العناصر الغائبة في معادلة منطقة القبائل

::cck::1510::/cck::
::introtext::

باتت منطقة القبائل الخاضعة للإدارة الفيدرالية محط اهتمام العالم بأسره نظراً لوقوعها على الحدود الباكستانية- الأفغانية، وتمثل ملاذاً آمناً لقيادات تنظيم القاعدة وحركة طالبان، لذا يمكن استخدامها كنقطة انطلاق للعمليات الإرهابية في المستقبل ضد الولايات المتحدة الأمريكية وبقية دول العالم، بالإضافة إلى أنها ساحة تدريب متميزة للعناصر الإرهابية ولاسيما منفذي العمليات الانتحارية. وتتمركز حركة طالبان الباكستانية في تلك المنطقة وهي الحركة التي توعدت بمواصلة دعم نظيرتها في أفغانستان وتسعى إلى النيل من الولايات المتحدة وحلفائها.

::/introtext::
::fulltext::

باتت منطقة القبائل الخاضعة للإدارة الفيدرالية محط اهتمام العالم بأسره نظراً لوقوعها على الحدود الباكستانية- الأفغانية، وتمثل ملاذاً آمناً لقيادات تنظيم القاعدة وحركة طالبان، لذا يمكن استخدامها كنقطة انطلاق للعمليات الإرهابية في المستقبل ضد الولايات المتحدة الأمريكية وبقية دول العالم، بالإضافة إلى أنها ساحة تدريب متميزة للعناصر الإرهابية ولاسيما منفذي العمليات الانتحارية. وتتمركز حركة طالبان الباكستانية في تلك المنطقة وهي الحركة التي توعدت بمواصلة دعم نظيرتها في أفغانستان وتسعى إلى النيل من الولايات المتحدة وحلفائها.

إذا كانت الضربات الجوية والهجمات الصاروخية التي نفذتها طائرات من دون طيار وأوقعت ضحايا بين المدنيين – أطلق عليها أضرار جانبية – لم تكف لتحقيق الأهداف الأمريكية في المنطقة، فتتردد حالياً شائعات بأن (البنتاغون) عقدت العزم على تنفيذ عمليات برية في منطقة القبائل. ومما يدعو للدهشة أن واشنطن لا تعترف بحقائق الأرض والميدان وبدلاً من ذلك بدأت تكشف عن إشارات تدلل على ذعرها من خلال ارتكابها مزيداً من الأخطاء السياسية، وجاء حديثها عن تحقيق النجاح على الساحة العراقية والسيطرة على الوضع في أفغانستان مناقضاً للواقع، ويبدو أن صناع القرار في واشنطن يلهثون وراء أي إجراء أو تصرف يوحي بالسيطرة على الوضع في كلا البلدين.

 وما زاد الطين بلة هو قيام الطائرات الأمريكية بقصف نقطة تفتيش عسكرية في العاشر من يونيو الماضي، مما أودى بحياة أحد عشر جندياً باكستانياً من بينهم ضابط في إقليم موهمند. وأعربت باكستان عن غضبها الشديد على الرغم من تأكيدات الولايات المتحدة أنها أبلغت هؤلاء الجنود بأن هذه الهجمات تهدف إلى إحباط كمين ضد قوات التحالف والقوات الأفغانية على جانب الحدود الأفغانية. واستنكر الجيش الباكستاني هذه الهجمات ووصفها في بيان شديد اللهجة بأنها (عمل استفزازي جبان) وألقى باللائمة على قوات التحالف عن هذا التصرف، وقال إن هذه الحادثة أصابت التعاون بين الطرفين في مقتل، وتضحي بمساندة ودعم الجنود الباكستانيين لقوات التحالف في حربها ضد الإرهاب. وأضاف البيان أن مثل هذه الهجمات لا تخدم القضية المشتركة بين الطرفين المتمثلة في الحرب على الإرهاب، مشدداً على احتجاج الجيش والقوات المسلحة على هذه الهجمات المشينة واحتفاظها بحق الدفاع عن الشعب الباكستاني، مدنيين وعسكريين، ضد أي اعتداء.

الأنشطة العسكرية الأمريكية في منطقة القبائل أدت إلى تنامي حالة العداء ضد الولايات المتحدة ورفض معوناتها

ومن المتوقع أن يكون لهذا الاعتداء على الجنود الباكستانيين تبعات سيئة جداً على ثقة الجيش الباكستاني بالأمريكيين، ويطرح تساؤلات جادة عن جدوى التعاون مع الأمريكيين في الحرب الدائرة على الإرهاب. كما أعربت باكستان عن رفضها القاطع للمعلومات التي وردت في تقرير مؤسسة راند تحت عنوان (مكافحة الإرهاب في أفغانستان) والتي تم الادعاء فيها أن لحركة طالبان قواعد في الأراضي الباكستانية، وأن هناك عناصر من المخابرات الداخلية وقوات حرس الحدود يزودون طالبان بالأسلحة والأموال. وفي تصريح صادر عن القوات المسلحة الباكستانية استنكر ما ورد في التقرير ووصفه بأنه (مضلل ومغلوط ولا يستند إلا إلى ادعاءات إعلامية تهدف إلى زرع بذور الشك في عقول القراء حول دور باكستان في دعم قوات التحالف في أفغانستان).

ويعتبر إقليم باجور الواقع شمال وجنوب وزيرستان من أشد الأقاليم تقلباً واضطراباً في منطقة القبائل التي تتألف من سبعة أقاليم، في حين يشهد إقليم موهمند بعض الاضطرابات. ويبلغ قوام القوات المنتشرة بطول الحدود الأفغانية مائة ألف جندي تتمركز كتيبتان منها في إقليم وزيرستان على الرغم من هدوء العمليات العسكرية هناك. وحذر بيت الله محسود زعيم حركة طالبان وقائد التمرد في جنوب وزيرستان من أن أي اتفاق سلام مع الحكومة الباكستانية محكوم عليه بالفشل إذا لم تغير الحكومة سياستها، وتتوقف عن تبعيتها للولايات المتحدة، وتسعى إلى تأكيد السيادة الباكستانية على أراضيها. ووردت أنباء عن تأجيل مفاوضات اتفاقية السلام مع محسود بعد أن عبرت الولايات المتحدة الأمريكية عن قلقها جراء هذه المفاوضات.

وبالنسبة لاتفاقيات السلام التي تعرضت للكثير من الانتقادات، فقد أبرمت هذه الاتفاقيات وفق تقاليد وأعراف القبائل، وتمخض التغير الذي شهدته الحكومة عقب انتخابات فبراير عن تجدد الجهود الرامية إلى فتح الحوار مع العديد من الجماعات المسلحة بهدف إعادة سيطرة الحكومة على المناطق الحدودية وإيقاف دوامة العنف بين قوات الحكومة والمواطنين. وتسعى الحكومة في الوقت نفسه إلى إنشاء صندوق تنمية بقيمة 4 مليارات دولار مخصصة للارتقاء بالمناطق الحدودية بما في ذلك منطقة القبائل. وكانت هناك اقتراحات بإقامة مشروعات تنمية أخرى تبلغ قيمتها مليارات الدولارات في هذه المنطقة. وظهرت معوقات أمام تنفيذ هذه المشروعات مثل حصول المستشارين الأجانب على جزء كبير من هذه التمويلات، ولا يتبقى للسكان المحليين سوى الفتات. وتعاني أفغانستان من المشكلات نفسها حيث تبدو صناديق إعادة الإعمار التي تتراوح قيمتها بين سبعة وثمانية مليارات دولار ضئيلة للغاية مقارنة بالنفقات العسكرية التي بلغت 80 مليار دولار تقريباً.

