العمالة الوافدة ومخاطرها في ثقافة خليجية “تتعولم”

::cck::1527::/cck::
::introtext::

ينبغي التأكيد على أن طلائع العمالة الوافدة إلى دول الخليج العربية بدأت مع خمسينات القرن الماضي لتزداد بشكل كبير مع حقبة السبعينات على أثر ارتفاع أسعار النفط وتسارع تنفيذ خطط التنمية والإعمار في هذه الدول، حتى كانت لهذه العمالة آثارها الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية على المجتمع الخليجي لتتسع دائرة ذلك خلال السنوات القليلة الماضية.

::/introtext::
::fulltext::

ينبغي التأكيد على أن طلائع العمالة الوافدة إلى دول الخليج العربية بدأت مع خمسينات القرن الماضي لتزداد بشكل كبير مع حقبة السبعينات على أثر ارتفاع أسعار النفط وتسارع تنفيذ خطط التنمية والإعمار في هذه الدول، حتى كانت لهذه العمالة آثارها الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية على المجتمع الخليجي لتتسع دائرة ذلك خلال السنوات القليلة الماضية.

تشير دراسة رشا عاصم (منظمة العمل العربية- مكتب العمل العربي) عن العمالة الأجنبية في دول الخليج العربية نقلاً عن تقديرات ج. بيركس وسيزكلو في كتابيهما حول تطورات العمالة الوافدة إلى العالم العربي إلى أن إجمالي حجم هذه العمالة كان محصوراً على القادمين من شبه القارة الهندية، إذ كان بحدود (150) ألفاً، ارتفع مع حقبة السبعينات وتدرج حتى وصل إلى (14) مليوناً عام 2004 ليبلغ الآسيويون منهم (12) مليوناً، كما تشير الدراسة أيضاً ونقلاً عن منظمة الخليج العربي للاستثمارات الصناعية إلى ارتفاع الطلب الخليجي على العمالة الوافدة بنسبة (66 في المائة) عام 2010 مقارنة بعام 1995، كما أن حجم هذه العمالة يتفاوت من دولة خليجية إلى أخرى، حيث أشارت دراسة اقتصادية. ما بين عامي 2001 – 2006 إلى أن نسبة العمالة الوافدة من إجمالي العمالة في مملكة البحرين كانت (58.8 في المائة) عام 2001 ارتفعت إلى (79) عام 2006، وفي المملكة العربية السعودية ارتفعت من (50.2 في المائة) إلى (88.4 في المائة) وفي سلطنة عمان ازدادت من (79 في المائة) إلى (81.5 في المائة) وفي دولة قطر ازدادت من (53.9 في المائة) إلى (84.8 في المائة) وفي دولة الكويت ازدادت من (80.4 في المائة) إلى (84.8 في المائة)، أما نسبتها إلى إجمالي العمالة في دول الخليج العربية فقد بلغت (70.3 في المائة)، أما في ما يتصل بنسبها بحسب جنسيتها فأشارت الدراسة أيضاً إلى أن العمالة الآسيوية هي الأكثر ظهوراً، إذ بلغت نسبتها (69.9 في المائة) تليها العمالة العربية (23.2 في المائة)، أما على مستوى نسبة العمالة الآسيوية في دول مجلس التعاون الخليجي فكانت كالآتي: سلطنة عُمان تستقطب ما يعادل (92.4) في المائة تليها مملكة البحرين (80.1 في المائة) ثم الإمارات العربية المتحدة بنسبة (78.1 في المائة) ثم دولة الكويت (65.4 في المائة) ثم المملكة العربية السعودية (59.3 في المائة) ثم دولة قطر بنسبة (45.6 في المائة)، ومعظم هذه العمالة تتركز في القطاع الخاص.

أولاً: المخاطر الاجتماعية للعمالة الوافدة

لا شك في أن حجم العمالة الوافدة الكبير يترك آثاراً سلبية على بنية المجتمع الخليجي لاسيما أن هذه العمالة تحمل معها قيمها وتقاليدها وعاداتها الاجتماعية، بل هي –على الرغم من إقامتها الطويلة- لا تزال تحتفظ بها بقوة حتى باتت هذه الثقافة تؤثر في ثقافة السكان الأصليين الذين لا يزالون يحتفظون بجذور ثقافتهم المحلية القبلية وإن تعاملوا مع ثقافة العصر باستجابة سريعة نسبياً، إلا أن ذلك التأثير بدا واضحاً في التعاملات اليومية سواء في العمل أو الأسواق أو الأماكن العامة، بل حتى امتد خطر ذلك إلى عقر بيوت كثير من العوائل العربية الخليجية من خلال استقدام المربيات الأجنبيات اللاتي يحملن ثقافة بلدهن وما يمكن أن يتركه ذلك من تأثيرات سلبية في عملية التنشئة الاجتماعية وهو ما يمكن أيضاً أن يظهر إنتاجه في الأجيال الجديدة لاسيما أن عملية غرس الأفكار والقيم تكون سهلة مع أعمار الأطفال المبكرة الذين يراهم الفيلسوف الإنكليزي جون لوك يولدون وعقولهم خزائن خالية حتى يبدأ المحيط الاجتماعي بملئها تدريجياً، وهنا تكمن خطورة الظاهرة وما يمكن أن ينتج عنها من أنماط سلوكية واتجاهات قد تكون مختلفة تماماً لما هو متوقع في مجتمع عربي جذوره قبلية. وإذا نظرنا إلى هذه المسألة من هذه الزاوية فإن الأمر قد يكون مختلفاً حينما ندرك أن ثقافة المجتمع الخليجي متجهة نحو (التعولم) وهي حقيقة جديدة بدأت تظهر في ثنايا تطور المجتمع الخليجي المعاصر، لاسيما أن تطور المدن الخليجية اتجه نحو العمل التجاري والنفعي، كما تطورت خدماتها المصرفية والتجارية، وازدادت طموحات الأفراد، وبدأت تحل العقلانية محل الذهنية الريفية بدرجة أو أخرى حتى أصاب النسيج (القرابي) الخليجي الكثير من الخلل بصفتها نتيجة متوقعة لثقافة جديدة ومتدفقة باستمرار إلى أروقة هذه المدن حتى وجدت المدينة الخليجية نفسها أمام تحديات ثقافية ضخمة باتت تهدد كيان الأسرة الخليجية نفسها لاسيما أن تلك الحركة المستمرة تجارياً وتلك البنية السكانية التي تشهد تحضراً سريعاً أمامهما طريقان أولهما الإبقاء على التقليد القرابي أو المحلي وثانيهما التفكير على نطاق أوسع لما تحمله ثقافة العولمة من اعتبارات جديدة حتى باتت حالة التماسك والتضامن في هذه المدن تتأثر برياح العولمة وهي تنقل فكرة التقارب بين الثقافات الإنسانية المختلفة بعد أن تمكنت وسائل الاتصال والتكنولوجيا من تقريب المسافات بين أرجاء المعمورة. والشيء المثير أن العولمة وهي تسعى إلى ذلك فإنها تحمل في كينونتها تناقضاً واضحاً حينما تشجع الاثنيات والتنوع الثقافي في المجتمع الواحد مما يثير كثيراً من المخاطر المستقبلية على بنية المجتمع الخليجي، الأمر الذي يتطلب ارتقاءً بمستويات التفكير وانطلاقاً نحو بلورة أنماط سلوكية متفقة مع اتجاهات العولمة في صيرورتها وهي تفتت النسيج القرابي والعشائري واستبدالها بعلاقات نفعية وتجارية ذات المردود الربحي السريع وإن كانت تثير في بعض المواضع الاختلالات الثقافية في المجتمع على أساس المطالبة بحقوق الإنسان وترسيخ مبادئ الديمقراطية. وبهذا فإن مخاطر العمالة الوافدة في سياق ذلك إنما تنحصر خوفاً من بؤر للمطالبة بتلك الحقوق على وفق أطروحات العولمة وفلسفتها وهي تتغلغل في بنية المجتمع الخليجي إلا أن ذلك لم يخرج من بال مخططي السياسات التنموية والدوائر المرتبطة بها ضمن فهم أشمل لمجريات حاجة السوق وتحقيق معدلات نمو مقدرة مع الأخذ في الاعتبار حقوق تلك العمالة الإنسانية وهو ما بدأ يظهر في سياسات كثير من دول الخليج العربية وخاصة الإجراءات التي تتخذها دولة الإمارات في فهم حقوق الجاليات الأجنبية في الدولة بما ينسجم مع القيم الإنسانية.

ثانياً: العمالة الوافدة والبنية السكانية في دول الخليج العربية

لاشك في أن البنية السكانية في منطقة الخليج العربي تتأثر بشكل كبير بتداعيات ظاهرة العمالة الوافدة و(الجدول الآتي يوضح ذلك).

ومن خلال تحليل بيانات الجدول أعلاه وبناء على دراسة رشا عاصم يتضح أن نسبة العمالة الوافدة إلى دول الخليج العربية ارتفعت إلى درجة أكثر مما كان متوقعاً بحسب ما تشير تلك البيانات المعدة عام 1998، إذ إن نسب العمالة في عام 2005 بلغت مثلاً في الإمارات العربية المتحدة (80 في المائة) بعد ما كان متوقعاً أن تكون (72 في المائة)، كما يظهر ذلك أيضاً في دولة الكويت التي بلغت نسبة العمالة فيها (63 في المائة) من إجمالي السكان بعد ما كان متوقعاً نسبتها (59 في المائة)

ثالثاً: العمالة الوافدة وثقافة (تتعولم)

من جانب آخر فإن نظرة فاحصة لخريطة العالم اليوم يتضح لنا أن هناك اتجاهاً ثقافياً عالمياً بدأ يجتاح المجتمعات الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها والتي تغلغلت في بنية ثقافة الإنسان أينما وجد لتكون ثقافة المجتمع في أي مكان تتسم بطابع مقارب لما يجري من تغيرات بنيوية على مستوى العالم اقتصادياً وسياسياً لترسم الثقافة مرتكزات ذلك البناء المعولم في مدياته الحاضرة والمستقبلية، وبهذا فإن العالم مقبل على هذا النوع من التداخل بين الثقافات الفرعية والثقافة المقبلة التي تريد أن ترسم ملامح ثقافة معولمة موحدة وإن اعترفت بجزئيات الثقافة المحلية، ولذا فإن الطريق سيكون مفتوحاً مع الإنسان كي يعبر عن ثقافته ضمن هذه البنية الاجتماعية الجديدة وهذا ما يمكن أن يؤثر بشكل أو آخر على مدى المستقبل البعيد في بلورة اتجاهات ثقافية فرعية داخل المجتمع العربي الخليجي تنبثق من البنية الثقافية والاقتصادية للعمالة الوافدة وإن كان المخطط لها أن تكون موجودة ضمن مديات تنفيذ المشاريع التنموية، إلا أن الواقع يشير إلى أن مسألة الانتهاء من عملية البناء مسألة تتعلق بمديات التطور التقني المتسارع والذي يبدو أن نهاياته قد تكون بعيدة مع ابتكارات الإنسان المستمرة لإدامة متطلباته المتجددة في عالم أصبح فيه التطور حقيقة راسخة، وبالتالي فإن مخاطر هذه العمالة قد تبدو واضحة في مدياتها المستقبلية إذا لم تتخذ الإجراءات المناسبة لحل إشكالياتها الثقافية والاقتصادية بما يحافظ على بنية المجتمع العربي الخليجي.

::/fulltext::

57-21a
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1527::/cck::
::introtext::

ينبغي التأكيد على أن طلائع العمالة الوافدة إلى دول الخليج العربية بدأت مع خمسينات القرن الماضي لتزداد بشكل كبير مع حقبة السبعينات على أثر ارتفاع أسعار النفط وتسارع تنفيذ خطط التنمية والإعمار في هذه الدول، حتى كانت لهذه العمالة آثارها الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية على المجتمع الخليجي لتتسع دائرة ذلك خلال السنوات القليلة الماضية.

::/introtext::
::fulltext::

ينبغي التأكيد على أن طلائع العمالة الوافدة إلى دول الخليج العربية بدأت مع خمسينات القرن الماضي لتزداد بشكل كبير مع حقبة السبعينات على أثر ارتفاع أسعار النفط وتسارع تنفيذ خطط التنمية والإعمار في هذه الدول، حتى كانت لهذه العمالة آثارها الاجتماعية والثقافية والسياسية والاقتصادية على المجتمع الخليجي لتتسع دائرة ذلك خلال السنوات القليلة الماضية.

تشير دراسة رشا عاصم (منظمة العمل العربية- مكتب العمل العربي) عن العمالة الأجنبية في دول الخليج العربية نقلاً عن تقديرات ج. بيركس وسيزكلو في كتابيهما حول تطورات العمالة الوافدة إلى العالم العربي إلى أن إجمالي حجم هذه العمالة كان محصوراً على القادمين من شبه القارة الهندية، إذ كان بحدود (150) ألفاً، ارتفع مع حقبة السبعينات وتدرج حتى وصل إلى (14) مليوناً عام 2004 ليبلغ الآسيويون منهم (12) مليوناً، كما تشير الدراسة أيضاً ونقلاً عن منظمة الخليج العربي للاستثمارات الصناعية إلى ارتفاع الطلب الخليجي على العمالة الوافدة بنسبة (66 في المائة) عام 2010 مقارنة بعام 1995، كما أن حجم هذه العمالة يتفاوت من دولة خليجية إلى أخرى، حيث أشارت دراسة اقتصادية. ما بين عامي 2001 – 2006 إلى أن نسبة العمالة الوافدة من إجمالي العمالة في مملكة البحرين كانت (58.8 في المائة) عام 2001 ارتفعت إلى (79) عام 2006، وفي المملكة العربية السعودية ارتفعت من (50.2 في المائة) إلى (88.4 في المائة) وفي سلطنة عمان ازدادت من (79 في المائة) إلى (81.5 في المائة) وفي دولة قطر ازدادت من (53.9 في المائة) إلى (84.8 في المائة) وفي دولة الكويت ازدادت من (80.4 في المائة) إلى (84.8 في المائة)، أما نسبتها إلى إجمالي العمالة في دول الخليج العربية فقد بلغت (70.3 في المائة)، أما في ما يتصل بنسبها بحسب جنسيتها فأشارت الدراسة أيضاً إلى أن العمالة الآسيوية هي الأكثر ظهوراً، إذ بلغت نسبتها (69.9 في المائة) تليها العمالة العربية (23.2 في المائة)، أما على مستوى نسبة العمالة الآسيوية في دول مجلس التعاون الخليجي فكانت كالآتي: سلطنة عُمان تستقطب ما يعادل (92.4) في المائة تليها مملكة البحرين (80.1 في المائة) ثم الإمارات العربية المتحدة بنسبة (78.1 في المائة) ثم دولة الكويت (65.4 في المائة) ثم المملكة العربية السعودية (59.3 في المائة) ثم دولة قطر بنسبة (45.6 في المائة)، ومعظم هذه العمالة تتركز في القطاع الخاص.

أولاً: المخاطر الاجتماعية للعمالة الوافدة

لا شك في أن حجم العمالة الوافدة الكبير يترك آثاراً سلبية على بنية المجتمع الخليجي لاسيما أن هذه العمالة تحمل معها قيمها وتقاليدها وعاداتها الاجتماعية، بل هي –على الرغم من إقامتها الطويلة- لا تزال تحتفظ بها بقوة حتى باتت هذه الثقافة تؤثر في ثقافة السكان الأصليين الذين لا يزالون يحتفظون بجذور ثقافتهم المحلية القبلية وإن تعاملوا مع ثقافة العصر باستجابة سريعة نسبياً، إلا أن ذلك التأثير بدا واضحاً في التعاملات اليومية سواء في العمل أو الأسواق أو الأماكن العامة، بل حتى امتد خطر ذلك إلى عقر بيوت كثير من العوائل العربية الخليجية من خلال استقدام المربيات الأجنبيات اللاتي يحملن ثقافة بلدهن وما يمكن أن يتركه ذلك من تأثيرات سلبية في عملية التنشئة الاجتماعية وهو ما يمكن أيضاً أن يظهر إنتاجه في الأجيال الجديدة لاسيما أن عملية غرس الأفكار والقيم تكون سهلة مع أعمار الأطفال المبكرة الذين يراهم الفيلسوف الإنكليزي جون لوك يولدون وعقولهم خزائن خالية حتى يبدأ المحيط الاجتماعي بملئها تدريجياً، وهنا تكمن خطورة الظاهرة وما يمكن أن ينتج عنها من أنماط سلوكية واتجاهات قد تكون مختلفة تماماً لما هو متوقع في مجتمع عربي جذوره قبلية. وإذا نظرنا إلى هذه المسألة من هذه الزاوية فإن الأمر قد يكون مختلفاً حينما ندرك أن ثقافة المجتمع الخليجي متجهة نحو (التعولم) وهي حقيقة جديدة بدأت تظهر في ثنايا تطور المجتمع الخليجي المعاصر، لاسيما أن تطور المدن الخليجية اتجه نحو العمل التجاري والنفعي، كما تطورت خدماتها المصرفية والتجارية، وازدادت طموحات الأفراد، وبدأت تحل العقلانية محل الذهنية الريفية بدرجة أو أخرى حتى أصاب النسيج (القرابي) الخليجي الكثير من الخلل بصفتها نتيجة متوقعة لثقافة جديدة ومتدفقة باستمرار إلى أروقة هذه المدن حتى وجدت المدينة الخليجية نفسها أمام تحديات ثقافية ضخمة باتت تهدد كيان الأسرة الخليجية نفسها لاسيما أن تلك الحركة المستمرة تجارياً وتلك البنية السكانية التي تشهد تحضراً سريعاً أمامهما طريقان أولهما الإبقاء على التقليد القرابي أو المحلي وثانيهما التفكير على نطاق أوسع لما تحمله ثقافة العولمة من اعتبارات جديدة حتى باتت حالة التماسك والتضامن في هذه المدن تتأثر برياح العولمة وهي تنقل فكرة التقارب بين الثقافات الإنسانية المختلفة بعد أن تمكنت وسائل الاتصال والتكنولوجيا من تقريب المسافات بين أرجاء المعمورة. والشيء المثير أن العولمة وهي تسعى إلى ذلك فإنها تحمل في كينونتها تناقضاً واضحاً حينما تشجع الاثنيات والتنوع الثقافي في المجتمع الواحد مما يثير كثيراً من المخاطر المستقبلية على بنية المجتمع الخليجي، الأمر الذي يتطلب ارتقاءً بمستويات التفكير وانطلاقاً نحو بلورة أنماط سلوكية متفقة مع اتجاهات العولمة في صيرورتها وهي تفتت النسيج القرابي والعشائري واستبدالها بعلاقات نفعية وتجارية ذات المردود الربحي السريع وإن كانت تثير في بعض المواضع الاختلالات الثقافية في المجتمع على أساس المطالبة بحقوق الإنسان وترسيخ مبادئ الديمقراطية. وبهذا فإن مخاطر العمالة الوافدة في سياق ذلك إنما تنحصر خوفاً من بؤر للمطالبة بتلك الحقوق على وفق أطروحات العولمة وفلسفتها وهي تتغلغل في بنية المجتمع الخليجي إلا أن ذلك لم يخرج من بال مخططي السياسات التنموية والدوائر المرتبطة بها ضمن فهم أشمل لمجريات حاجة السوق وتحقيق معدلات نمو مقدرة مع الأخذ في الاعتبار حقوق تلك العمالة الإنسانية وهو ما بدأ يظهر في سياسات كثير من دول الخليج العربية وخاصة الإجراءات التي تتخذها دولة الإمارات في فهم حقوق الجاليات الأجنبية في الدولة بما ينسجم مع القيم الإنسانية.

ثانياً: العمالة الوافدة والبنية السكانية في دول الخليج العربية

لاشك في أن البنية السكانية في منطقة الخليج العربي تتأثر بشكل كبير بتداعيات ظاهرة العمالة الوافدة و(الجدول الآتي يوضح ذلك).

ومن خلال تحليل بيانات الجدول أعلاه وبناء على دراسة رشا عاصم يتضح أن نسبة العمالة الوافدة إلى دول الخليج العربية ارتفعت إلى درجة أكثر مما كان متوقعاً بحسب ما تشير تلك البيانات المعدة عام 1998، إذ إن نسب العمالة في عام 2005 بلغت مثلاً في الإمارات العربية المتحدة (80 في المائة) بعد ما كان متوقعاً أن تكون (72 في المائة)، كما يظهر ذلك أيضاً في دولة الكويت التي بلغت نسبة العمالة فيها (63 في المائة) من إجمالي السكان بعد ما كان متوقعاً نسبتها (59 في المائة)

ثالثاً: العمالة الوافدة وثقافة (تتعولم)

من جانب آخر فإن نظرة فاحصة لخريطة العالم اليوم يتضح لنا أن هناك اتجاهاً ثقافياً عالمياً بدأ يجتاح المجتمعات الإنسانية في مشارق الأرض ومغاربها والتي تغلغلت في بنية ثقافة الإنسان أينما وجد لتكون ثقافة المجتمع في أي مكان تتسم بطابع مقارب لما يجري من تغيرات بنيوية على مستوى العالم اقتصادياً وسياسياً لترسم الثقافة مرتكزات ذلك البناء المعولم في مدياته الحاضرة والمستقبلية، وبهذا فإن العالم مقبل على هذا النوع من التداخل بين الثقافات الفرعية والثقافة المقبلة التي تريد أن ترسم ملامح ثقافة معولمة موحدة وإن اعترفت بجزئيات الثقافة المحلية، ولذا فإن الطريق سيكون مفتوحاً مع الإنسان كي يعبر عن ثقافته ضمن هذه البنية الاجتماعية الجديدة وهذا ما يمكن أن يؤثر بشكل أو آخر على مدى المستقبل البعيد في بلورة اتجاهات ثقافية فرعية داخل المجتمع العربي الخليجي تنبثق من البنية الثقافية والاقتصادية للعمالة الوافدة وإن كان المخطط لها أن تكون موجودة ضمن مديات تنفيذ المشاريع التنموية، إلا أن الواقع يشير إلى أن مسألة الانتهاء من عملية البناء مسألة تتعلق بمديات التطور التقني المتسارع والذي يبدو أن نهاياته قد تكون بعيدة مع ابتكارات الإنسان المستمرة لإدامة متطلباته المتجددة في عالم أصبح فيه التطور حقيقة راسخة، وبالتالي فإن مخاطر هذه العمالة قد تبدو واضحة في مدياتها المستقبلية إذا لم تتخذ الإجراءات المناسبة لحل إشكالياتها الثقافية والاقتصادية بما يحافظ على بنية المجتمع العربي الخليجي.

::/fulltext::
::cck::1527::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *