البحث العلمي في دول الخليج العربي: واقع وآفاق
::cck::1578::/cck::
::introtext::
يرتبط موضوع البحث العلمي بالنسبة لدول الخليج العربي، المنضوية تحت سقف مجلس التعاون الخليجي الذي يقف أمام تحديات مصيرية حاسمة على مشارف القرن الواحد والعشرين، ارتباطاً وثيقاً بتقديم رؤية إجمالية موضوعية عن طبيعة الوضع العربي والدولي وظروفه ومستجداته ومتغيراته السياسية والاقتصادية والثقافية في الحقبة الراهنة، التي أصبحنا نتعامل معها مع وقائع وتحولات جديدة، ومصطلحات فكرية وعملية جديدة فرضت نفسها على واقعنا بقوة ومن دون استئذان: الكوكبة والعولمة والشرق أوسطية والمتوسطية ونهاية التاريخ و.. إلخ.
::/introtext::
::fulltext::
يرتبط موضوع البحث العلمي بالنسبة لدول الخليج العربي، المنضوية تحت سقف مجلس التعاون الخليجي الذي يقف أمام تحديات مصيرية حاسمة على مشارف القرن الواحد والعشرين، ارتباطاً وثيقاً بتقديم رؤية إجمالية موضوعية عن طبيعة الوضع العربي والدولي وظروفه ومستجداته ومتغيراته السياسية والاقتصادية والثقافية في الحقبة الراهنة، التي أصبحنا نتعامل معها مع وقائع وتحولات جديدة، ومصطلحات فكرية وعملية جديدة فرضت نفسها على واقعنا بقوة ومن دون استئذان: الكوكبة والعولمة والشرق أوسطية والمتوسطية ونهاية التاريخ و.. إلخ.
إن ذلك كله يلزمنا، كنخب مثقفة واعية، بضرورة تحليل ودراسة الاستجابات وردود الأفعال السياسية العربية المتحركة في سياق تكتيكات واستراتيجيات مختلفة تحاول بلورة مواقف، وفتح إمكانات عملية متعددة للرد على التحديات الخطيرة، التي تثيرها تلك الأوضاع الحساسة والخطيرة، وذلك بهدف تأمين موقع ودور للعرب عموماً ولدول المجلس الخليجي خصوصاً، حيث الوفورات الكبيرة للثروة النفطية، في المعادلة الكونية والدولية المستجدة.
ومن الواضح هنا أننا عندما نتحدث عن قضية الاستجابة أو ردة الفعل الجماعي تجاه متغيرات العصر، فإننا نقصد بها، تحديداً، حركية الفعل السياسي، أي مجموعة السياسات التطبيقية المختصة بإيجاد أنساق ومجالات عمل، وبلورة مواقف مجتمعية وتعزيزها وتطويرها من خلال خلق واستحداث آليات للعمل جديدة تؤمن إرادة جمعية عامة يمكن أن تعمل، في إطار تفعيل تلك الاستجابات، على تقدم المجتمع العربي نحو أهدافه وتطلعاته ومستلزمات وجوده الأساسية في الحياة.
من هذا المنطلق نجد ضرورة ملحة في ترسيم حدود واعية للوضع العربي والخليجي المستجد، ودراسة طبيعة التقلبات السائدة على الساحة العالمية كلها.. على اعتبار أن الانطلاق الفاعل نحو بناء المستقبل والتحكم ببعض مساراته مرهون، إلى حد كبير، بدراسة ظروف وملابسات الواقع الراهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ووعي مواقع الأمة العربية، وأدوارها ومواطن القوة والضعف فيها.
هناك أزمة علمية واضحة تظهر في غياب منظومة خليجية متكاملة لنقل المعرفة واكتساب المهارات وتراكم الخبرات والفاعليات
وبالنظر إلى الحجم الهائل لهذا العمل الفكري وتشعب عناوينه السياسية والثقافية وتنوع مواضيعه، وتعدد مساراته، وسعة الأفكار التي يمكن معالجتها في سياق طرح مفاهيمي ناقد، فإننا سنكتفي بدراسة الجانب العلمي التخصصي من هذه المسألة المعرفية الواسعة أي من زاوية (البحث العلمي والتقني الحالي في دول الخليج)، وذلك من خلال إجراء مراجعة بسيطة لبعض الأرقام والإحصائيات القائمة في بعض مؤسسات ومراكز البحث العلمي الخليجي والعربي، التي يمكن أن تعطينا رؤية واقعية عن طبيعة هذا البحث السائد في تلك البلدان، ومن ثم محاولة تحليل تلك الأرقام، واستخلاص العبر والدروس من خلالها، في ضوء مستجداتنا المعاصرة، لنصل في النهاية إلى التساؤلات الاستنتاجية التالية، ومحاولة الإجابة عنها وفق الإمكانات المتاحة أمامنا.
لكن وقبل طرح الإشكاليات التساؤلية، نجد ضرورة أن نؤكد هنا، في ظل الارتباط الوثيق القائم بين متطلبات ومقتضيات التقدم الصناعي في أي بلد من البلدان، وبين طبيعة التطور التكنولوجي المبني على قاعدة البحث العلمي التجريبي، على أن القوة المحركة لأي تقدم وتطور في أي بلد هي في وجود بحث علمي حقيقي، الذي يكتسب يوماً بعد يوم دوراً محورياً في خدمة التنمية الصناعية والاقتصادية في ظل ما تشهده المجتمعات الكونية كلها من تغيرات اقتصادية كاسحة في ظل تحرير التجارة وقوانين منظمة التجارة العالمية والعولمة، التي عملت على انفتاح الأسواق أمام السلع والخدمات والتقنية.
إشكالية البحث
هل تتوافر لدينا، خصوصاً لدى دول الخليج التي حازت على قدرات وثروات هائلة خلال المراحل الزمنية الأخيرة، الإمكانات المعرفية الواسعة، والقواعد العملية والمنهجية المحددة والمضبوطة بهيكليات علمية حقيقية التي يمكن أن نرتكز عليها ونتحرك على طريقها باتجاه بناء حاضر صاعد ومستقبل واعد لدولنا في الخليج العربي، التي تحث الخطى في عملية البناء والتعمير الحضاري بشرياً وطبيعياً، قبل أن ندرس كيفية تشييد وبناء (هذا المستقبل) والإمساك بناصيته؟! ثم كيف يمكن أن تعمل دولة ما أو منظومة سياسية واقتصادية ما، كمجلس التعاون مثلاً، على امتلاك المستقبل إذا لم تستطع أن تنهض بأعباء ومتطلبات الحاضر الذي يجب أن يشكل، بحد ذاته، قاعدة أساسية لبناء ذلك المستقبل؟! ثم ما الاستراتيجيات التي وضعها قادة ونخب واقتصاديو المجلس الخليجي في لحظته الراهنة لمواجهة تحديات قيام حاضر خليجي متطور قبل أن يبدأ ببناء دعائم التطور المستقبلي ومحاولة السيطرة عليه؟!
الاستراتيجية العلمية لدول الخليج العربي
يبدو للمتأمل في واقع الفعل السياسي الخليجي الراهن، أن ردود فعل الدول الخليجية عموماً على مخاطر وتحديات العصر الهائلة والسريعة والمتلاحقة (والتي يكاد فيها المتغير يكون الثابت الكوني الوحيد) ليست بالمستوى المطلوب لفهم وإدراك حجم التطورات والتحولات السياسية والاجتماعية العالمية. طبعاً لا يعني هذا الأمر أن الخليج العربي قد بقي خارج نطاق دائرة التأثر بتلك الأحداث الجسام لكنه بدأ بالعمل، جدياً، على مستوى تطبيق سياسات جديدة في شتى ميادين العمل اليومي كله. لكننا نجد أن معظم تلك السياسات لم تعط النتائج الفعلية المؤثرة المطلوبة منها حتى الآن.
نجد ضرورة ملحة في ترسيم حدود واعية للوضع العربي والخليجي المستجد، ودراسة طبيعة التقلبات السائدة على الساحة العالمية كلها
فمثلاً على صعيد البحث العلمي والتقني (وهو موضوعنا الأساسي هنا) نلاحظ أن هناك أزمة علمية واضحة تظهر في غياب منظومة خليجية متكاملة لنقل المعرفة واكتساب المهارات وتراكم الخبرات والفاعليات، واستغلالها في ميدان التنمية الاقتصادية الفردية والاجتماعية، وفي مجال التطوير التقني والتكنولوجي.
وعندما نراجع كل أدبيات العمل البحث العلمي الخاص بدول الخليج العربي في الوقت الحاضر، الخاصة بدراسة مشاكل البحث العلمي وتحليل واقعه القائم حالياً، نلاحظ أن تلك الأدبيات تكاد تجمع في تقاريرها الخاصة والعامة على أربعة أمور أساسية:
الأول: انخفاض عدد الباحثين العلميين الحقيقيين المشتغلين بالبحوث العلمية العربية بالمقارنة مع الدول المتقدمة ومع المعدل الوسطي العالمي نفسه.
الثاني: هشاشة وضعف البنية المؤسساتية والعلمية الخليجية، وعدم قدرتها العملية على تحقيق أدنى معدلات الاستجابة الفاعلة للتحديات التقنية الهائلة.
الثالث: ضعف المستويات الأكاديمية على صعيد قبول الطلاب في الجامعات، وضعف مستويات الترقية بالنسبة لأعضاء الهيئة التدريسية ، وقلة المشاركة في المؤتمرات الدولية من أجل الاستفادة والمنفعة واكتساب المعراف وتبادل الخبرات والنتائج العلمية.
الرابع: نقص مردودية الباحث الخليجي في البحث والعمل نظراً لقلة تعويضه وحافزه المادي والمعنوي. ويبدو هذا الانخفاض في عدد الباحثين العلميين عندنا واضحاً إذا نظرنا إلى توزيع القوة البحثية العالمية. فهي تتوزع على ميادين خمسة رئيسية: 36 في المائة للعلوم الطبية، 24 في المائة للعلوم الزراعية، 22 في المائة للعلوم الهندسية، 8 في المائة للاقتصاد والتجارة، ومن خلال هذه النسب نجد أن هناك غياباً كبيراً، ونقصاً واضحاً للعمل البحثي في ميادين العلوم الأخرى وبخاصة العلوم الاجتماعية والإنسانية (الأنثروبولوجية).
إننا نلاحظ في هذا المجال (في ما يتعلق بنوعية مؤسسات البحوث العلمية الموزعة في الجامعات الخليجية المختلفة) أنه على الرغم من المحاولات الجادة والخطوات الحثيثة التي قامت بها بعض البلدان الخليجية لدعم إنشاء وتوسيع وتطوير مراكز ومؤسسات تقنية علمية حديثة، لا تزال تلك المؤسسات تعاني وتواجه مشكلات وتعقيدات نظرية وتطبيقية كبيرة في شتى المواقع، تقف في وجه تقدم إنتاجيتها العلمية والاجتماعية، وتمنعها من الانطلاق المثمر والعمل المنتج والمؤثر على مستوى ضرورة وجود انعكاسات اجتماعية عملية للبحث العلمي تساهم بقوة في بناء المجتمع وتطوره وتقدمه نحو الأمام.
معوقات البحث العلمي الخليجي
من هنا نتساءل عن حجم تلك المشكلات والمعوقات التي تواجه مسيرة البحث العلمي في دول الخليج العربي؟! وبالتالي ما مقومات ومستلزمات قيام بحث علمي خليجي متكامل مع ذاته ومع بقية الأقطار العربية في المشرق والمغرب؟ في الواقع يمكننا أن نتحدث عن أهم تلك المشكلات والتحديات في النقاط التالية:
1- غياب سياسة علمية واضحة ومتوازنة ومتسقة يمكن أن تنظم عملية البحث العلمي وتوجه الموارد، وتستثمر الطاقات والقدرات المتاحة والمتوافرة حسب سلم الأولويات، إذ أنه لا يكفي أن تخصص الدول الخليجية جزءاً محدداً من موارد إنفاقها الأساسي (في ميزانياتها السنوية) للقيام باستثمارات علمية في ميدان البحث العلمي فقط. ولكن لا بد من دراسة ومعرفة أفضل الأساليب وأنجع الطرق النوعية والفاعلة للاستفادة من هذه الاستثمارات في شروطنا ومناخاتنا السياسية والاجتماعية السائدة، نحن يجب أن نبحث، لكن ذلك مرتبط بسؤال أساسي هو: لماذا نبحث، ولمن نبحث، وما أسس وركائز هذا البحث؟! ويبدو واضحاً أن السياسات العلمية لمعظم الدول الخليجية غير قادرة، في كثير من الأحيان، على إعطاء إجابات مقنعة عن ذلك السؤال أو تحديد أهداف وغايات واضحة ومجدية للبحث العلمي بشكل عام، وفي مختلف المجالات والميادين. كما أنها لا تزال عاجزة عن تحديد أساليب ووسائل وآليات عمل مناسبة لبناء الأداة والقاعدة البشرية والصناعية لتحقيق تلك الأهداف والطموحات.. لذلك من الطبيعي جداً، والحال هذه، أن يسود الوسط البحثي العلمي في الخليج العربي، تماماً كما هي الحال في بقية الدول العربية، جو انعدام الوزن، والافتقار للتراكم والتقدم والتطور والوعي، والنقل الحرفي، والأسلوب التردادي التلقيني. وكأن البحث يأتي بالنقل لا بعملية الشك في المعطيات والبناء على ما هو موجود من تجارب ومعطيات قائمة.
2- قلة الموارد ونقص الإمكانات المخصصة للقيام بالبحوث العلمية. حيث تشير آخر الأرقام والإحصاءات المتوفرة في هذا المجال إلى أن حجم الإنفاق الخليجي العام على بحوث التطوير العلمي والتقني قد بلغ عام 1992 (275) مليون دولار، وهذا المبلغ لا يزيد على 0.085 من الناتج القومي الإجمالي، وهو أدنى المعدلات في العالم الثالث كله. وتبلغ هذه النسبة حوالي 0.05 في المائة في البلدان النامية عموماً و1.5 في المائة في البلدان التابعة لبعض المنظمات العالمية. أما الولايات المتحدة، وبحسب تقرير المؤتمر القومي السابع، فإنها تخصص ما مقداره 175 مليار دولار للبحث والتطوير.. أي أكثر بكثير مما تخصصه البلدان الخليجية والعربية مجتمعة للبحث العلمي. طبعاً هذه الأرقام والإحصائيات مضى عليها أكثر من 15 سنة، والواقع الحالي أفضل نسبياً من السابق، إذ إن معظم الدول العربية تصرف على موضوع البحث العلمي، وتخصص له موارد وميزانيات أكثر من ذي قبل، ولكننا، بالمجمل العام، ويا للأسف، لا نزال في بداية الطريق، ودون الدرجة الأولى، وأشير إلى ذلك بالأرقام:
(بالنسبة لسياسة الإنفاق على البحوث العلمية والتطوير التقني تشير الأرقام المتاحة أمامنا إلى أن الدول العربية، ومنها دول مجلس التعاون، تأتي في مراكز متأخرة على قائمة تقديرات إنفاق دول العالم في هذا المجال. ففي حين أنه لم تزد ميزانية البحث والتطوير للدول العربية 1995 عن 750 مليون دولار، فإن إجمالي الإنفاق العالمي وصل إلى أكثر من 500 مليار دولار في العام المذكور، وتتعدى نسبة إنفاق الدول الصناعية على أنشطة البحث والتطوير 3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. وفي الوقت نفسه فإن ما يؤخذ على العالم العربي في هذا الشأن ليس ضعف الإنفاق على أنشطة البحث والتطوير فحسب، بل غياب التعاون والتنسيق بين مراكز البحوث والتقنية العربية أيضاً. وقد يكون في التجربة الكورية أبلغ مثال على ما يحقق الاهتمام بالبحث العلمي والتطوير التقني من تقدم للمجتمعات. ففي بداية الستينات لم يكن إنفاق كوريا الجنوبية على البحث والتطوير يتجاوز 0.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ليرتفع عام 2000 إلى حوالي 5 في المائة، الأمر الذي يفسر السبب وراء ما حققته كوريا الجنوبية من نجاح صناعي في السنوات الأخيرة).
(كما أن أعلى دولة عربية من حيث حجم الإنفاق على البحث العلمي فإنه لا يتعدى 0.03 بالمائة من ناتجها القومي.. فكيف سينتج عندنا بحث علمي، في حين دول شبيهة لنا قريبة من ظروفنا مثل كوريا، كما أسلفنا، تنفق حوالي 5 في المائة من ناتجها القومي على البحث العلمي. طبعاً لن نقارن أنفسنا بدولة روسيا الاتحادية، ولا بدول أوروبا الغربية، ودعك مما تنفقه إسرائيل، وهولندا وهي دولة بسيطة صغيرة يعادل البحث العلمي فيها ميزانية عدة دول عربية مجتمعة.. كما أن عدد الباحثين في أحد مراكز الأبحاث في فرنسا يكاد يعادل عدد الباحثين في كل الدول العربية).
إن هذه الأرقام والإحصائيات المحبطة تشير في الواقع، بعد تحليلها وقراءاتها بتمعن، إلى ضعف بحثنا العلمي في الخليج العربي. خصوصاً وأنه لا يمكن لأي تطور في أي مجتمع (في مجال الصناعة أو الاقتصاد أو التعليم) أن يتم إلا من خلال وجود بحث علمي حقيقي ونوعي منتج ومؤثر.
3- ضعف استراتيجيات التحديث الخليجية والعربية عموماً، وعدم توازنها وعدم فاعليتها واتساقها لأن الأصل في التحديث والتطور العلمي أو الحداثة العلمية هو في بناء استراتيجية حقيقية ناجحة تعظم من الاستثمارات العلمية المفيدة في كل ميدان: (تكوين رأس المال الاقتصادي والعلمي والتقني والفكري والروحي والاجتماعي، وتحرير الشعوب والجماعات والأمة من الخوف والاستلاب والجمود والإمعية والاقتداء والاستزلام والمحسوبية والشعور بالضعف والنقص والدونية)، وهذا الأمر يتناقض تماماً مع الواقع القائم في المجتمعات الخليجية والعربية حالياً، ولا يخفى أن نشير هنا إلى أن وجود هذا المناخ المناقض لبديهيات شروط البحث العلمي، قد أدى، وسيؤدي في المستقبل أيضاً، إلى هدر وخسارة مبالغ طائلة. (وقد قدرت دراسة حديثة حجم الإنفاق المالي على الخدمات الاستشارية التي قدمتها المكاتب والشركات الأجنبية للدول الخليجية العربية بنحو 20 مليار دولار في عام واحد هو 1979).
طبعاً: تحتل حالياً أقطار مجلس التعاون الخليجي (التي يبلغ سكانها نحو 5 في المائة من سكان الوطن العربي) المقدمة في ميدان النشر البحثي في الوطن العربي، بل إنّ هذه الأقطار فاقت مصر في عام 1989 (والتي يبلغسكانها 20 في المائة من سكان الوطن العربي) وذلك للمرة الأولى.
وأن إنتاج السعودية وحده ازداد من نحو(5) في المائة من إنتاج مصر في عام 1975 إلى (70) في المائة منه في عام 1995. وعموماًيبلغ الإنتاج العلمي للوطن العربي الآن (72) في المائة من إنتاج إسرائيل، وكان يبلغ (40) في المائةمنه في عام 1967. ومع أنَّ هذا يمثّل تحسناً، إلا أنه جرى على مدى ثلاثين سنة تقريباً، ومثل هذا التقدّم العربي البطيء يشير إلى تعثّر واضح في هذا المجالحالياً، وربما كذلك بالنسبة إلى المستقبل.
4- ضعف الحريات الأكاديمية والفكرية العامة في المجتمعات الخليجية عموماً مع بعض الاستثناءات، وعدم توفير الأجواء الملائمة للإبداع والحداثة العلمية والاقتصادية بإطلاق حريات الأفراد وتوفير إمكانات المشاركة الفعلية أمامهم، سواء من النخب العلمية أو من مختلف قطاعات الشعب الأخرى، لأن ملامح التقدم والازدهار العلمي والتقدم التقني وامتلاك المستقبل ترتبط حلقاتها، في كل التاريخ البشري، وتتسع لجهود الجميع في مناخ من المساواة والحرية والعدل والأمان الجماعي والحس الوطني الواعي والهادف.
5- عدم وجود سياسة تربوية علمية ناجحة تقوم بتنشئة الأجيال على مقدمات ومعطيات البحث والتدقيق والاهتمام. لأن نشوء وقيام وازدهار بحث علمي حقيقي في مستقبل أي مجتمع أو أمة مرتبط عضوياً بطبيعة وسائل وأدوات التربية والتنشئة الثقافية الاجتماعية لأجيال تلك الأمة. وفي هذا الإطار يجب أن تؤدي الأسرة دوراً فاعلاً في تنشيط الطاقات الإبداعية والإنتاجية لدى أبنائها وتوجيهها الوجهة العلمية السليمة على صعيد الاهتمام الجدي المسؤول بروحية العلم والبحث العلمي ودوره الهام في الحياة الإنسانية.
6- بروز ظاهرة هجرة الشباب والعقول والأدمغة المفكرة إلى الخارج، وما لها من تأثيرات سلبية كبيرة في مجمل عملية التنمية العربية، ولا سيما ما تسببه من خسائر مادية وعلمية للأقطار العربية. الأمر الذي يحمّل المشروعات الصناعية العربية تكاليف إضافيّة (للخدمات الاستشاريّةوالعمولات والرشاوى والتلاعب بالأسعار)، بنسبة تتراوح بين 200-300 في المائة مقارنةبالتكاليف الأولية لها.
7- ضعف المجتمع العلمي والتقني الخليجي، وفي أحيان كثيرة عزلته عن النشاط الوطني العام ككل من خلال عدم ربط البحث العلمي بالمجتمع، وضعف مراكز المعلومات وخدمات التوثيق والمكتبات، وعدم توافر المناخ الملائم للعمل البحثي، ، وقلة الحوافز المادية، والتبعية العلمية والتقنية للخارج، وضعف البنيات الأساسية للحراك الاجتماعي والاقتصادي الخليجي، الذي يفترض أن يشكل، من حيث المبدأ، القاعدة الصلبة والنواة القوية لقيام ونشوء البحوث العلمية.
وهذا الواقع سيفضي لا محالة إلى استنكاف الباحثين عن العمل وبالتالي حدوث نقص كبير في الإنتاج العملي من حيث المردود النوعي والكمي معاً، حيث نلاحظ، في هذا المجال، أن إنتاج العلماء العرب عموماً يقف عند حد 0.6 بحث في العام. أما في ما يتعلق بالإنتاجية العربية مقارنة مع إسرائيل (التي تبلغ ميزانية البحث العلمي لديها أكثر من 6.5 مليارات دولار سنوياً) والدول المتقدمة الأخرى، فلا يزيد الناتج الخليجي على 0.65 في المائة من الناتج الإسرائيلي، وأقل من ذلك، بالتأكيد، بالنسبة للدول المتقدمة.
(وتشير إحصائيات اليونيسكو إلى توفر حوالي سبعة آلاف عالم وفني في ميدان البحوث والإنماء في الوطن العربي في عام 1973، وكان على هؤلاء أن ينشروا، إذا استخدمنا المقاييس الدولية للأداء، ما بين 4000 و8000 بحث سنوياً، بينما لم ينشر الباحثون العرب إلا 847 بحثاً أي بمعدل إنتاجية أقل من 10 في المائة من المعدل الدولي. وهذا يعني أن هناك حاجة لعشرة باحثين عرب في المتوسط لإنتاج ما ينتجه باحث واحد في المتوسط الدولي).
(أما إحصائيات سنة 2004 لنفس المنظمة العالمية.. فتقول إن الدول العربيةمجتمعة خصصت للبحث العلمي ما يعادل 1.7مليار دولار فقط، أي ما نسبته 0.3 في المائة منالناتج القومي الإجمالي. في حين نلاحظ أنّ الإنفاق على البحث العلمي في إسرائيل (ما عدا العسكري) حوالي 9.8 مليار شيكل، أي ما يوازي 2.6 في المائة من حجم إجمالي الناتجالقومي في عام 1999. أما في العام 2004 فقد وصلت نسبة الإنفاق على البحث العلمي في إسرائيل إلى 4.7 في المائة من ناتجها القومي الإجمالي).
ويُعدّ القطاع الحكومي المورد والممول الرئيس لنظم البحث العلمي في الدول العربية، حيث يبلغ حوالي 80 في المائة من مجموعالتمويل المخصص للبحوث والتطوير مقارنة بـ 3 في المائة للقطاع الخاص و8 في المائة من مصادر مختلفة،وذلك على عكس الدول المتقدمة وإسرائيل، حيث تراوح حصة القطاع الخاص في تمويلالبحث العلمي 70 في المائة في اليابان و52 في المائة في إسرائيل والولايات المتحدة والدول الأخرى.
وبالنظر إلى ذلك، فإننا نؤكد أن هناك هوة واسعة بين العمل الجدي الحقيقي المنتج والمطلوب وبين ما هو منتظر من الإمكانات والمواهب البشرية العاملة في ميدان البحث والتطوير من العلماء والأكاديميين الباحثين في المؤسسات العلمية الخليجية.
ومع الأهمية الكبيرة لما سجلته دول الخليج العربية من تطور في مجال التنمية الاقتصادية والصناعية حيث يربو عدد المنشآت الصناعية في دول المجلس على 7300 مصنع يتجاوز حجم الاستثمار فيها 80 مليار دولار، وتستخدم أحدث التقنيات وتطرح منتجات بمواصفات وجودة عالية، وعلى الرغم من وجود العديد من مراكز البحث العلمي في دول المجلس في مقدمتها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، ومعهد الكويت للأبحاث العلمية، ومعهد البحوث في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن والعديد من الجامعات الخليجية الأخرى، إلا أن دول الخليج العربية لا تزال تعتمد على استيراد الخدمات التكنولوجية لمعظم الصناعات القائمة والمشاريع الجديدة، ومثل هذا الوضع المرضي يعزى إلى عدد من الأسباب نذكر منها:
– غياب التصور الواضح لأهمية البحث والتطوير كجزء من البنية التكنولوجية والعلمية اللازمة للتنمية الصناعية.
– استمرار الاعتماد على الحكومات في هذا المجال، على عكس ما هو معمول به في الدول المتقدمة حيث يتولى القطاع الخاص الجزء الأعظم من المسؤولية.
– وجود المشكلات الإدارية والتنظيمية، وإهمال التدريب المستمر سواء على الأجهزة الجديدة، أو لاستعادةالمعلومات العلمية ورفع الكفاءة البحثية.
– غياب التشريعات الواضحة المنظمة والمحفزة للبحث والتطوير في دول المجلس الخليجي.
– عدم وجود قاعدة بيانات عربية وخليجية متكاملة وصلبة عنالنشاط العلمي الجاري،وليست هناك قاعدة بيانات عن هذه المعاهد أو المراكز والهيئاتالتي تجرى فيها البحوث العلمية، وليست هناك وسائل مناسبة أو متوفرة بيسر لنشر النتائج التييتوصل إليها العلماء أو نشر خبراتهم.
– قلة التنسيق بين معظم البحوث العلمية المنجزة في دولنا الخليجية، حيث لا تجد معظم تلك البحوث العلمية المنجزة، وبعضها ربما يضاهي بحوث أجنبية رائدة في مجاله، طريقها للتنفيذ في معظم الأحيان لسبب جوهري هو الافتقار لسياسة التسويق المطلوبة لهذه البحوث. فمثلاً بلغ عدد الأبحاث العلمية المنجزة والمنفذة بدعم من جامعة الملك عبد العزيز عام 1998 أكثر من 809 أبحاث، لم يتم الاستفادة من معظمها في ظل غياب الآلية والجهاز المناسبين لتسويقها.
من هنا، وبالنظر إلى ما تقدم، نؤكد أنه إذا أرادت دول الخليج العربي أن تفتح مسارات وطرقاً واسعة لها ولمجتمعاتها باتجاه المساهمة والمبادرة الحضارية في المستقبل، وبالتالي المساهمة الفعالة في البناء والتنمية وإثبات الوجود في عالم الأقوياء، فعلى نخبها وقياداتها أن تعيد الاعتبار للأسس والقواعد المؤسساتية البديهية في العمل العلمي، وأن تتحرك قبل ذلك على طريق بناء دولة الموازنات والخطط التنموية الشاملة التي ترعى، بصدق ومسؤولية، العلم والعلماء ، وتقوم بتنمية الثروة بالإدارة العلمية الكفية، وتجعل من العلم والبحث العلمي المبدع رافعة للدولة والمجتمع على أساس أولوية العلم على المال والوعي على تكديس المال والثروة، وذلك باعتبار أن هناك طاقة وقيمة حضارية وتقدمية مختزنة في ذات العلم تضع المال والثروة في خدمة هذا العلم الذي يخطط بطاقته، ثروة ومال المجتمع.
إن التحديات والأخطار القائمة حالياً كبيرة جداً، ولا سبيل إلى فهمها ومواجهتها إلا بانتهاج طريق العلم والمعرفة العلمية المتوازنة التي يجب أن تدفعنا جميعاً، بحكم ضعفنا وانهيار مناعتنا الذاتية، إلى إعطاء القيمة الكبرى للعلم والبحث العلمي، وما يستحقه من عناية واهتمام وبناء الإدارة العلمية الأخلاقية، وابتكار أساليب جديدة لتنشئة الأجيال العربية الخليجية على عشق العلم الهادف وتنمية حس وروح المبادرة والبحث لديها.
إننا نعتقد أن البحث العلمي المنشود في دولنا الخليجية هو أحد العناوين المشرقة التي يمكن أن تمنحنا، من خلال تفعيل أدائها ودعمها وفتح المجالات أمام خبراتها للانطلاق والمساهمة في بناء الإنسان وتنمية المجتمع، القدرة على المضي قدماً في عملية النهوض الحضاري (للخليج ولبقية مجتمعات عالمنا العربي) وامتلاك المستقبل بالارتكاز إلى رؤية حضارية علمية تعتمد على إعادة النظر في تنظيم آليات الانبعاث، وأنماط الإيقاظ المستمرة لفكر الإنسان والفرد الخليجي، وتعميق إدراكه ووعيه بطبيعة التغيرات الكبيرة الحاصلة في العالم، وتهيئته لها نفسياً ومادياً، وهذا الأمر يتطلب التركيز الدائم على إجراء البحوث الاجتماعية الإنسانية نفسها، لأنها القادرة على كشف ذات الإنسان ومحتواه الداخلي وفهم تشكيلاته وأبنيته الاجتماعية، وبالتالي تربية الأجيال الشابة وإعدادها للمستقبل من خلال توفير مناهج علمية (تربط العلم بالأخلاق الإنسانية) وتأمين وسائل علمية متطورة.
لذلك وعلى صعيد البحث العلمي الخليجي فإن المطلوب هو:
1- إعداد وتأهيل وبناء الكوادر والباحثين العلميين الحقيقيين. حيث إننا قد ننفق كثيراً على عقد وتنظيم المؤتمرات والبحوث العلمية، ولكن من دون باحثين حقيقيين، ومن دون وجود بحث حقيقي جدي كما هو واقع الحال راهناً، حيث نقف كمراقب أمام مفارقة: كثرة انعقاد الندوات والمؤتمرات وحلقات البحوث العلمية (والميزانيات الكبيرة المفتوحة أمام منظميها)، وقلة (إلى حد انعدام) وجود البحوث العلمية الجدية المنتجة والمؤثرة في عالم اليوم التي يمكن أن تشكل إضافة نوعية للعلوم المعاصرة.
2- ضرورة معرفة البحث العلمي الذي يتم الاشتغال عليه، أهميته، فائدته، ربطه بالحياة والمجتمع ككل.
3- توفير الإمكانات والموارد المادية اللازمة. وأول هذه الإمكانات هي أرضية البحث العلمي والقضايا المهمة في مجتمعاتنا.
4- تجسيد وإنزال الأبحاث العلمية منزلة التطبيق حتى يستفيد منها المجتمع الخليجي ككل..
5- تعاون القطاعين الحكومي والخاص، والإنفاق بشكل أكبر على عملية البحث العلمي، وإنشاء المزيد من مراكز البحوث، ودعم القائم منها، وبخاصة في ما يتعلق بتسويق مخرجاتها من نتائج البحث لكي تجد طريقها إلى التنفيذ العلمي.
6- إيجاد آليات عمل مناسبة للتنسيق والتعاون سواء بين مراكز البحوث الخليجية نفسها، أو بين هذه المراكز والمنشآت الصناعية لضمان عملية النقل الفعلي لنتائج البحوث إلى الصناعة، ولا ننسى توفير البيئة المناسبة.. ومن ذلك التشريعات المنظمة للبحوث والحوافز للاستفادة منها.
وأخيراً نؤكد أن المجتمع أو الأمة التي تريد أن تنتج أو تبدع شيئاً جديداً يعود بالفائدة والنفع على أبنائها في حاضرهم ومستقبلهم، هي الأمة التي تحترم شعبها وجماهيرها وتقدر كفاءاتهم ومواهبهم وإبداعاتهم الفكرية والعلمية. إنها الأمة التي تعي حقيقة مقدراتها وثرواتها الطبيعية والبشرية، وتقوم بتوجيهها الوجهة الصحيحة على صعيد العمل والممارسة الإبداعية وربط الأهداف بالنتائج المثمرة، وبما يخدم تطلعاتها وأهدافها العالية والطموحة في قيام الإنسان الذي هو أساس الحياة ومنطلق الوجود.
إنني أرى أن مستقبل مجتمعاتنا العربية، وبخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، هو رهن لفعلنا وبذرنا الراهن. إنه ثمرة أعمالنا وحصاد ما نزرعه في لحظتنا الحالية التي يجب أن نعمل فيها على تغيير أوضاعنا من الداخل، وتحسين مواقعنا ومضاعفة جهودنا، وفهم دورنا في العالم، وتكثيف مساهمتنا في المسيرة الإنسانية العالمية، وانفتاحنا على الآخرين بوعي وثقة ليكون لنا موقع ودور مهم وحيوي في سجل الحضارة الحديثة، وذلك من خلال ضرورة الوقوف المتأمل أمام الثوابت الفكرية والمعرفية للأمة والاهتمام النقدي الصحيح بنسيجها وبنيانها التاريخي الحيوي.
إن تشييد الحياة الجديدة القوية، وتوطين العلم والتكنولوجيا، وبناء البحث العلمي الحقيقي المنشود لا يتأتى عبر شراء الجديد من البحوث، أو نقل مصانع ومعامل جديدة من بيئتها الأصلية، حتى وإن أصبحت عملية الحصول على التقنية الحديثة متاحة تقريباً للجميع، وأقل صعوبة بفضل ثورة الاتصالات التي جعلت انسياب المعلومات لا يتطلب الكثير من الجهد والوقت. فامتلاك التقنية، أو بالأحرى ما يسمح مالكو التقنية بنقله منها، يتطلب أكثر من مجرد توفير المال، باعتبار أن الحصول عليها بالشراء ليس هدفاً بحد ذاته، فالأهم هو توطين التقنية والعلوم الحديثة من خلال إيجاد مناخها وخلق فضائها المعرفي والثقافي عندنا، بكل ما يعني ذلك من استيعاب وتدريب وتأهيل للكوادر الوطنية واستغلال وتطوير لها، وبما يتناسب والظروف والاحتياجات المحلية.
ومن خلال ذلك فقط يمكن أن تحدث عندنا يقظة حضارية أو انبعاث حضاري قد نمتلك عبره بعض معالم السيطرة على المستقبل. ولاشك في أن ذلك يمر في طريق ممارسة النقد والمراجعة لكثير من حساباتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية، بحيث يؤهلنا، هذا النهوض أو الانبعاث الحضاري المستقبلي، لأن نكون (كأمة حباها الله تعالى خيرات ومواهب وطاقات وافرة) معادلة مستقلة تفرض وجودها في مواجهة (مقابل) المعادلات التي فرضتها (ولا تزال تفرضها) الدول الكبرى علينا. ولاشك في أن السبيل الوحيد إلى ذلك هو تغيير ما بالنفس كأساس لتغيير ما بالواقع.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1578::/cck::
::introtext::
يرتبط موضوع البحث العلمي بالنسبة لدول الخليج العربي، المنضوية تحت سقف مجلس التعاون الخليجي الذي يقف أمام تحديات مصيرية حاسمة على مشارف القرن الواحد والعشرين، ارتباطاً وثيقاً بتقديم رؤية إجمالية موضوعية عن طبيعة الوضع العربي والدولي وظروفه ومستجداته ومتغيراته السياسية والاقتصادية والثقافية في الحقبة الراهنة، التي أصبحنا نتعامل معها مع وقائع وتحولات جديدة، ومصطلحات فكرية وعملية جديدة فرضت نفسها على واقعنا بقوة ومن دون استئذان: الكوكبة والعولمة والشرق أوسطية والمتوسطية ونهاية التاريخ و.. إلخ.
::/introtext::
::fulltext::
يرتبط موضوع البحث العلمي بالنسبة لدول الخليج العربي، المنضوية تحت سقف مجلس التعاون الخليجي الذي يقف أمام تحديات مصيرية حاسمة على مشارف القرن الواحد والعشرين، ارتباطاً وثيقاً بتقديم رؤية إجمالية موضوعية عن طبيعة الوضع العربي والدولي وظروفه ومستجداته ومتغيراته السياسية والاقتصادية والثقافية في الحقبة الراهنة، التي أصبحنا نتعامل معها مع وقائع وتحولات جديدة، ومصطلحات فكرية وعملية جديدة فرضت نفسها على واقعنا بقوة ومن دون استئذان: الكوكبة والعولمة والشرق أوسطية والمتوسطية ونهاية التاريخ و.. إلخ.
إن ذلك كله يلزمنا، كنخب مثقفة واعية، بضرورة تحليل ودراسة الاستجابات وردود الأفعال السياسية العربية المتحركة في سياق تكتيكات واستراتيجيات مختلفة تحاول بلورة مواقف، وفتح إمكانات عملية متعددة للرد على التحديات الخطيرة، التي تثيرها تلك الأوضاع الحساسة والخطيرة، وذلك بهدف تأمين موقع ودور للعرب عموماً ولدول المجلس الخليجي خصوصاً، حيث الوفورات الكبيرة للثروة النفطية، في المعادلة الكونية والدولية المستجدة.
ومن الواضح هنا أننا عندما نتحدث عن قضية الاستجابة أو ردة الفعل الجماعي تجاه متغيرات العصر، فإننا نقصد بها، تحديداً، حركية الفعل السياسي، أي مجموعة السياسات التطبيقية المختصة بإيجاد أنساق ومجالات عمل، وبلورة مواقف مجتمعية وتعزيزها وتطويرها من خلال خلق واستحداث آليات للعمل جديدة تؤمن إرادة جمعية عامة يمكن أن تعمل، في إطار تفعيل تلك الاستجابات، على تقدم المجتمع العربي نحو أهدافه وتطلعاته ومستلزمات وجوده الأساسية في الحياة.
من هذا المنطلق نجد ضرورة ملحة في ترسيم حدود واعية للوضع العربي والخليجي المستجد، ودراسة طبيعة التقلبات السائدة على الساحة العالمية كلها.. على اعتبار أن الانطلاق الفاعل نحو بناء المستقبل والتحكم ببعض مساراته مرهون، إلى حد كبير، بدراسة ظروف وملابسات الواقع الراهن السياسية والاقتصادية والاجتماعية، ووعي مواقع الأمة العربية، وأدوارها ومواطن القوة والضعف فيها.
هناك أزمة علمية واضحة تظهر في غياب منظومة خليجية متكاملة لنقل المعرفة واكتساب المهارات وتراكم الخبرات والفاعليات
وبالنظر إلى الحجم الهائل لهذا العمل الفكري وتشعب عناوينه السياسية والثقافية وتنوع مواضيعه، وتعدد مساراته، وسعة الأفكار التي يمكن معالجتها في سياق طرح مفاهيمي ناقد، فإننا سنكتفي بدراسة الجانب العلمي التخصصي من هذه المسألة المعرفية الواسعة أي من زاوية (البحث العلمي والتقني الحالي في دول الخليج)، وذلك من خلال إجراء مراجعة بسيطة لبعض الأرقام والإحصائيات القائمة في بعض مؤسسات ومراكز البحث العلمي الخليجي والعربي، التي يمكن أن تعطينا رؤية واقعية عن طبيعة هذا البحث السائد في تلك البلدان، ومن ثم محاولة تحليل تلك الأرقام، واستخلاص العبر والدروس من خلالها، في ضوء مستجداتنا المعاصرة، لنصل في النهاية إلى التساؤلات الاستنتاجية التالية، ومحاولة الإجابة عنها وفق الإمكانات المتاحة أمامنا.
لكن وقبل طرح الإشكاليات التساؤلية، نجد ضرورة أن نؤكد هنا، في ظل الارتباط الوثيق القائم بين متطلبات ومقتضيات التقدم الصناعي في أي بلد من البلدان، وبين طبيعة التطور التكنولوجي المبني على قاعدة البحث العلمي التجريبي، على أن القوة المحركة لأي تقدم وتطور في أي بلد هي في وجود بحث علمي حقيقي، الذي يكتسب يوماً بعد يوم دوراً محورياً في خدمة التنمية الصناعية والاقتصادية في ظل ما تشهده المجتمعات الكونية كلها من تغيرات اقتصادية كاسحة في ظل تحرير التجارة وقوانين منظمة التجارة العالمية والعولمة، التي عملت على انفتاح الأسواق أمام السلع والخدمات والتقنية.
إشكالية البحث
هل تتوافر لدينا، خصوصاً لدى دول الخليج التي حازت على قدرات وثروات هائلة خلال المراحل الزمنية الأخيرة، الإمكانات المعرفية الواسعة، والقواعد العملية والمنهجية المحددة والمضبوطة بهيكليات علمية حقيقية التي يمكن أن نرتكز عليها ونتحرك على طريقها باتجاه بناء حاضر صاعد ومستقبل واعد لدولنا في الخليج العربي، التي تحث الخطى في عملية البناء والتعمير الحضاري بشرياً وطبيعياً، قبل أن ندرس كيفية تشييد وبناء (هذا المستقبل) والإمساك بناصيته؟! ثم كيف يمكن أن تعمل دولة ما أو منظومة سياسية واقتصادية ما، كمجلس التعاون مثلاً، على امتلاك المستقبل إذا لم تستطع أن تنهض بأعباء ومتطلبات الحاضر الذي يجب أن يشكل، بحد ذاته، قاعدة أساسية لبناء ذلك المستقبل؟! ثم ما الاستراتيجيات التي وضعها قادة ونخب واقتصاديو المجلس الخليجي في لحظته الراهنة لمواجهة تحديات قيام حاضر خليجي متطور قبل أن يبدأ ببناء دعائم التطور المستقبلي ومحاولة السيطرة عليه؟!
الاستراتيجية العلمية لدول الخليج العربي
يبدو للمتأمل في واقع الفعل السياسي الخليجي الراهن، أن ردود فعل الدول الخليجية عموماً على مخاطر وتحديات العصر الهائلة والسريعة والمتلاحقة (والتي يكاد فيها المتغير يكون الثابت الكوني الوحيد) ليست بالمستوى المطلوب لفهم وإدراك حجم التطورات والتحولات السياسية والاجتماعية العالمية. طبعاً لا يعني هذا الأمر أن الخليج العربي قد بقي خارج نطاق دائرة التأثر بتلك الأحداث الجسام لكنه بدأ بالعمل، جدياً، على مستوى تطبيق سياسات جديدة في شتى ميادين العمل اليومي كله. لكننا نجد أن معظم تلك السياسات لم تعط النتائج الفعلية المؤثرة المطلوبة منها حتى الآن.
نجد ضرورة ملحة في ترسيم حدود واعية للوضع العربي والخليجي المستجد، ودراسة طبيعة التقلبات السائدة على الساحة العالمية كلها
فمثلاً على صعيد البحث العلمي والتقني (وهو موضوعنا الأساسي هنا) نلاحظ أن هناك أزمة علمية واضحة تظهر في غياب منظومة خليجية متكاملة لنقل المعرفة واكتساب المهارات وتراكم الخبرات والفاعليات، واستغلالها في ميدان التنمية الاقتصادية الفردية والاجتماعية، وفي مجال التطوير التقني والتكنولوجي.
وعندما نراجع كل أدبيات العمل البحث العلمي الخاص بدول الخليج العربي في الوقت الحاضر، الخاصة بدراسة مشاكل البحث العلمي وتحليل واقعه القائم حالياً، نلاحظ أن تلك الأدبيات تكاد تجمع في تقاريرها الخاصة والعامة على أربعة أمور أساسية:
الأول: انخفاض عدد الباحثين العلميين الحقيقيين المشتغلين بالبحوث العلمية العربية بالمقارنة مع الدول المتقدمة ومع المعدل الوسطي العالمي نفسه.
الثاني: هشاشة وضعف البنية المؤسساتية والعلمية الخليجية، وعدم قدرتها العملية على تحقيق أدنى معدلات الاستجابة الفاعلة للتحديات التقنية الهائلة.
الثالث: ضعف المستويات الأكاديمية على صعيد قبول الطلاب في الجامعات، وضعف مستويات الترقية بالنسبة لأعضاء الهيئة التدريسية ، وقلة المشاركة في المؤتمرات الدولية من أجل الاستفادة والمنفعة واكتساب المعراف وتبادل الخبرات والنتائج العلمية.
الرابع: نقص مردودية الباحث الخليجي في البحث والعمل نظراً لقلة تعويضه وحافزه المادي والمعنوي. ويبدو هذا الانخفاض في عدد الباحثين العلميين عندنا واضحاً إذا نظرنا إلى توزيع القوة البحثية العالمية. فهي تتوزع على ميادين خمسة رئيسية: 36 في المائة للعلوم الطبية، 24 في المائة للعلوم الزراعية، 22 في المائة للعلوم الهندسية، 8 في المائة للاقتصاد والتجارة، ومن خلال هذه النسب نجد أن هناك غياباً كبيراً، ونقصاً واضحاً للعمل البحثي في ميادين العلوم الأخرى وبخاصة العلوم الاجتماعية والإنسانية (الأنثروبولوجية).
إننا نلاحظ في هذا المجال (في ما يتعلق بنوعية مؤسسات البحوث العلمية الموزعة في الجامعات الخليجية المختلفة) أنه على الرغم من المحاولات الجادة والخطوات الحثيثة التي قامت بها بعض البلدان الخليجية لدعم إنشاء وتوسيع وتطوير مراكز ومؤسسات تقنية علمية حديثة، لا تزال تلك المؤسسات تعاني وتواجه مشكلات وتعقيدات نظرية وتطبيقية كبيرة في شتى المواقع، تقف في وجه تقدم إنتاجيتها العلمية والاجتماعية، وتمنعها من الانطلاق المثمر والعمل المنتج والمؤثر على مستوى ضرورة وجود انعكاسات اجتماعية عملية للبحث العلمي تساهم بقوة في بناء المجتمع وتطوره وتقدمه نحو الأمام.
معوقات البحث العلمي الخليجي
من هنا نتساءل عن حجم تلك المشكلات والمعوقات التي تواجه مسيرة البحث العلمي في دول الخليج العربي؟! وبالتالي ما مقومات ومستلزمات قيام بحث علمي خليجي متكامل مع ذاته ومع بقية الأقطار العربية في المشرق والمغرب؟ في الواقع يمكننا أن نتحدث عن أهم تلك المشكلات والتحديات في النقاط التالية:
1- غياب سياسة علمية واضحة ومتوازنة ومتسقة يمكن أن تنظم عملية البحث العلمي وتوجه الموارد، وتستثمر الطاقات والقدرات المتاحة والمتوافرة حسب سلم الأولويات، إذ أنه لا يكفي أن تخصص الدول الخليجية جزءاً محدداً من موارد إنفاقها الأساسي (في ميزانياتها السنوية) للقيام باستثمارات علمية في ميدان البحث العلمي فقط. ولكن لا بد من دراسة ومعرفة أفضل الأساليب وأنجع الطرق النوعية والفاعلة للاستفادة من هذه الاستثمارات في شروطنا ومناخاتنا السياسية والاجتماعية السائدة، نحن يجب أن نبحث، لكن ذلك مرتبط بسؤال أساسي هو: لماذا نبحث، ولمن نبحث، وما أسس وركائز هذا البحث؟! ويبدو واضحاً أن السياسات العلمية لمعظم الدول الخليجية غير قادرة، في كثير من الأحيان، على إعطاء إجابات مقنعة عن ذلك السؤال أو تحديد أهداف وغايات واضحة ومجدية للبحث العلمي بشكل عام، وفي مختلف المجالات والميادين. كما أنها لا تزال عاجزة عن تحديد أساليب ووسائل وآليات عمل مناسبة لبناء الأداة والقاعدة البشرية والصناعية لتحقيق تلك الأهداف والطموحات.. لذلك من الطبيعي جداً، والحال هذه، أن يسود الوسط البحثي العلمي في الخليج العربي، تماماً كما هي الحال في بقية الدول العربية، جو انعدام الوزن، والافتقار للتراكم والتقدم والتطور والوعي، والنقل الحرفي، والأسلوب التردادي التلقيني. وكأن البحث يأتي بالنقل لا بعملية الشك في المعطيات والبناء على ما هو موجود من تجارب ومعطيات قائمة.
2- قلة الموارد ونقص الإمكانات المخصصة للقيام بالبحوث العلمية. حيث تشير آخر الأرقام والإحصاءات المتوفرة في هذا المجال إلى أن حجم الإنفاق الخليجي العام على بحوث التطوير العلمي والتقني قد بلغ عام 1992 (275) مليون دولار، وهذا المبلغ لا يزيد على 0.085 من الناتج القومي الإجمالي، وهو أدنى المعدلات في العالم الثالث كله. وتبلغ هذه النسبة حوالي 0.05 في المائة في البلدان النامية عموماً و1.5 في المائة في البلدان التابعة لبعض المنظمات العالمية. أما الولايات المتحدة، وبحسب تقرير المؤتمر القومي السابع، فإنها تخصص ما مقداره 175 مليار دولار للبحث والتطوير.. أي أكثر بكثير مما تخصصه البلدان الخليجية والعربية مجتمعة للبحث العلمي. طبعاً هذه الأرقام والإحصائيات مضى عليها أكثر من 15 سنة، والواقع الحالي أفضل نسبياً من السابق، إذ إن معظم الدول العربية تصرف على موضوع البحث العلمي، وتخصص له موارد وميزانيات أكثر من ذي قبل، ولكننا، بالمجمل العام، ويا للأسف، لا نزال في بداية الطريق، ودون الدرجة الأولى، وأشير إلى ذلك بالأرقام:
(بالنسبة لسياسة الإنفاق على البحوث العلمية والتطوير التقني تشير الأرقام المتاحة أمامنا إلى أن الدول العربية، ومنها دول مجلس التعاون، تأتي في مراكز متأخرة على قائمة تقديرات إنفاق دول العالم في هذا المجال. ففي حين أنه لم تزد ميزانية البحث والتطوير للدول العربية 1995 عن 750 مليون دولار، فإن إجمالي الإنفاق العالمي وصل إلى أكثر من 500 مليار دولار في العام المذكور، وتتعدى نسبة إنفاق الدول الصناعية على أنشطة البحث والتطوير 3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي. وفي الوقت نفسه فإن ما يؤخذ على العالم العربي في هذا الشأن ليس ضعف الإنفاق على أنشطة البحث والتطوير فحسب، بل غياب التعاون والتنسيق بين مراكز البحوث والتقنية العربية أيضاً. وقد يكون في التجربة الكورية أبلغ مثال على ما يحقق الاهتمام بالبحث العلمي والتطوير التقني من تقدم للمجتمعات. ففي بداية الستينات لم يكن إنفاق كوريا الجنوبية على البحث والتطوير يتجاوز 0.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي ليرتفع عام 2000 إلى حوالي 5 في المائة، الأمر الذي يفسر السبب وراء ما حققته كوريا الجنوبية من نجاح صناعي في السنوات الأخيرة).
(كما أن أعلى دولة عربية من حيث حجم الإنفاق على البحث العلمي فإنه لا يتعدى 0.03 بالمائة من ناتجها القومي.. فكيف سينتج عندنا بحث علمي، في حين دول شبيهة لنا قريبة من ظروفنا مثل كوريا، كما أسلفنا، تنفق حوالي 5 في المائة من ناتجها القومي على البحث العلمي. طبعاً لن نقارن أنفسنا بدولة روسيا الاتحادية، ولا بدول أوروبا الغربية، ودعك مما تنفقه إسرائيل، وهولندا وهي دولة بسيطة صغيرة يعادل البحث العلمي فيها ميزانية عدة دول عربية مجتمعة.. كما أن عدد الباحثين في أحد مراكز الأبحاث في فرنسا يكاد يعادل عدد الباحثين في كل الدول العربية).
إن هذه الأرقام والإحصائيات المحبطة تشير في الواقع، بعد تحليلها وقراءاتها بتمعن، إلى ضعف بحثنا العلمي في الخليج العربي. خصوصاً وأنه لا يمكن لأي تطور في أي مجتمع (في مجال الصناعة أو الاقتصاد أو التعليم) أن يتم إلا من خلال وجود بحث علمي حقيقي ونوعي منتج ومؤثر.
3- ضعف استراتيجيات التحديث الخليجية والعربية عموماً، وعدم توازنها وعدم فاعليتها واتساقها لأن الأصل في التحديث والتطور العلمي أو الحداثة العلمية هو في بناء استراتيجية حقيقية ناجحة تعظم من الاستثمارات العلمية المفيدة في كل ميدان: (تكوين رأس المال الاقتصادي والعلمي والتقني والفكري والروحي والاجتماعي، وتحرير الشعوب والجماعات والأمة من الخوف والاستلاب والجمود والإمعية والاقتداء والاستزلام والمحسوبية والشعور بالضعف والنقص والدونية)، وهذا الأمر يتناقض تماماً مع الواقع القائم في المجتمعات الخليجية والعربية حالياً، ولا يخفى أن نشير هنا إلى أن وجود هذا المناخ المناقض لبديهيات شروط البحث العلمي، قد أدى، وسيؤدي في المستقبل أيضاً، إلى هدر وخسارة مبالغ طائلة. (وقد قدرت دراسة حديثة حجم الإنفاق المالي على الخدمات الاستشارية التي قدمتها المكاتب والشركات الأجنبية للدول الخليجية العربية بنحو 20 مليار دولار في عام واحد هو 1979).
طبعاً: تحتل حالياً أقطار مجلس التعاون الخليجي (التي يبلغ سكانها نحو 5 في المائة من سكان الوطن العربي) المقدمة في ميدان النشر البحثي في الوطن العربي، بل إنّ هذه الأقطار فاقت مصر في عام 1989 (والتي يبلغسكانها 20 في المائة من سكان الوطن العربي) وذلك للمرة الأولى.
وأن إنتاج السعودية وحده ازداد من نحو(5) في المائة من إنتاج مصر في عام 1975 إلى (70) في المائة منه في عام 1995. وعموماًيبلغ الإنتاج العلمي للوطن العربي الآن (72) في المائة من إنتاج إسرائيل، وكان يبلغ (40) في المائةمنه في عام 1967. ومع أنَّ هذا يمثّل تحسناً، إلا أنه جرى على مدى ثلاثين سنة تقريباً، ومثل هذا التقدّم العربي البطيء يشير إلى تعثّر واضح في هذا المجالحالياً، وربما كذلك بالنسبة إلى المستقبل.
4- ضعف الحريات الأكاديمية والفكرية العامة في المجتمعات الخليجية عموماً مع بعض الاستثناءات، وعدم توفير الأجواء الملائمة للإبداع والحداثة العلمية والاقتصادية بإطلاق حريات الأفراد وتوفير إمكانات المشاركة الفعلية أمامهم، سواء من النخب العلمية أو من مختلف قطاعات الشعب الأخرى، لأن ملامح التقدم والازدهار العلمي والتقدم التقني وامتلاك المستقبل ترتبط حلقاتها، في كل التاريخ البشري، وتتسع لجهود الجميع في مناخ من المساواة والحرية والعدل والأمان الجماعي والحس الوطني الواعي والهادف.
5- عدم وجود سياسة تربوية علمية ناجحة تقوم بتنشئة الأجيال على مقدمات ومعطيات البحث والتدقيق والاهتمام. لأن نشوء وقيام وازدهار بحث علمي حقيقي في مستقبل أي مجتمع أو أمة مرتبط عضوياً بطبيعة وسائل وأدوات التربية والتنشئة الثقافية الاجتماعية لأجيال تلك الأمة. وفي هذا الإطار يجب أن تؤدي الأسرة دوراً فاعلاً في تنشيط الطاقات الإبداعية والإنتاجية لدى أبنائها وتوجيهها الوجهة العلمية السليمة على صعيد الاهتمام الجدي المسؤول بروحية العلم والبحث العلمي ودوره الهام في الحياة الإنسانية.
6- بروز ظاهرة هجرة الشباب والعقول والأدمغة المفكرة إلى الخارج، وما لها من تأثيرات سلبية كبيرة في مجمل عملية التنمية العربية، ولا سيما ما تسببه من خسائر مادية وعلمية للأقطار العربية. الأمر الذي يحمّل المشروعات الصناعية العربية تكاليف إضافيّة (للخدمات الاستشاريّةوالعمولات والرشاوى والتلاعب بالأسعار)، بنسبة تتراوح بين 200-300 في المائة مقارنةبالتكاليف الأولية لها.
7- ضعف المجتمع العلمي والتقني الخليجي، وفي أحيان كثيرة عزلته عن النشاط الوطني العام ككل من خلال عدم ربط البحث العلمي بالمجتمع، وضعف مراكز المعلومات وخدمات التوثيق والمكتبات، وعدم توافر المناخ الملائم للعمل البحثي، ، وقلة الحوافز المادية، والتبعية العلمية والتقنية للخارج، وضعف البنيات الأساسية للحراك الاجتماعي والاقتصادي الخليجي، الذي يفترض أن يشكل، من حيث المبدأ، القاعدة الصلبة والنواة القوية لقيام ونشوء البحوث العلمية.
وهذا الواقع سيفضي لا محالة إلى استنكاف الباحثين عن العمل وبالتالي حدوث نقص كبير في الإنتاج العملي من حيث المردود النوعي والكمي معاً، حيث نلاحظ، في هذا المجال، أن إنتاج العلماء العرب عموماً يقف عند حد 0.6 بحث في العام. أما في ما يتعلق بالإنتاجية العربية مقارنة مع إسرائيل (التي تبلغ ميزانية البحث العلمي لديها أكثر من 6.5 مليارات دولار سنوياً) والدول المتقدمة الأخرى، فلا يزيد الناتج الخليجي على 0.65 في المائة من الناتج الإسرائيلي، وأقل من ذلك، بالتأكيد، بالنسبة للدول المتقدمة.
(وتشير إحصائيات اليونيسكو إلى توفر حوالي سبعة آلاف عالم وفني في ميدان البحوث والإنماء في الوطن العربي في عام 1973، وكان على هؤلاء أن ينشروا، إذا استخدمنا المقاييس الدولية للأداء، ما بين 4000 و8000 بحث سنوياً، بينما لم ينشر الباحثون العرب إلا 847 بحثاً أي بمعدل إنتاجية أقل من 10 في المائة من المعدل الدولي. وهذا يعني أن هناك حاجة لعشرة باحثين عرب في المتوسط لإنتاج ما ينتجه باحث واحد في المتوسط الدولي).
(أما إحصائيات سنة 2004 لنفس المنظمة العالمية.. فتقول إن الدول العربيةمجتمعة خصصت للبحث العلمي ما يعادل 1.7مليار دولار فقط، أي ما نسبته 0.3 في المائة منالناتج القومي الإجمالي. في حين نلاحظ أنّ الإنفاق على البحث العلمي في إسرائيل (ما عدا العسكري) حوالي 9.8 مليار شيكل، أي ما يوازي 2.6 في المائة من حجم إجمالي الناتجالقومي في عام 1999. أما في العام 2004 فقد وصلت نسبة الإنفاق على البحث العلمي في إسرائيل إلى 4.7 في المائة من ناتجها القومي الإجمالي).
ويُعدّ القطاع الحكومي المورد والممول الرئيس لنظم البحث العلمي في الدول العربية، حيث يبلغ حوالي 80 في المائة من مجموعالتمويل المخصص للبحوث والتطوير مقارنة بـ 3 في المائة للقطاع الخاص و8 في المائة من مصادر مختلفة،وذلك على عكس الدول المتقدمة وإسرائيل، حيث تراوح حصة القطاع الخاص في تمويلالبحث العلمي 70 في المائة في اليابان و52 في المائة في إسرائيل والولايات المتحدة والدول الأخرى.
وبالنظر إلى ذلك، فإننا نؤكد أن هناك هوة واسعة بين العمل الجدي الحقيقي المنتج والمطلوب وبين ما هو منتظر من الإمكانات والمواهب البشرية العاملة في ميدان البحث والتطوير من العلماء والأكاديميين الباحثين في المؤسسات العلمية الخليجية.
ومع الأهمية الكبيرة لما سجلته دول الخليج العربية من تطور في مجال التنمية الاقتصادية والصناعية حيث يربو عدد المنشآت الصناعية في دول المجلس على 7300 مصنع يتجاوز حجم الاستثمار فيها 80 مليار دولار، وتستخدم أحدث التقنيات وتطرح منتجات بمواصفات وجودة عالية، وعلى الرغم من وجود العديد من مراكز البحث العلمي في دول المجلس في مقدمتها مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، ومعهد الكويت للأبحاث العلمية، ومعهد البحوث في جامعة الملك فهد للبترول والمعادن والعديد من الجامعات الخليجية الأخرى، إلا أن دول الخليج العربية لا تزال تعتمد على استيراد الخدمات التكنولوجية لمعظم الصناعات القائمة والمشاريع الجديدة، ومثل هذا الوضع المرضي يعزى إلى عدد من الأسباب نذكر منها:
– غياب التصور الواضح لأهمية البحث والتطوير كجزء من البنية التكنولوجية والعلمية اللازمة للتنمية الصناعية.
– استمرار الاعتماد على الحكومات في هذا المجال، على عكس ما هو معمول به في الدول المتقدمة حيث يتولى القطاع الخاص الجزء الأعظم من المسؤولية.
– وجود المشكلات الإدارية والتنظيمية، وإهمال التدريب المستمر سواء على الأجهزة الجديدة، أو لاستعادةالمعلومات العلمية ورفع الكفاءة البحثية.
– غياب التشريعات الواضحة المنظمة والمحفزة للبحث والتطوير في دول المجلس الخليجي.
– عدم وجود قاعدة بيانات عربية وخليجية متكاملة وصلبة عنالنشاط العلمي الجاري،وليست هناك قاعدة بيانات عن هذه المعاهد أو المراكز والهيئاتالتي تجرى فيها البحوث العلمية، وليست هناك وسائل مناسبة أو متوفرة بيسر لنشر النتائج التييتوصل إليها العلماء أو نشر خبراتهم.
– قلة التنسيق بين معظم البحوث العلمية المنجزة في دولنا الخليجية، حيث لا تجد معظم تلك البحوث العلمية المنجزة، وبعضها ربما يضاهي بحوث أجنبية رائدة في مجاله، طريقها للتنفيذ في معظم الأحيان لسبب جوهري هو الافتقار لسياسة التسويق المطلوبة لهذه البحوث. فمثلاً بلغ عدد الأبحاث العلمية المنجزة والمنفذة بدعم من جامعة الملك عبد العزيز عام 1998 أكثر من 809 أبحاث، لم يتم الاستفادة من معظمها في ظل غياب الآلية والجهاز المناسبين لتسويقها.
من هنا، وبالنظر إلى ما تقدم، نؤكد أنه إذا أرادت دول الخليج العربي أن تفتح مسارات وطرقاً واسعة لها ولمجتمعاتها باتجاه المساهمة والمبادرة الحضارية في المستقبل، وبالتالي المساهمة الفعالة في البناء والتنمية وإثبات الوجود في عالم الأقوياء، فعلى نخبها وقياداتها أن تعيد الاعتبار للأسس والقواعد المؤسساتية البديهية في العمل العلمي، وأن تتحرك قبل ذلك على طريق بناء دولة الموازنات والخطط التنموية الشاملة التي ترعى، بصدق ومسؤولية، العلم والعلماء ، وتقوم بتنمية الثروة بالإدارة العلمية الكفية، وتجعل من العلم والبحث العلمي المبدع رافعة للدولة والمجتمع على أساس أولوية العلم على المال والوعي على تكديس المال والثروة، وذلك باعتبار أن هناك طاقة وقيمة حضارية وتقدمية مختزنة في ذات العلم تضع المال والثروة في خدمة هذا العلم الذي يخطط بطاقته، ثروة ومال المجتمع.
إن التحديات والأخطار القائمة حالياً كبيرة جداً، ولا سبيل إلى فهمها ومواجهتها إلا بانتهاج طريق العلم والمعرفة العلمية المتوازنة التي يجب أن تدفعنا جميعاً، بحكم ضعفنا وانهيار مناعتنا الذاتية، إلى إعطاء القيمة الكبرى للعلم والبحث العلمي، وما يستحقه من عناية واهتمام وبناء الإدارة العلمية الأخلاقية، وابتكار أساليب جديدة لتنشئة الأجيال العربية الخليجية على عشق العلم الهادف وتنمية حس وروح المبادرة والبحث لديها.
إننا نعتقد أن البحث العلمي المنشود في دولنا الخليجية هو أحد العناوين المشرقة التي يمكن أن تمنحنا، من خلال تفعيل أدائها ودعمها وفتح المجالات أمام خبراتها للانطلاق والمساهمة في بناء الإنسان وتنمية المجتمع، القدرة على المضي قدماً في عملية النهوض الحضاري (للخليج ولبقية مجتمعات عالمنا العربي) وامتلاك المستقبل بالارتكاز إلى رؤية حضارية علمية تعتمد على إعادة النظر في تنظيم آليات الانبعاث، وأنماط الإيقاظ المستمرة لفكر الإنسان والفرد الخليجي، وتعميق إدراكه ووعيه بطبيعة التغيرات الكبيرة الحاصلة في العالم، وتهيئته لها نفسياً ومادياً، وهذا الأمر يتطلب التركيز الدائم على إجراء البحوث الاجتماعية الإنسانية نفسها، لأنها القادرة على كشف ذات الإنسان ومحتواه الداخلي وفهم تشكيلاته وأبنيته الاجتماعية، وبالتالي تربية الأجيال الشابة وإعدادها للمستقبل من خلال توفير مناهج علمية (تربط العلم بالأخلاق الإنسانية) وتأمين وسائل علمية متطورة.
لذلك وعلى صعيد البحث العلمي الخليجي فإن المطلوب هو:
1- إعداد وتأهيل وبناء الكوادر والباحثين العلميين الحقيقيين. حيث إننا قد ننفق كثيراً على عقد وتنظيم المؤتمرات والبحوث العلمية، ولكن من دون باحثين حقيقيين، ومن دون وجود بحث حقيقي جدي كما هو واقع الحال راهناً، حيث نقف كمراقب أمام مفارقة: كثرة انعقاد الندوات والمؤتمرات وحلقات البحوث العلمية (والميزانيات الكبيرة المفتوحة أمام منظميها)، وقلة (إلى حد انعدام) وجود البحوث العلمية الجدية المنتجة والمؤثرة في عالم اليوم التي يمكن أن تشكل إضافة نوعية للعلوم المعاصرة.
2- ضرورة معرفة البحث العلمي الذي يتم الاشتغال عليه، أهميته، فائدته، ربطه بالحياة والمجتمع ككل.
3- توفير الإمكانات والموارد المادية اللازمة. وأول هذه الإمكانات هي أرضية البحث العلمي والقضايا المهمة في مجتمعاتنا.
4- تجسيد وإنزال الأبحاث العلمية منزلة التطبيق حتى يستفيد منها المجتمع الخليجي ككل..
5- تعاون القطاعين الحكومي والخاص، والإنفاق بشكل أكبر على عملية البحث العلمي، وإنشاء المزيد من مراكز البحوث، ودعم القائم منها، وبخاصة في ما يتعلق بتسويق مخرجاتها من نتائج البحث لكي تجد طريقها إلى التنفيذ العلمي.
6- إيجاد آليات عمل مناسبة للتنسيق والتعاون سواء بين مراكز البحوث الخليجية نفسها، أو بين هذه المراكز والمنشآت الصناعية لضمان عملية النقل الفعلي لنتائج البحوث إلى الصناعة، ولا ننسى توفير البيئة المناسبة.. ومن ذلك التشريعات المنظمة للبحوث والحوافز للاستفادة منها.
وأخيراً نؤكد أن المجتمع أو الأمة التي تريد أن تنتج أو تبدع شيئاً جديداً يعود بالفائدة والنفع على أبنائها في حاضرهم ومستقبلهم، هي الأمة التي تحترم شعبها وجماهيرها وتقدر كفاءاتهم ومواهبهم وإبداعاتهم الفكرية والعلمية. إنها الأمة التي تعي حقيقة مقدراتها وثرواتها الطبيعية والبشرية، وتقوم بتوجيهها الوجهة الصحيحة على صعيد العمل والممارسة الإبداعية وربط الأهداف بالنتائج المثمرة، وبما يخدم تطلعاتها وأهدافها العالية والطموحة في قيام الإنسان الذي هو أساس الحياة ومنطلق الوجود.
إنني أرى أن مستقبل مجتمعاتنا العربية، وبخاصة في دول مجلس التعاون الخليجي، هو رهن لفعلنا وبذرنا الراهن. إنه ثمرة أعمالنا وحصاد ما نزرعه في لحظتنا الحالية التي يجب أن نعمل فيها على تغيير أوضاعنا من الداخل، وتحسين مواقعنا ومضاعفة جهودنا، وفهم دورنا في العالم، وتكثيف مساهمتنا في المسيرة الإنسانية العالمية، وانفتاحنا على الآخرين بوعي وثقة ليكون لنا موقع ودور مهم وحيوي في سجل الحضارة الحديثة، وذلك من خلال ضرورة الوقوف المتأمل أمام الثوابت الفكرية والمعرفية للأمة والاهتمام النقدي الصحيح بنسيجها وبنيانها التاريخي الحيوي.
إن تشييد الحياة الجديدة القوية، وتوطين العلم والتكنولوجيا، وبناء البحث العلمي الحقيقي المنشود لا يتأتى عبر شراء الجديد من البحوث، أو نقل مصانع ومعامل جديدة من بيئتها الأصلية، حتى وإن أصبحت عملية الحصول على التقنية الحديثة متاحة تقريباً للجميع، وأقل صعوبة بفضل ثورة الاتصالات التي جعلت انسياب المعلومات لا يتطلب الكثير من الجهد والوقت. فامتلاك التقنية، أو بالأحرى ما يسمح مالكو التقنية بنقله منها، يتطلب أكثر من مجرد توفير المال، باعتبار أن الحصول عليها بالشراء ليس هدفاً بحد ذاته، فالأهم هو توطين التقنية والعلوم الحديثة من خلال إيجاد مناخها وخلق فضائها المعرفي والثقافي عندنا، بكل ما يعني ذلك من استيعاب وتدريب وتأهيل للكوادر الوطنية واستغلال وتطوير لها، وبما يتناسب والظروف والاحتياجات المحلية.
ومن خلال ذلك فقط يمكن أن تحدث عندنا يقظة حضارية أو انبعاث حضاري قد نمتلك عبره بعض معالم السيطرة على المستقبل. ولاشك في أن ذلك يمر في طريق ممارسة النقد والمراجعة لكثير من حساباتنا الثقافية والسياسية والاجتماعية، بحيث يؤهلنا، هذا النهوض أو الانبعاث الحضاري المستقبلي، لأن نكون (كأمة حباها الله تعالى خيرات ومواهب وطاقات وافرة) معادلة مستقلة تفرض وجودها في مواجهة (مقابل) المعادلات التي فرضتها (ولا تزال تفرضها) الدول الكبرى علينا. ولاشك في أن السبيل الوحيد إلى ذلك هو تغيير ما بالنفس كأساس لتغيير ما بالواقع.
::/fulltext::
::cck::1578::/cck::
