مخرجات البحث العلمي.. هل تخدم عملية التنمية في دول مجلس التعاون الخليجي؟

::cck::1636::/cck::
::introtext::

اكتسب البحث العلمي أهمية كبيرة، نظراً لما يلعبه من دور محوري في خدمة التنمية الصناعية والاقتصادية من خلال الدراسات التي يقدمها، وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن نتائج هذه الدراسات تسهم بنسبة تتراوح بين 40 في المائة إلى 80 في المائة في تطوير الأمم المتقدمة، وذلك بفضل الإمكانات الضخمة التي توفرها هذه الدول لمؤسسات البحث العلمية والتقني، فالابتكارات والمنتجات الجديدة هي نتاج مشاريع بحث علمي تسهم في حل شامل تعوق التنمية الاقتصادية أو بطريقة غير مباشرة من خلال تناول قضايا تساعد على توفير القاعدة العلمية والمناخ المناسب لعملية التنمية على حد سواء.

::/introtext::
::fulltext::

اكتسب البحث العلمي أهمية كبيرة، نظراً لما يلعبه من دور محوري في خدمة التنمية الصناعية والاقتصادية من خلال الدراسات التي يقدمها، وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن نتائج هذه الدراسات تسهم بنسبة تتراوح بين 40 في المائة إلى 80 في المائة في تطوير الأمم المتقدمة، وذلك بفضل الإمكانات الضخمة التي توفرها هذه الدول لمؤسسات البحث العلمية والتقني، فالابتكارات والمنتجات الجديدة هي نتاج مشاريع بحث علمي تسهم في حل شامل تعوق التنمية الاقتصادية أو بطريقة غير مباشرة من خلال تناول قضايا تساعد على توفير القاعدة العلمية والمناخ المناسب لعملية التنمية على حد سواء.

وقد أثبتت تجارب الدول التي وصلت اليوم إلى درجة عالية من التقدم أهمية الاعتماد على العلم وتطبيقاته في تحقيق التقدم في مختلف مجالات الحياة، ومن هنا فإن الاهتمام بالبحث العلمي ومخرجاته يعد ركيزة أساسية في عملية التنمية.   

البحث العلمي وعملية التنمية في دول مجلس التعاون الخليجي:

تسعى دول مجلس التعاون إلى مسايرة التقدم العلمي وبما يخدم أهداف التنمية، ولذا اهتمت خلال السنوات الماضية بتنمية مؤسسات البحث العلمي والتقني، لكي تؤدي رسالتها العلمية من جهة، ولكي تسهم بدور مهم في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى، وبرز هذا الاهتمام في العديد من المؤشرات، أهمها:

1-أعطت الاتفاقية الاقتصادية واستراتيجية التنمية الشاملة بعيدة المدى لدول مجلس التعاون أهمية خاصة لبناء قاعدة علمية وتقنيه ومعلوماتية ذاتية ومتطورة،  ونصت على أن تضع الدول الأعضاء السياسات والآليات المناسبة لتحقيق التوافق بين مخرجات البحث العلمي والتقني من جهة، واحتياجات العمل والتنمية الاقتصادية من جهة أخرى، وتؤكد المادة السادسة عشرة من الاتفاقية على ضرورة ربط مخرجات التعليم العالي بسوق العمل.

وإدراكاً لأهمية البحث العلمي والتقني في عملية التنمية، فقد حثت المادة الثامنة عشرة من الاتفاقية دول المجلس على دعم البحث العلمي والتقني المشترك وتطوير قاعدة علمية وتقنية ومعلوماتية ذاتية مشتركة، باعتبارها من الأولويات الأساسية للتنمية ، من خلال  تبني السياسات التالية: (زيادة التمويل المخصص لمجالات البحث العلمي والتقني، وتشجيع القطاع الخاص على المساهمة في تمويل الأبحاث العلمية والتقنية المتخصصة، ووضع الحوافز اللازمة لذلك، والتأكيد على قيام الشركات العالمية العاملة في دول المجلس بتبني برامج متخصصة للبحث العلمي والتقني في الدول الأعضاء، وتوطين القاعدة العلمية والتقنية والمعلوماتية والاستفادة الكاملة في ذلك من خبرات المنظمات الدولية والإقليمية).

2- إنشاء المراكز والهيئات التي تقوم بتوظيف نتائج الأبحاث في خدمة عملية التنمية، وهناك العديد من المؤسسات البحثية في دول الخليج، ففي الكويت، تضم البنية التحتية الأساسية للبحث العلمي عدة مؤسسات تمارس البحث العلمي، بعضها كنشاط رئيسي مثل معهد الكويت للأبحاث العلمية، وأخرى كنشاط ضمني بجانب مهامها التخصصية مثل جامعة الكويت، والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، فضلاً عن قسم آخر هو عبارة عن  وحدات بحثية ترتبط بهيئات حكومية، مثل إدارة البحوث النباتية التي تتبع الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية، ومركز تنمية مصادر المياه في وزارة الكهرباء والماء، ووحدة البحوث الصحية التابعة لوزارة الصحة العامة وغيرها.

في الإمارات العربية المتحدة، يرتبط الاهتمام بالبحث العلمي ومؤسساته بخدمة المجتمع

وفي الإمارات العربية المتحدة، يرتبط الاهتمام بالبحث العلمي ومؤسساته بخدمة المجتمع،  وتعتبر جامعة الإمارات العربية المتحدة هي الجهة المسؤولة عن تنظيم البحث العلمي والتقني بحسب ما جاء في قانون الاتحاد رقم 4 لسنة 1976م الخاص بتنظيم مهام الجامعة ، حيث نص على (ان من مهام الجامعة رعاية البحوث العلمية وتشجيعها لخدمة المجتمع وتحقيق التطور العلمي في البلاد). وهناك بعض الأجهزة على مستوى وضع تخطيط وتنفيذ البحث العلمي والتقني في دولة الإمارات تعمل بجانب جامعة الإمارات، ومن أهم هذه الأجهزة :(اللجنة القومية للطاقة، واللجنة العليا للإشراف على الأبحاث والإرشاد والتدريب). وهناك لجان ومراكز أخرى تعمل على مستوى تنفيذ البحث العلمي والتقني، أهمها: (اللجنة العامة للإشراف على البحث الزراعي وتتعاون مع كلية الزراعة بجامعة الإمارات وغيرها من الجهات المهتمة بشؤون الزراعة، ومركز أبحاث المياه والتربة والتنمية الزراعية، والمركز التجريبي الزراعي بمدينة العين، ومحطة التجارب الزراعية بالعين).

وفي المملكة العربية السعودية، ومع بداية الخطة الرابعة للتنمية (1985- 1990م) تركزت الجهود على التنمية العلمية والتقنية، وتم تطوير أجهزة رسم وتخطيط وتنسيق سياسة البحث العلمي في المملكة. وفي نطاق هذا التطوير صدر المرسوم الملكي رقم م / 61 في عام 1985م لتغيير مسمى المركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا إلى (مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية)، ويضم هيكل البحث العلمي والتقني بجانب المدينة مراكز البحث العلمي بجامعات المملكة السبع وأقدمها جامعة الملك سعود التي تأسست في عام 1957م، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التي تأسست في عام 1961م, وجامعة البترول والمعادن التي تأسست عام 1963م، ( تم تغيير اسمها إلى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن)، ثم جامعة الملك عبد العزيز التي تأسست عام 1971م، ثم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التي تأسست عام 1974م، ثم جامعة الملك فيصل التي تأسست عام 1975م، ثم جامعة أم القرى بمكة المكرمة والتي تأسست عام 1981م،. وهناك أيضا كليات البنات التي تشرف عليها الرئاسة العامة لتعليم البنات. ويتضمن هيكل البحث العلمي والتقني بالمملكة أيضا بعض أجهزة البحث العلمي والتقني مثل : (إدارة البحث بوزارة الزراعة، المركز الوطني للأرصاد والبيئة، وكالة البترول والثروة المعدنية، والهيئة العربية السعودية للمواصفات والمقاييس).

وفي بقية دول المجلس الأخرى، هناك اهتمام حكومي واسع بدعم مؤسسات البحث العلمي التي توظف العلم والتكنولوجيا في مختلف مجالات التنمية الاقتصادية بدورها في خدمة المجتمع.

وعلى المستوى الجماعي لمجلس التعاون الخليجي، هناك اهتمام مشترك بتطوير مؤسسات البحث العلمي، وهو ما أكدت عليه القمة الخليجية السادسة والعشرون التي انعقدت في أبو ظبي في ديسمبر 2005، حيث أقرت إنشاء مركز للدراسات العلمية التكاملية يختص بإجراء وإعداد البحوث والدراسات التي من شأنها تعزيز السياسات التكاملية في كافة المجالات بين دول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة في المجالات التنموية. ولا شك في أن الموافقة على إنشاء هذا المجلس تصب في إطار تدعيم دور البحث العلمي في دعم مسيرة مجلس التعاون التكاملية في المستقبل.

ينبغي إيجاد آلية مناسبة للتنسيق والتعاونبين مراكز البحوث الخليجية نفسها

وتأتي الموافقة على إنشاء هذا المركز البحثي استكمالاً للجهود السابقة في هذا المضمار، ولعل أبرزها إنشاء جامعة الخليج العربي عام 1979 التي تمثل جهداً مشتركاً بين الدول الأعضاء في مجال تحديث التعليم العالي وتوجيهه لخدمة خطط التنمية من دون أن يكون فيها تكرار أو منافسة للجامعات القائمة ، حيث تباشر الجامعة تنفيذ خطط طموحة لدعم مناهجها وتطويرها بما يتفق مع التطورات العالمية الحديثة واحتياجات المنطقة ودولها. ومن المؤسسات البحثية والعلمية الخليجية الأخرى، التي تقوم بدور تنموي، المركز العربي للتدريب التربوي لدول الخليج العربي الذي تم إنشاؤه عام 1999 ومقره دولة قطر، بهدف الإسهام في تطوير أداء القادة التربويين على أسس تربوية وعلمية حديثة واطلاعهم على المستجدات التربوية والتجارب والتقنيات الحديثة في مجال عملهم لتحقيق التطور المهني، حتى يتمكنوا من القيام بدور فعال في تطوير العملية التعليمية وبما يخدم العملية التنموية، ويقوم المركز باختيار المشاريع والبرامج بناء على احتياجات الدول الأعضاء التي تتم دراستها، والاتفاق مع الدول الأعضاء على تحديد أولوياتها.

3-تشجيع البحث العلمي، وبما يخدم عملية التنمية والتطوير، وفي هذا السياق خصص مجلس التعاون الخليجي، تقديراً لجهود الباحثين والعلماء، وحرصاً على إيجاد الفرصة والمناخ المناسب للاستفادة من مواهبهم وتنميتها وإثرائها لتكون رافداً قوياً للنهضة التي تشهدها دول المجلس في شتى المجالات التنموية، جائزته للبحوث المتميزة، والتي تهدف إلى:  ( تشجيع الباحثين والعلماء من مواطني دول المجلس من خلال توفير الحوافز المعنوية والمادية المناسبة لتطوير خبراتهم وزيادة إسهامهم في تنمية مجتمعاتهم، والإسهام في دعم عملية التنمية الشاملة في دول المجلس من خلال توجيه جهود البحث العلمي لمعالجة القضايا والمشكلات ذات الأولوية والأهمية لدول المجلس). 

ضعف مخرجات البحث العلمي في دول مجلس التعاون:

على الرغم من وجود العديد من مراكز البحث العلمي في دول المجلس ، والجهود المبذولة لربط هذه المراكز بأهداف التنمية، فإن مخرجات أو مردودات البحث العلمي لا تزال ضعيفة بالمقارنة بالدول المتقدمة، ولا تزال دول المجلس تعتمد على استيراد الخدمات التكنولوجية لمعظم الصناعات القائمة والمشاريع الجديدة من الخارج، ويمكن تفسير ضعف مردود البحث العلمي انطلاقاً من الأسباب التالية:

1- غياب التصور الواضح لأهمية البحث والتطوير كجزء من البنية التكنولوجية والعلمية اللازمة للتنمية الصناعية، واستمرار الاعتماد على الحكومات في هذا المجال، على عكس ما هو معمول به في الدول المتقدمة، حيث يتولى القطاع الخاص الجزء الأعظم من المسؤولية.

2- غياب استراتيجيات وطنية في دول المجلس تعمل على تعزيز دور العـلوم فـي مجـال التنمية المستدامة في إطار الأوضاع المستجدة.

3- الفجوة بين الإطار النظري والواقع التطبيقي، نتيجة لغياب التنسيق المطلوب بين مراكز البحوث والجامعات والفعاليات الصناعية، فخلافاً للدول المتقدمة التي تتسم بقوة التشابك بين مختلف القطاعات ، نجد في المقابل ضعفاً شديداً في تلك العلاقات والروابط في دول المجـلس. حيـث إن ما يقدم من دراسات وأبحاث تتمثل في أن الكثير منها لا يلتصق مباشرة بالاحتياجات والأولويات المجتمعية.

ومن ناحية ثانية، يلاحظ أن معظم البحوث العلمية المنجزة في دول مجلس التعاون لا تجد طريقها للتنفيذ في معظم الأحيان، وذلك لسبب جوهري هو الافتقار لسياسة التسويق المطلوبة لهذه البحوث، فعلى سبيل المثال لا الحصر، بلغ عدد الأبحاث العلمية المنجزة بدعم من جامعة الملك عبد العزيز عام 1998 أكثر من 809 أبحاث، لم تتم الاستفادة من معظمها في ظل غياب الآلية والجهاز المناسبين لتسويقها. وفي المقابل هناك معاهد وجامعات أجنبية تطرح الآلاف من البحوث العلمية تجد طريقها للتطبيق الفعلي بفضل سياسة تسويقية محكمة تتولاها مؤسسات متخصصة تكون تابعة في العادة للمعهد نفسه، وكمثال يستحق التأمل هنا، فإن المعهد الفرنسي للبترول الذي يحتفظ بمكتب لـه في المنطقة الخليجية، قام وفي عام واحد بإنجاز 156 عقداً بحثياً للتطوير العلمي، ونشر أكثر من 500 بحث علمي، ونظم العشرات من الحلقات والدورات التدريبية لأكثر من 8000 مشارك، ويدير المعهد شركة خاصة للاستشارات العلمية والتقنية، ووصل دخل هذه الشركة التي تنشط في معظم الدول المنتجة للنفط إلى 18 مليار فرنك فرنسي.

4- انخفـاض نسبة التمويل والإنفاق على البحث العلمي مقارنة بالناتج المحـلي الإجمالي في دول مجلس التعاون، ففي الوقت الذي يمثل إسهام القطاع الخاص في البحث والـتطوير في الدول المتقدمة نسبة كبرى من التمويل والإنفاق ، فإن ذلك الإسهام يكاد يكـون ضئيلاً في معظم دول المجلس، ولا تتوفر تشريعات أو حوافز على المستوى الوطـني مـن أجل توفير التمويل اللازم لقيام نشاط علمي وتقني يحقق غايات التنمية التقنية والعلمية.

فعلى سبيل المثال تبلغ الميزانية المخصصة للبحث العلمي في السويد 3.02 في المائة من الناتج القومي ونحو 2.84 في المائة في اليابان و 2.68 في المائة في كوريا الجنوبية، و2.47 في المائة في الولايات المتحدة، و2.34 في المائة في فرنسا، ونحو 2.31 في المائة في إسرائيل، أما متوسط النسبة المخصصة له في دول المجلس فتتراوح بين 0.2 إلى 0.4 في المائة ، وهي نسبة ضئيلة جداً لا تكفي لإجراء البحوث والدراسات المعمقة.

وأخيراً، إذا كان البحث العلمي أصبح قاطرة التنمية في الدول المتقدمة، فإن على دول المجلس أن تتجه إلى تطوير البحث العلمي، لكي يؤدي الدور المنوط به في خدمة أهداف التنمية، وهذا يتطلب ما يلي:

* أن تكون استراتيجية البحث العلمي متناسقة مع الخطط المحلية للتنمية الاقتصادية في كل دولة على حدة، بحيث تؤدي جهود البحث العلمي بكافة طاقته إلى تطوير المشروعات الإنتاجية في المجتمع كالصناعات التحويلية، مثل صناعة البتروكيماويات، وصناعة الألومنيوم، وصناعة البناء وغيرها. وكذلك المشروعات الزراعية ومشروعات الأمن الغذائي.

* إيجاد آلية مناسبة للتنسيق والتعاون سواء بين مراكز البحوث الخليجية نفسها، أو بين هذه المراكز والمنشآت الصناعية لضمان عملية النقل الفعلي لنتائج البحوث إلى الصناعة.

* تعزيز التعاون بين القطاعين الحكومي والخاص، وإقامة نوع من الشراكة (الاستراتيجية) بينهما في مجال البحث العلمي.

* الإنفاق بشكل أكبر على عملية البحث العلمي، وزيادة الميزانيات المخصصة للبحث العلمي والوصول بها إلى الحد الأدنى المقرر من قبل الأمم المتحدة وهو1 في المائة من الناتج القومي، وهي نسبة تتجاوز كثيراً المخصصات المعتمدة للبحث العلمي في الوقت الحالي، وهذا بلا شك سيكون له الأثر المباشر في النهوض بأعمال البحث العلمي وتطويره ، وبما يخدم عملية التنمية الشاملة في دول المجلس.

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1636::/cck::
::introtext::

اكتسب البحث العلمي أهمية كبيرة، نظراً لما يلعبه من دور محوري في خدمة التنمية الصناعية والاقتصادية من خلال الدراسات التي يقدمها، وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن نتائج هذه الدراسات تسهم بنسبة تتراوح بين 40 في المائة إلى 80 في المائة في تطوير الأمم المتقدمة، وذلك بفضل الإمكانات الضخمة التي توفرها هذه الدول لمؤسسات البحث العلمية والتقني، فالابتكارات والمنتجات الجديدة هي نتاج مشاريع بحث علمي تسهم في حل شامل تعوق التنمية الاقتصادية أو بطريقة غير مباشرة من خلال تناول قضايا تساعد على توفير القاعدة العلمية والمناخ المناسب لعملية التنمية على حد سواء.

::/introtext::
::fulltext::

اكتسب البحث العلمي أهمية كبيرة، نظراً لما يلعبه من دور محوري في خدمة التنمية الصناعية والاقتصادية من خلال الدراسات التي يقدمها، وتشير إحصاءات الأمم المتحدة إلى أن نتائج هذه الدراسات تسهم بنسبة تتراوح بين 40 في المائة إلى 80 في المائة في تطوير الأمم المتقدمة، وذلك بفضل الإمكانات الضخمة التي توفرها هذه الدول لمؤسسات البحث العلمية والتقني، فالابتكارات والمنتجات الجديدة هي نتاج مشاريع بحث علمي تسهم في حل شامل تعوق التنمية الاقتصادية أو بطريقة غير مباشرة من خلال تناول قضايا تساعد على توفير القاعدة العلمية والمناخ المناسب لعملية التنمية على حد سواء.

وقد أثبتت تجارب الدول التي وصلت اليوم إلى درجة عالية من التقدم أهمية الاعتماد على العلم وتطبيقاته في تحقيق التقدم في مختلف مجالات الحياة، ومن هنا فإن الاهتمام بالبحث العلمي ومخرجاته يعد ركيزة أساسية في عملية التنمية.   

البحث العلمي وعملية التنمية في دول مجلس التعاون الخليجي:

تسعى دول مجلس التعاون إلى مسايرة التقدم العلمي وبما يخدم أهداف التنمية، ولذا اهتمت خلال السنوات الماضية بتنمية مؤسسات البحث العلمي والتقني، لكي تؤدي رسالتها العلمية من جهة، ولكي تسهم بدور مهم في عملية التنمية الاقتصادية والاجتماعية من جهة أخرى، وبرز هذا الاهتمام في العديد من المؤشرات، أهمها:

1-أعطت الاتفاقية الاقتصادية واستراتيجية التنمية الشاملة بعيدة المدى لدول مجلس التعاون أهمية خاصة لبناء قاعدة علمية وتقنيه ومعلوماتية ذاتية ومتطورة،  ونصت على أن تضع الدول الأعضاء السياسات والآليات المناسبة لتحقيق التوافق بين مخرجات البحث العلمي والتقني من جهة، واحتياجات العمل والتنمية الاقتصادية من جهة أخرى، وتؤكد المادة السادسة عشرة من الاتفاقية على ضرورة ربط مخرجات التعليم العالي بسوق العمل.

وإدراكاً لأهمية البحث العلمي والتقني في عملية التنمية، فقد حثت المادة الثامنة عشرة من الاتفاقية دول المجلس على دعم البحث العلمي والتقني المشترك وتطوير قاعدة علمية وتقنية ومعلوماتية ذاتية مشتركة، باعتبارها من الأولويات الأساسية للتنمية ، من خلال  تبني السياسات التالية: (زيادة التمويل المخصص لمجالات البحث العلمي والتقني، وتشجيع القطاع الخاص على المساهمة في تمويل الأبحاث العلمية والتقنية المتخصصة، ووضع الحوافز اللازمة لذلك، والتأكيد على قيام الشركات العالمية العاملة في دول المجلس بتبني برامج متخصصة للبحث العلمي والتقني في الدول الأعضاء، وتوطين القاعدة العلمية والتقنية والمعلوماتية والاستفادة الكاملة في ذلك من خبرات المنظمات الدولية والإقليمية).

2- إنشاء المراكز والهيئات التي تقوم بتوظيف نتائج الأبحاث في خدمة عملية التنمية، وهناك العديد من المؤسسات البحثية في دول الخليج، ففي الكويت، تضم البنية التحتية الأساسية للبحث العلمي عدة مؤسسات تمارس البحث العلمي، بعضها كنشاط رئيسي مثل معهد الكويت للأبحاث العلمية، وأخرى كنشاط ضمني بجانب مهامها التخصصية مثل جامعة الكويت، والهيئة العامة للتعليم التطبيقي والتدريب، فضلاً عن قسم آخر هو عبارة عن  وحدات بحثية ترتبط بهيئات حكومية، مثل إدارة البحوث النباتية التي تتبع الهيئة العامة لشؤون الزراعة والثروة السمكية، ومركز تنمية مصادر المياه في وزارة الكهرباء والماء، ووحدة البحوث الصحية التابعة لوزارة الصحة العامة وغيرها.

في الإمارات العربية المتحدة، يرتبط الاهتمام بالبحث العلمي ومؤسساته بخدمة المجتمع

وفي الإمارات العربية المتحدة، يرتبط الاهتمام بالبحث العلمي ومؤسساته بخدمة المجتمع،  وتعتبر جامعة الإمارات العربية المتحدة هي الجهة المسؤولة عن تنظيم البحث العلمي والتقني بحسب ما جاء في قانون الاتحاد رقم 4 لسنة 1976م الخاص بتنظيم مهام الجامعة ، حيث نص على (ان من مهام الجامعة رعاية البحوث العلمية وتشجيعها لخدمة المجتمع وتحقيق التطور العلمي في البلاد). وهناك بعض الأجهزة على مستوى وضع تخطيط وتنفيذ البحث العلمي والتقني في دولة الإمارات تعمل بجانب جامعة الإمارات، ومن أهم هذه الأجهزة :(اللجنة القومية للطاقة، واللجنة العليا للإشراف على الأبحاث والإرشاد والتدريب). وهناك لجان ومراكز أخرى تعمل على مستوى تنفيذ البحث العلمي والتقني، أهمها: (اللجنة العامة للإشراف على البحث الزراعي وتتعاون مع كلية الزراعة بجامعة الإمارات وغيرها من الجهات المهتمة بشؤون الزراعة، ومركز أبحاث المياه والتربة والتنمية الزراعية، والمركز التجريبي الزراعي بمدينة العين، ومحطة التجارب الزراعية بالعين).

وفي المملكة العربية السعودية، ومع بداية الخطة الرابعة للتنمية (1985- 1990م) تركزت الجهود على التنمية العلمية والتقنية، وتم تطوير أجهزة رسم وتخطيط وتنسيق سياسة البحث العلمي في المملكة. وفي نطاق هذا التطوير صدر المرسوم الملكي رقم م / 61 في عام 1985م لتغيير مسمى المركز الوطني للعلوم والتكنولوجيا إلى (مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية)، ويضم هيكل البحث العلمي والتقني بجانب المدينة مراكز البحث العلمي بجامعات المملكة السبع وأقدمها جامعة الملك سعود التي تأسست في عام 1957م، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة التي تأسست في عام 1961م, وجامعة البترول والمعادن التي تأسست عام 1963م، ( تم تغيير اسمها إلى جامعة الملك فهد للبترول والمعادن)، ثم جامعة الملك عبد العزيز التي تأسست عام 1971م، ثم جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية التي تأسست عام 1974م، ثم جامعة الملك فيصل التي تأسست عام 1975م، ثم جامعة أم القرى بمكة المكرمة والتي تأسست عام 1981م،. وهناك أيضا كليات البنات التي تشرف عليها الرئاسة العامة لتعليم البنات. ويتضمن هيكل البحث العلمي والتقني بالمملكة أيضا بعض أجهزة البحث العلمي والتقني مثل : (إدارة البحث بوزارة الزراعة، المركز الوطني للأرصاد والبيئة، وكالة البترول والثروة المعدنية، والهيئة العربية السعودية للمواصفات والمقاييس).

وفي بقية دول المجلس الأخرى، هناك اهتمام حكومي واسع بدعم مؤسسات البحث العلمي التي توظف العلم والتكنولوجيا في مختلف مجالات التنمية الاقتصادية بدورها في خدمة المجتمع.

وعلى المستوى الجماعي لمجلس التعاون الخليجي، هناك اهتمام مشترك بتطوير مؤسسات البحث العلمي، وهو ما أكدت عليه القمة الخليجية السادسة والعشرون التي انعقدت في أبو ظبي في ديسمبر 2005، حيث أقرت إنشاء مركز للدراسات العلمية التكاملية يختص بإجراء وإعداد البحوث والدراسات التي من شأنها تعزيز السياسات التكاملية في كافة المجالات بين دول مجلس التعاون الخليجي، وخاصة في المجالات التنموية. ولا شك في أن الموافقة على إنشاء هذا المجلس تصب في إطار تدعيم دور البحث العلمي في دعم مسيرة مجلس التعاون التكاملية في المستقبل.

ينبغي إيجاد آلية مناسبة للتنسيق والتعاونبين مراكز البحوث الخليجية نفسها

وتأتي الموافقة على إنشاء هذا المركز البحثي استكمالاً للجهود السابقة في هذا المضمار، ولعل أبرزها إنشاء جامعة الخليج العربي عام 1979 التي تمثل جهداً مشتركاً بين الدول الأعضاء في مجال تحديث التعليم العالي وتوجيهه لخدمة خطط التنمية من دون أن يكون فيها تكرار أو منافسة للجامعات القائمة ، حيث تباشر الجامعة تنفيذ خطط طموحة لدعم مناهجها وتطويرها بما يتفق مع التطورات العالمية الحديثة واحتياجات المنطقة ودولها. ومن المؤسسات البحثية والعلمية الخليجية الأخرى، التي تقوم بدور تنموي، المركز العربي للتدريب التربوي لدول الخليج العربي الذي تم إنشاؤه عام 1999 ومقره دولة قطر، بهدف الإسهام في تطوير أداء القادة التربويين على أسس تربوية وعلمية حديثة واطلاعهم على المستجدات التربوية والتجارب والتقنيات الحديثة في مجال عملهم لتحقيق التطور المهني، حتى يتمكنوا من القيام بدور فعال في تطوير العملية التعليمية وبما يخدم العملية التنموية، ويقوم المركز باختيار المشاريع والبرامج بناء على احتياجات الدول الأعضاء التي تتم دراستها، والاتفاق مع الدول الأعضاء على تحديد أولوياتها.

3-تشجيع البحث العلمي، وبما يخدم عملية التنمية والتطوير، وفي هذا السياق خصص مجلس التعاون الخليجي، تقديراً لجهود الباحثين والعلماء، وحرصاً على إيجاد الفرصة والمناخ المناسب للاستفادة من مواهبهم وتنميتها وإثرائها لتكون رافداً قوياً للنهضة التي تشهدها دول المجلس في شتى المجالات التنموية، جائزته للبحوث المتميزة، والتي تهدف إلى:  ( تشجيع الباحثين والعلماء من مواطني دول المجلس من خلال توفير الحوافز المعنوية والمادية المناسبة لتطوير خبراتهم وزيادة إسهامهم في تنمية مجتمعاتهم، والإسهام في دعم عملية التنمية الشاملة في دول المجلس من خلال توجيه جهود البحث العلمي لمعالجة القضايا والمشكلات ذات الأولوية والأهمية لدول المجلس). 

ضعف مخرجات البحث العلمي في دول مجلس التعاون:

على الرغم من وجود العديد من مراكز البحث العلمي في دول المجلس ، والجهود المبذولة لربط هذه المراكز بأهداف التنمية، فإن مخرجات أو مردودات البحث العلمي لا تزال ضعيفة بالمقارنة بالدول المتقدمة، ولا تزال دول المجلس تعتمد على استيراد الخدمات التكنولوجية لمعظم الصناعات القائمة والمشاريع الجديدة من الخارج، ويمكن تفسير ضعف مردود البحث العلمي انطلاقاً من الأسباب التالية:

1- غياب التصور الواضح لأهمية البحث والتطوير كجزء من البنية التكنولوجية والعلمية اللازمة للتنمية الصناعية، واستمرار الاعتماد على الحكومات في هذا المجال، على عكس ما هو معمول به في الدول المتقدمة، حيث يتولى القطاع الخاص الجزء الأعظم من المسؤولية.

2- غياب استراتيجيات وطنية في دول المجلس تعمل على تعزيز دور العـلوم فـي مجـال التنمية المستدامة في إطار الأوضاع المستجدة.

3- الفجوة بين الإطار النظري والواقع التطبيقي، نتيجة لغياب التنسيق المطلوب بين مراكز البحوث والجامعات والفعاليات الصناعية، فخلافاً للدول المتقدمة التي تتسم بقوة التشابك بين مختلف القطاعات ، نجد في المقابل ضعفاً شديداً في تلك العلاقات والروابط في دول المجـلس. حيـث إن ما يقدم من دراسات وأبحاث تتمثل في أن الكثير منها لا يلتصق مباشرة بالاحتياجات والأولويات المجتمعية.

ومن ناحية ثانية، يلاحظ أن معظم البحوث العلمية المنجزة في دول مجلس التعاون لا تجد طريقها للتنفيذ في معظم الأحيان، وذلك لسبب جوهري هو الافتقار لسياسة التسويق المطلوبة لهذه البحوث، فعلى سبيل المثال لا الحصر، بلغ عدد الأبحاث العلمية المنجزة بدعم من جامعة الملك عبد العزيز عام 1998 أكثر من 809 أبحاث، لم تتم الاستفادة من معظمها في ظل غياب الآلية والجهاز المناسبين لتسويقها. وفي المقابل هناك معاهد وجامعات أجنبية تطرح الآلاف من البحوث العلمية تجد طريقها للتطبيق الفعلي بفضل سياسة تسويقية محكمة تتولاها مؤسسات متخصصة تكون تابعة في العادة للمعهد نفسه، وكمثال يستحق التأمل هنا، فإن المعهد الفرنسي للبترول الذي يحتفظ بمكتب لـه في المنطقة الخليجية، قام وفي عام واحد بإنجاز 156 عقداً بحثياً للتطوير العلمي، ونشر أكثر من 500 بحث علمي، ونظم العشرات من الحلقات والدورات التدريبية لأكثر من 8000 مشارك، ويدير المعهد شركة خاصة للاستشارات العلمية والتقنية، ووصل دخل هذه الشركة التي تنشط في معظم الدول المنتجة للنفط إلى 18 مليار فرنك فرنسي.

4- انخفـاض نسبة التمويل والإنفاق على البحث العلمي مقارنة بالناتج المحـلي الإجمالي في دول مجلس التعاون، ففي الوقت الذي يمثل إسهام القطاع الخاص في البحث والـتطوير في الدول المتقدمة نسبة كبرى من التمويل والإنفاق ، فإن ذلك الإسهام يكاد يكـون ضئيلاً في معظم دول المجلس، ولا تتوفر تشريعات أو حوافز على المستوى الوطـني مـن أجل توفير التمويل اللازم لقيام نشاط علمي وتقني يحقق غايات التنمية التقنية والعلمية.

فعلى سبيل المثال تبلغ الميزانية المخصصة للبحث العلمي في السويد 3.02 في المائة من الناتج القومي ونحو 2.84 في المائة في اليابان و 2.68 في المائة في كوريا الجنوبية، و2.47 في المائة في الولايات المتحدة، و2.34 في المائة في فرنسا، ونحو 2.31 في المائة في إسرائيل، أما متوسط النسبة المخصصة له في دول المجلس فتتراوح بين 0.2 إلى 0.4 في المائة ، وهي نسبة ضئيلة جداً لا تكفي لإجراء البحوث والدراسات المعمقة.

وأخيراً، إذا كان البحث العلمي أصبح قاطرة التنمية في الدول المتقدمة، فإن على دول المجلس أن تتجه إلى تطوير البحث العلمي، لكي يؤدي الدور المنوط به في خدمة أهداف التنمية، وهذا يتطلب ما يلي:

* أن تكون استراتيجية البحث العلمي متناسقة مع الخطط المحلية للتنمية الاقتصادية في كل دولة على حدة، بحيث تؤدي جهود البحث العلمي بكافة طاقته إلى تطوير المشروعات الإنتاجية في المجتمع كالصناعات التحويلية، مثل صناعة البتروكيماويات، وصناعة الألومنيوم، وصناعة البناء وغيرها. وكذلك المشروعات الزراعية ومشروعات الأمن الغذائي.

* إيجاد آلية مناسبة للتنسيق والتعاون سواء بين مراكز البحوث الخليجية نفسها، أو بين هذه المراكز والمنشآت الصناعية لضمان عملية النقل الفعلي لنتائج البحوث إلى الصناعة.

* تعزيز التعاون بين القطاعين الحكومي والخاص، وإقامة نوع من الشراكة (الاستراتيجية) بينهما في مجال البحث العلمي.

* الإنفاق بشكل أكبر على عملية البحث العلمي، وزيادة الميزانيات المخصصة للبحث العلمي والوصول بها إلى الحد الأدنى المقرر من قبل الأمم المتحدة وهو1 في المائة من الناتج القومي، وهي نسبة تتجاوز كثيراً المخصصات المعتمدة للبحث العلمي في الوقت الحالي، وهذا بلا شك سيكون له الأثر المباشر في النهوض بأعمال البحث العلمي وتطويره ، وبما يخدم عملية التنمية الشاملة في دول المجلس.

 

::/fulltext::
::cck::1636::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *