مراكز البحوث والدراسات العلمية في وادي الرافدين

::cck::1580::/cck::
::introtext::

شهد عقد السبعينات من القرن الماضي، حين تضاعفت أسعار النفط، ازدهاراً في الحياة العراقية عامة وفي مراكز الدراسات والبحوث العلمية خاصة، عند إعلان الخطة التنموية الانفجارية، لدرجة أن يصار إلى إنشاء مجلس أعلى خاص بالبحوث والدراسات العلمية، يكون مسؤولاً عن برمجة البحوث العلمية وتوجيهها والتخطيط لها وفق استراتيجية واضحة تصب تطبيقاتها في خدمة المجتمع والمساهمة في تطويره ونمائه بشكل مباشر وغير مباشر، لرفع مستوى الحياة الصحية والاقتصادية والزراعية والاجتماعية ، حتى جاء عقدي الثمانينات والتسعينات حين زج العراق في حروب إقليمية مع جيرانه الشرقيين والجنوبيين، تبعها حصار دولي قاسٍ، دامت لعشرين عاماً، توّجها الاحتلال البغيض بداية القرن الحالي. 

::/introtext::
::fulltext::

شهد عقد السبعينات من القرن الماضي، حين تضاعفت أسعار النفط، ازدهاراً في الحياة العراقية عامة وفي مراكز الدراسات والبحوث العلمية خاصة، عند إعلان الخطة التنموية الانفجارية، لدرجة أن يصار إلى إنشاء مجلس أعلى خاص بالبحوث والدراسات العلمية، يكون مسؤولاً عن برمجة البحوث العلمية وتوجيهها والتخطيط لها وفق استراتيجية واضحة تصب تطبيقاتها في خدمة المجتمع والمساهمة في تطويره ونمائه بشكل مباشر وغير مباشر، لرفع مستوى الحياة الصحية والاقتصادية والزراعية والاجتماعية ، حتى جاء عقدي الثمانينات والتسعينات حين زج العراق في حروب إقليمية مع جيرانه الشرقيين والجنوبيين، تبعها حصار دولي قاسٍ، دامت لعشرين عاماً، توّجها الاحتلال البغيض بداية القرن الحالي.

ساهم بعض السياسيين عن جهل في تخريب الصرح العلمي العراقي ومراكز أبحاثه ومجالسه البحثية العلمية

حيث القت تلك الظروف بظلالها على الأوضاع العراقية وتداعت على أثرها كل الصروح العلمية والبحثية والمؤسسات العلمية والبحثية والمؤسسات التعليمية التي تخدم المجتمع، وظهرت سياقات ابتدعها الاحتلال ليست بالمعنى العسكري والصاروخي وحسب، بل احتلال الأرض وإذلال نفسية المثقف والعالم العراقي وتصفيتهما وقتال القاعدة والمتطرفين عامة والبحث عن أسلحة الدمار الشامل، النووية والبيولوجية، بل تعدت ذلك، إلى أجندته الخاصة في تدمير المجتمع العراقي الأصيل بشكل مدروس حين بدأ بقتل العقل العراقي وتدمير نسيجه الاجتماعي وذاكرته التاريخية واحتلال عقله والتخطيط بسرعة لتفكيك نظامه الإداري والاجتماعي وخلق حالة من (الفوضى الخلاقة)، التي ابتدعها ونفذها منذ اليوم الأول لدخوله البلاد من خلال إشاعة روح الانفلات الأمني وتشجيع النهب والسلب والسرقة لممتلكات الدولة في الدوائر والوزارات والبنوك، وإعلان حالة عبثية للحرية والديمقراطية المزعومة التي جاء بها كشعار من خلال فتح قنوات تلفزيونية فضائية وصحف وإذاعات من دون إذن رسمي، فعمت البلاد فوضى القتل والنهب والأحقاد والعداوات ووظفها بشكل مبرمج لتأجيج حالة الاصطفاف الطائفي وعمقها في مجتمع مكبوت لربع قرن تحت نظام شمولي قاسٍ فتقبّلت بعض شرائح المجتمع من البسطاء وغير الواعين تلك الأفكار، ومن المؤسف أضحى يمارسها حتى السياسيون بشكل علني غير مسؤول إطلاقاً.

 ازدهار البحث العلمي:

يعد العراق واحداً من أغنى دول العالم وأكثرها نماء لتواجد عناصر الثراء فيه من احتياطيات نفطية وغازية تفوق مائة مليار برميل من النفط وترليونات من الغاز الطبيعي وثروات معدنية من الكبريت والفوسفات تعتبر المكون الأساسي للمخصبات الزراعية، فضلاً عن أرض خصبة معطاء ومصادر مياه سطحية وجوفية وفيرة، كما يعد شعباً واحداً من الشعوب ذات الحضارات التي يعود تاريخها لعمق الزمن، فهو أول من خط حروف الكتابة وأول من اخترع العجلة المدولبة وأول من وضع القوانين والتشريعات ومن اخترع الصفر في الرياضيات و.. إلخ.

فلا غرابة أن يشهد تطورات إيجابية بمراحل مدروسة مخطط لها بوعي عال، توجتها سنوات السبعينات التي شهدت ارتفاع أسعار البترول أدى إلى مضاعفة دخول الدول النفطية لأرقام قياسية تجاوزت ستة أضعاف دخولها السابقة.

 استثمر العراق بعض هذه الأموال في نهضة علمية صناعية وزراعية وصحية وثقافية واجتماعية تنموية واسعة، كان أهمها إرسال آلاف البعثات العلمية والتقنية والفنية من خريجي الجامعات العراقية للدراسة في دول أوروبا الغربية والشرقية وعادوا بعد عدة سنوات حاملين معهم شهادات عليا ذات التخصصات الدقيقة والرفيعة المستوى، مما اعتبر هؤلاء الأساتذة اللبنة الأولى لبناء وتأسيس جامعات جديدة ومراكز دراسات  جديدة  تقوم ضمن مهامها بالبحوث والدراسات العلمية والإنسانية، فضلاً عن تأسيس أكثر من ستين مركزاً علمياً وفنياً متخصصاً خارج الجامعات، في كل ميادين العلوم والأدب والتاريخ، كذلك جرى تأسيس مجلس أعلى للبحوث العلمية ترأسه شخصية بدرجة وزير، وهذا المجلس يضم ضمن هيكله عشرات المراكز البحثية عالية الكفاءة في فروع الطب والصيدلة والبايولوجي والزراعة وشؤون المياه السطحية والجوفية والبيئة والنخيل وعلم الفيزياء والفضاء والكيمياء العضوية واللاعضوية ومواد البناء الأولية والنفط والغاز والتعدين والخامات المعدنية والصناعة وعلوم الأرض والصور الفضائية، كذلك مراكز بحثية فنية وسياسية وأدبية في الباراسيكولوجي والنفسية والتاريخ والجغرافيا واللغة  والمكتبات والتوثيق وغيرها، ورفدها بكادر متميز من الباحثين العلميين والمختبرات التخصصية الحديثة، كذلك مكتبات تحوي أمهات الكتب العلمية والاشتراك في معظم الدوريات والمجلات العلمية العالمية المتخصصة.

من جهة أخرى جرى إنشاء صرح علمي عالي الكفاءة هي منظمة الطاقة الذرية العراقية، والتي تضم مفاعلين ذريين الأول بطاقة خمسة ميجاواط والآخر بطاقة أربعين ميجاواط، ضمن تشكيلاتها عشرات المراكز البحثية والتقنية التخصصية لاستخدام النظائر المشعة وإنتاجها وتطبيقاتها السلمية المختلفة، يضاف إلى ذلك جرى تأسيس مراكز دراسات وبحوث في شؤون البحار والبيئة البحرية ومراكز أخرى تعود إلى وزارات النفط والزراعة والصحة والتخطيط  والتربية ومصادر الثروة المائية وغيرها العديد.

استقطبت هذه الأعداد من المراكز البحثية كل خريجي الكليات من الأوائل والمتميزين. ومما يميز تلك الفترة أيضاً صدور أكثر من سبعين مجلة علمية وأدبية تخصصية متنوعة تنشر البحوث العلمية والدراسات القيمة ومجلات تقنية وتاريخية وأدبية، فضلاً عن مجلة تصدر عن كل كلية في تلك الجامعات العديدة، حيث صدرت آلاف البحوث والدراسات القيمة والأصيلة نشرت في هذه المجلات ومثيلاتها العالمية، كذلك عقدت مئات المؤتمرات العلمية المتخصصة في تلك الفترة.

ابتعث العراق في تلك الفترة أكثر من ثلاثة آلاف خريج كلية للدراسة العليا في أوروبا الغربية والشرقية وأمريكا ضمن بعثات أعلنتها وزارة التعليم العالي ووزارة النفط والصناعة والتربية والدفاع وغيرها، فضلاً عن الزمالات الدراسية ضمن الاتفاقيات الثقافية الثنائية المبرمة مع الدول المتقدمة، وبالتالي عاش البحث العلمي عصره الذهبي وسما نجمه عالياً وفي خلال عدة سنوات بدأت البحوث تؤتي ثمارها التطبيقية والصناعية والزراعية والصحية وتنمية المجتمع وتطوير مستلزماته الحياتية، ولأول مرة ارتبط البحث العلمي بخدمة المجتمع وخطط الدول المستقبلية وأضحى للبحث العلمي استراتيجية معلومة وهيكليه التنظيمي المتكامل في ظل ظروف ومناخات طيبة تولي الدولة الباحثين العلميين الأهمية والحياة الهانئة وحقهم وتدعمهم مادياً ومعنوياً من سكن لائق ورواتب مجزية. حتى جاء عقدي الثمانينات والتسعينات وزج العراق في أتون حروب ضروس سبت العباد وضيعت المال وتداعى كل جميل في هذا، ثم توجها الاحتلال القادم من أمريكا.

 تداعيات البحث العلمي:

دخل العراق في الثمانينات حرباً شرسة ضروس مع إيران دمرت الأخضر واليابس دفنت تحت التراب خيرة أعمار جيل مستقبل العراق من الفئة العمرية (18 – 40 سنة) كمجندين في جبهات القتال، التي تجاوز طولها ألف كيلومتر، فضلاً عن فئات عمرية أخرى أجبروا على القتال بالانضمام إلى تنظيمات الجيش الشعبي، وبالتالي توقفت الحياة المدنية (لولا أربعة ملايين مواطن مصري استقدموا للعراق) فصدحت البنادق والمدافع وداست الدبابات والمدرعات كل جميل، وقصفت الطائرات الجسور والمباني والمنشآت الحيوية في هذا البلد الناهض، والتهمت الحرب أرواح نصف مليون عراقي وعطلت عن العمل بعوق وعاهات مستديمة وسايكوباث لأكثر من مليون عراقي آخر، وسجلت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية خلال ثماني سنوات الحرب ما يزيد على ثلاثمائة ألف أرملة وأكثر من نصف مليون طفل يتيم.

وقبل أن تضمد جراح الثكالى والمساكين من الحرب الأولى ولدت حرب ثانية سنة 1991 اشد قساوة وضراوة وأكثر تأثيراً وتدميراً من الأولى، قامت بلا مبرر قانوني أو أخلاقي حصدت هي الأخرى لشراستها ما تبقى من أرواح الشباب وهمشت الوطن وأنقاض مبانيه وجسوره وجامعاته ومراكز بحوثه وقضت على ميزانيته المتداعية فتهاوى كل شيء.

تبعها حصار دولي جائر لم ير العالم مثيلاً له، دام أكثر من عشر سنوات، نخر كل جوانب الحياة العراقية وفكك نسيج المجتمع البائس وحوله إلى بلد كارثي أكثر بؤساً وأعمق جراحاً من ذي قبل. ساهم بعض السياسيين عن جهل في تخريب هذا الصرح العلمي من مراكز البحوث والدراسات ومجالس البحث العلمي، فقد تسلم شاب من عديمي الخبرة مسؤولية الإشراف على ثلاث وزارات هي النفط والصناعة والتعليم العالي والبحث العلمي، حيث قام بإلغاء مجالس البحث العلمي ومراكز البحوث المتخصصة وشرد علماءها ثم اختار بعضهم لتشكيلات دوائر التصنيع العسكري واستبدل عقولهم المدنية العلمية وحولها إلى عسكرية حربية باتجاه القتل وتدمير الجنس البشري بعد أن غير أوجه وأهداف الصناعات المدنية كالآلات الزراعية والسيارات إلى مصانع للمجهود الحربي وتصنيع المدافع وماسورات البنادق والأعتدة. فانهار البحث العلمي الأصيل وتغيرت أخلاقياته إلى بحث حربي تدميري موجه. ونظراً لقصف مصانع الورق وتوقف الاستيراد فقد توقف إصدار كل المجلات البحثية والمجامع العلمية والجامعات ثم منع سفر العراقيين للخارج إلا النخبة المختارة أو الهروب عبر الجبال، ثم توقفت البعثات والزمالات الدراسية فلا ميزانية ولا نفط مصدر ولا معادن تستخرج وساءت الحياة المدنية وانهار نسيج المجتمع وكبِّل العراق بديون لا طائل له بها فاقت مائتي مليار دولار وهي بمنطق الاقتصاد ديون غير قابلة للسداد ذلك لأن أرباحها السنوية تفوق ميزانية العراق وبالتالي تهاوى البلد الجميل وانطفأ نوره وأصبح هيكلاً خاوياً.

 الاحتلال الأمريكي:

 في خضم هذه الأجواء والجراح (عام 2003) جاء الاحتلال الأمريكي فقضى على ما تبقى من ثمالة الخير وبقايا البلاد فأحاله إلى رماد ضمن أجندة علمية مدروسة، تبغي في مقدمة أولوياتها القضاء على العقل العلمي العراقي والمثقف الوطني وتدمير ذاكرته وماضيه وحبه لبلاده ليجعله مهزوماً في داخله وغير واثق من علومه وإنجازاته، فأفتى بالفوضى الخلاقة من خلال تشجيع سرقة المتاحف والوزارات والبنوك وفك نظام الدولة الإداري والعسكري والأمني والاجتماعي، فأشاع وهم الديمقراطية وأحال المثقفين والعلماء من أصحاب الشهادات إما قتلى في جامعاتهم وعياداتهم أو مشردين لاجئين في جهات الأرض الأربعة،وساهمت أجندات بعض الدول الشقيقة في تعميق جراح العلماء والأساتذة ومنعت دخولهم لأراضيها بدل احتضانهم والاستفادة من خبراتهم، مما أجبر آلافاً منهم للهجرة واللجوء إلى دول أوروبية معروفة يستدرجون إليها ضمن خطة معلومة، فتداعت الحياة، ولا تزال كذلك، بكل جوانبها العلمية والاقتصادية والتربوية والتعليمية والزراعية والاجتماعية والصحية والنفسية والدينية كإفرازات لتلك الظروف المعقدة التي دامت أكثر من ربع قرن، وهكذا نجح الأجنبي وأعوانه من الجهلة في كل هذه التداعيات وأصبح الطريق صعباً لإعادة ولملمة وإصلاح ذلك.

 

::/fulltext::

165-e2f
Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1580::/cck::
::introtext::

شهد عقد السبعينات من القرن الماضي، حين تضاعفت أسعار النفط، ازدهاراً في الحياة العراقية عامة وفي مراكز الدراسات والبحوث العلمية خاصة، عند إعلان الخطة التنموية الانفجارية، لدرجة أن يصار إلى إنشاء مجلس أعلى خاص بالبحوث والدراسات العلمية، يكون مسؤولاً عن برمجة البحوث العلمية وتوجيهها والتخطيط لها وفق استراتيجية واضحة تصب تطبيقاتها في خدمة المجتمع والمساهمة في تطويره ونمائه بشكل مباشر وغير مباشر، لرفع مستوى الحياة الصحية والاقتصادية والزراعية والاجتماعية ، حتى جاء عقدي الثمانينات والتسعينات حين زج العراق في حروب إقليمية مع جيرانه الشرقيين والجنوبيين، تبعها حصار دولي قاسٍ، دامت لعشرين عاماً، توّجها الاحتلال البغيض بداية القرن الحالي. 

::/introtext::
::fulltext::

شهد عقد السبعينات من القرن الماضي، حين تضاعفت أسعار النفط، ازدهاراً في الحياة العراقية عامة وفي مراكز الدراسات والبحوث العلمية خاصة، عند إعلان الخطة التنموية الانفجارية، لدرجة أن يصار إلى إنشاء مجلس أعلى خاص بالبحوث والدراسات العلمية، يكون مسؤولاً عن برمجة البحوث العلمية وتوجيهها والتخطيط لها وفق استراتيجية واضحة تصب تطبيقاتها في خدمة المجتمع والمساهمة في تطويره ونمائه بشكل مباشر وغير مباشر، لرفع مستوى الحياة الصحية والاقتصادية والزراعية والاجتماعية ، حتى جاء عقدي الثمانينات والتسعينات حين زج العراق في حروب إقليمية مع جيرانه الشرقيين والجنوبيين، تبعها حصار دولي قاسٍ، دامت لعشرين عاماً، توّجها الاحتلال البغيض بداية القرن الحالي.

ساهم بعض السياسيين عن جهل في تخريب الصرح العلمي العراقي ومراكز أبحاثه ومجالسه البحثية العلمية

حيث القت تلك الظروف بظلالها على الأوضاع العراقية وتداعت على أثرها كل الصروح العلمية والبحثية والمؤسسات العلمية والبحثية والمؤسسات التعليمية التي تخدم المجتمع، وظهرت سياقات ابتدعها الاحتلال ليست بالمعنى العسكري والصاروخي وحسب، بل احتلال الأرض وإذلال نفسية المثقف والعالم العراقي وتصفيتهما وقتال القاعدة والمتطرفين عامة والبحث عن أسلحة الدمار الشامل، النووية والبيولوجية، بل تعدت ذلك، إلى أجندته الخاصة في تدمير المجتمع العراقي الأصيل بشكل مدروس حين بدأ بقتل العقل العراقي وتدمير نسيجه الاجتماعي وذاكرته التاريخية واحتلال عقله والتخطيط بسرعة لتفكيك نظامه الإداري والاجتماعي وخلق حالة من (الفوضى الخلاقة)، التي ابتدعها ونفذها منذ اليوم الأول لدخوله البلاد من خلال إشاعة روح الانفلات الأمني وتشجيع النهب والسلب والسرقة لممتلكات الدولة في الدوائر والوزارات والبنوك، وإعلان حالة عبثية للحرية والديمقراطية المزعومة التي جاء بها كشعار من خلال فتح قنوات تلفزيونية فضائية وصحف وإذاعات من دون إذن رسمي، فعمت البلاد فوضى القتل والنهب والأحقاد والعداوات ووظفها بشكل مبرمج لتأجيج حالة الاصطفاف الطائفي وعمقها في مجتمع مكبوت لربع قرن تحت نظام شمولي قاسٍ فتقبّلت بعض شرائح المجتمع من البسطاء وغير الواعين تلك الأفكار، ومن المؤسف أضحى يمارسها حتى السياسيون بشكل علني غير مسؤول إطلاقاً.

 ازدهار البحث العلمي:

يعد العراق واحداً من أغنى دول العالم وأكثرها نماء لتواجد عناصر الثراء فيه من احتياطيات نفطية وغازية تفوق مائة مليار برميل من النفط وترليونات من الغاز الطبيعي وثروات معدنية من الكبريت والفوسفات تعتبر المكون الأساسي للمخصبات الزراعية، فضلاً عن أرض خصبة معطاء ومصادر مياه سطحية وجوفية وفيرة، كما يعد شعباً واحداً من الشعوب ذات الحضارات التي يعود تاريخها لعمق الزمن، فهو أول من خط حروف الكتابة وأول من اخترع العجلة المدولبة وأول من وضع القوانين والتشريعات ومن اخترع الصفر في الرياضيات و.. إلخ.

فلا غرابة أن يشهد تطورات إيجابية بمراحل مدروسة مخطط لها بوعي عال، توجتها سنوات السبعينات التي شهدت ارتفاع أسعار البترول أدى إلى مضاعفة دخول الدول النفطية لأرقام قياسية تجاوزت ستة أضعاف دخولها السابقة.

 استثمر العراق بعض هذه الأموال في نهضة علمية صناعية وزراعية وصحية وثقافية واجتماعية تنموية واسعة، كان أهمها إرسال آلاف البعثات العلمية والتقنية والفنية من خريجي الجامعات العراقية للدراسة في دول أوروبا الغربية والشرقية وعادوا بعد عدة سنوات حاملين معهم شهادات عليا ذات التخصصات الدقيقة والرفيعة المستوى، مما اعتبر هؤلاء الأساتذة اللبنة الأولى لبناء وتأسيس جامعات جديدة ومراكز دراسات  جديدة  تقوم ضمن مهامها بالبحوث والدراسات العلمية والإنسانية، فضلاً عن تأسيس أكثر من ستين مركزاً علمياً وفنياً متخصصاً خارج الجامعات، في كل ميادين العلوم والأدب والتاريخ، كذلك جرى تأسيس مجلس أعلى للبحوث العلمية ترأسه شخصية بدرجة وزير، وهذا المجلس يضم ضمن هيكله عشرات المراكز البحثية عالية الكفاءة في فروع الطب والصيدلة والبايولوجي والزراعة وشؤون المياه السطحية والجوفية والبيئة والنخيل وعلم الفيزياء والفضاء والكيمياء العضوية واللاعضوية ومواد البناء الأولية والنفط والغاز والتعدين والخامات المعدنية والصناعة وعلوم الأرض والصور الفضائية، كذلك مراكز بحثية فنية وسياسية وأدبية في الباراسيكولوجي والنفسية والتاريخ والجغرافيا واللغة  والمكتبات والتوثيق وغيرها، ورفدها بكادر متميز من الباحثين العلميين والمختبرات التخصصية الحديثة، كذلك مكتبات تحوي أمهات الكتب العلمية والاشتراك في معظم الدوريات والمجلات العلمية العالمية المتخصصة.

من جهة أخرى جرى إنشاء صرح علمي عالي الكفاءة هي منظمة الطاقة الذرية العراقية، والتي تضم مفاعلين ذريين الأول بطاقة خمسة ميجاواط والآخر بطاقة أربعين ميجاواط، ضمن تشكيلاتها عشرات المراكز البحثية والتقنية التخصصية لاستخدام النظائر المشعة وإنتاجها وتطبيقاتها السلمية المختلفة، يضاف إلى ذلك جرى تأسيس مراكز دراسات وبحوث في شؤون البحار والبيئة البحرية ومراكز أخرى تعود إلى وزارات النفط والزراعة والصحة والتخطيط  والتربية ومصادر الثروة المائية وغيرها العديد.

استقطبت هذه الأعداد من المراكز البحثية كل خريجي الكليات من الأوائل والمتميزين. ومما يميز تلك الفترة أيضاً صدور أكثر من سبعين مجلة علمية وأدبية تخصصية متنوعة تنشر البحوث العلمية والدراسات القيمة ومجلات تقنية وتاريخية وأدبية، فضلاً عن مجلة تصدر عن كل كلية في تلك الجامعات العديدة، حيث صدرت آلاف البحوث والدراسات القيمة والأصيلة نشرت في هذه المجلات ومثيلاتها العالمية، كذلك عقدت مئات المؤتمرات العلمية المتخصصة في تلك الفترة.

ابتعث العراق في تلك الفترة أكثر من ثلاثة آلاف خريج كلية للدراسة العليا في أوروبا الغربية والشرقية وأمريكا ضمن بعثات أعلنتها وزارة التعليم العالي ووزارة النفط والصناعة والتربية والدفاع وغيرها، فضلاً عن الزمالات الدراسية ضمن الاتفاقيات الثقافية الثنائية المبرمة مع الدول المتقدمة، وبالتالي عاش البحث العلمي عصره الذهبي وسما نجمه عالياً وفي خلال عدة سنوات بدأت البحوث تؤتي ثمارها التطبيقية والصناعية والزراعية والصحية وتنمية المجتمع وتطوير مستلزماته الحياتية، ولأول مرة ارتبط البحث العلمي بخدمة المجتمع وخطط الدول المستقبلية وأضحى للبحث العلمي استراتيجية معلومة وهيكليه التنظيمي المتكامل في ظل ظروف ومناخات طيبة تولي الدولة الباحثين العلميين الأهمية والحياة الهانئة وحقهم وتدعمهم مادياً ومعنوياً من سكن لائق ورواتب مجزية. حتى جاء عقدي الثمانينات والتسعينات وزج العراق في أتون حروب ضروس سبت العباد وضيعت المال وتداعى كل جميل في هذا، ثم توجها الاحتلال القادم من أمريكا.

 تداعيات البحث العلمي:

دخل العراق في الثمانينات حرباً شرسة ضروس مع إيران دمرت الأخضر واليابس دفنت تحت التراب خيرة أعمار جيل مستقبل العراق من الفئة العمرية (18 – 40 سنة) كمجندين في جبهات القتال، التي تجاوز طولها ألف كيلومتر، فضلاً عن فئات عمرية أخرى أجبروا على القتال بالانضمام إلى تنظيمات الجيش الشعبي، وبالتالي توقفت الحياة المدنية (لولا أربعة ملايين مواطن مصري استقدموا للعراق) فصدحت البنادق والمدافع وداست الدبابات والمدرعات كل جميل، وقصفت الطائرات الجسور والمباني والمنشآت الحيوية في هذا البلد الناهض، والتهمت الحرب أرواح نصف مليون عراقي وعطلت عن العمل بعوق وعاهات مستديمة وسايكوباث لأكثر من مليون عراقي آخر، وسجلت وزارة العمل والشؤون الاجتماعية خلال ثماني سنوات الحرب ما يزيد على ثلاثمائة ألف أرملة وأكثر من نصف مليون طفل يتيم.

وقبل أن تضمد جراح الثكالى والمساكين من الحرب الأولى ولدت حرب ثانية سنة 1991 اشد قساوة وضراوة وأكثر تأثيراً وتدميراً من الأولى، قامت بلا مبرر قانوني أو أخلاقي حصدت هي الأخرى لشراستها ما تبقى من أرواح الشباب وهمشت الوطن وأنقاض مبانيه وجسوره وجامعاته ومراكز بحوثه وقضت على ميزانيته المتداعية فتهاوى كل شيء.

تبعها حصار دولي جائر لم ير العالم مثيلاً له، دام أكثر من عشر سنوات، نخر كل جوانب الحياة العراقية وفكك نسيج المجتمع البائس وحوله إلى بلد كارثي أكثر بؤساً وأعمق جراحاً من ذي قبل. ساهم بعض السياسيين عن جهل في تخريب هذا الصرح العلمي من مراكز البحوث والدراسات ومجالس البحث العلمي، فقد تسلم شاب من عديمي الخبرة مسؤولية الإشراف على ثلاث وزارات هي النفط والصناعة والتعليم العالي والبحث العلمي، حيث قام بإلغاء مجالس البحث العلمي ومراكز البحوث المتخصصة وشرد علماءها ثم اختار بعضهم لتشكيلات دوائر التصنيع العسكري واستبدل عقولهم المدنية العلمية وحولها إلى عسكرية حربية باتجاه القتل وتدمير الجنس البشري بعد أن غير أوجه وأهداف الصناعات المدنية كالآلات الزراعية والسيارات إلى مصانع للمجهود الحربي وتصنيع المدافع وماسورات البنادق والأعتدة. فانهار البحث العلمي الأصيل وتغيرت أخلاقياته إلى بحث حربي تدميري موجه. ونظراً لقصف مصانع الورق وتوقف الاستيراد فقد توقف إصدار كل المجلات البحثية والمجامع العلمية والجامعات ثم منع سفر العراقيين للخارج إلا النخبة المختارة أو الهروب عبر الجبال، ثم توقفت البعثات والزمالات الدراسية فلا ميزانية ولا نفط مصدر ولا معادن تستخرج وساءت الحياة المدنية وانهار نسيج المجتمع وكبِّل العراق بديون لا طائل له بها فاقت مائتي مليار دولار وهي بمنطق الاقتصاد ديون غير قابلة للسداد ذلك لأن أرباحها السنوية تفوق ميزانية العراق وبالتالي تهاوى البلد الجميل وانطفأ نوره وأصبح هيكلاً خاوياً.

 الاحتلال الأمريكي:

 في خضم هذه الأجواء والجراح (عام 2003) جاء الاحتلال الأمريكي فقضى على ما تبقى من ثمالة الخير وبقايا البلاد فأحاله إلى رماد ضمن أجندة علمية مدروسة، تبغي في مقدمة أولوياتها القضاء على العقل العلمي العراقي والمثقف الوطني وتدمير ذاكرته وماضيه وحبه لبلاده ليجعله مهزوماً في داخله وغير واثق من علومه وإنجازاته، فأفتى بالفوضى الخلاقة من خلال تشجيع سرقة المتاحف والوزارات والبنوك وفك نظام الدولة الإداري والعسكري والأمني والاجتماعي، فأشاع وهم الديمقراطية وأحال المثقفين والعلماء من أصحاب الشهادات إما قتلى في جامعاتهم وعياداتهم أو مشردين لاجئين في جهات الأرض الأربعة،وساهمت أجندات بعض الدول الشقيقة في تعميق جراح العلماء والأساتذة ومنعت دخولهم لأراضيها بدل احتضانهم والاستفادة من خبراتهم، مما أجبر آلافاً منهم للهجرة واللجوء إلى دول أوروبية معروفة يستدرجون إليها ضمن خطة معلومة، فتداعت الحياة، ولا تزال كذلك، بكل جوانبها العلمية والاقتصادية والتربوية والتعليمية والزراعية والاجتماعية والصحية والنفسية والدينية كإفرازات لتلك الظروف المعقدة التي دامت أكثر من ربع قرن، وهكذا نجح الأجنبي وأعوانه من الجهلة في كل هذه التداعيات وأصبح الطريق صعباً لإعادة ولملمة وإصلاح ذلك.

 

::/fulltext::
::cck::1580::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *