دول مجلس التعاون الخليجي بين الحاجة للعمالة الوافدة والخلل في التركيبة السكانية
::cck::1503::/cck::
::introtext::
تزخر أسواق العمل الخليجية بنوعيات وجنسيات عديدة من العمالة، منها الوطنية (الأقلية) والعربية والأوروبية والآسيوية (الأكثرية). ولعل ذلك مرده إلى موجات الهجرة الهائلة من العمالة الأجنبية (بخاصة الآسيوية) إلى دول الخليج العربية منذ منتصف السبعينات عقب الطفرة البترولية التي كان لها دور كبير في تمويل وتشييد البنية التحتية والهياكل الاقتصادية والمشروعات التنموية المختلفة، فقد وفرت عمليات التنمية والتحديث في دول الخليج العربية الآلاف من فرص العمل في قطاعات عديدة وبمستويات متفاوتة من المهارة والخبرة.
::/introtext::
::fulltext::
تزخر أسواق العمل الخليجية بنوعيات وجنسيات عديدة من العمالة، منها الوطنية (الأقلية) والعربية والأوروبية والآسيوية (الأكثرية). ولعل ذلك مرده إلى موجات الهجرة الهائلة من العمالة الأجنبية (بخاصة الآسيوية) إلى دول الخليج العربية منذ منتصف السبعينات عقب الطفرة البترولية التي كان لها دور كبير في تمويل وتشييد البنية التحتية والهياكل الاقتصادية والمشروعات التنموية المختلفة، فقد وفرت عمليات التنمية والتحديث في دول الخليج العربية الآلاف من فرص العمل في قطاعات عديدة وبمستويات متفاوتة من المهارة والخبرة.
مع الطفرة النفطية وكيفية الاستفادة من عائداتها كانت دول الخليج العربية في حاجة إلى العمالة الوافدة بخاصة الآسيوية منها، وذلك لأسباب عديدة منها:
أولاً: صغر حجم المكون السكاني لدول الخليج العربية بالمقارنة بمتطلبات أسواق العمل فيها، مما يعني أن هناك نقصاً كبيراً في العمالة الوطنية.
ثانياً: توافر الآلاف من فرص العمل في بناء المساكن والطرق والمدارس والمراكز الصحية والإدارات والوزارات الحكومية وكذلك المصانع والأسواق وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات وغير ذلك من المشروعات التنموية.
ثالثاً: الاستثمار في مجالات عديدة منها ما يحتاج إلى عمالة كثيفة مثل مجال العقارات وغيره.
ولهذه الأسباب فقد بدت هجرات العمالة الوافدة في بدايتها كضرورة لا بد منها، حيث تدفقت أعداد كبيرة من العمالة الوافدة بخاصة الآسيويون إلى سوق العمل الخليجي مستفيدين من الوفرة الكبيرة في فرص العمل، ومتميزين عن العمالة الوطنية والعربية بأجور رخيصة ومهارات أفضل، ما مكّنهم من السيطرة على معظم القطاعات الإنشائية والإنتاجية والخدمية في سوق العمل الخليجي في الوقت الحالي. والجدير بالذكر أن هذه العمالة أسهمت بشكل كبير في إنشاء العديد من المشروعات التنموية في دول الخليج العربية.

ومع استمرار تدفق العمالة الوافدة بصفة عامة والآسيوية بصفة خاصة والتي تقدر أعدادها الآن بأكثر من 13 مليون نسمة حسب الإحصائيات الرسمية والدولية، فقد كوّن العمال الوافدون الغالبية العظمى من جملة السكان (في بعض الدول الخليجية) ومن قوة العمل (في كل الدول الخليجية)، ومن ثم أصبحوا يسيطرون على معظم قطاعات سوق العمل الخليجي، ويحدثون خللاً ديموغرافياً كبيراً في بنية السكان، مما يؤثر في السكان المواطنين من كافة الجوانب وبخاصة الاقتصادية (بطالة المواطنين) والاجتماعية (التغير في الثقافات والعادات والتقاليد)، وربما السياسية في المستقبل القريب.
ومن ثم فقد غدت تلك الأعداد الكبيرة من العمالة الوافدة إلى ما سُمي بـ (ضرر لابد منه) حيث يصعب الاستغناء عن تلك العمالة في الوقت الحالي والمستقبل القريب.
مظاهر الخلل في التركيبة السكانية الخليجية
لعل كبر الحجم السكاني للعمالة الوافدة بصفة عامة والآسيوية بصفة خاصة وانتشارها في كل دول الخليج العربية كان له دور كبير في الخلل الذي أصاب بنية السكان وتركيبتهم في المجتمع الخليجي، حيث تجلت مظاهر الخلل في تقلص حجم السكان المواطنين بالنسبة للوافدين، وكذلك اضطراب نسبة النوع في كل المجتمعات الخليجية، وأيضاً خلل في التركيب العمري للسكان، وفي ميزان القوى العاملة.
أولاً: الخلل الحجمي
ويقصد به تقلص حجم السكان المواطنين بالنسبة لحجم السكان الوافدين (العمالة الوافدة)، حيث تختلف دول الخليج العربية من حيث حجم معاناتها من الخلل في حجم سكانها المواطنين بالنسبة للسكان الوافدين، وذلك وفق متغيرات عدة منها: حجم السكان المواطنين، حجم وكم المشروعات التنموية، مدى اندماج العمالة الوطنية في قطاعات العمل في كل دولة.

تتصدر دولة الإمارات العربية المتحدة دول الخليج من حيث تقلص حجم سكانها المواطنين (20 في المائة) لصالح السكان الوافدين (80 في المائة) حتى أصبح الفرق بين نسبة المواطنين والوافدين نحو – 60.0 في المائة (جدول رقم 1 وشكل رقم 1)، ولا يختلف الأمر كثيراً في دولة قطر حيث يمثل السكان المواطنون نحو 21.6 في المائة فقط من حجم سكان الدولة، وتزداد نسبة المواطنين إلى 33.9 في المائة في دولة الكويت، غير أن البعض يرى أن هذه النسب أقل من الواقع، حيث لا تزيد نسبة السكان المواطنين في الإمارات على 10 في المائة فقط (يمثلون نصف عدد أفراد الجالية الهندية فيها) وفي قطر 16 في المائة وفي الكويت 33 في المائة من جملة سكان كل دولة، وهذا يعني أن سكان هذه الدول أصبحوا أقلية في بلادهم.

ثانياً: الخلل النوعي والعمري
يعد التركيب السكاني (Population Structure) أهم أدوات المخططين وصانعي القرار في مجالات عديدة منها: التعليمية والصحية والاجتماعية والاقتصادية. وتعكس أنماط التركيب السكاني المختلفة مثل التركيب النوعي، والعمري، والاقتصادي (السكان حسب النشاط)، وغيره مدى الاستقرار الديموغرافي (السكاني) في المجتمع.
أ- الخلل النوعي
نتيجة لنوعية تيارات الهجرة المتدفقة إلى دول الخليج العربية والتي معظمها من الذكور فقد أدى ذلك إلى زيادة أعداد الذكور على أعداد الإناث في كل دول الخليج العربية، مما أدى إلى اختلال نسبة النوع (كما يتضح من الجدول رقم 2).

ترتفع نسبة النوع عن المعدلات الطبيعية في كل دول الخليج العربية وهو أمر طبيعي في المجتمعات المستقبلة للمهاجرين. لكن لوحظ أن متوسط عدد الذكور يزيد على 200 ذكر في مقابل 100 أنثى في كل من الإمارات وقطر، مما يعني أن الرجال ضعف النساء في هاتين الدولتين، كما يبدو أن الكويت ليست بعيدة عن هذا الوضع النادر. ويؤثر هذا الخلل النوعي في الكثير من النواحي الاجتماعية والأمنية في هذه الدول. وربما يكون الأمر أقل حدة في كل من البحرين وسلطنة عُمان والسعودية، ويرجح أن انخفاض نسبة النوع في السعودية يرجع إلى اعتمادها على نسبة أكبر من العمالة العربية (بالمقارنة ببقية دول الخليج وليس بالعمالة الآسيوية) والتي في معظمها تأتي مع أسرها مما يقلل من حدة الخلل النوعي فيها.
ب- الخلل العمري
مع وجود أكثر من 13 مليون وافد في المجتمعات الخليجية معظمهم من الآسيويين الذكور في متوسط العمر (فئة الشباب) يحدث خلل في التركيب العمري لهذه المجتمعات؛ حيث يزيد عدد السكان في فئات عمرية معينة وهي فئات الشباب عن المعدلات الطبيعية، كما ترتفع نسبة الذكور في هذه الفئات، وهذا ناتج عن تيارات الهجرة المستمرة إلى المجتمع الخليجي.

في المجتمعات المستقرة ديموغرافياً غالباً ما تتدرج أعداد السكان في فئات العمر من الطفولة حتى الشيخوخة، (كما هو موضح في الشكل رقم 2) الذي يمثل نموذجاً للهرم السكاني لمعظم الدول النامية؛ حيث نجد قاعدة عريضة (الأطفال) وتدرج حتى القمة المدببة (كبار السن). غير أنه ونتيجة للهجرة المستمرة إلى المجتمعات الخليجية نجد أن هناك خللاً في الهرم السكاني لدول الخليج كافة مع وجود بعض التفاوت بينها حسب أعداد الوافدين إلى كل دولة. ويمكن ملاحظة ذلك الخلل عند مقارنة (الشكل رقم 2) بالهرم السكاني لدولة قطر عام 2005 (شكل رقم 3) كنموذج لدول الخليج. حيث يلاحظ وجود زيادة كبيرة في أعداد السكان في فئات متوسطي العمر (25 -50 سنة) وبصفة خاصة في نوع الذكور.

ويرجع ذلك الخلل إلى نوعية الهجرة، فغالبية المهاجرين من الذكور وكذلك إلى انتقائيتها حيث تنتقي الهجرة السكان في فئات سن معينة (الشباب في سن العمل). ويؤثر ذلك في المجتمع الخليجي في كثير من الجوانب الاجتماعية والأمنية والاقتصادية أيضاً.
ثالثاً: الخلل في القوى العاملة
يقصد بالخلل في القوى العاملة أن يختل ميزان القوى العاملة لصالح العمالة الوافدة على حساب العمالة الوطنية.
حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن نسبة مشاركة العمالة الوطنية في القوى العاملة أقل من 50 في المائة في كافة دول مجلس التعاون الخليجي (كما هو موضح في الجدول رقم 3 والشكل رقم 4)، وفي المقابل تزيد مشاركة العمالة الوافدة في القوى العمالة عن 50 في المائة في كل دول المجلس، حيث تشترك أسواق العمل الخليجية في تشغيل نسبة كبيرة من العمالة الآسيوية الوافدة وذلك لتميزها وانخفاض أجورها.

وترتفع نسبة مشاركة العمالة الوافدة في كل من الإمارات والكويت (حسب البيانات الرسمية) بشكل كبير، وقد لا نكون مبالغين في القول بشكل (مخيف)، حيث تصل إلى أكثر من 80 في المائة من جملة القوى العاملة في هاتين الدولتين.
غير أن البعض يذهب إلى أبعد من هذا بالقول إن مساهمة المواطنين في إجمالي قوة العمل تدنت إلى 5في المائة في الإمارات، و7 في المائة في قطر، و15 في المائة فيالبحرين عام 2007، أما بقية دول المجلس فهي ليست بمأمن من هذا الوضع.

ويحدث هذا الخلل في ميزان القوى العاملة لصالح العمالة الوافدة مشكلات جمة في المجتمعات الخليجية، حيث تؤدي سيطرة العمالة الوافدة (بخاصة الآسيوية) على سوق العمل إلى زيادة معدلات البطالة بين الشباب المواطنين في هذه المجتمعات، حيث تنتج عن ذلك مشكلات اجتماعية واقتصادية كثيرة معروفة للجميع. وهذا بخلاف الخلل الذي يحدث في الثقافات والعادات والتقاليد والقيم واللغة وحتى عادات الغذاء أصابها أيضاً التغيير.

وخلاصة القول أن أسواق العمل الخليجية لا تزال في حاجة للعمالة الوافدة بخاصة الآسيوية، حيث تبدو إمكانية الاستغناء عنها في الوقت الحالي صعبة لأسباب عدة منها مدى قدرة العمالة الوطنية على الإحلال محل العمالة الآسيوية، وكذلك مدى إمكانية الاستعانة بأعداد أكبر من العمالة العربية. وفي المقابل فقد أحدثت العمالة الوافدة خللاً في حجم ونوعية وتركيب السكان، كما أدت إلى خلل كبير يتمثل في زيادة مستويات البطالة بين الشباب المواطنين في معظم المجتمعات الخليجية.
ولحل هذه المشكلة (المعادلة) لابد من إجراء دراسات عديدة ومعمقة حول هذا الوضع المتشابك، وتبدو الاقتراحات القديمة / الحديثة هي الأقرب لتخفيف تأثير الضرر الواقع وهي:
* الاهتمام بتدريب العمالة الوطنية وتدرج إحلالها محل العمالة الوافدة وخاصة الآسيوية.
* ضرورة التنسيق والتنظيم لما يسمى (سوق العمل العربي) بغرض الاستعانة بعدد أكبر من العمالة العربية لإحداث نوع من التوازن الكمي مع العمالة الآسيوية.
* تنويع مجالات الاستثمار بعيداً عن قطاع العقارات الذي يحتاج إلى عدد كبير من العمالة الآسيوية بصفة خاصة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1503::/cck::
::introtext::
تزخر أسواق العمل الخليجية بنوعيات وجنسيات عديدة من العمالة، منها الوطنية (الأقلية) والعربية والأوروبية والآسيوية (الأكثرية). ولعل ذلك مرده إلى موجات الهجرة الهائلة من العمالة الأجنبية (بخاصة الآسيوية) إلى دول الخليج العربية منذ منتصف السبعينات عقب الطفرة البترولية التي كان لها دور كبير في تمويل وتشييد البنية التحتية والهياكل الاقتصادية والمشروعات التنموية المختلفة، فقد وفرت عمليات التنمية والتحديث في دول الخليج العربية الآلاف من فرص العمل في قطاعات عديدة وبمستويات متفاوتة من المهارة والخبرة.
::/introtext::
::fulltext::
تزخر أسواق العمل الخليجية بنوعيات وجنسيات عديدة من العمالة، منها الوطنية (الأقلية) والعربية والأوروبية والآسيوية (الأكثرية). ولعل ذلك مرده إلى موجات الهجرة الهائلة من العمالة الأجنبية (بخاصة الآسيوية) إلى دول الخليج العربية منذ منتصف السبعينات عقب الطفرة البترولية التي كان لها دور كبير في تمويل وتشييد البنية التحتية والهياكل الاقتصادية والمشروعات التنموية المختلفة، فقد وفرت عمليات التنمية والتحديث في دول الخليج العربية الآلاف من فرص العمل في قطاعات عديدة وبمستويات متفاوتة من المهارة والخبرة.
مع الطفرة النفطية وكيفية الاستفادة من عائداتها كانت دول الخليج العربية في حاجة إلى العمالة الوافدة بخاصة الآسيوية منها، وذلك لأسباب عديدة منها:
أولاً: صغر حجم المكون السكاني لدول الخليج العربية بالمقارنة بمتطلبات أسواق العمل فيها، مما يعني أن هناك نقصاً كبيراً في العمالة الوطنية.
ثانياً: توافر الآلاف من فرص العمل في بناء المساكن والطرق والمدارس والمراكز الصحية والإدارات والوزارات الحكومية وكذلك المصانع والأسواق وشبكات الكهرباء والمياه والصرف الصحي والاتصالات وغير ذلك من المشروعات التنموية.
ثالثاً: الاستثمار في مجالات عديدة منها ما يحتاج إلى عمالة كثيفة مثل مجال العقارات وغيره.
ولهذه الأسباب فقد بدت هجرات العمالة الوافدة في بدايتها كضرورة لا بد منها، حيث تدفقت أعداد كبيرة من العمالة الوافدة بخاصة الآسيويون إلى سوق العمل الخليجي مستفيدين من الوفرة الكبيرة في فرص العمل، ومتميزين عن العمالة الوطنية والعربية بأجور رخيصة ومهارات أفضل، ما مكّنهم من السيطرة على معظم القطاعات الإنشائية والإنتاجية والخدمية في سوق العمل الخليجي في الوقت الحالي. والجدير بالذكر أن هذه العمالة أسهمت بشكل كبير في إنشاء العديد من المشروعات التنموية في دول الخليج العربية.

ومع استمرار تدفق العمالة الوافدة بصفة عامة والآسيوية بصفة خاصة والتي تقدر أعدادها الآن بأكثر من 13 مليون نسمة حسب الإحصائيات الرسمية والدولية، فقد كوّن العمال الوافدون الغالبية العظمى من جملة السكان (في بعض الدول الخليجية) ومن قوة العمل (في كل الدول الخليجية)، ومن ثم أصبحوا يسيطرون على معظم قطاعات سوق العمل الخليجي، ويحدثون خللاً ديموغرافياً كبيراً في بنية السكان، مما يؤثر في السكان المواطنين من كافة الجوانب وبخاصة الاقتصادية (بطالة المواطنين) والاجتماعية (التغير في الثقافات والعادات والتقاليد)، وربما السياسية في المستقبل القريب.
ومن ثم فقد غدت تلك الأعداد الكبيرة من العمالة الوافدة إلى ما سُمي بـ (ضرر لابد منه) حيث يصعب الاستغناء عن تلك العمالة في الوقت الحالي والمستقبل القريب.
مظاهر الخلل في التركيبة السكانية الخليجية
لعل كبر الحجم السكاني للعمالة الوافدة بصفة عامة والآسيوية بصفة خاصة وانتشارها في كل دول الخليج العربية كان له دور كبير في الخلل الذي أصاب بنية السكان وتركيبتهم في المجتمع الخليجي، حيث تجلت مظاهر الخلل في تقلص حجم السكان المواطنين بالنسبة للوافدين، وكذلك اضطراب نسبة النوع في كل المجتمعات الخليجية، وأيضاً خلل في التركيب العمري للسكان، وفي ميزان القوى العاملة.
أولاً: الخلل الحجمي
ويقصد به تقلص حجم السكان المواطنين بالنسبة لحجم السكان الوافدين (العمالة الوافدة)، حيث تختلف دول الخليج العربية من حيث حجم معاناتها من الخلل في حجم سكانها المواطنين بالنسبة للسكان الوافدين، وذلك وفق متغيرات عدة منها: حجم السكان المواطنين، حجم وكم المشروعات التنموية، مدى اندماج العمالة الوطنية في قطاعات العمل في كل دولة.

تتصدر دولة الإمارات العربية المتحدة دول الخليج من حيث تقلص حجم سكانها المواطنين (20 في المائة) لصالح السكان الوافدين (80 في المائة) حتى أصبح الفرق بين نسبة المواطنين والوافدين نحو – 60.0 في المائة (جدول رقم 1 وشكل رقم 1)، ولا يختلف الأمر كثيراً في دولة قطر حيث يمثل السكان المواطنون نحو 21.6 في المائة فقط من حجم سكان الدولة، وتزداد نسبة المواطنين إلى 33.9 في المائة في دولة الكويت، غير أن البعض يرى أن هذه النسب أقل من الواقع، حيث لا تزيد نسبة السكان المواطنين في الإمارات على 10 في المائة فقط (يمثلون نصف عدد أفراد الجالية الهندية فيها) وفي قطر 16 في المائة وفي الكويت 33 في المائة من جملة سكان كل دولة، وهذا يعني أن سكان هذه الدول أصبحوا أقلية في بلادهم.

ثانياً: الخلل النوعي والعمري
يعد التركيب السكاني (Population Structure) أهم أدوات المخططين وصانعي القرار في مجالات عديدة منها: التعليمية والصحية والاجتماعية والاقتصادية. وتعكس أنماط التركيب السكاني المختلفة مثل التركيب النوعي، والعمري، والاقتصادي (السكان حسب النشاط)، وغيره مدى الاستقرار الديموغرافي (السكاني) في المجتمع.
أ- الخلل النوعي
نتيجة لنوعية تيارات الهجرة المتدفقة إلى دول الخليج العربية والتي معظمها من الذكور فقد أدى ذلك إلى زيادة أعداد الذكور على أعداد الإناث في كل دول الخليج العربية، مما أدى إلى اختلال نسبة النوع (كما يتضح من الجدول رقم 2).

ترتفع نسبة النوع عن المعدلات الطبيعية في كل دول الخليج العربية وهو أمر طبيعي في المجتمعات المستقبلة للمهاجرين. لكن لوحظ أن متوسط عدد الذكور يزيد على 200 ذكر في مقابل 100 أنثى في كل من الإمارات وقطر، مما يعني أن الرجال ضعف النساء في هاتين الدولتين، كما يبدو أن الكويت ليست بعيدة عن هذا الوضع النادر. ويؤثر هذا الخلل النوعي في الكثير من النواحي الاجتماعية والأمنية في هذه الدول. وربما يكون الأمر أقل حدة في كل من البحرين وسلطنة عُمان والسعودية، ويرجح أن انخفاض نسبة النوع في السعودية يرجع إلى اعتمادها على نسبة أكبر من العمالة العربية (بالمقارنة ببقية دول الخليج وليس بالعمالة الآسيوية) والتي في معظمها تأتي مع أسرها مما يقلل من حدة الخلل النوعي فيها.
ب- الخلل العمري
مع وجود أكثر من 13 مليون وافد في المجتمعات الخليجية معظمهم من الآسيويين الذكور في متوسط العمر (فئة الشباب) يحدث خلل في التركيب العمري لهذه المجتمعات؛ حيث يزيد عدد السكان في فئات عمرية معينة وهي فئات الشباب عن المعدلات الطبيعية، كما ترتفع نسبة الذكور في هذه الفئات، وهذا ناتج عن تيارات الهجرة المستمرة إلى المجتمع الخليجي.

في المجتمعات المستقرة ديموغرافياً غالباً ما تتدرج أعداد السكان في فئات العمر من الطفولة حتى الشيخوخة، (كما هو موضح في الشكل رقم 2) الذي يمثل نموذجاً للهرم السكاني لمعظم الدول النامية؛ حيث نجد قاعدة عريضة (الأطفال) وتدرج حتى القمة المدببة (كبار السن). غير أنه ونتيجة للهجرة المستمرة إلى المجتمعات الخليجية نجد أن هناك خللاً في الهرم السكاني لدول الخليج كافة مع وجود بعض التفاوت بينها حسب أعداد الوافدين إلى كل دولة. ويمكن ملاحظة ذلك الخلل عند مقارنة (الشكل رقم 2) بالهرم السكاني لدولة قطر عام 2005 (شكل رقم 3) كنموذج لدول الخليج. حيث يلاحظ وجود زيادة كبيرة في أعداد السكان في فئات متوسطي العمر (25 -50 سنة) وبصفة خاصة في نوع الذكور.

ويرجع ذلك الخلل إلى نوعية الهجرة، فغالبية المهاجرين من الذكور وكذلك إلى انتقائيتها حيث تنتقي الهجرة السكان في فئات سن معينة (الشباب في سن العمل). ويؤثر ذلك في المجتمع الخليجي في كثير من الجوانب الاجتماعية والأمنية والاقتصادية أيضاً.
ثالثاً: الخلل في القوى العاملة
يقصد بالخلل في القوى العاملة أن يختل ميزان القوى العاملة لصالح العمالة الوافدة على حساب العمالة الوطنية.
حيث تشير البيانات الرسمية إلى أن نسبة مشاركة العمالة الوطنية في القوى العاملة أقل من 50 في المائة في كافة دول مجلس التعاون الخليجي (كما هو موضح في الجدول رقم 3 والشكل رقم 4)، وفي المقابل تزيد مشاركة العمالة الوافدة في القوى العمالة عن 50 في المائة في كل دول المجلس، حيث تشترك أسواق العمل الخليجية في تشغيل نسبة كبيرة من العمالة الآسيوية الوافدة وذلك لتميزها وانخفاض أجورها.

وترتفع نسبة مشاركة العمالة الوافدة في كل من الإمارات والكويت (حسب البيانات الرسمية) بشكل كبير، وقد لا نكون مبالغين في القول بشكل (مخيف)، حيث تصل إلى أكثر من 80 في المائة من جملة القوى العاملة في هاتين الدولتين.
غير أن البعض يذهب إلى أبعد من هذا بالقول إن مساهمة المواطنين في إجمالي قوة العمل تدنت إلى 5في المائة في الإمارات، و7 في المائة في قطر، و15 في المائة فيالبحرين عام 2007، أما بقية دول المجلس فهي ليست بمأمن من هذا الوضع.

ويحدث هذا الخلل في ميزان القوى العاملة لصالح العمالة الوافدة مشكلات جمة في المجتمعات الخليجية، حيث تؤدي سيطرة العمالة الوافدة (بخاصة الآسيوية) على سوق العمل إلى زيادة معدلات البطالة بين الشباب المواطنين في هذه المجتمعات، حيث تنتج عن ذلك مشكلات اجتماعية واقتصادية كثيرة معروفة للجميع. وهذا بخلاف الخلل الذي يحدث في الثقافات والعادات والتقاليد والقيم واللغة وحتى عادات الغذاء أصابها أيضاً التغيير.

وخلاصة القول أن أسواق العمل الخليجية لا تزال في حاجة للعمالة الوافدة بخاصة الآسيوية، حيث تبدو إمكانية الاستغناء عنها في الوقت الحالي صعبة لأسباب عدة منها مدى قدرة العمالة الوطنية على الإحلال محل العمالة الآسيوية، وكذلك مدى إمكانية الاستعانة بأعداد أكبر من العمالة العربية. وفي المقابل فقد أحدثت العمالة الوافدة خللاً في حجم ونوعية وتركيب السكان، كما أدت إلى خلل كبير يتمثل في زيادة مستويات البطالة بين الشباب المواطنين في معظم المجتمعات الخليجية.
ولحل هذه المشكلة (المعادلة) لابد من إجراء دراسات عديدة ومعمقة حول هذا الوضع المتشابك، وتبدو الاقتراحات القديمة / الحديثة هي الأقرب لتخفيف تأثير الضرر الواقع وهي:
* الاهتمام بتدريب العمالة الوطنية وتدرج إحلالها محل العمالة الوافدة وخاصة الآسيوية.
* ضرورة التنسيق والتنظيم لما يسمى (سوق العمل العربي) بغرض الاستعانة بعدد أكبر من العمالة العربية لإحداث نوع من التوازن الكمي مع العمالة الآسيوية.
* تنويع مجالات الاستثمار بعيداً عن قطاع العقارات الذي يحتاج إلى عدد كبير من العمالة الآسيوية بصفة خاصة.
::/fulltext::
::cck::1503::/cck::
