إشكالية البحث العلمي في منطقة الخليج العربي من سلطة التوظيف الأيديولوجي إلى نخبويَّة تداول المعرفة
::cck::1579::/cck::
::introtext::
ينصرف النظر إلى البحث العلمي في منطقة الخليج العربي من زاوية كونه إشكالية Problematic وليس مشكلة Problem؛ فالمشكلة يمكن أن نتصدّى لها بالحلول الآنية لتنتهي، أما الإشكالية فإنها تبقى، ومهما قُدمت لها الحلول، بحاجة إلى مزيد منها لأنها جزء بنيوي من وجود المجتمعات البشرية التي تلازمه حيثما يكون، خصوصاً في مجتمعات العالم الثالث رغم أن بعض الباحثين ما عاد يحفل بمصطلح (العالم الثالث) كونه صار عتيقاً وبالياً، إلا أننا نعتقد أن فاعليته ما زالت قائمة في بطانة الوعي العربي الذي يمثل جزءاً من الوعي في العالم الثالث.
::/introtext::
::fulltext::
ينصرف النظر إلى البحث العلمي في منطقة الخليج العربي من زاوية كونه إشكالية Problematic وليس مشكلة Problem؛ فالمشكلة يمكن أن نتصدّى لها بالحلول الآنية لتنتهي، أما الإشكالية فإنها تبقى، ومهما قُدمت لها الحلول، بحاجة إلى مزيد منها لأنها جزء بنيوي من وجود المجتمعات البشرية التي تلازمه حيثما يكون، خصوصاً في مجتمعات العالم الثالث رغم أن بعض الباحثين ما عاد يحفل بمصطلح (العالم الثالث) كونه صار عتيقاً وبالياً، إلا أننا نعتقد أن فاعليته ما زالت قائمة في بطانة الوعي العربي الذي يمثل جزءاً من الوعي في العالم الثالث.
ننظر إلى البحث العلمي بأنه: ذلك الحقل المعرفي الذي يؤدي شروطه الذاتية الخاصة به وأغراضه الموضوعية أو التداولية وفقاً لمتطلبات مجتمعية ما. بمعنى أن يتسم البحث العلمي بالموضوعية والاستقرائية والتجريبية ويحقق أغراضه النفعية للإنسان في المجتمع.
ويشير واقع البحث العلمي في المجتمعات الخليجية إلى أنه لا يعدو أن يكون حقلاً ضعيفاً؛ طري العود.
ما هو معروف بديهياً أن إنتاج البحث العلمي يرتبط بمستوى التعليم المنظَّم في المجتمعات بالعالم، وتعليم من هذا النوع في منطقة الخليج العربي لا يتسم بالعراقة من الناحية الزمنية؛ فهو نمط حديث العهد يعود إلى عقود قليلة فائتة. ولما كان تعليم البحث العلمي غالباً ما يتم في مستويات تعليمية جامعية، فإن نشأة الجامعات الخليجية هي الأخرى حديثة العهد، ولذلك لا يوجد للبحث العلمي في منطقة الخليج العربي تاريخ طويل من شأنه فرض نوع من التراكمية الذاتية كي يحقِّق وجوده بفاعلية إبداعية ملموسة النتائج.
لقد أدركت الدول الخليجية أهمية البحث العلمي لحظة تفكيرها في إنهاض مجتمعاتها نحو التحديث والتنمية والتقدم المجتمعي، ولذلك آثرت إنشاء الجامعات، ودعم نظم التعليم الجامعية فيها بوصفها، أي الجامعات، البيئة التي يمكن للبحث العلمي أن يترعرع وينمو ويزدهر فيها. إلا أن البحث العلمي ظل محاصراً في أروقة الجامعات الخليجية، ولم يخرج عن أسواره الأيديولوجية والجهويَّة والنخبويَّة التي حُشر فيها من جانب بعض جماعات المجتمع المدني ومن جانب بعض الاستراتيجيات التنموية الرسمية.

منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي؛ حيث الطفرة النفطية وهجرة الإسلاميين العرب من دول عربية عدة إلى الدول الخليجية، صار النفط يعاضد مشروعات الإسلام السياسي التي فشلت في العراق ومصر وفلسطين وسوريا والأردن. وصارت عمليات أسلمة العوائد المالية من النفط خطاباً مستساغاً، وبدلاً من أن يندفع البحث العلمي إلى الواقع بشروطه الذاتية أو مقوماته وخصائصه التي له كالتجريبية والاستقرائية والموضوعية، وشروطه الغائية المتمثلة بالانخراط في العالم الموضوعي أو الخارجي بغية التأثير فيه، صار ـ البحث العلمي ـ أسير نزعة ذرائعية أو نفعية Pragmatism .
* السياسات الاقتصادية والبحث العلمي:
لقد لعبت سياسات الدولة الخليجية في جوانبها الاقتصادية والتنموية دوراً كبيراً في إضعاف وتيرة تطوُّر البحث العلمي المحلي في مجتمعاتها؛ وذلك عندما اندفعت إلى الاعتماد على أعداد هائلة من الشركات الأجنبية الوافدة في تنفيذ مشروعاتها الخدمية والعمرانية والترفيهية، وعندما منحت تلك الشركات ما تسمى (مشاريع امتلاك المفتاح)، أي منح الشركات كامل المشروع من البحث إلى التخطيط فالتنفيذ ومن ثم الصيانة. وكان هذا الأسلوب قد منح هذه الشركات الخارجية فرصة كان من الممكن توفيرها لمؤسسات البحث المحلية ومشاركتها في البحث على أقل تقدير، إن لم تكن مشاركة في التنفيذ والصيانة لكي تكتسب خبرات جديدة في تطوير إمكاناتها. بل وعندما منحت الدولة الخليجية فرصاً لقطاعات المجتمع المدني في البحث، فإن هذه القطاعات لم تجد أمامها أي تراكمية محلية تعتمد عليها في البحث فولَّت وجهها أيضاً نحو الخبرات البحثية الأجنبية لتنفيذ مشروعاتها الخدمية والعمرانية والترفيهية.
مع كل هذه المعيقات والأطواق ثمَّة أمل يلوح في الأفق، إذ إن حرية تداول المعرفة وتناقلها التي وفرتها أدوات العولمة للإنسان جعلت العالم مفتوحاً أمام جيل جديد من المتعلمين ليفكُّوا تلك الأطواق، وليقوِّضوا تلك المعيقات التي تحول دون تطوير آليات البحث العلمي المحلي في مجتمعاتهم، في ظل وتيرة اندفاع المجتمع المدني نحو إنشاء مراكز بحوث ودراسات وجامعات أهلية تسعى إلى خلق نوع من التراكمية البحثية المحلية المجدية، التي تحترم شروط البحث العلمي، وتمد أواصره بالعالم الموضوعي أو المجتمعي بما يقدِّم شيئاً من النفع العام والخاص إلى الإنسان الخليجي.
إن جيلاً واعداً من هذا النوع سيمكِّن البحث العلمي المحلي من أن يكون حقلاً قوي العود والأرجل والأذرع والإرادة واللسان، حقلاً قادراً على تحقيق شروطه الذاتية وغاياته الموضوعية في المجتمع.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1579::/cck::
::introtext::
ينصرف النظر إلى البحث العلمي في منطقة الخليج العربي من زاوية كونه إشكالية Problematic وليس مشكلة Problem؛ فالمشكلة يمكن أن نتصدّى لها بالحلول الآنية لتنتهي، أما الإشكالية فإنها تبقى، ومهما قُدمت لها الحلول، بحاجة إلى مزيد منها لأنها جزء بنيوي من وجود المجتمعات البشرية التي تلازمه حيثما يكون، خصوصاً في مجتمعات العالم الثالث رغم أن بعض الباحثين ما عاد يحفل بمصطلح (العالم الثالث) كونه صار عتيقاً وبالياً، إلا أننا نعتقد أن فاعليته ما زالت قائمة في بطانة الوعي العربي الذي يمثل جزءاً من الوعي في العالم الثالث.
::/introtext::
::fulltext::
ينصرف النظر إلى البحث العلمي في منطقة الخليج العربي من زاوية كونه إشكالية Problematic وليس مشكلة Problem؛ فالمشكلة يمكن أن نتصدّى لها بالحلول الآنية لتنتهي، أما الإشكالية فإنها تبقى، ومهما قُدمت لها الحلول، بحاجة إلى مزيد منها لأنها جزء بنيوي من وجود المجتمعات البشرية التي تلازمه حيثما يكون، خصوصاً في مجتمعات العالم الثالث رغم أن بعض الباحثين ما عاد يحفل بمصطلح (العالم الثالث) كونه صار عتيقاً وبالياً، إلا أننا نعتقد أن فاعليته ما زالت قائمة في بطانة الوعي العربي الذي يمثل جزءاً من الوعي في العالم الثالث.
ننظر إلى البحث العلمي بأنه: ذلك الحقل المعرفي الذي يؤدي شروطه الذاتية الخاصة به وأغراضه الموضوعية أو التداولية وفقاً لمتطلبات مجتمعية ما. بمعنى أن يتسم البحث العلمي بالموضوعية والاستقرائية والتجريبية ويحقق أغراضه النفعية للإنسان في المجتمع.
ويشير واقع البحث العلمي في المجتمعات الخليجية إلى أنه لا يعدو أن يكون حقلاً ضعيفاً؛ طري العود.
ما هو معروف بديهياً أن إنتاج البحث العلمي يرتبط بمستوى التعليم المنظَّم في المجتمعات بالعالم، وتعليم من هذا النوع في منطقة الخليج العربي لا يتسم بالعراقة من الناحية الزمنية؛ فهو نمط حديث العهد يعود إلى عقود قليلة فائتة. ولما كان تعليم البحث العلمي غالباً ما يتم في مستويات تعليمية جامعية، فإن نشأة الجامعات الخليجية هي الأخرى حديثة العهد، ولذلك لا يوجد للبحث العلمي في منطقة الخليج العربي تاريخ طويل من شأنه فرض نوع من التراكمية الذاتية كي يحقِّق وجوده بفاعلية إبداعية ملموسة النتائج.
لقد أدركت الدول الخليجية أهمية البحث العلمي لحظة تفكيرها في إنهاض مجتمعاتها نحو التحديث والتنمية والتقدم المجتمعي، ولذلك آثرت إنشاء الجامعات، ودعم نظم التعليم الجامعية فيها بوصفها، أي الجامعات، البيئة التي يمكن للبحث العلمي أن يترعرع وينمو ويزدهر فيها. إلا أن البحث العلمي ظل محاصراً في أروقة الجامعات الخليجية، ولم يخرج عن أسواره الأيديولوجية والجهويَّة والنخبويَّة التي حُشر فيها من جانب بعض جماعات المجتمع المدني ومن جانب بعض الاستراتيجيات التنموية الرسمية.

منذ مطلع سبعينيات القرن الماضي؛ حيث الطفرة النفطية وهجرة الإسلاميين العرب من دول عربية عدة إلى الدول الخليجية، صار النفط يعاضد مشروعات الإسلام السياسي التي فشلت في العراق ومصر وفلسطين وسوريا والأردن. وصارت عمليات أسلمة العوائد المالية من النفط خطاباً مستساغاً، وبدلاً من أن يندفع البحث العلمي إلى الواقع بشروطه الذاتية أو مقوماته وخصائصه التي له كالتجريبية والاستقرائية والموضوعية، وشروطه الغائية المتمثلة بالانخراط في العالم الموضوعي أو الخارجي بغية التأثير فيه، صار ـ البحث العلمي ـ أسير نزعة ذرائعية أو نفعية Pragmatism .
* السياسات الاقتصادية والبحث العلمي:
لقد لعبت سياسات الدولة الخليجية في جوانبها الاقتصادية والتنموية دوراً كبيراً في إضعاف وتيرة تطوُّر البحث العلمي المحلي في مجتمعاتها؛ وذلك عندما اندفعت إلى الاعتماد على أعداد هائلة من الشركات الأجنبية الوافدة في تنفيذ مشروعاتها الخدمية والعمرانية والترفيهية، وعندما منحت تلك الشركات ما تسمى (مشاريع امتلاك المفتاح)، أي منح الشركات كامل المشروع من البحث إلى التخطيط فالتنفيذ ومن ثم الصيانة. وكان هذا الأسلوب قد منح هذه الشركات الخارجية فرصة كان من الممكن توفيرها لمؤسسات البحث المحلية ومشاركتها في البحث على أقل تقدير، إن لم تكن مشاركة في التنفيذ والصيانة لكي تكتسب خبرات جديدة في تطوير إمكاناتها. بل وعندما منحت الدولة الخليجية فرصاً لقطاعات المجتمع المدني في البحث، فإن هذه القطاعات لم تجد أمامها أي تراكمية محلية تعتمد عليها في البحث فولَّت وجهها أيضاً نحو الخبرات البحثية الأجنبية لتنفيذ مشروعاتها الخدمية والعمرانية والترفيهية.
مع كل هذه المعيقات والأطواق ثمَّة أمل يلوح في الأفق، إذ إن حرية تداول المعرفة وتناقلها التي وفرتها أدوات العولمة للإنسان جعلت العالم مفتوحاً أمام جيل جديد من المتعلمين ليفكُّوا تلك الأطواق، وليقوِّضوا تلك المعيقات التي تحول دون تطوير آليات البحث العلمي المحلي في مجتمعاتهم، في ظل وتيرة اندفاع المجتمع المدني نحو إنشاء مراكز بحوث ودراسات وجامعات أهلية تسعى إلى خلق نوع من التراكمية البحثية المحلية المجدية، التي تحترم شروط البحث العلمي، وتمد أواصره بالعالم الموضوعي أو المجتمعي بما يقدِّم شيئاً من النفع العام والخاص إلى الإنسان الخليجي.
إن جيلاً واعداً من هذا النوع سيمكِّن البحث العلمي المحلي من أن يكون حقلاً قوي العود والأرجل والأذرع والإرادة واللسان، حقلاً قادراً على تحقيق شروطه الذاتية وغاياته الموضوعية في المجتمع.
::/fulltext::
::cck::1579::/cck::
