المصالح الوطنية، كما أن الأنظمة السياسية التي تعاني تشوهات وخللاً في تركيبة وبنية أساليب الحكم قد تولد لديها (برانويا) من أي تغيرات سياسية واقتصادية تثير مخاوف مبالغاً فيها في ما يتعلق باستقرار ومستقبل الأوضاع السياسية. وتعاني العديد من القرارات التي تتخذها الحكومات مشكلة (عدم التوافق الزمني) التي تعني أن القرارات الكفوءة التي تم اتخاذها في فترات سابقة قد لا تبدو كذلك في الأوقات اللاحقة لاسيما عند حدوث كوارث طبيعية أو أزمات سياسية واقتصادية تستدعي أن تتخلى الحكومة عن سياساتها المعلنة على الرغم من قدرتها على تعظيم النتائج أو تقليص التكاليف ومن ثم تحقيق الصالح العام. إلا أن المشكلة تكمن في استشراء دور وفاعلية جماعات الضغط التي تستطيع التأثير في القرارات لدى الغالبية العظمى من البلدان الخليجية.

وهناك العديد من الوقائع والدلائل التي تشير إلى وجود مقايضة بين الاستهلاك والبطالة في البلدان الخليجية، ولعل أهمها هو السماح لقطاع الأعمال باستقدام الأيدي العاملة الأجنبية على الرغم من تفشي البطالة بين المواطنين، بل إنه في أحيان كثيرة تُتخذ قرارات يتضح منها أنها تدعم قطاع رجال الأعمال على حساب الطبقة العاملة الوطنية التي أصبحت تواجه صعوبات جمة في الحصول على مصدر للرزق. فعلى سبيل المثال، لم تتخذ الجهات المنظمة لأسواق العمل الخليجية أي إجراءات كفيلة بإزالة التشوهات الموجودة والتي أفضت إلى إقصاء المواطنين من سوق العمل وفشل برامج توطين الوظائف التي انطلقت مؤخراً في أعقاب ارتفاع موجات البطالة. إن أحد أهم أسباب عزوف الشباب الخليجيين عن الحصول على وظائف في القطاع الخاص هو تدني مستوى الأجور بشكل كبير بحيث إن الدخل الذي يحصل عليه من الوظيفة قد لا يغطي تكاليف النقل من مقر سكنه إلى موقع العمل. وقد عارض المسؤولون الحلول المطروحة والكفيلة بحل مشكلة العزوف تلك ألا وهي تطبيق الحد الأدنى للأجور بحيث تضمن دخلاً لطالب العمل، وكان أحد المبررات التي تُساق لتبرير معارضة تطبيق الحد الأدنى للأجور هو ذريعة إمكانية وجود اضطرابات في عرض السلع التي يعمل في إنتاجها أجانب ومن ثم ارتفاع أسعارها مما يؤثر سلباً في رفاه المستهلك. وباتباع الحجة السابقة يكون صانع القرار يتغاضى عن بعض نسب البطالة المرتفعة في مقابل الحصول على معدلات استهلاك مرتفعة نوعاً ما، إلا أنه في الآونة الأخيرة بدأت تظهر مشكلة البطالة كتحد جديد لابد من التعامل معه ومحاولة حلها قبل أن تتفاقم.

إن تاريخ استقدام القوى العاملة الأجنبية يعود إلى الفترات التي كان هناك نقص حاد في العمالة الوطنية خاصة في فترات بناء المرافق ومشاريع البنية التحتية والتي تزامنت مع الطفرة النفطية في أوائل السبعينات الميلادية. ولم تكن مشكلة البطالة الوطنية بارزة في تلك الفترة بسبب قلة التعداد السكاني واستخدام صانع القرار للوظائف الإدارية العامة كوسيلة لتوزيع العوائد النفطية على المواطنين، أما في ما يتعلق بالوظائف المهنية والخدمية فكان هناك سماح باستقدام عمالة من الدول العربية المجاورة لسد النقص، إلا أنه في أواسط الثمانينات الميلادية أدى انهيار أسعار النفط الخام في الأسواق العالمية إلى حدوث عجز مزمن في الموازنة العامة نظراً لكون عوائد النفط الخام رافداً أساسياً للإيرادات العامة في البلدان الخليجية، وترتب على ذلك العجز تباطؤ في إيجاد الوظائف العامة في حين كانت هناك سيطرة تامة للعمالة الأجنبية على وظائف القطاع الخاص مما نجمت عنه بطالة في صفوف المواطنين.

إن ما يحدث الآن في أسواق العمل الخليجية ما هو إلا نتيجة مباشرة لما يُعرف بالآثار الديناميكية المصاحبة للهجرة الدولية للأيدي العاملة، فاستمرار نزوح العمال الأجانب ترتب عليه تراجع الأجور ومن ثم إقصاء المواطنين عن سوق العمل. فانتقال العمّال من البلدان التي تتمتع بوفرة عمالية (كدول شبه القارة الهندية ذات الأجور المنخفضة) إلى سوق العمل الخليجي الذي كان إلى وقت قريب يعاني نقصاً حاداً في الأيدي العاملة أدى إلى منع ارتفاع الأجور، وأفضى إلى خلل مزمن في سوق العمل، ترتب على ذلك وجود تشوه في سوق العمل ومن ثم الفشل ليس في إيجاد قوى عاملة وطنية فقط، ولكن أيضاً تدني كفاءة السوق في توجيه راغبي العمل إلى الوظائف المتاحة، حيث إن وجود العمال الأجانب ترتبت عليه أيضاً تغيرات في مستويات الرفاه لدى المواطن الخليجي، فمن الممكن تصنيف المواطنين الخليجيين إلى فئات ثلاث حسب علاقاتهم بأولئك العمال الأجانب:

الفئة الأولى: المواطنون الذين لديهم دخل مرتفع، سواء كانوا موظفين حكوميين أو رجال أعمال، وفي الوقت نفسه يقومون باستقدام أيدي عاملة أجنبية مما يخلق لهم ريعاً إضافياً بانتفاعهم مباشرة من وجود العمال الأجانب من خلال الهامش الربحي المرتفع من وراء توظيف العمال الأجانب بدلاًمن المواطنين، كما أن هناك فائدة أخرى غير مباشرة يتحصلون عليها في جانب الاستهلاك من خلال تراجع مستويات الأسعار بسبب توظيف الأيدي العاملة الأجنبية الرخيصة والتي تنعكس على مستويات أسعار السلع الاستهلاكية.

الفئة الثانية: هي القطاع الأعظم من المواطنين (الطبقة الوسطى) وهم الموظفون ذوو الدخل المرتفع، وبالتالي تكون هناك استفادة غير مباشرة من وجود العمال الأجانب من خلال تراجع مستويات أسعار السلع الاستهلاكية نظراً لتوظيف أيدي عاملة أجنبية رخيصة مقارنة بأجور العمالة الوطنية.

الفئة الثالثة: هي المجموعة الأقل حظاً وهي فئة ذوي الدخل المحدود والعاطلون عن العمل، وبالتالي ليست لديهم دخول تفي بمتطلبات الحياة الكريمة بسبب مزاحمة العمالة الأجنبية لها وإقصائها من سوق العمل. 

ويتضح مما سبق أن هناك جوانب إيجابية من استقدام الأيدي العاملة الأجنبية سواء كانت هذه الإيجابيات بشكل مباشر أو غير مباشر. فصاحب العمل الذي يقوم باستقدام الأيدي العاملة يتحصل على ريع من توظيف أولئك العمال الأجانب رخيصي الأجور، ويتمثل ذلك الريع في الأرباح المرتفعة والتي تنعكس إيجاباً على دخله ومن ثم استهلاكه ومستوى الرفاه الذي يتمتع به. كما أن المستهلك يستفيد كذلك من انخفاض أسعار السلع المترتب على تدني أجور العمال الأجانب، مما يعني زيادة في دخله الحقيقي، وبالتالي زيادة كمية السلع التي يستطيع شراءها ومن ثم يُعتبر ذلك تحسناً في مستوى الرفاه الذي يتمتع به.

أحد أهم معوقات التنمية في البلدان الخليجية هو عدم وجود طبقة عمالية ماهرة تساهم في التنمية الصناعية

لكن هناك نواحي سلبية ترتبط بوجود العمال الأجانب والتي قد تكون ذات آثار مباشرة وغير مباشرة على رفاه المستهلك في منطقة الخليج. إذ يتأثر المواطنون بشكل مباشر بارتفاع معدلات البطالة، فعندما يكون أحد أفراد الأسرة عاطلاً عن العمل فإن ذلك يزيد من الاعتماد على دخل رب الأسرة مما يعني التراجع الواضح في مستوى رفاه المواطن بسبب تراجع المقدرة على الإنفاق على السلع الاستهلاكية الضرورية والكمالية. فعلى سبيل المثال، مما يؤكد هذا التراجع في الدخل الفردي للمواطن في المنطقة الخليجية ما تناقلته التقارير الاقتصادية الدولية من انخفاض الدخل القومي الفردي السعودي بنسبة 50 في المائة على مدى العقدين الماضيين والذي يتزامن مع الزيادة الكبيرة في استقدام الأيدي العاملة الأجنبية.

وفي المقابل هناك تأثيرات سلبية غير مباشرة تنعكس على رفاه المستهلك، وترتبط بتفشي معدلات البطالة في المجتمع، ومن أهم تلك الآثار السلبية انتشار جرائم السرقات والاعتداء على الأموال الخاصة والعامة، حيث يترتب على ذلك توجيه المستهلك لجزء من دخله للإنفاق على النواحي الأمنية مما يقلل من الدخل المتاح والذي ينفق على السلع والخدمات الأخرى. بل ظهرت العصابات التي تمتهن الجرائم الاقتصادية المنظمة والإرهاب والتي لم تكن موجودة في السابق، وكل ذلك أتى متزامناً مع الارتفاع الملحوظ في معدلات البطالة بين فئات الشباب. فجميع هذه المؤثرات السلبية تنعكس على دالة منفعة المستهلك، حيث يمكن وضع معدلات البطالة كمتغير يقوم بإنقاص معدلات المنفعة على عكس كمية الاستهلاك التي تزيد من مستوى الإشباع الذي يتحصل عليه المستهلك من السلع المختلفة، ولعل تلك العلاقة السابقة تدل بشكل قاطع على وجود مقايضة بين البطالة والاستهلاك، حيث يتغاضى صانع القرار عن نسب معينة من البطالة من أجل دعم الاستهلاك الخاص.

::/fulltext::
::cck::1480::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *