الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق
::cck::1522::/cck::
::introtext::
تسارعت وتيرة الأحداث خلال الفترة الماضية بين الجانبين الأمريكي والعراقي بشأن سير عملية المفاوضات الجارية بينهما، والتي تنظم الوجود الأمريكي في العراق، خاصة في ما يتعلق بالقواعد وحرية تحرك القوات وطبيعة مهامها، حيث تجري هذه المفاوضات للتوصل إلى اتفاقية حول وضع القوات لإضفاء أسس قانونية على وجود الجيش الأمريكي في العراق بعد 31 ديسمبر 2008، عندما ينتهي تفويض القرار الدولي الذي ينظم وجودها في العراق.
::/introtext::
::fulltext::
تسارعت وتيرة الأحداث خلال الفترة الماضية بين الجانبين الأمريكي والعراقي بشأن سير عملية المفاوضات الجارية بينهما، والتي تنظم الوجود الأمريكي في العراق، خاصة في ما يتعلق بالقواعد وحرية تحرك القوات وطبيعة مهامها، حيث تجري هذه المفاوضات للتوصل إلى اتفاقية حول وضع القوات لإضفاء أسس قانونية على وجود الجيش الأمريكي في العراق بعد 31 ديسمبر 2008، عندما ينتهي تفويض القرار الدولي الذي ينظم وجودها في العراق.
الجدير بالذكر أنه منذ التوقيع على المبادئ العامة للاتفاقية الأمنية بين الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في نوفمبر 2007 في واشنطن، بدأت بمرور الأيام تتسع دائرة الرفض لهذا المشروع الذي يتكتم الطرفان على معظم بنوده في الوقت الحاضر. بيد أن التسريبات التي أفصحت عن بعض بنوده، دفعت ببعض المسؤولين العراقيين، الذين أيدوا الاتفاقية في بادئ الأمر أو أولئك الذين لم يظهروا معارضتهم العلنية إلى دائرة المعارضين، مما أثار من جديد مع قرب موعد توقيع الجانب العراقي على هذه الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأمريكي خلافات في وجهات النظر حول البنود الأساسية بشأن الاتفاقية الأمنية طويلة الأمد، خاصة تلك التي تتعلق بمستقبل الجوانب العسكرية والأمنية للولايات المتحدة في العراق من جهة، ومن جهة أخرى، انقسم الشارع العراقي حول الاتفاقية الأمنية المقترحة مع الولايات المتحدة، وهو انقسام يضع حكومة نوري المالكي في موقف صعب، فبعضهم اتهم الحكومة بأنها عميلة لواشنطن، وبعضهم الآخر يرى أن الاتفاقية متوازنة من حيث تحقيق مصالح العراق والولايات المتحدة معاً.
الشارع العراقي بات منقسماً حول الاتفاقية الأمنية المقترحة مع الولايات المتحدة الأمريكية
وفي هذا السياق، قوبلت الاعتراضات التي واجهت هذه الاتفاقية من قبل العراقيين وإصرارهم على وجوب إجراء تعديلات جوهرية قبل عرضها على استفتاءات برلمانية وشعبية لتكون نافذة في نهاية الأمر، بممارسة ضغوط وتهديدات من جانب الإدارة الأمريكية على مختلف المستويات من أجل إبرامها، مثل التهديد من خلال الأموال المودعة في البنك الفيدرالي الأمريكي، وعدم رفع الحصانة الرئاسية عنها إن لم توافق على الاتفاقية.
عملية إعلان المبادئ الأمريكي – العراقي
يتمثل التطور الهيكلي الرئيسي في مسألة الوجود العسكري طويل الأمد في العراق في بدء مفاوضات بشأن هذه المسألة، باعتبارها جزءاً رئيسياً من الشق الأمني من إعلان المبادئ بشأن علاقة التعاون والصداقة طويلة الأمد بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية المبرم في 26 نوفمبر 2007، بين رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي والرئيس الأمريكي جورج بوش، والذي كان بمثابة الاتفاق الأول من نوعه الخاص بوضع إطار غير ملزم بشأن التفاوض حول ملامح العلاقات المستقبلية بين الجانبين. وكان هذا الإعلان قد استهدف وضع الأسس التي سوف تحكم التفاوض بين العراق والولايات المتحدة بشأن العلاقات المستقبلية بينهما، وهي المسألة التي بادر إليها الجانب العراقي بشكل خاص مدفوعاً في ذلك باعتبارات محددة، تأتي في مقدمتها الرغبة في إنهاء القيود المفروضة على سيادة العراق بموجب القيود الناتجة عن قرارات الأمم المتحدة، لاسيما القرار رقم 661 الصادر في عام 1990، والذي يتعامل مع العراق باعتباره حالة تهديد للأمن والسلم الدوليين بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
ويتيح إعلان المبادئ سالف الذكر للحكومة العراقية الاكتفاء بتمديد ولاية القوات متعددة الجنسيات لمرة واحدة فقط، مع مطالبة مجلس الأمن باعتبار الحالة في العراق لم تعد – بعد انتهاء فترة التمديد المذكورة – تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وما ينتج عن ذلك من إنهاء تصرف مجلس الأمن بشأن الحالة في العراق، وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ولتحقيق هذا الهدف، بدأ الجانبان العراقي والأمريكي مفاوضات ثنائية للتوصل قبل 31 يوليو الماضي، إلى اتفاقية تتناول نوايا التعاون المستقبلي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية، حيث يرتبط هذا الموعد بالحاجة إلى الانتهاء من تلك المفاوضات على الاتفاق النهائي قبل قيام الإدارة الأمريكية بسحب خمس فرق قتالية إضافية، كانت قد أرسلت إلى العراق في إطار استراتيجية زيادة القوات.
ويعتبر الشق الأمني الأكثر تعقيداً من بين مختلف المجالات التي تناولها إعلان المبادئ، حيث تضمن التزامات محددة تقوم بها الولايات المتحدة إزاء العراق، والتي تتضمن التزام الولايات المتحدة بردع أي عدوان خارجي يستهدف العراق، وينتهك سيادته وحرمة أراضيه أو مياهه أو أجوائه، والالتزام بمساعدة الحكومة العراقية على مكافحة كافة المجموعات الإرهابية، والالتزام بدعم الحكومة العراقية في تدريب وتجهيز وتسليح قواتها المسلحة.
ومن ثم، فإن هناك ثلاثة عناصر رئيسية يهدف إعلان المبادئ إلى تحقيقها على الصعيد الأمني، تتمثل في: تقنين مسألة وجود القوات الأمريكية في العراق على المدى الطويل، وإخراج العراق من القيود الهائلة المفروضة عليه بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وإنهاء مسألة التمديد للقوات المتعددة الجنسية في العراق، وحصول الحكومة العراقية على ضمانات أمنية من الولايات المتحدة على المدى الطويل، تحت مظلة (حماية الدستور) بما يوفر للحكومة العراقية الحماية ضد أي انقلابات داخلية محتملة، في مقابل موافقة هذه الحكومة على منح الولايات المتحدة وجوداً طويل الأمد لقواتها في العراق.
إعلان المبادئ وتطور عملية سير المفاوضات
أوضحت الإدارة الأمريكية قبيل بدء المفاوضات مع الجانب العراقي أنها تسعى للوصول إلى اتفاقيتين بشأن الروابط المستقبلية مع العراق، الأولى عن وضع القوات الأمريكية في العراق، والثانية عن إطار العلاقات الدبلوماسية مع بغداد، وبدا واضحاً أن الإدارة الأمريكية تعتزم إبرام مذكرات ثنائية مع العراق وليس معاهدات حتى لا تكون في حاجة للحصول على موافقة الكونغرس عليها، مع الاسترشاد في هذا الصدد بـ (اتفاقيات وضع القوات) التي أبرمتها الولايات المتحدة مع العديد من الدول من أجل توفير سند قانوني لعمل القوات الأمريكية فيها. وقد بدأت المفاوضات العراقية – الأمريكية الفعلية بشأن اتفاقية التعاون طويلة الأمد في 11 مارس الماضي، وقدمت خلالها الولايات المتحدة مسودة اتفاق تحتوي على بنود ذات سقف مرتفع بشكل كان من الصعب قبوله من جانب الحكومة العراقية، وتتمثل عناصر هذه المسودة في:
1- وضع إطار استراتيجي طويل الأمد للوجود الأمريكي في العراق.
2- عدم تحديد فترة بقاء القوات الأمريكية في العراق، بمعنى الامتناع عن تحديد سقف زمني أو جدول زمني لعمل تلك القوات وبصلاحيات واسعة، كما لا تحتوي المسودة على تحديد واضح لأعداد القوات أو طبيعة الأسلحة المسموح بنشرها. كما لا تشير إلى الوضع القانوني والسلطات التي يتمتعون بها على العراقيين.
3- تحويل الولايات المتحدة بصورة مؤقتة سلطة تنفيذ العمليات العسكرية في العراق وسلطة احتجاز الأفراد عندما يكون ذلك ضرورياً لدواع أمنية تقتضي ذلك.
4- منح حصانة من الملاحقة القانونية في العراق للمتعاقدين المدنيين مع الولايات المتحدة.
وفي المقابل، تشير المعلومات المتاحة إلى أن الجانب العراقي رفض هذه المقترحات وأعلن المجلس السياسي العراقي للأمن الوطني ثلاثة شروط لاستمرار المباحثات بين بغداد وواشنطن لتوقيع الاتفاقية الأمنية، تتمثل في عدم إنشاء قواعد عسكرية دائمة للقوات الأمريكية، وامتناع العراق عن تقديم أي تسهيلات عسكرية أو حصانة للمتجاوزين من هذه القوات وعدم السماح للقوات الأمريكية باعتقال أي عراقي من دون إذن أو تنسيق مسبق مع الحكومة أو القوات العراقية.
مسودة الاتفاق كانت في بداية الأمر تحتوي على بنود ذات سقف مرتفع بشكل كان من الصعب عراقياً القبول به
ويدفع التباين الملحوظ في المواقف بين الجانبين العراقي والأمريكي بشأن عناصر الاتفاقية الأمنية المزمعة، والخلافات الداخلية الشديدة حولها فيما بين الكتل السياسية المختلفة داخل الحكومة ومجلس النواب، إلى الاعتقاد بأن المفاوضات العراقية – الأمريكية ربما تحتاج إلى وقت طويل، وربما أيضاً لن تنتهي قبل نهاية العام الحالي، على الرغم من أن الجانب الأمريكي يرغب في الانتهاء من توقيع الاتفاقية قبل نهاية يوليو المقبل، إلا أن هذا المطلب الأمريكي ربما يكون صعب التحقيق، لاعتبارات تتعلق بتعقيدات التفاوض بشأن القضايا التفصيلية في مجالات الدفاع والأمن، والتباعد الواضح في المواقف بينهما حول الكثير من هذه القضايا التفصيلية، فضلاً عن التعقيدات التي سوف تمر بها عملية التصديق على الاتفاقية المزمعة على الجانب العراقي.
ويدفع ما سبق للاعتقاد بأنه حتى لو انتهى الجانبان العراقي والأمريكي من الاتفاق على عناصر الاتفاقية المزمعة، فإن الموافقة والتصديق على هذه الاتفاقية سوف يستغرقان فترة طويلة نسبياً من الزمن داخل المؤسسات التنفيذية والتشريعية العراقية في ظل التباعد الكبير في المواقف حولها بين الكتل السياسية المختلفة داخل الحكومة الائتلافية ومجلس النواب، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية بشأن إمكانية الانتهاء منها في الموعد المشار إليه.
الاتفاقية الأمنية والمعارضة العراقية
من الواضح أن هناك إجماعاً وطنياً عراقياً على عدم القبول بالاتفاقية الأمنية لأنها تمس ثوابت سيادة العراق واستقلاله السياسي، فمعظم أعضاء البرلمان العراقي – على سبيل المثال – كتبوا إلى الكونغرس يرفضون إبرام اتفاق أمني طويل الأمد مع الولايات المتحدة إذا لم يكن مرتبطاً بشرط رحيل القوات الأمريكية تماماً من العراق. كما أجمع قادة عراقيون من مختلف الكتل والتنظيمات السياسية والفعاليات الدينية والشعبية على رفض الاتفاقية العراقية – الأمريكية الاستراتيجية طويلة الأمد، التي تجرى مفاوضاتها حالياً، واشترطوا ألا تمس سيادة العراق وأن تضمن استقلاله الكامل، وأن تنال موافقة الشعب، وضرورة أن تكون الاتفاقية واضحة وشفافة في بنودها للجميع.
يعتبر الشق الأمني الأكثر تعقيداً من بين مختلف المجالات التي تناولها إعلان المبادئ
وإزاء هذا الرفض من قبل عدد من الكتل السياسية في العراق، قدم الأمريكيون مسودة جديدة للاتفاقية خفضوا من خلالها سقف مطالبهم مع ما يتجاوب مع المطالب العراقية، وتتضمن تسليم أي عراقي تعتقله القوات الأمريكية إلى القضاء العراقي، وعدم توفير أي حصانة للشركات الأمنية، على أن يتم الاتفاق لاحقاً بخصوص الحصانة الخاصة بالقوات الأمريكية، كما تتضمن المسودة الجديدة عدم تحريك أي وحدات عسكرية أمريكية إلا بعد الموافقة العراقية، وكذلك عدم استخدام أي موقع بحري أو جوي أو أرضي لمهاجمة دول الجوار، لكن التعديل الجديد لم يتعرض إطلاقاً للبند الذي يسمح للولايات المتحدة بالاحتفاظ بخمسين قاعدة عسكرية تضع بها أكثر من 50 ألف جندي أمريكي لأجل غير مسمى.
وفي هذا السياق، تؤكد بنود الاتفاقية الأمنية أن العراق في مفترق طرق حقيقي، وأن الخيارات المطروحة أمامه لاستعادة سيادته وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي على أراضيه محدودة جداًً، وربما غير موجودة أصلاً. فجوهر هذه الخيارات هو مجرد الانتقال من حالة احتلال وفقاً لتفويض دولي حسب القرار (1546) الصادر في يونيو 2004، إلى حالة وصاية أمنية وسياسة طويلة الأمد وفقاً لاتفاق ثنائي بين طرفيه.
ومن هنا يدرك عراقيون كثر أن هذا الاتفاق وإن كان يمثل خروجاً من قيود الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، لكنه يضع قيوداً أشد وأقسى ويجعل سيادة العراق نوعاً من السراب، ناهيك عن أن الاتفاق، أمني الطابع، لكنه سيعطي نفوذاً هائلاً للولايات المتحدة في تحديد مسار كل شيء في العراق، بداية من نوعية العملية السلمية في الداخل ومروراً بالهيمنة على قطاع النفط، ونهاية بتحديد العقيدة الدفاعية للعراق وعلاقاته الخارجية، فضلاً عن صياغة اتجاهات التعاون والتكامل في الإقليم وفقاً للمصالح الأمريكية.
والمفارقة الصارخة هنا تتمثل في مجموعة من المواقف الملتبسة بين مؤيد ومعارض للاتفاق الأمني. فبينما تجبر الحكومة على الاستمرار في المفاوضات وتوقيع الاتفاق بأي صيغة كانت، وليست لديها حيلة التراجع أو قدرة الممانعة، تأتي المعارضة الأكبر للاتفاق الأمني المزمع عقده قبل نهاية 31 يوليو من تيارات وقيادات سياسية ومرجعيات دينية شيعية تشكل الدعامة الأساسية للحكومة، ولها صلات بشكل أو آخر بإيران، لاسيما أن جزءاً كبيراً منهم عاش في إيران فترة معارضته للنظام السابق، وبما يسمح جزئياً بالاستنتاج بأن أسباب المعارضة تنطوي على نقاط عدة، منها عناصر وطنية تدافع عن سيادة واستقلال حقيقيين، ومنها معارضة أن تكون بلادهم منطلقاً للضغط على الحليف الإقليمي الأول من جهة، أو أن يتحول الوجود العسكري الأمريكي المستقبلي إلى عنصر كابح لطموحاتهم في تحويل العراق أو جزء منه إلى نموذج قريب من حكم ولاية الفقيه. ولا شك في أن هناك من يعارض مساعدة المفاوض الحكومي على ترشيد الاتفاق الأمني إلى أقصى حد ممكن.
وفي سياق تلك المفارقة نفسها يأتي تأييد الاتفاق بكل ما ينطوي عليه من ضغوط على سيادة البلاد من الأحزاب الكردية المشاركة في الائتلاف الحاكم، ومن جبهة التوافق السنية والحزب الإسلامي السني، رغم اختلافهما الكبير مع حكومة المالكي، ورغم كونهما من القوى التي عارضت الاحتلال الأمريكي، وأسهمت في فترات سابقة في تأييد عمليات المقاومة العراقية. وتأتي أسباب التأييد من منظور أن الاتفاقية ستؤدي إلى حماية العراق من أي اعتداء خارجي، وأنها ستساعد البلاد على بناء منظومة دفاعية حقيقية بلا اختراقات كبرى من الدول المجاورة، كما أنها ستحد من النفوذ الإيراني المتصاعد، وستحافظ على العراق الموحد، مثل هذا الموقف هو نتيجة لتحول مواقف بعض القوى السنية وعدد من العشائر العراقية الكبرى إلى التعاون مع القوات الأمريكية طوال ما يقرب من عام لمواجهة المنظمات التابعة للقاعدة من جهة وحلفاء إيران من جهة أخرى. وهكذا، ما بين التأييد والمعارضة يطل علينا البعد الإيراني، والذي بات يمثل إحدى إشكاليات حاضر ومستقبل العراق والإقليم ككل.
وهناك أيضاً مؤيدون للاتفاقية الأمنية المنتظرة من خارج العراق، يرون فيها ضمانة لأمور أساسية وجوهرية، منها منع تحول العراق إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية بين إيران وتركيا والعرب، وسد منافذ الحرب الأهلية الكامنة في النسيج العراقي، ووقف الامتداد الإيراني إلى بقية مناطق وأقاليم العراق، ومنه إلى بلدان أخرى مجاورة. ولا يهم هؤلاء اعتبارات السيادة بقدر ما يهتمون باعتبارات التوازن الإقليمي المرشح لمزيد من الاختلالات في حالة خروج القوات الأمريكية من دون وجود بديل قوي يساعد العراقيين في الحفاظ على أمنهم.
ولاشك في أن إيران المتطلعة إلى تعاون كامل مع أي حكومة عراقية في المستقبل ترى في الاتفاقية الأمنية طويلة الأمد سداً أمام الكثير من أحلامها سواء في العراق أو في عموم الإقليم. وهنا يلفت النظر أن تاريخ توقيع الاتفاقية المنتظر هو نهاية يوليو المقبل، أي قبل خمسة أشهر من نهاية ولاية الرئيس بوش، وهنا يبدو احتمالان: الأول، أن تحديد وضع القوات الأمريكية مطلوب قبل أي عمل عسكري ضد منشآت نووية إيرانية، يتردد أن شهر أغسطس هو الأنسب لمثل هذا الهجوم. والثاني، أن الاتفاقية مطلوبة لكي تساعد المرشح الجمهوري على القول إن التضحيات الأمريكية من أموال وجنود وسمعة لم تذهب سدى، بدليل أن العراق ونفطه باتا تحت سيطرة أمريكية غير محددة المدة، ومن ورائها ترتيبات أمنية تسهم في مزيد من الأمن لإسرائيل. هذان الأمران متكاملان وكل منهما يطرح إشكاليات صعبة على العرب بحاجة إلى مزيد من التفكير والتأمل.
الاتفاقية الأمنية والضغوط الأمريكية
تتضمن الاتفاقية الأمنية المثيرة لمخاوف معظم العراقيين بنوداً تتعلق بالسيادة العراقية، كعدم الإشارة إلى السقف الزمني للوجود العسكري الأمريكي في العراق، وضرورة منح العراق الصلاحيات لحركة القوات الأمريكية براً وبحراً وجواً، والسيطرة على الأجواء العراقية، وغيرها من بنود تختص بالتشريعات القانونية (الضرورية) لحماية وجود هذه القوات في أنحاء العراق.
وهي كما يرى المراقبون، تتمثل في الآتي:
* الضغط من خلال الأموال العراقية المودعة، فكما هو معروف أن للعراق أموالاً تقدر بنحو 50-86 مليار دولار في البنك الفيدرالي الأمريكي في نيويورك، ضمن صندوق أنشأته الأمم المتحدة في عام 1990 بعد غزو الكويت خاضع للحماية الأمريكية. وتمارس الإدارة الأمريكية ضغوطها على العراقيين من خلال تهديدها برفع الحصانة الرئاسية عن هذه الأموال إن لم توافق على الاتفاقية الأمنية.
* من ضمن الضغوط أيضاً التهديد باستخدام الإدارة الأمريكية حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار دولي، يتوقع إجراء التصويت عليه في مجلس الأمن الدولي نهاية العام الجاري لرفع الوصاية الدولية المفروضة على العراق ويحرره من تبعات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، هذا في حال رفض العراق المصادقة على الاتفاقية، كما يرى مراقبون للشأن العراقي.
* تؤكد الإدارة الأمريكية أن عدم جاهزية الجيش العراقي لتحمل المسؤولية الأمنية والدفاعية عن العراق، سواء في الداخل أو حماية الحدود، كما صرح عدد من المسؤولين الأمريكيين في شهاداتهم أمام الكونغرس الأمريكي، يعرض العراق لمخاطر (حرب أهلية) وتهديدات خارجية، في المقدمة منها إيران، وهو أمر يقتضي وجوداً عسكرياً أمريكياً بفرض التوازن الأمني، في إشارة إلى ضرورة المصادقة على الاتفاقية الأمنية طويلة الأمد.
* تبدو الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي إلى طهران، ضمن الجهود المبذولة لتحييد موقف الحكومة الإيرانية من الاتفاقية الأمنية، ولاسيما أن المالكي طمأن المسؤولين الإيرانيين إلى أن الاتفاقية لا تتضمن ما يثير مخاوف إيران في المستقبل، وأن العراق لن يكون منطلقاً لتهديدها أو أي من جيرانه.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1522::/cck::
::introtext::
تسارعت وتيرة الأحداث خلال الفترة الماضية بين الجانبين الأمريكي والعراقي بشأن سير عملية المفاوضات الجارية بينهما، والتي تنظم الوجود الأمريكي في العراق، خاصة في ما يتعلق بالقواعد وحرية تحرك القوات وطبيعة مهامها، حيث تجري هذه المفاوضات للتوصل إلى اتفاقية حول وضع القوات لإضفاء أسس قانونية على وجود الجيش الأمريكي في العراق بعد 31 ديسمبر 2008، عندما ينتهي تفويض القرار الدولي الذي ينظم وجودها في العراق.
::/introtext::
::fulltext::
تسارعت وتيرة الأحداث خلال الفترة الماضية بين الجانبين الأمريكي والعراقي بشأن سير عملية المفاوضات الجارية بينهما، والتي تنظم الوجود الأمريكي في العراق، خاصة في ما يتعلق بالقواعد وحرية تحرك القوات وطبيعة مهامها، حيث تجري هذه المفاوضات للتوصل إلى اتفاقية حول وضع القوات لإضفاء أسس قانونية على وجود الجيش الأمريكي في العراق بعد 31 ديسمبر 2008، عندما ينتهي تفويض القرار الدولي الذي ينظم وجودها في العراق.
الجدير بالذكر أنه منذ التوقيع على المبادئ العامة للاتفاقية الأمنية بين الرئيس الأمريكي جورج بوش ورئيس الوزراء العراقي نوري المالكي في نوفمبر 2007 في واشنطن، بدأت بمرور الأيام تتسع دائرة الرفض لهذا المشروع الذي يتكتم الطرفان على معظم بنوده في الوقت الحاضر. بيد أن التسريبات التي أفصحت عن بعض بنوده، دفعت ببعض المسؤولين العراقيين، الذين أيدوا الاتفاقية في بادئ الأمر أو أولئك الذين لم يظهروا معارضتهم العلنية إلى دائرة المعارضين، مما أثار من جديد مع قرب موعد توقيع الجانب العراقي على هذه الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأمريكي خلافات في وجهات النظر حول البنود الأساسية بشأن الاتفاقية الأمنية طويلة الأمد، خاصة تلك التي تتعلق بمستقبل الجوانب العسكرية والأمنية للولايات المتحدة في العراق من جهة، ومن جهة أخرى، انقسم الشارع العراقي حول الاتفاقية الأمنية المقترحة مع الولايات المتحدة، وهو انقسام يضع حكومة نوري المالكي في موقف صعب، فبعضهم اتهم الحكومة بأنها عميلة لواشنطن، وبعضهم الآخر يرى أن الاتفاقية متوازنة من حيث تحقيق مصالح العراق والولايات المتحدة معاً.
الشارع العراقي بات منقسماً حول الاتفاقية الأمنية المقترحة مع الولايات المتحدة الأمريكية
وفي هذا السياق، قوبلت الاعتراضات التي واجهت هذه الاتفاقية من قبل العراقيين وإصرارهم على وجوب إجراء تعديلات جوهرية قبل عرضها على استفتاءات برلمانية وشعبية لتكون نافذة في نهاية الأمر، بممارسة ضغوط وتهديدات من جانب الإدارة الأمريكية على مختلف المستويات من أجل إبرامها، مثل التهديد من خلال الأموال المودعة في البنك الفيدرالي الأمريكي، وعدم رفع الحصانة الرئاسية عنها إن لم توافق على الاتفاقية.
عملية إعلان المبادئ الأمريكي – العراقي
يتمثل التطور الهيكلي الرئيسي في مسألة الوجود العسكري طويل الأمد في العراق في بدء مفاوضات بشأن هذه المسألة، باعتبارها جزءاً رئيسياً من الشق الأمني من إعلان المبادئ بشأن علاقة التعاون والصداقة طويلة الأمد بين العراق والولايات المتحدة الأمريكية المبرم في 26 نوفمبر 2007، بين رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي والرئيس الأمريكي جورج بوش، والذي كان بمثابة الاتفاق الأول من نوعه الخاص بوضع إطار غير ملزم بشأن التفاوض حول ملامح العلاقات المستقبلية بين الجانبين. وكان هذا الإعلان قد استهدف وضع الأسس التي سوف تحكم التفاوض بين العراق والولايات المتحدة بشأن العلاقات المستقبلية بينهما، وهي المسألة التي بادر إليها الجانب العراقي بشكل خاص مدفوعاً في ذلك باعتبارات محددة، تأتي في مقدمتها الرغبة في إنهاء القيود المفروضة على سيادة العراق بموجب القيود الناتجة عن قرارات الأمم المتحدة، لاسيما القرار رقم 661 الصادر في عام 1990، والذي يتعامل مع العراق باعتباره حالة تهديد للأمن والسلم الدوليين بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.
ويتيح إعلان المبادئ سالف الذكر للحكومة العراقية الاكتفاء بتمديد ولاية القوات متعددة الجنسيات لمرة واحدة فقط، مع مطالبة مجلس الأمن باعتبار الحالة في العراق لم تعد – بعد انتهاء فترة التمديد المذكورة – تشكل تهديداً للسلم والأمن الدوليين، وما ينتج عن ذلك من إنهاء تصرف مجلس الأمن بشأن الحالة في العراق، وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة. ولتحقيق هذا الهدف، بدأ الجانبان العراقي والأمريكي مفاوضات ثنائية للتوصل قبل 31 يوليو الماضي، إلى اتفاقية تتناول نوايا التعاون المستقبلي في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية والثقافية، حيث يرتبط هذا الموعد بالحاجة إلى الانتهاء من تلك المفاوضات على الاتفاق النهائي قبل قيام الإدارة الأمريكية بسحب خمس فرق قتالية إضافية، كانت قد أرسلت إلى العراق في إطار استراتيجية زيادة القوات.
ويعتبر الشق الأمني الأكثر تعقيداً من بين مختلف المجالات التي تناولها إعلان المبادئ، حيث تضمن التزامات محددة تقوم بها الولايات المتحدة إزاء العراق، والتي تتضمن التزام الولايات المتحدة بردع أي عدوان خارجي يستهدف العراق، وينتهك سيادته وحرمة أراضيه أو مياهه أو أجوائه، والالتزام بمساعدة الحكومة العراقية على مكافحة كافة المجموعات الإرهابية، والالتزام بدعم الحكومة العراقية في تدريب وتجهيز وتسليح قواتها المسلحة.
ومن ثم، فإن هناك ثلاثة عناصر رئيسية يهدف إعلان المبادئ إلى تحقيقها على الصعيد الأمني، تتمثل في: تقنين مسألة وجود القوات الأمريكية في العراق على المدى الطويل، وإخراج العراق من القيود الهائلة المفروضة عليه بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وإنهاء مسألة التمديد للقوات المتعددة الجنسية في العراق، وحصول الحكومة العراقية على ضمانات أمنية من الولايات المتحدة على المدى الطويل، تحت مظلة (حماية الدستور) بما يوفر للحكومة العراقية الحماية ضد أي انقلابات داخلية محتملة، في مقابل موافقة هذه الحكومة على منح الولايات المتحدة وجوداً طويل الأمد لقواتها في العراق.
إعلان المبادئ وتطور عملية سير المفاوضات
أوضحت الإدارة الأمريكية قبيل بدء المفاوضات مع الجانب العراقي أنها تسعى للوصول إلى اتفاقيتين بشأن الروابط المستقبلية مع العراق، الأولى عن وضع القوات الأمريكية في العراق، والثانية عن إطار العلاقات الدبلوماسية مع بغداد، وبدا واضحاً أن الإدارة الأمريكية تعتزم إبرام مذكرات ثنائية مع العراق وليس معاهدات حتى لا تكون في حاجة للحصول على موافقة الكونغرس عليها، مع الاسترشاد في هذا الصدد بـ (اتفاقيات وضع القوات) التي أبرمتها الولايات المتحدة مع العديد من الدول من أجل توفير سند قانوني لعمل القوات الأمريكية فيها. وقد بدأت المفاوضات العراقية – الأمريكية الفعلية بشأن اتفاقية التعاون طويلة الأمد في 11 مارس الماضي، وقدمت خلالها الولايات المتحدة مسودة اتفاق تحتوي على بنود ذات سقف مرتفع بشكل كان من الصعب قبوله من جانب الحكومة العراقية، وتتمثل عناصر هذه المسودة في:
1- وضع إطار استراتيجي طويل الأمد للوجود الأمريكي في العراق.
2- عدم تحديد فترة بقاء القوات الأمريكية في العراق، بمعنى الامتناع عن تحديد سقف زمني أو جدول زمني لعمل تلك القوات وبصلاحيات واسعة، كما لا تحتوي المسودة على تحديد واضح لأعداد القوات أو طبيعة الأسلحة المسموح بنشرها. كما لا تشير إلى الوضع القانوني والسلطات التي يتمتعون بها على العراقيين.
3- تحويل الولايات المتحدة بصورة مؤقتة سلطة تنفيذ العمليات العسكرية في العراق وسلطة احتجاز الأفراد عندما يكون ذلك ضرورياً لدواع أمنية تقتضي ذلك.
4- منح حصانة من الملاحقة القانونية في العراق للمتعاقدين المدنيين مع الولايات المتحدة.
وفي المقابل، تشير المعلومات المتاحة إلى أن الجانب العراقي رفض هذه المقترحات وأعلن المجلس السياسي العراقي للأمن الوطني ثلاثة شروط لاستمرار المباحثات بين بغداد وواشنطن لتوقيع الاتفاقية الأمنية، تتمثل في عدم إنشاء قواعد عسكرية دائمة للقوات الأمريكية، وامتناع العراق عن تقديم أي تسهيلات عسكرية أو حصانة للمتجاوزين من هذه القوات وعدم السماح للقوات الأمريكية باعتقال أي عراقي من دون إذن أو تنسيق مسبق مع الحكومة أو القوات العراقية.
مسودة الاتفاق كانت في بداية الأمر تحتوي على بنود ذات سقف مرتفع بشكل كان من الصعب عراقياً القبول به
ويدفع التباين الملحوظ في المواقف بين الجانبين العراقي والأمريكي بشأن عناصر الاتفاقية الأمنية المزمعة، والخلافات الداخلية الشديدة حولها فيما بين الكتل السياسية المختلفة داخل الحكومة ومجلس النواب، إلى الاعتقاد بأن المفاوضات العراقية – الأمريكية ربما تحتاج إلى وقت طويل، وربما أيضاً لن تنتهي قبل نهاية العام الحالي، على الرغم من أن الجانب الأمريكي يرغب في الانتهاء من توقيع الاتفاقية قبل نهاية يوليو المقبل، إلا أن هذا المطلب الأمريكي ربما يكون صعب التحقيق، لاعتبارات تتعلق بتعقيدات التفاوض بشأن القضايا التفصيلية في مجالات الدفاع والأمن، والتباعد الواضح في المواقف بينهما حول الكثير من هذه القضايا التفصيلية، فضلاً عن التعقيدات التي سوف تمر بها عملية التصديق على الاتفاقية المزمعة على الجانب العراقي.
ويدفع ما سبق للاعتقاد بأنه حتى لو انتهى الجانبان العراقي والأمريكي من الاتفاق على عناصر الاتفاقية المزمعة، فإن الموافقة والتصديق على هذه الاتفاقية سوف يستغرقان فترة طويلة نسبياً من الزمن داخل المؤسسات التنفيذية والتشريعية العراقية في ظل التباعد الكبير في المواقف حولها بين الكتل السياسية المختلفة داخل الحكومة الائتلافية ومجلس النواب، الأمر الذي يطرح تساؤلات جدية بشأن إمكانية الانتهاء منها في الموعد المشار إليه.
الاتفاقية الأمنية والمعارضة العراقية
من الواضح أن هناك إجماعاً وطنياً عراقياً على عدم القبول بالاتفاقية الأمنية لأنها تمس ثوابت سيادة العراق واستقلاله السياسي، فمعظم أعضاء البرلمان العراقي – على سبيل المثال – كتبوا إلى الكونغرس يرفضون إبرام اتفاق أمني طويل الأمد مع الولايات المتحدة إذا لم يكن مرتبطاً بشرط رحيل القوات الأمريكية تماماً من العراق. كما أجمع قادة عراقيون من مختلف الكتل والتنظيمات السياسية والفعاليات الدينية والشعبية على رفض الاتفاقية العراقية – الأمريكية الاستراتيجية طويلة الأمد، التي تجرى مفاوضاتها حالياً، واشترطوا ألا تمس سيادة العراق وأن تضمن استقلاله الكامل، وأن تنال موافقة الشعب، وضرورة أن تكون الاتفاقية واضحة وشفافة في بنودها للجميع.
يعتبر الشق الأمني الأكثر تعقيداً من بين مختلف المجالات التي تناولها إعلان المبادئ
وإزاء هذا الرفض من قبل عدد من الكتل السياسية في العراق، قدم الأمريكيون مسودة جديدة للاتفاقية خفضوا من خلالها سقف مطالبهم مع ما يتجاوب مع المطالب العراقية، وتتضمن تسليم أي عراقي تعتقله القوات الأمريكية إلى القضاء العراقي، وعدم توفير أي حصانة للشركات الأمنية، على أن يتم الاتفاق لاحقاً بخصوص الحصانة الخاصة بالقوات الأمريكية، كما تتضمن المسودة الجديدة عدم تحريك أي وحدات عسكرية أمريكية إلا بعد الموافقة العراقية، وكذلك عدم استخدام أي موقع بحري أو جوي أو أرضي لمهاجمة دول الجوار، لكن التعديل الجديد لم يتعرض إطلاقاً للبند الذي يسمح للولايات المتحدة بالاحتفاظ بخمسين قاعدة عسكرية تضع بها أكثر من 50 ألف جندي أمريكي لأجل غير مسمى.
وفي هذا السياق، تؤكد بنود الاتفاقية الأمنية أن العراق في مفترق طرق حقيقي، وأن الخيارات المطروحة أمامه لاستعادة سيادته وإنهاء الوجود العسكري الأجنبي على أراضيه محدودة جداًً، وربما غير موجودة أصلاً. فجوهر هذه الخيارات هو مجرد الانتقال من حالة احتلال وفقاً لتفويض دولي حسب القرار (1546) الصادر في يونيو 2004، إلى حالة وصاية أمنية وسياسة طويلة الأمد وفقاً لاتفاق ثنائي بين طرفيه.
ومن هنا يدرك عراقيون كثر أن هذا الاتفاق وإن كان يمثل خروجاً من قيود الفصل السابع لميثاق الأمم المتحدة، لكنه يضع قيوداً أشد وأقسى ويجعل سيادة العراق نوعاً من السراب، ناهيك عن أن الاتفاق، أمني الطابع، لكنه سيعطي نفوذاً هائلاً للولايات المتحدة في تحديد مسار كل شيء في العراق، بداية من نوعية العملية السلمية في الداخل ومروراً بالهيمنة على قطاع النفط، ونهاية بتحديد العقيدة الدفاعية للعراق وعلاقاته الخارجية، فضلاً عن صياغة اتجاهات التعاون والتكامل في الإقليم وفقاً للمصالح الأمريكية.
والمفارقة الصارخة هنا تتمثل في مجموعة من المواقف الملتبسة بين مؤيد ومعارض للاتفاق الأمني. فبينما تجبر الحكومة على الاستمرار في المفاوضات وتوقيع الاتفاق بأي صيغة كانت، وليست لديها حيلة التراجع أو قدرة الممانعة، تأتي المعارضة الأكبر للاتفاق الأمني المزمع عقده قبل نهاية 31 يوليو من تيارات وقيادات سياسية ومرجعيات دينية شيعية تشكل الدعامة الأساسية للحكومة، ولها صلات بشكل أو آخر بإيران، لاسيما أن جزءاً كبيراً منهم عاش في إيران فترة معارضته للنظام السابق، وبما يسمح جزئياً بالاستنتاج بأن أسباب المعارضة تنطوي على نقاط عدة، منها عناصر وطنية تدافع عن سيادة واستقلال حقيقيين، ومنها معارضة أن تكون بلادهم منطلقاً للضغط على الحليف الإقليمي الأول من جهة، أو أن يتحول الوجود العسكري الأمريكي المستقبلي إلى عنصر كابح لطموحاتهم في تحويل العراق أو جزء منه إلى نموذج قريب من حكم ولاية الفقيه. ولا شك في أن هناك من يعارض مساعدة المفاوض الحكومي على ترشيد الاتفاق الأمني إلى أقصى حد ممكن.
وفي سياق تلك المفارقة نفسها يأتي تأييد الاتفاق بكل ما ينطوي عليه من ضغوط على سيادة البلاد من الأحزاب الكردية المشاركة في الائتلاف الحاكم، ومن جبهة التوافق السنية والحزب الإسلامي السني، رغم اختلافهما الكبير مع حكومة المالكي، ورغم كونهما من القوى التي عارضت الاحتلال الأمريكي، وأسهمت في فترات سابقة في تأييد عمليات المقاومة العراقية. وتأتي أسباب التأييد من منظور أن الاتفاقية ستؤدي إلى حماية العراق من أي اعتداء خارجي، وأنها ستساعد البلاد على بناء منظومة دفاعية حقيقية بلا اختراقات كبرى من الدول المجاورة، كما أنها ستحد من النفوذ الإيراني المتصاعد، وستحافظ على العراق الموحد، مثل هذا الموقف هو نتيجة لتحول مواقف بعض القوى السنية وعدد من العشائر العراقية الكبرى إلى التعاون مع القوات الأمريكية طوال ما يقرب من عام لمواجهة المنظمات التابعة للقاعدة من جهة وحلفاء إيران من جهة أخرى. وهكذا، ما بين التأييد والمعارضة يطل علينا البعد الإيراني، والذي بات يمثل إحدى إشكاليات حاضر ومستقبل العراق والإقليم ككل.
وهناك أيضاً مؤيدون للاتفاقية الأمنية المنتظرة من خارج العراق، يرون فيها ضمانة لأمور أساسية وجوهرية، منها منع تحول العراق إلى ساحة لتصفية حسابات إقليمية بين إيران وتركيا والعرب، وسد منافذ الحرب الأهلية الكامنة في النسيج العراقي، ووقف الامتداد الإيراني إلى بقية مناطق وأقاليم العراق، ومنه إلى بلدان أخرى مجاورة. ولا يهم هؤلاء اعتبارات السيادة بقدر ما يهتمون باعتبارات التوازن الإقليمي المرشح لمزيد من الاختلالات في حالة خروج القوات الأمريكية من دون وجود بديل قوي يساعد العراقيين في الحفاظ على أمنهم.
ولاشك في أن إيران المتطلعة إلى تعاون كامل مع أي حكومة عراقية في المستقبل ترى في الاتفاقية الأمنية طويلة الأمد سداً أمام الكثير من أحلامها سواء في العراق أو في عموم الإقليم. وهنا يلفت النظر أن تاريخ توقيع الاتفاقية المنتظر هو نهاية يوليو المقبل، أي قبل خمسة أشهر من نهاية ولاية الرئيس بوش، وهنا يبدو احتمالان: الأول، أن تحديد وضع القوات الأمريكية مطلوب قبل أي عمل عسكري ضد منشآت نووية إيرانية، يتردد أن شهر أغسطس هو الأنسب لمثل هذا الهجوم. والثاني، أن الاتفاقية مطلوبة لكي تساعد المرشح الجمهوري على القول إن التضحيات الأمريكية من أموال وجنود وسمعة لم تذهب سدى، بدليل أن العراق ونفطه باتا تحت سيطرة أمريكية غير محددة المدة، ومن ورائها ترتيبات أمنية تسهم في مزيد من الأمن لإسرائيل. هذان الأمران متكاملان وكل منهما يطرح إشكاليات صعبة على العرب بحاجة إلى مزيد من التفكير والتأمل.
الاتفاقية الأمنية والضغوط الأمريكية
تتضمن الاتفاقية الأمنية المثيرة لمخاوف معظم العراقيين بنوداً تتعلق بالسيادة العراقية، كعدم الإشارة إلى السقف الزمني للوجود العسكري الأمريكي في العراق، وضرورة منح العراق الصلاحيات لحركة القوات الأمريكية براً وبحراً وجواً، والسيطرة على الأجواء العراقية، وغيرها من بنود تختص بالتشريعات القانونية (الضرورية) لحماية وجود هذه القوات في أنحاء العراق.
وهي كما يرى المراقبون، تتمثل في الآتي:
* الضغط من خلال الأموال العراقية المودعة، فكما هو معروف أن للعراق أموالاً تقدر بنحو 50-86 مليار دولار في البنك الفيدرالي الأمريكي في نيويورك، ضمن صندوق أنشأته الأمم المتحدة في عام 1990 بعد غزو الكويت خاضع للحماية الأمريكية. وتمارس الإدارة الأمريكية ضغوطها على العراقيين من خلال تهديدها برفع الحصانة الرئاسية عن هذه الأموال إن لم توافق على الاتفاقية الأمنية.
* من ضمن الضغوط أيضاً التهديد باستخدام الإدارة الأمريكية حق النقض (الفيتو) ضد مشروع قرار دولي، يتوقع إجراء التصويت عليه في مجلس الأمن الدولي نهاية العام الجاري لرفع الوصاية الدولية المفروضة على العراق ويحرره من تبعات الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، هذا في حال رفض العراق المصادقة على الاتفاقية، كما يرى مراقبون للشأن العراقي.
* تؤكد الإدارة الأمريكية أن عدم جاهزية الجيش العراقي لتحمل المسؤولية الأمنية والدفاعية عن العراق، سواء في الداخل أو حماية الحدود، كما صرح عدد من المسؤولين الأمريكيين في شهاداتهم أمام الكونغرس الأمريكي، يعرض العراق لمخاطر (حرب أهلية) وتهديدات خارجية، في المقدمة منها إيران، وهو أمر يقتضي وجوداً عسكرياً أمريكياً بفرض التوازن الأمني، في إشارة إلى ضرورة المصادقة على الاتفاقية الأمنية طويلة الأمد.
* تبدو الزيارة التي قام بها رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي إلى طهران، ضمن الجهود المبذولة لتحييد موقف الحكومة الإيرانية من الاتفاقية الأمنية، ولاسيما أن المالكي طمأن المسؤولين الإيرانيين إلى أن الاتفاقية لا تتضمن ما يثير مخاوف إيران في المستقبل، وأن العراق لن يكون منطلقاً لتهديدها أو أي من جيرانه.
::/fulltext::
::cck::1522::/cck::