ويبدو أن الولايات المتحدة فشلت في معركتها لكسب العقول والقلوب وأدركت واشنطن هذه الحقيقة فأخذت تواصل أنشطتها وسط هذه الأجواء في منطقة القبائل؛ فهل تتصور واشنطن أن توجه ضربات جوية ضد المدنيين وتوقع بينهم الضحايا وتطلق عليها أضرار جانبية ثم تتوقع أن يقبل السكان المحليون معونة التنمية هذه أو يشعرون بالامتنان للولايات المتحدة الأمريكية؟ نأن أوعلى الرغم من وجود حاجة ماسة إلى صناديق التنمية في هذه المنطقة المعدمة، فإن السكان المحليين ينظرون إلى معونات التنمية التي تقدمها الدول الغربية على أنها دية ذويهم الذين قتلوا جراء هذه الهجمات، وبالتالي تنامى شعور من العداء تجاه هذه المعونات، واستغلت الجماعات الإرهابية هذا الشعور وأصدرت فتوى بتحريم هذه المعونات وتوعدت ببذل أقصى ما في وسعها لتخريب تلك المشروعات. واتجهت المنطقة نحو التعصب والإرهاب بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ولا ريب في أن الحكومة الباكستانية تتحمل قدراً من المسؤولية عن تردي الظروف والأوضاع في المنطقة، بينما يتحمل المجتمع الدولي القدر الآخر بسبب إهماله للمنطقة وتخليه عنها عقب رحيل السوفييت عنها. ومما لاشك فيه أن الصراعات والأوضاع السيئة كانت وراء ظهور الإرهاب والتطرف وانتشار الأسلحة وتجارة المخدرات.

منطقة القبائل انحرفت نحو التعصب والإرهاب بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فيها

لذا يجب على الولايات المتحدة أن تعزز وجودها على الحدود الأفغانية في هذه المرحلة لتتمكن من صد هجمات القاعدة وطالبان التي تهدف إلى الحصول على الدعم اللوجستي من باكستان. ولكن تظل مشكلة اللاجئين والقرى التي نشأت مؤخراً على الحدود الأفغانية أسيرة النسيان والإهمال، وقوبلت الخطط الباكستانية ببناء أسوار ووضع ألغام على الحدود برفض شديد من كابول التي كانت تخشى أن يمثل هذا التصرف اعترافاً رسمياً بإعادة رسم الحدود.

ويتعين على الولايات المتحدة وحلفائها الارتقاء بدور المؤسسات في أفغانستان والسعى نحو استئصال شأفة العناصر الإجرامية والفاسدة داخل المؤسسة الأفغانية، والعمل سريعاً على وضع استراتيجية صارمة للقضاء على زراعة (الأفيون) في أفغانستان وتوفير مصادر دخل بديلة لمزارعي الأفيون. ولابد أن نضع في الأذهان أن تدهور الوضع الأمني وعدم الاستقرار في باكستان وأفغانستان يصبان مباشرة في صالح عصابات الجريمة المنظمة وخاصة مافيا المخدرات.

والواقع أن الشعب الباكستاني يرى أنه جُر إلى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل وهي الحرب على الإرهاب. وعلى الرغم من أنه ذاق ويلات موجة عنيفة من العمليات الاستشهادية وشهد توسع حركة طالبان، إلا أن الشعب الباكستاني يعزو هذا الوضع المتردي إلى تبعية الحكومة الباكستانية للولايات المتحدة الأمريكية ودعمها لسياسات واشنطن في المنطقة. ولذلك يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية وضع ثقتها بالجيش الباكستاني وتزويد قوات الأمن الإقليمية بالتدريب الفني والدعم والمعلومات بدلاً من تصعيد الموقف المتدهور أصلاً من خلال شن عمليات برية للقضاء على تنظيم القاعدة.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن الاستخدام المنفرد للقوة لن يؤدي إلى تسوية الأوضاع في منطقة القبائل. وتتمثل أهم العناصر الغائبة في معادلة الاستراتيجية الرامية إلى التعامل مع هذا الوضع المتدهور في إمكانية توظيف القوة العسكرية كوسيلة للمفاوضات السياسية والتنمية الاقتصادية.

ويمكن أن يسهم تبني استراتيجية سياسية فعالة – بالتشاور مع زعماء القبائل بهدف نشر الوعي بين القبائل المحلية – في إزالة سوء الفهم والشك الذي نتج عن استخدام القوة العسكرية، وسيلعب الوجود العسكري دوراً حيوياً خلال هذه المرحلة حيث يمكن توظيفه كوسيلة ردع عالية الكفاءة للحيلولة دون أعمال التخريب.

ولذلك يجب أن تكون دول مجلس التعاون الخليجي شريكاً أساسياً في كافة الخطط الرامية إلى النهوض بمنطقة القبائل في المستقبل، الأمر الذي قد يدفع السكان المحليين إلى الوقوف في وجه محاولات التخريب الإرهابية التي تستهدف برامج التنمية، حيث ستصنف هذه البرامج على أنها مبادرة إسلامية، كما ستسهم أيضاً في القضاء على مشكلة البطالة وانجراف الشباب العاطل عن العمل نحو الإرهاب والتطرف، لأن هذه المشروعات ستوفر فرص عمل لهؤلاء الشباب. كما يمكن أن تحصل نسبة الشباب الكبيرة (التي تبلغ 15 في المائة تقريباً في إقليم وزيرستان وحده) على فرص عمل في دول الخليج بعد فرض مراقبة شديدة من الجانب الباكستاني.

 

ويمثل الدعم المحلي عاملاً رئيسياً في تنفيذ خطط التنمية في المنطقة. ولابد من التوصل إلى اتفاقية مع قبائل المنطقة مما يمهد الطريق أمام المضي قدماً في مشروعات التنمية، الأمر الذي سيترك آثاراً إيجابية للغاية حيث ستدرك هذه القبائل أهمية هذه المشروعات للمنطقة التي يعيشون فيها.

وهناك أمل بأن يتمكن المجتمع الدولي ولاسيما دول الخليج العربية من التوصل إلى اتفاقية لتنمية منطقة القبائل، كما يجب تبني الآليات المحلية الخاصة بالمنطقة في أي استراتيجية تسعى إلى التعاطي مع الصراعات والنزاعات في المنطقة.

 

::/fulltext::

970-d2a
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1510::/cck::
::introtext::

باتت منطقة القبائل الخاضعة للإدارة الفيدرالية محط اهتمام العالم بأسره نظراً لوقوعها على الحدود الباكستانية- الأفغانية، وتمثل ملاذاً آمناً لقيادات تنظيم القاعدة وحركة طالبان، لذا يمكن استخدامها كنقطة انطلاق للعمليات الإرهابية في المستقبل ضد الولايات المتحدة الأمريكية وبقية دول العالم، بالإضافة إلى أنها ساحة تدريب متميزة للعناصر الإرهابية ولاسيما منفذي العمليات الانتحارية. وتتمركز حركة طالبان الباكستانية في تلك المنطقة وهي الحركة التي توعدت بمواصلة دعم نظيرتها في أفغانستان وتسعى إلى النيل من الولايات المتحدة وحلفائها.

::/introtext::
::fulltext::

باتت منطقة القبائل الخاضعة للإدارة الفيدرالية محط اهتمام العالم بأسره نظراً لوقوعها على الحدود الباكستانية- الأفغانية، وتمثل ملاذاً آمناً لقيادات تنظيم القاعدة وحركة طالبان، لذا يمكن استخدامها كنقطة انطلاق للعمليات الإرهابية في المستقبل ضد الولايات المتحدة الأمريكية وبقية دول العالم، بالإضافة إلى أنها ساحة تدريب متميزة للعناصر الإرهابية ولاسيما منفذي العمليات الانتحارية. وتتمركز حركة طالبان الباكستانية في تلك المنطقة وهي الحركة التي توعدت بمواصلة دعم نظيرتها في أفغانستان وتسعى إلى النيل من الولايات المتحدة وحلفائها.

إذا كانت الضربات الجوية والهجمات الصاروخية التي نفذتها طائرات من دون طيار وأوقعت ضحايا بين المدنيين – أطلق عليها أضرار جانبية – لم تكف لتحقيق الأهداف الأمريكية في المنطقة، فتتردد حالياً شائعات بأن (البنتاغون) عقدت العزم على تنفيذ عمليات برية في منطقة القبائل. ومما يدعو للدهشة أن واشنطن لا تعترف بحقائق الأرض والميدان وبدلاً من ذلك بدأت تكشف عن إشارات تدلل على ذعرها من خلال ارتكابها مزيداً من الأخطاء السياسية، وجاء حديثها عن تحقيق النجاح على الساحة العراقية والسيطرة على الوضع في أفغانستان مناقضاً للواقع، ويبدو أن صناع القرار في واشنطن يلهثون وراء أي إجراء أو تصرف يوحي بالسيطرة على الوضع في كلا البلدين.

 وما زاد الطين بلة هو قيام الطائرات الأمريكية بقصف نقطة تفتيش عسكرية في العاشر من يونيو الماضي، مما أودى بحياة أحد عشر جندياً باكستانياً من بينهم ضابط في إقليم موهمند. وأعربت باكستان عن غضبها الشديد على الرغم من تأكيدات الولايات المتحدة أنها أبلغت هؤلاء الجنود بأن هذه الهجمات تهدف إلى إحباط كمين ضد قوات التحالف والقوات الأفغانية على جانب الحدود الأفغانية. واستنكر الجيش الباكستاني هذه الهجمات ووصفها في بيان شديد اللهجة بأنها (عمل استفزازي جبان) وألقى باللائمة على قوات التحالف عن هذا التصرف، وقال إن هذه الحادثة أصابت التعاون بين الطرفين في مقتل، وتضحي بمساندة ودعم الجنود الباكستانيين لقوات التحالف في حربها ضد الإرهاب. وأضاف البيان أن مثل هذه الهجمات لا تخدم القضية المشتركة بين الطرفين المتمثلة في الحرب على الإرهاب، مشدداً على احتجاج الجيش والقوات المسلحة على هذه الهجمات المشينة واحتفاظها بحق الدفاع عن الشعب الباكستاني، مدنيين وعسكريين، ضد أي اعتداء.

الأنشطة العسكرية الأمريكية في منطقة القبائل أدت إلى تنامي حالة العداء ضد الولايات المتحدة ورفض معوناتها

ومن المتوقع أن يكون لهذا الاعتداء على الجنود الباكستانيين تبعات سيئة جداً على ثقة الجيش الباكستاني بالأمريكيين، ويطرح تساؤلات جادة عن جدوى التعاون مع الأمريكيين في الحرب الدائرة على الإرهاب. كما أعربت باكستان عن رفضها القاطع للمعلومات التي وردت في تقرير مؤسسة راند تحت عنوان (مكافحة الإرهاب في أفغانستان) والتي تم الادعاء فيها أن لحركة طالبان قواعد في الأراضي الباكستانية، وأن هناك عناصر من المخابرات الداخلية وقوات حرس الحدود يزودون طالبان بالأسلحة والأموال. وفي تصريح صادر عن القوات المسلحة الباكستانية استنكر ما ورد في التقرير ووصفه بأنه (مضلل ومغلوط ولا يستند إلا إلى ادعاءات إعلامية تهدف إلى زرع بذور الشك في عقول القراء حول دور باكستان في دعم قوات التحالف في أفغانستان).

ويعتبر إقليم باجور الواقع شمال وجنوب وزيرستان من أشد الأقاليم تقلباً واضطراباً في منطقة القبائل التي تتألف من سبعة أقاليم، في حين يشهد إقليم موهمند بعض الاضطرابات. ويبلغ قوام القوات المنتشرة بطول الحدود الأفغانية مائة ألف جندي تتمركز كتيبتان منها في إقليم وزيرستان على الرغم من هدوء العمليات العسكرية هناك. وحذر بيت الله محسود زعيم حركة طالبان وقائد التمرد في جنوب وزيرستان من أن أي اتفاق سلام مع الحكومة الباكستانية محكوم عليه بالفشل إذا لم تغير الحكومة سياستها، وتتوقف عن تبعيتها للولايات المتحدة، وتسعى إلى تأكيد السيادة الباكستانية على أراضيها. ووردت أنباء عن تأجيل مفاوضات اتفاقية السلام مع محسود بعد أن عبرت الولايات المتحدة الأمريكية عن قلقها جراء هذه المفاوضات.

وبالنسبة لاتفاقيات السلام التي تعرضت للكثير من الانتقادات، فقد أبرمت هذه الاتفاقيات وفق تقاليد وأعراف القبائل، وتمخض التغير الذي شهدته الحكومة عقب انتخابات فبراير عن تجدد الجهود الرامية إلى فتح الحوار مع العديد من الجماعات المسلحة بهدف إعادة سيطرة الحكومة على المناطق الحدودية وإيقاف دوامة العنف بين قوات الحكومة والمواطنين. وتسعى الحكومة في الوقت نفسه إلى إنشاء صندوق تنمية بقيمة 4 مليارات دولار مخصصة للارتقاء بالمناطق الحدودية بما في ذلك منطقة القبائل. وكانت هناك اقتراحات بإقامة مشروعات تنمية أخرى تبلغ قيمتها مليارات الدولارات في هذه المنطقة. وظهرت معوقات أمام تنفيذ هذه المشروعات مثل حصول المستشارين الأجانب على جزء كبير من هذه التمويلات، ولا يتبقى للسكان المحليين سوى الفتات. وتعاني أفغانستان من المشكلات نفسها حيث تبدو صناديق إعادة الإعمار التي تتراوح قيمتها بين سبعة وثمانية مليارات دولار ضئيلة للغاية مقارنة بالنفقات العسكرية التي بلغت 80 مليار دولار تقريباً.

ويبدو أن الولايات المتحدة فشلت في معركتها لكسب العقول والقلوب وأدركت واشنطن هذه الحقيقة فأخذت تواصل أنشطتها وسط هذه الأجواء في منطقة القبائل؛ فهل تتصور واشنطن أن توجه ضربات جوية ضد المدنيين وتوقع بينهم الضحايا وتطلق عليها أضرار جانبية ثم تتوقع أن يقبل السكان المحليون معونة التنمية هذه أو يشعرون بالامتنان للولايات المتحدة الأمريكية؟ نأن أوعلى الرغم من وجود حاجة ماسة إلى صناديق التنمية في هذه المنطقة المعدمة، فإن السكان المحليين ينظرون إلى معونات التنمية التي تقدمها الدول الغربية على أنها دية ذويهم الذين قتلوا جراء هذه الهجمات، وبالتالي تنامى شعور من العداء تجاه هذه المعونات، واستغلت الجماعات الإرهابية هذا الشعور وأصدرت فتوى بتحريم هذه المعونات وتوعدت ببذل أقصى ما في وسعها لتخريب تلك المشروعات. واتجهت المنطقة نحو التعصب والإرهاب بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية. ولا ريب في أن الحكومة الباكستانية تتحمل قدراً من المسؤولية عن تردي الظروف والأوضاع في المنطقة، بينما يتحمل المجتمع الدولي القدر الآخر بسبب إهماله للمنطقة وتخليه عنها عقب رحيل السوفييت عنها. ومما لاشك فيه أن الصراعات والأوضاع السيئة كانت وراء ظهور الإرهاب والتطرف وانتشار الأسلحة وتجارة المخدرات.

منطقة القبائل انحرفت نحو التعصب والإرهاب بسبب تدهور الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية فيها

لذا يجب على الولايات المتحدة أن تعزز وجودها على الحدود الأفغانية في هذه المرحلة لتتمكن من صد هجمات القاعدة وطالبان التي تهدف إلى الحصول على الدعم اللوجستي من باكستان. ولكن تظل مشكلة اللاجئين والقرى التي نشأت مؤخراً على الحدود الأفغانية أسيرة النسيان والإهمال، وقوبلت الخطط الباكستانية ببناء أسوار ووضع ألغام على الحدود برفض شديد من كابول التي كانت تخشى أن يمثل هذا التصرف اعترافاً رسمياً بإعادة رسم الحدود.

ويتعين على الولايات المتحدة وحلفائها الارتقاء بدور المؤسسات في أفغانستان والسعى نحو استئصال شأفة العناصر الإجرامية والفاسدة داخل المؤسسة الأفغانية، والعمل سريعاً على وضع استراتيجية صارمة للقضاء على زراعة (الأفيون) في أفغانستان وتوفير مصادر دخل بديلة لمزارعي الأفيون. ولابد أن نضع في الأذهان أن تدهور الوضع الأمني وعدم الاستقرار في باكستان وأفغانستان يصبان مباشرة في صالح عصابات الجريمة المنظمة وخاصة مافيا المخدرات.

والواقع أن الشعب الباكستاني يرى أنه جُر إلى حرب لا ناقة له فيها ولا جمل وهي الحرب على الإرهاب. وعلى الرغم من أنه ذاق ويلات موجة عنيفة من العمليات الاستشهادية وشهد توسع حركة طالبان، إلا أن الشعب الباكستاني يعزو هذا الوضع المتردي إلى تبعية الحكومة الباكستانية للولايات المتحدة الأمريكية ودعمها لسياسات واشنطن في المنطقة. ولذلك يتعين على الولايات المتحدة الأمريكية وضع ثقتها بالجيش الباكستاني وتزويد قوات الأمن الإقليمية بالتدريب الفني والدعم والمعلومات بدلاً من تصعيد الموقف المتدهور أصلاً من خلال شن عمليات برية للقضاء على تنظيم القاعدة.

لقد أثبتت التجارب السابقة أن الاستخدام المنفرد للقوة لن يؤدي إلى تسوية الأوضاع في منطقة القبائل. وتتمثل أهم العناصر الغائبة في معادلة الاستراتيجية الرامية إلى التعامل مع هذا الوضع المتدهور في إمكانية توظيف القوة العسكرية كوسيلة للمفاوضات السياسية والتنمية الاقتصادية.

ويمكن أن يسهم تبني استراتيجية سياسية فعالة – بالتشاور مع زعماء القبائل بهدف نشر الوعي بين القبائل المحلية – في إزالة سوء الفهم والشك الذي نتج عن استخدام القوة العسكرية، وسيلعب الوجود العسكري دوراً حيوياً خلال هذه المرحلة حيث يمكن توظيفه كوسيلة ردع عالية الكفاءة للحيلولة دون أعمال التخريب.

ولذلك يجب أن تكون دول مجلس التعاون الخليجي شريكاً أساسياً في كافة الخطط الرامية إلى النهوض بمنطقة القبائل في المستقبل، الأمر الذي قد يدفع السكان المحليين إلى الوقوف في وجه محاولات التخريب الإرهابية التي تستهدف برامج التنمية، حيث ستصنف هذه البرامج على أنها مبادرة إسلامية، كما ستسهم أيضاً في القضاء على مشكلة البطالة وانجراف الشباب العاطل عن العمل نحو الإرهاب والتطرف، لأن هذه المشروعات ستوفر فرص عمل لهؤلاء الشباب. كما يمكن أن تحصل نسبة الشباب الكبيرة (التي تبلغ 15 في المائة تقريباً في إقليم وزيرستان وحده) على فرص عمل في دول الخليج بعد فرض مراقبة شديدة من الجانب الباكستاني.

 

ويمثل الدعم المحلي عاملاً رئيسياً في تنفيذ خطط التنمية في المنطقة. ولابد من التوصل إلى اتفاقية مع قبائل المنطقة مما يمهد الطريق أمام المضي قدماً في مشروعات التنمية، الأمر الذي سيترك آثاراً إيجابية للغاية حيث ستدرك هذه القبائل أهمية هذه المشروعات للمنطقة التي يعيشون فيها.

وهناك أمل بأن يتمكن المجتمع الدولي ولاسيما دول الخليج العربية من التوصل إلى اتفاقية لتنمية منطقة القبائل، كما يجب تبني الآليات المحلية الخاصة بالمنطقة في أي استراتيجية تسعى إلى التعاطي مع الصراعات والنزاعات في المنطقة.

 

::/fulltext::
::cck::1510::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *