حزمة البث الفضائي ومعادلة التغيرات المتحققة في بنية المجتمع الخليجي

::cck::1541::/cck::
::introtext::

احتلت الفضائيات بطيفهاً الأثيري العابر للقارات والخارج على المألوف أهمية خاصة في كسرها للحواجز الزمانية والمكانية ولمظاهر الرقابة الحكومية والحدود الجغرافية والسيادية بين الدول. وقد تصاعدت تلك الأهمية مع تصاعد مكانة تلك الوسائل في علاقتها بمؤسسات المجتمع المختلفة وتأثيراتها بتلك المؤسسات لما تثيره الفضائيات من تجاذبات وتناقضات وما تطرحه من موضوعات مهمة للجدل والنقاش. 

::/introtext::
::fulltext::

احتلت الفضائيات بطيفهاً الأثيري العابر للقارات والخارج على المألوف أهمية خاصة في كسرها للحواجز الزمانية والمكانية ولمظاهر الرقابة الحكومية والحدود الجغرافية والسيادية بين الدول. وقد تصاعدت تلك الأهمية مع تصاعد مكانة تلك الوسائل في علاقتها بمؤسسات المجتمع المختلفة وتأثيراتها بتلك المؤسسات لما تثيره الفضائيات من تجاذبات وتناقضات وما تطرحه من موضوعات مهمة للجدل والنقاش.

جاءتكل تلك التأثيرات بفضل عولمة وسائل الإعلام والاتصال التي أتاحت للفضائيات إيجاد حالة من التوازن بين النخب والقوى المسيطرة في المجتمع وبين الجماهير الواسعة المستقبلة والمستهدفة للرسائل الإعلامية، بيد أن هناك من يجادل أو يشكك في ذلك منطلقاً من كون التفاعلية التي تحققت لم تصل إلى مرحلة تغيير السياسات الإعلامية التي تراعي مصالح القوى والنخب المسيطرة في المجتمع، وأن التغيير لم يصل كلياً، إلا إلى القليل من المضامين والرسائل الإعلامية في مستوى المنوعات والترفيه والاهتمامات الإنسانية الأخرى بعيداً عن القائمتين السياسية والاقتصادية التي يجري الاقتراب منهاً بحذر شديد.

لقد دفعت العولمة الإعلامية والتطور التكنولوجي لوسائل الإعلام والاتصال وخاصة الفضائيات الحكومات والمؤسسات الخاصة ومن منطلق التفاعل مع المجتمع الدولي والانفتاح على الاقتصاد المعرفي الجديد من خلال أحد عناصره المتمثلة في الإعلام وصناعة المعلومات وإيجاد أفق جديد للتأثير في المجتمع المعاصر، إلى تأسيس وتوسيع المشاريع الإعلامية، وينعكس ذلك في كثرة الفضائيات الإعلامية وكثافة الطيف الفضائي الذي يحتله الإعلام العربي في مساحة الطيف الفضائي الدولي.

وكان لدول الخليج العربية السبق في استقطاب البث الفضائي بسبب الوفرة الاقتصادية التي أدت بالضرورة إلى تنامي الاقتصاد المحلي وقدرته على استيعاب المشاريع الاستثمارية، لا سيما مدينة دبي للإعلام في دولة الإمارات العربية المتحدة التي تمثل أنموذجاً للبيئة الإعلامية المتطورة وظاهرة اتصالية متقدمة بالقياس إلى سواها في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، بفضل الأهداف المؤسسية العامة والواضحة التي كانت وراء تأسيس مدينة دبي للإعلام وانطلاقها في مرحلتها الأولى في يناير عام 2001 بعد انطلاق مدينة دبي للإنترنت في أكتوبر عام 2000.

إن الأهداف العامة لتلك التجربة تتمحور في توفير بيئة قانونية مشجعة للشركات والمؤسسات التي أخذت من مدينة دبي للإعلام حاضنة لها للاستثمار في مجال الإعلام وصناعة المعلومات والمعرفة.

إن دخول تلك التجربة الحضارية عامها التاسع ومع التوسعات الأفقية للبنى المختلفة لها وتحت سلطة دبي القابضة لا بد للباحث من تفحص انعكاسات تلك التجربة على البيئة المحيطة وبالشكل الآتي:

1- المستوى السياسي:

وفرت مدينة دبي للإعلام بيئة إعلامية انعكست على المنطقة العربية في المجال السياسي من خلال:

أ- التعددية الإعلامية والمصادر المتنوعة للأخبار مقابل أفول سلطة الاتجاه الواحد ووجهة النظر الواحدة للإعلام الحكومي الرسمي.

ب- أوجدت تلك الفضائيات وبصورة غير معلنة وغير رسمية وغير مباشرة إعلاماً داعماً للإعلام الحكومي من خلال التمويل في كثير من النواحي أو شراء الأصوات المؤثرة لتكون تلك الفضائيات مجالاً لتمرير بعض المواقف ووجهات النظر، فضلاً عن استخدام الفضائيات لتحسين الصورة النمطية عن بعض الحكومات والسياسيين بعد إدراك الأنظمة والحكومات لأهمية التأثير الذي تحققة الفضائيات في مساحة الحرية المتاحة لها والتوازنات المفروضة عليها وحولها في البيئة التي تتواجد فيها، مما اضطرها إلى الإذعان لسلطة الأثر الذي تراه متحققاً يومياً في مجتمعاتها المحلية ولكونها غير قادرة على الإمساك بصحون الالتقاط عبر حدودها السيادية.

ج- تنامي ظاهرة (دبلوماسية الأقمار الصناعية) والتحاور السياسي بين الدول وفتح سبل جديدة للحوار مع الدول الغربية وصناع القرار في العالم، مثلاً الحوار الذي أجرته قناة (العربية)موخراً مع الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما الذي اختارها أولاً من بين آلاف القنوات العالمية الراغبة في مقابلتة أولاً، والذي أوضح فيه رؤيته للقضايا العربية والإقليمية،أحدث تحاوراً فعالاً عبر الرسائل الموجهة من خلال تلك القناة التي تعمل من قلب المنطقة الخليجية الفاعلة نسبياً والتي تتمتع باستقلالية ما تفتقدها الكثير من مناطق البث الأخرى، حيث تعددت ردود الأفعال من إيران وحماس ولبنان والسعودية والعراق إلى بلدان المغرب العربي لتتسع الدائرة إلى المنظومة الإقليمية والإسلامية في ردود أفعال رسمية وشعبية على رسائل أوباما الذكية.

د- وجهت تلك الفضائيات الأنظار إلى الحكومات العربية وطرق إدارتها للمحكومين وأساليب الإصلاح التي باتت مضطرة لتجربتها وطرق تعاملها مع القضايا المختلفة في الشأن العربي والإقليمي والعالمي لا سيما القضية الفلسطينية وقضايا الإرهاب وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات وغيرها.

هـ- أصبحت تلك الفضائيات نوافذ مفتوحة وشاشة عرض متعددة الوظائف ترى من خلالها الجماهير وتسمع وتقيّم ما يحصل حولها وفي العالم من قضايا وصراعات وأحداث سياسية عربية وإقليمية وعالمية، أي بمعنى آخر أصبحت تلك الفضائيات أدوات للتثقيف الجماهيري في الشأن السياسي وهي الأكثر فاعلية من الوسائل الاتصالية الأخرى،بل تعدى ذلك إلى ترسيخ مفهوم سقوط المدرسة أمام وسائل الإعلام في التعليم لمختلف الأعمار.

و- لكن عدم شفافية الفضائيات الإعلامية في الإفصاح عن مصادر تمويلها الكبيرة يجعل من تلك الوسائل منقوصة الحرية الإعلامية وضبابية الهوية، فبقدر الحرفية والمهنية المتميزة لقناتين خليجيتين بارزتين هما (الجزيرة) و(العربية) فقد أوردت مجلة (فوربس) مآخذها على تلك القنوات في تناولها المتحفظ والمقنن للأخبار التي ترد من دول الممولين مع تبنيها لوجهة نظر واحدة عن ذلك.

الظاهرة الاتصالية الحديثة جعلت العالم شاشة كبيرة موزعة على المنازل

2_ المستوى الاقتصادي:

* الفضائيات التي تبث من دول الخليج بالإضافة إلى وظيفتها الحضارية فإنها تحدث أثراً فعالاً في الشأن الاقتصادي بما يمكن إجماله بالنقاط التالية:

أ_ تعزيز الدور الاقتصادي الخاص من خلال النظرة إلى الفضائيات كونها مشاريع ربحية للمستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال للاستثمار في هذه الصناعة في مجال الإنتاج والتسويق والإعلان والدعم. حتى اضطرت قناة مميزة كـ (العربية) إلى تغيير وتوسيع مضامين بثها إلى مساحات واسعة للاقتصاد على حساب هويتها كمحطة إخبارية لتفاعلها مع ظاهرة اقتصاد السوق وللربحية التي تتحقق من خلال البرامج المستمرة الموازية والمنافسة للأخبار غير الاقتصادية برامج وأخبار على حد سواء، بل إنها تتجاوز الـ (بريك نيوز) الأخبار العاجلة أحياناً لارتباطها بخدمة المعلن، وقد حذت حذوها الكثير من الفضائيات الأخرى بتوسيع ظاهرة البث التجاري الربحي.

ب- تشغيل الخدمة البنكية والمصرفية للمؤسسات الإعلامية العاملة في الدول الخليجية، فضلاً عن اقتصاديات السوق في عمليات البيع والشراء للتقنيات الإعلامية ومستلزمات إنتاج العمل الإعلامي، ناهيك عن تملك واستئجار الأبنية والمساكن والسيارات وغير ذلك.

ج- تجعل من الدول المضيفة لها مكاناً لانطلاق وتوسيع نشاط المؤسسات الإعلامية والانفتاح على أسواق مهمة مثل مناطق شرق آسيا لأغراض الترويج والاستثمار في تلك الصناعة، فالكثير من الإعلانات التجارية للترويج للسيارات والمنتجات الإلكترونية الآسيوية من كوريا واليابان خير دليل على ذلك.

د- جذب مؤسسات الإعلام المتطورة من أمريكا وأستراليا وأوروبا وآسيا لإيجادتنافسية في مجال البيع والشراء للأفكار والبرامج والصناعات الإعلامية المختلفة وتحقيق قانون العرض والطلب في أوسع أبوابه.

هـ- التثقيف في الشأن الاقتصادي بتقديم ونشر وإثارة الموضوعات والقضايا التي تناقش الاقتصاد واتجاهات السوق والبورصة وغيرها من الموضوعات التي تؤدي بالضرورة إلى تحفيز المسؤولين على ضرورة الشفافية والتنمية الاقتصادية في بلدانهم، حيث تقدم الفضائيات وبشكل محدث أفكار الخبراء والمتخصصين لوضع الحلول وتجاوز الأزمات، كما تسهم بثقافة جماهيرية بضرورات اقتصاد السوق.

كان لدول الخليج العربية السبق في استقطاب البث الفضائي بسبب الوفرة الاقتصادية

3- المستوى الاجتماعي:

 تتميزالدول الخليجية وبسبب الوفرة المالية بأنها من أسرع دول المنطقة نمواً في مجالات الخدمات التعليمية والصحية والترفيهية ومستوى السكن ومتطلبات المعيشة الحضارية وفق المقاييس العالمية، ففي مدينة دبي للإعلام مثلاً حيث يعمل أكثر من تسعة عشر ألفاً من الإعلاميين والخبراء والمتخصصين ومن مختلف الجنسيات انعكس هذا التواجد في:

أ_ الجو الظاهر للمدينة يعكس حالة من التنوع الحضاري والثقافي وهي حالة إيجابية وفرصة للكثيرين في التعرف إلى العادات والتقاليد وأسلوب الحياة للآخر وهي طريقة أيضاً للحوار الثقافي المباشر مع الآخر.

ب_ أصبح الجمهور والمتلقون أكثر تأثيراً في قناعات المصدر الإعلامي أو المؤسسة الإعلامية وعنصر إيجابي في العملية الإعلامية من خلال تفاعل الجمهور الخليجي مع المصادر الإعلامية كمتلقين للرسائل الإعلامية ومستهلكين محتملين للرسائل الإعلانية.

ج_ تراجع اللغة العربية في التداول المجتمعي لصالح اللغة الإنكليزية التي تستخدم في التداول الكلامي وفي تحرير النصوص الإدارية للمؤسسات الإعلامية العاملة في دول الخليج، فضلاً عن استخدام اللهجة المحلية لبعض البلدان العربية في الفضائيات غير المحلية.

د_ استطاعت الفضائيات أن توجه أنظار الناس إلى المجتمعات الأخرى في درجات تطورها الاجتماعي وحقوق الإنسان وحق العيش ومجتمعات أخرى لا تزال تعاني من الظلم والاضطهاد والعوز.

هـ- تقصير المسافات وتجسيرها بين بلدان المنطقة عبر ظاهرة الفضائيات مما ولّد حالة من الإحساس العام بالمشكلات العربية وبمشاركة الإقليم الواحد والتفاعل الآني لما يحدث في المجتمعات اللصيقة مع الجسد العربي وحوضه المحيط به، كما عمّق لديها مشاعرالنزوع إلى التغيير وضرورة الحصول على حقوقها وتوسيع مشاركتها في الجدل الثقافي والمعرفي وتخطي عقدة (الغيتو) والمجتمعات المنغلقة لدى بعضها إلى التزاوج والتفاعل المجتمعي بسلاسة، لأن الظاهرة الاتصالية الحديثة جعلت العالم شاشة كبيرة موزعة على المنازل وعبر الأطباق اللاقطة المتاحة للجميع من دون تمييز للجنس أو العرق أو الدخل. 

::/fulltext::

araa54_51-258
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1541::/cck::
::introtext::

احتلت الفضائيات بطيفهاً الأثيري العابر للقارات والخارج على المألوف أهمية خاصة في كسرها للحواجز الزمانية والمكانية ولمظاهر الرقابة الحكومية والحدود الجغرافية والسيادية بين الدول. وقد تصاعدت تلك الأهمية مع تصاعد مكانة تلك الوسائل في علاقتها بمؤسسات المجتمع المختلفة وتأثيراتها بتلك المؤسسات لما تثيره الفضائيات من تجاذبات وتناقضات وما تطرحه من موضوعات مهمة للجدل والنقاش. 

::/introtext::
::fulltext::

احتلت الفضائيات بطيفهاً الأثيري العابر للقارات والخارج على المألوف أهمية خاصة في كسرها للحواجز الزمانية والمكانية ولمظاهر الرقابة الحكومية والحدود الجغرافية والسيادية بين الدول. وقد تصاعدت تلك الأهمية مع تصاعد مكانة تلك الوسائل في علاقتها بمؤسسات المجتمع المختلفة وتأثيراتها بتلك المؤسسات لما تثيره الفضائيات من تجاذبات وتناقضات وما تطرحه من موضوعات مهمة للجدل والنقاش.

جاءتكل تلك التأثيرات بفضل عولمة وسائل الإعلام والاتصال التي أتاحت للفضائيات إيجاد حالة من التوازن بين النخب والقوى المسيطرة في المجتمع وبين الجماهير الواسعة المستقبلة والمستهدفة للرسائل الإعلامية، بيد أن هناك من يجادل أو يشكك في ذلك منطلقاً من كون التفاعلية التي تحققت لم تصل إلى مرحلة تغيير السياسات الإعلامية التي تراعي مصالح القوى والنخب المسيطرة في المجتمع، وأن التغيير لم يصل كلياً، إلا إلى القليل من المضامين والرسائل الإعلامية في مستوى المنوعات والترفيه والاهتمامات الإنسانية الأخرى بعيداً عن القائمتين السياسية والاقتصادية التي يجري الاقتراب منهاً بحذر شديد.

لقد دفعت العولمة الإعلامية والتطور التكنولوجي لوسائل الإعلام والاتصال وخاصة الفضائيات الحكومات والمؤسسات الخاصة ومن منطلق التفاعل مع المجتمع الدولي والانفتاح على الاقتصاد المعرفي الجديد من خلال أحد عناصره المتمثلة في الإعلام وصناعة المعلومات وإيجاد أفق جديد للتأثير في المجتمع المعاصر، إلى تأسيس وتوسيع المشاريع الإعلامية، وينعكس ذلك في كثرة الفضائيات الإعلامية وكثافة الطيف الفضائي الذي يحتله الإعلام العربي في مساحة الطيف الفضائي الدولي.

وكان لدول الخليج العربية السبق في استقطاب البث الفضائي بسبب الوفرة الاقتصادية التي أدت بالضرورة إلى تنامي الاقتصاد المحلي وقدرته على استيعاب المشاريع الاستثمارية، لا سيما مدينة دبي للإعلام في دولة الإمارات العربية المتحدة التي تمثل أنموذجاً للبيئة الإعلامية المتطورة وظاهرة اتصالية متقدمة بالقياس إلى سواها في العالم العربي ومنطقة الشرق الأوسط، بفضل الأهداف المؤسسية العامة والواضحة التي كانت وراء تأسيس مدينة دبي للإعلام وانطلاقها في مرحلتها الأولى في يناير عام 2001 بعد انطلاق مدينة دبي للإنترنت في أكتوبر عام 2000.

إن الأهداف العامة لتلك التجربة تتمحور في توفير بيئة قانونية مشجعة للشركات والمؤسسات التي أخذت من مدينة دبي للإعلام حاضنة لها للاستثمار في مجال الإعلام وصناعة المعلومات والمعرفة.

إن دخول تلك التجربة الحضارية عامها التاسع ومع التوسعات الأفقية للبنى المختلفة لها وتحت سلطة دبي القابضة لا بد للباحث من تفحص انعكاسات تلك التجربة على البيئة المحيطة وبالشكل الآتي:

1- المستوى السياسي:

وفرت مدينة دبي للإعلام بيئة إعلامية انعكست على المنطقة العربية في المجال السياسي من خلال:

أ- التعددية الإعلامية والمصادر المتنوعة للأخبار مقابل أفول سلطة الاتجاه الواحد ووجهة النظر الواحدة للإعلام الحكومي الرسمي.

ب- أوجدت تلك الفضائيات وبصورة غير معلنة وغير رسمية وغير مباشرة إعلاماً داعماً للإعلام الحكومي من خلال التمويل في كثير من النواحي أو شراء الأصوات المؤثرة لتكون تلك الفضائيات مجالاً لتمرير بعض المواقف ووجهات النظر، فضلاً عن استخدام الفضائيات لتحسين الصورة النمطية عن بعض الحكومات والسياسيين بعد إدراك الأنظمة والحكومات لأهمية التأثير الذي تحققة الفضائيات في مساحة الحرية المتاحة لها والتوازنات المفروضة عليها وحولها في البيئة التي تتواجد فيها، مما اضطرها إلى الإذعان لسلطة الأثر الذي تراه متحققاً يومياً في مجتمعاتها المحلية ولكونها غير قادرة على الإمساك بصحون الالتقاط عبر حدودها السيادية.

ج- تنامي ظاهرة (دبلوماسية الأقمار الصناعية) والتحاور السياسي بين الدول وفتح سبل جديدة للحوار مع الدول الغربية وصناع القرار في العالم، مثلاً الحوار الذي أجرته قناة (العربية)موخراً مع الرئيس الأمريكي الجديد باراك أوباما الذي اختارها أولاً من بين آلاف القنوات العالمية الراغبة في مقابلتة أولاً، والذي أوضح فيه رؤيته للقضايا العربية والإقليمية،أحدث تحاوراً فعالاً عبر الرسائل الموجهة من خلال تلك القناة التي تعمل من قلب المنطقة الخليجية الفاعلة نسبياً والتي تتمتع باستقلالية ما تفتقدها الكثير من مناطق البث الأخرى، حيث تعددت ردود الأفعال من إيران وحماس ولبنان والسعودية والعراق إلى بلدان المغرب العربي لتتسع الدائرة إلى المنظومة الإقليمية والإسلامية في ردود أفعال رسمية وشعبية على رسائل أوباما الذكية.

د- وجهت تلك الفضائيات الأنظار إلى الحكومات العربية وطرق إدارتها للمحكومين وأساليب الإصلاح التي باتت مضطرة لتجربتها وطرق تعاملها مع القضايا المختلفة في الشأن العربي والإقليمي والعالمي لا سيما القضية الفلسطينية وقضايا الإرهاب وحقوق الإنسان وحقوق الأقليات وغيرها.

هـ- أصبحت تلك الفضائيات نوافذ مفتوحة وشاشة عرض متعددة الوظائف ترى من خلالها الجماهير وتسمع وتقيّم ما يحصل حولها وفي العالم من قضايا وصراعات وأحداث سياسية عربية وإقليمية وعالمية، أي بمعنى آخر أصبحت تلك الفضائيات أدوات للتثقيف الجماهيري في الشأن السياسي وهي الأكثر فاعلية من الوسائل الاتصالية الأخرى،بل تعدى ذلك إلى ترسيخ مفهوم سقوط المدرسة أمام وسائل الإعلام في التعليم لمختلف الأعمار.

و- لكن عدم شفافية الفضائيات الإعلامية في الإفصاح عن مصادر تمويلها الكبيرة يجعل من تلك الوسائل منقوصة الحرية الإعلامية وضبابية الهوية، فبقدر الحرفية والمهنية المتميزة لقناتين خليجيتين بارزتين هما (الجزيرة) و(العربية) فقد أوردت مجلة (فوربس) مآخذها على تلك القنوات في تناولها المتحفظ والمقنن للأخبار التي ترد من دول الممولين مع تبنيها لوجهة نظر واحدة عن ذلك.

الظاهرة الاتصالية الحديثة جعلت العالم شاشة كبيرة موزعة على المنازل

2_ المستوى الاقتصادي:

* الفضائيات التي تبث من دول الخليج بالإضافة إلى وظيفتها الحضارية فإنها تحدث أثراً فعالاً في الشأن الاقتصادي بما يمكن إجماله بالنقاط التالية:

أ_ تعزيز الدور الاقتصادي الخاص من خلال النظرة إلى الفضائيات كونها مشاريع ربحية للمستثمرين وأصحاب رؤوس الأموال للاستثمار في هذه الصناعة في مجال الإنتاج والتسويق والإعلان والدعم. حتى اضطرت قناة مميزة كـ (العربية) إلى تغيير وتوسيع مضامين بثها إلى مساحات واسعة للاقتصاد على حساب هويتها كمحطة إخبارية لتفاعلها مع ظاهرة اقتصاد السوق وللربحية التي تتحقق من خلال البرامج المستمرة الموازية والمنافسة للأخبار غير الاقتصادية برامج وأخبار على حد سواء، بل إنها تتجاوز الـ (بريك نيوز) الأخبار العاجلة أحياناً لارتباطها بخدمة المعلن، وقد حذت حذوها الكثير من الفضائيات الأخرى بتوسيع ظاهرة البث التجاري الربحي.

ب- تشغيل الخدمة البنكية والمصرفية للمؤسسات الإعلامية العاملة في الدول الخليجية، فضلاً عن اقتصاديات السوق في عمليات البيع والشراء للتقنيات الإعلامية ومستلزمات إنتاج العمل الإعلامي، ناهيك عن تملك واستئجار الأبنية والمساكن والسيارات وغير ذلك.

ج- تجعل من الدول المضيفة لها مكاناً لانطلاق وتوسيع نشاط المؤسسات الإعلامية والانفتاح على أسواق مهمة مثل مناطق شرق آسيا لأغراض الترويج والاستثمار في تلك الصناعة، فالكثير من الإعلانات التجارية للترويج للسيارات والمنتجات الإلكترونية الآسيوية من كوريا واليابان خير دليل على ذلك.

د- جذب مؤسسات الإعلام المتطورة من أمريكا وأستراليا وأوروبا وآسيا لإيجادتنافسية في مجال البيع والشراء للأفكار والبرامج والصناعات الإعلامية المختلفة وتحقيق قانون العرض والطلب في أوسع أبوابه.

هـ- التثقيف في الشأن الاقتصادي بتقديم ونشر وإثارة الموضوعات والقضايا التي تناقش الاقتصاد واتجاهات السوق والبورصة وغيرها من الموضوعات التي تؤدي بالضرورة إلى تحفيز المسؤولين على ضرورة الشفافية والتنمية الاقتصادية في بلدانهم، حيث تقدم الفضائيات وبشكل محدث أفكار الخبراء والمتخصصين لوضع الحلول وتجاوز الأزمات، كما تسهم بثقافة جماهيرية بضرورات اقتصاد السوق.

كان لدول الخليج العربية السبق في استقطاب البث الفضائي بسبب الوفرة الاقتصادية

3- المستوى الاجتماعي:

 تتميزالدول الخليجية وبسبب الوفرة المالية بأنها من أسرع دول المنطقة نمواً في مجالات الخدمات التعليمية والصحية والترفيهية ومستوى السكن ومتطلبات المعيشة الحضارية وفق المقاييس العالمية، ففي مدينة دبي للإعلام مثلاً حيث يعمل أكثر من تسعة عشر ألفاً من الإعلاميين والخبراء والمتخصصين ومن مختلف الجنسيات انعكس هذا التواجد في:

أ_ الجو الظاهر للمدينة يعكس حالة من التنوع الحضاري والثقافي وهي حالة إيجابية وفرصة للكثيرين في التعرف إلى العادات والتقاليد وأسلوب الحياة للآخر وهي طريقة أيضاً للحوار الثقافي المباشر مع الآخر.

ب_ أصبح الجمهور والمتلقون أكثر تأثيراً في قناعات المصدر الإعلامي أو المؤسسة الإعلامية وعنصر إيجابي في العملية الإعلامية من خلال تفاعل الجمهور الخليجي مع المصادر الإعلامية كمتلقين للرسائل الإعلامية ومستهلكين محتملين للرسائل الإعلانية.

ج_ تراجع اللغة العربية في التداول المجتمعي لصالح اللغة الإنكليزية التي تستخدم في التداول الكلامي وفي تحرير النصوص الإدارية للمؤسسات الإعلامية العاملة في دول الخليج، فضلاً عن استخدام اللهجة المحلية لبعض البلدان العربية في الفضائيات غير المحلية.

د_ استطاعت الفضائيات أن توجه أنظار الناس إلى المجتمعات الأخرى في درجات تطورها الاجتماعي وحقوق الإنسان وحق العيش ومجتمعات أخرى لا تزال تعاني من الظلم والاضطهاد والعوز.

هـ- تقصير المسافات وتجسيرها بين بلدان المنطقة عبر ظاهرة الفضائيات مما ولّد حالة من الإحساس العام بالمشكلات العربية وبمشاركة الإقليم الواحد والتفاعل الآني لما يحدث في المجتمعات اللصيقة مع الجسد العربي وحوضه المحيط به، كما عمّق لديها مشاعرالنزوع إلى التغيير وضرورة الحصول على حقوقها وتوسيع مشاركتها في الجدل الثقافي والمعرفي وتخطي عقدة (الغيتو) والمجتمعات المنغلقة لدى بعضها إلى التزاوج والتفاعل المجتمعي بسلاسة، لأن الظاهرة الاتصالية الحديثة جعلت العالم شاشة كبيرة موزعة على المنازل وعبر الأطباق اللاقطة المتاحة للجميع من دون تمييز للجنس أو العرق أو الدخل. 

::/fulltext::
::cck::1541::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *