السياسة الأمريكية – الخليجية وتشابك الإرادات
::cck::1650::/cck::
::introtext::
عاشت الأمة العربية والإسلامية حقباً طويلة من التراجع والتردي، بعد سقوط غرناطة وانحسار المد الحضاري الإسلامي في أوروبا، وفقدان الأمة أهم مواقعها على الحافات الغربية من المحيط الأطلسي لتبدأ حقبة أخرى يخشى أن يفقد العرب المسلمون فيها الحافات الشرقية من المحيط الهندي والخليج العربي.
::/introtext::
::fulltext::
عاشت الأمة العربية والإسلامية حقباً طويلة من التراجع والتردي، بعد سقوط غرناطة وانحسار المد الحضاري الإسلامي في أوروبا، وفقدان الأمة أهم مواقعها على الحافات الغربية من المحيط الأطلسي لتبدأ حقبة أخرى يخشى أن يفقد العرب المسلمون فيها الحافات الشرقية من المحيط الهندي والخليج العربي.
إنهاأطروحة سياسية مفترضة قد تتحول إلى حقيقة ماثلة في المشهد السياسي العربي إذا لم يستطع العرب عامة وعرب الخليج خاصة فهم وتقييم السياسة الأمريكية من منطلقات ومفاهيم الفكر العلمي والبراغماتي ليعلو بذلك على لغة الفكر الفلسفي الحماسي،والبدء بتأسيس جديد لنهضة علمية وتكنولوجية واسعة النطاق يكون من أهم نتائجها جعل حقائق السياسة الأمريكية في منطقة الخليج العربي تقوم على أساس فهم المصالح المتبادلة بمفهوم جديد وفي نطاق رؤية عربية خليجية كجزء من رؤيةأشمل على نطاق الوطن العربي ليكون عندئذ التطرق إلى السياسة الأمريكية وأمن الخليج القومي كعلاقة تدخل ضمن مصالح الشعوب بطريقة متكافئة.
أولاً: من أجل سياسة خليجية إنجازية
لا يمكن عزل مديات السياسة الأمريكية في منطقة الخليج العربي عن مديات أخرى مرتبطة بالمحيط الإقليمي لدول الخليج العربية ولاسيما ما يجري في العراق وما يتصل منها بطبيعة السياسة الإيرانية وتوجهاتها الفكرية المناوئة للسياسة الأمريكية، تقابلها نظرة سياسية أمريكية تنظر إلى توجهات تلك السياسات على أنها تأتي من باب التنظير الفلسفي القائم على أساس البنى الثقافية السائدة ليس في المحيط الإقليمي للخليج فحسب بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى المنظومة الثقافية في مجتمعات العالم الثالث، التي لا تزال تنحى في أحكامها منحى فلسفياًأفلاطونياً وهي في الوقت نفسه فاقدة العزيمة على بناء قوة علمية وتكنولوجية في عالم يعيش ضجيج عصر المعلومات وحقائق التطور العلمي والتكنولوجي والحضاري، وهذا ما يفرض على السياسة العربية عامة والخليجية خاصة الانتباه إلى أهمية بناء الركائز الداعمة للسياسة الخارجية، فهو أمر لايأتي من فراغ، إنما يأتي من خلال مخاض علمي طويل لينتج تكنولوجيا مدنية وتكنولوجيا دفاعية تضع للسياسة الخليجية عناصر التوازن الخلاق من دون السماح لأحد بالكلام عن مسارها إلا من خلال الاعتراف بمتانة وقوة حقائق الإنجاز العلمي والحضاري. وعلى ضوء هذا الطرح يمكن فهم طبيعة العلاقة بين السياسة الأمريكية ومستقبل أمن الخليج العربي من جهة وما يحيط بمنطقة الخليج العربي من أنماط سياسية متعددة قد ينظر إليها أهل الخليج بريبة، وفي هذا الواقع المنظور تظهر حظوة السياسة الأمريكية في خريطة الاهتمام السياسي الخليجي مع فهم عال لمسارات السياسة الأمريكية التي هي في بداياتها ونهاياتها تسعى إلى تحقيق أهداف عدة مركزة على مصالحها ومصالح الشرق الأوسط الجديد الذي يعني مصلحة إسرائيل، والأخير يمثل في مجمله مديات مناوئةلمصلحة الخليج العربي أولاً، ويكون على حساب مصلحة محيطه الإقليمي ثانياً. والشيء الأساسي في هذا الصدد أن دول الخليج العربية أمام تشابك طروحات عدة كل منها له حساباته مع السياسة الأمريكية، ولعل أولها، الرؤية السياسية الأوروبيةالتي تنحو في تعاملها مع مشكلات المنطقة منحى برغماتي لايخلو من أطماع كما أنها تنحو أيضاً على أساس فهم القضايا المشتركة، ولايخلو ذلك أيضاً من اللعب على أوتار الفكر الفلسفي السائد في كثير من توجهات السياسةالعربية والذي هو بالتأكيد ناتج التراث الاجتماعي العربي، وثاني هذه الطروحات ما يتصل بإيران في صراعها مع الغرب وأمريكا ولاسيما في التوجهات الإيرانية الراهنة والمناوئةللسياسة الأمريكية وعلاقة ذلك بالسياسة الخليجية، أما الطرح الثالث الداخل في ميزان السياسة الأمريكية – الخليجية، فهو ما يتصل بسياسة الدول العربية الأخرى إزاء الخليج أم تجاه أمريكا أم تجاه بعضها البعض، والتي لايزال الكثير منها يعيش حقبة التفكير الفلسفي مما يجعل السياسة العربية لا تخرج عن مساراتها التقليدية سواء على صعيد السياسة الخارجية أو على صعيد السياسة الداخلية وما يعانيه النظام العربي أيضاً من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية بعضها يتصل بمعدلات الفقر والتخلف والأمية والبطالة وارتفاع معدلات الطلاق وتراجع معدلات الزواج وتدني حقوق المرأة والطفل وارتفاع معدلات مشكلات الشباب وتهميش المسنين وغيرها مع التنويه بأن دول الخليج العربية هي الأفضل من غيرها في تقديم برامج مميزة للتخفيف من هذه المشكلات، وبعضها الآخر يتصل بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها، وإذا تم حساب هذه الطروحات وفق لغة الفكر الفلسفي السائد فسيضع السياسة الخليجية الحالية في تداخلاتها الدولية في تشابك واضح مع عقلية التصورات المسبقة لكثير من السياسات العربية وكثير من السياسات الإقليمية ولاسيما تجاه علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية.

دول الخليج هي الأفضل من غيرها في تقديم برامج مميزة لخدمة شعوبها
ثانياً: السياسة الأمريكية – الخليجية وتداخلاتها
عند الحديث عن العلاقة بين السياسة الأمريكية والأمن القومي الخليجي، ينبغي عدم إغفال أهمية العلاقة بين أمن الخليج والأمن القومي العربي أولاً وبينه وبين الأمن القومي الإسلامي – إن صح التعبير- ثانياً، واللذين يقعان في دائرة مصلحة الأجيال القادمة، واللذين أيضاً أصابهما كثير من الخلل نتيجة للسياسات الخاطئة والمبنية على مخلفات التفكير الفلسفي والتي أضرت بالأمةالعربية والإسلامية على حد سواء، وفتحت المجال أمام السياسة الأمريكية كي تنال الحظوة تفضيلاً مصلحياً في كثير من الأحيان من قبل دول الخليج العربية على غيرها من السياسات في المنطقة، إلا أن هذه الدول أيضاً لم تتوقف عن السعي إلى بناء علاقات سياسية مع أقطاب أخرى في العالم لإسناد استقلالية السياسة الخليجية وتكوين البدائل الملائمة لمواجهة المتغيرات السياسية على الساحة الدولية وكذلك لمد جسور العلاقات مع مختلف الأطراف الدولية وبناء التوازنات الملائم لمصالح المنطقة، وهذا بلا شك يدخل أيضاً في حسابات السياسة الأمريكية في المنطقة وهي تتعامل على أساس المصالح المتبادلة وبلغتها البراغماتية وهي تعلم أن كثيراً من حقائق المنطقة لاتزال تقع ضمن معطيات الفكر الفلسفي ولاسيما مايتصل بالعقلية السائدة في المجتمع العربي ومايمكن أن يشكله ذلك من تحد لسياستها، لذا هي تعمد إلى تقوية ومساندة إسرائيل في كل الظروف، وتعمل أيضاً على بث الدعوات الإصلاحية في المنطقة العربية عامة ولاسيما ما يتصل منها بإصلاح النظم السياسية والتربوية والإعلامية وغيرها وبما يتناسب مع توجهاتها وطموحاتها الدولية، وبهذا فإن معطيات السياسة الأمريكية في منطقة الخليج العربي تشير وفق حقائق التعامل مع التوجهات الإقليمية الواقعية منها أم الوهمية – إن صح التعبير- إلى تقديرها المحسوب لبعض السياسات الإقليمية التي لا تخلو من سلوك براغماتي، كما هي الحال مع السياسة الإيرانية وبدرجة أخرى مع السياسة التركية ذات الاتجاه المغاير لنمط السياسة الإيرانية في مدياتها الراهنة وهو ما يدخل فعلاً في حسابات السياسة الأمريكية تجاه الخليج وفق المنظورالذي تحركه الوقائع الميدانية، وإذا حللنا توجهات الفكر الفلسفي خلال التاريخ أو ما يظهر منه اليوم في محيط المجتمعات النامية والذي بات الغرب من جهته يراهن عليه في كسب مصالحه ويضعه في دائرته السياسية في منطقة الشرق الأوسط باعتباره حماسةأكثر منه عقلانية، وطالما أدت هذهالحماسةبأهله إلى المهالك والخراب وهو ما يتناقض مع ما تحتاج إليه المنطقة العربية عامة والخليجية خاصة من حالة التطور والاستقرار مماجعلها أكثر التصاقاً بتلك السياسات، وكنتيجةأيضاً لحالة التأخر الاجتماعي والثقافي السائدة في مجتمعاتها وفقدان القوة الدفاعية الملائمة للتصدي للمخاطرالمحتملة جعلها أيضاً أسيرة التناقضات السياسية وتحمل بعض المصطلحات التي تطلقها السياسة الأمريكية كمصطلح الدول المعتدلة، وأن الخروج من هذا الواقع لايأتي بسهولةبقدر ما يأتي من أتون نهضة علمية وثقافية تنقل المجتمع العربي من حقبة التفكير الفلسفي إلى حقبة التفكير العلمي وما يمكن أن ينتج عنه من إنجاز علمي وتكنولوجي يجعل من العرب قوة تمكنهم من رد اعتبارهم في المحافل الدولية.
ثالثاً: أهمية الحوار الخليجي – الإيراني
من أجل بلورة رؤية سياسية خليجية إنجازية ينبغي فتح حوار حقيقي بين هذه الدول وإيران، والأخيرةأضحت قوةمتنامية في المنطقة عسكرياً وأيديولوجياً، وهي مسألة ليست بالسهلة ولا تأتي عن طريق الوعظ والإرشاد وإنما عن طريق تلاقي الرغبات الحقيقية على أساس فهم المصالح الواقعية بعيداً عن متاهات الفكر الفلسفي التي لا تفيد شيئاًأمام حقائق المنطقة وملابساتها بما في ذلك ما يدور في نطاق السياسة الأمريكية إزاء المنطقة بكاملها لاسيما أن العلاقات الأمريكية- الخليجية تسير وفق المصالح المتبادلة المتعارف عليها بين الدول من جهة وبما يدفع هذه العلاقات تحت ظروف الشك من النوايا الإيرانية وغيرها إلى جعل قضية أمن الخليج تعلو في ميزان المطالب الخليجية، مما قد يخل أصلاً بماتقوم عليه العلاقات السياسية في سياقاتها الطبيعية من جهةأخرى، الأمر الذي يفرض على كافة الأطراف الجلوس إلى طاولة التفاهم وحل الإشكاليات العالقة بمافيها مشكلة الجزر الإماراتية، وكذلك يجب فهم حاجات المنطقة بمايساعد على وضع السياسات الإنمائية من أجل التنمية والتقدم والرخاء.
الرؤية الأوروبية لمشكلات المنطقة تتسم بالبراغماتية التي لا تخلو من لأطماع
رابعاً: السياسة الأمريكية والتجربة الوطنية الخليجية
لا أحد يستطيع أن ينكر غياب الفكر العلمي الإنجازي في المنطقة العربية عامة، الأمر الذي أوجد فجوة شاسعة بين المعطيات السياسية في المجتمعات المتقدمة وعلى رأسها أمريكا وطبيعة التفكير السياسي في المجتمعات النامية عامة، وبذلك فقدت ميادين العلاقات السياسية بين الدول المتقدمة والمتأخرةالآلية المتكافئة في العمل السياسي، وقد عملت الظروف التي رافقت نشأة دول الخليج العربية في العصر الحديث علىإحداث سياسة تداخلت فيها قوى مضادة إبان الاستعمار القديم لتظهر فيما بعد مسارات واضحة في السياسة الخارجية الخليجية ولاسيما في توجهها نحو الغرب حينما كانت السياسة السوفييتية تلعب على أوتار التحرر في المنطقة، وقد تمكنت الدول الخليجية من بناء تجربتها الميدانية بكفاءة عالية فاقت بكثير التجارب الأخرى ذات المسار المضاد. وعلى هذا الأساس فإن التجربة الوطنية الخليجية انطلقت في سياستها وفق مايحقق مصالحها أولاً وبما يمكنها من مد جسور العلاقة مع أمريكا والغرب بشكل عام ثانياًلتظهر هذه العلاقة في الوقت الراهن واضحة في رسم خريطة المنطقة، حيث كان من دواعي ترسيخ هذه العلاقة ما يدور في محيط هذه الدول من تشكيك بسياستها ووصفها بالتبعية، إلا أنها أثبتت للعالم صواب توجهاتها السياسية بالنموذج الاقتصادي والسياسي الذي تقدمه للعالم، وجاء هذا نتيجة إدراك واضح لدى دول الخليج العربية بأن التجربة الوطنية في التنمية والبناء هي الوسيلة الناجحة لتحديد مسارات تلك العلاقة ومما يحافظ على بقائها في عالم مضطرب، إلا أن هذا لايكفي على المدى البعيد إذا تم حساب نجاح تلك التجربة بمدياتها العمرانية والاقتصادية المرتبطة بسوق النفط من دون البدء بحقبة علمية تستنهض من خلالها قدرات أبناء المنطقة وتبني الأسلوب العلمي بما يخدم المنطقة وأهلها ومحيطها الإقليمي كذلك، لتمتد جسور الثقة كنتاج لهذه النقلة الحضارية، وبما يلبي ضرورة التوازن المطلوب في السياسة الخارجية ولاسيما العلاقات الأمريكية- الخليجية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1650::/cck::
::introtext::
عاشت الأمة العربية والإسلامية حقباً طويلة من التراجع والتردي، بعد سقوط غرناطة وانحسار المد الحضاري الإسلامي في أوروبا، وفقدان الأمة أهم مواقعها على الحافات الغربية من المحيط الأطلسي لتبدأ حقبة أخرى يخشى أن يفقد العرب المسلمون فيها الحافات الشرقية من المحيط الهندي والخليج العربي.
::/introtext::
::fulltext::
عاشت الأمة العربية والإسلامية حقباً طويلة من التراجع والتردي، بعد سقوط غرناطة وانحسار المد الحضاري الإسلامي في أوروبا، وفقدان الأمة أهم مواقعها على الحافات الغربية من المحيط الأطلسي لتبدأ حقبة أخرى يخشى أن يفقد العرب المسلمون فيها الحافات الشرقية من المحيط الهندي والخليج العربي.
إنهاأطروحة سياسية مفترضة قد تتحول إلى حقيقة ماثلة في المشهد السياسي العربي إذا لم يستطع العرب عامة وعرب الخليج خاصة فهم وتقييم السياسة الأمريكية من منطلقات ومفاهيم الفكر العلمي والبراغماتي ليعلو بذلك على لغة الفكر الفلسفي الحماسي،والبدء بتأسيس جديد لنهضة علمية وتكنولوجية واسعة النطاق يكون من أهم نتائجها جعل حقائق السياسة الأمريكية في منطقة الخليج العربي تقوم على أساس فهم المصالح المتبادلة بمفهوم جديد وفي نطاق رؤية عربية خليجية كجزء من رؤيةأشمل على نطاق الوطن العربي ليكون عندئذ التطرق إلى السياسة الأمريكية وأمن الخليج القومي كعلاقة تدخل ضمن مصالح الشعوب بطريقة متكافئة.
أولاً: من أجل سياسة خليجية إنجازية
لا يمكن عزل مديات السياسة الأمريكية في منطقة الخليج العربي عن مديات أخرى مرتبطة بالمحيط الإقليمي لدول الخليج العربية ولاسيما ما يجري في العراق وما يتصل منها بطبيعة السياسة الإيرانية وتوجهاتها الفكرية المناوئة للسياسة الأمريكية، تقابلها نظرة سياسية أمريكية تنظر إلى توجهات تلك السياسات على أنها تأتي من باب التنظير الفلسفي القائم على أساس البنى الثقافية السائدة ليس في المحيط الإقليمي للخليج فحسب بل إن الأمر يتعدى ذلك إلى المنظومة الثقافية في مجتمعات العالم الثالث، التي لا تزال تنحى في أحكامها منحى فلسفياًأفلاطونياً وهي في الوقت نفسه فاقدة العزيمة على بناء قوة علمية وتكنولوجية في عالم يعيش ضجيج عصر المعلومات وحقائق التطور العلمي والتكنولوجي والحضاري، وهذا ما يفرض على السياسة العربية عامة والخليجية خاصة الانتباه إلى أهمية بناء الركائز الداعمة للسياسة الخارجية، فهو أمر لايأتي من فراغ، إنما يأتي من خلال مخاض علمي طويل لينتج تكنولوجيا مدنية وتكنولوجيا دفاعية تضع للسياسة الخليجية عناصر التوازن الخلاق من دون السماح لأحد بالكلام عن مسارها إلا من خلال الاعتراف بمتانة وقوة حقائق الإنجاز العلمي والحضاري. وعلى ضوء هذا الطرح يمكن فهم طبيعة العلاقة بين السياسة الأمريكية ومستقبل أمن الخليج العربي من جهة وما يحيط بمنطقة الخليج العربي من أنماط سياسية متعددة قد ينظر إليها أهل الخليج بريبة، وفي هذا الواقع المنظور تظهر حظوة السياسة الأمريكية في خريطة الاهتمام السياسي الخليجي مع فهم عال لمسارات السياسة الأمريكية التي هي في بداياتها ونهاياتها تسعى إلى تحقيق أهداف عدة مركزة على مصالحها ومصالح الشرق الأوسط الجديد الذي يعني مصلحة إسرائيل، والأخير يمثل في مجمله مديات مناوئةلمصلحة الخليج العربي أولاً، ويكون على حساب مصلحة محيطه الإقليمي ثانياً. والشيء الأساسي في هذا الصدد أن دول الخليج العربية أمام تشابك طروحات عدة كل منها له حساباته مع السياسة الأمريكية، ولعل أولها، الرؤية السياسية الأوروبيةالتي تنحو في تعاملها مع مشكلات المنطقة منحى برغماتي لايخلو من أطماع كما أنها تنحو أيضاً على أساس فهم القضايا المشتركة، ولايخلو ذلك أيضاً من اللعب على أوتار الفكر الفلسفي السائد في كثير من توجهات السياسةالعربية والذي هو بالتأكيد ناتج التراث الاجتماعي العربي، وثاني هذه الطروحات ما يتصل بإيران في صراعها مع الغرب وأمريكا ولاسيما في التوجهات الإيرانية الراهنة والمناوئةللسياسة الأمريكية وعلاقة ذلك بالسياسة الخليجية، أما الطرح الثالث الداخل في ميزان السياسة الأمريكية – الخليجية، فهو ما يتصل بسياسة الدول العربية الأخرى إزاء الخليج أم تجاه أمريكا أم تجاه بعضها البعض، والتي لايزال الكثير منها يعيش حقبة التفكير الفلسفي مما يجعل السياسة العربية لا تخرج عن مساراتها التقليدية سواء على صعيد السياسة الخارجية أو على صعيد السياسة الداخلية وما يعانيه النظام العربي أيضاً من أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية بعضها يتصل بمعدلات الفقر والتخلف والأمية والبطالة وارتفاع معدلات الطلاق وتراجع معدلات الزواج وتدني حقوق المرأة والطفل وارتفاع معدلات مشكلات الشباب وتهميش المسنين وغيرها مع التنويه بأن دول الخليج العربية هي الأفضل من غيرها في تقديم برامج مميزة للتخفيف من هذه المشكلات، وبعضها الآخر يتصل بقضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان وغيرها، وإذا تم حساب هذه الطروحات وفق لغة الفكر الفلسفي السائد فسيضع السياسة الخليجية الحالية في تداخلاتها الدولية في تشابك واضح مع عقلية التصورات المسبقة لكثير من السياسات العربية وكثير من السياسات الإقليمية ولاسيما تجاه علاقاتها مع الولايات المتحدة الأمريكية.

دول الخليج هي الأفضل من غيرها في تقديم برامج مميزة لخدمة شعوبها
ثانياً: السياسة الأمريكية – الخليجية وتداخلاتها
عند الحديث عن العلاقة بين السياسة الأمريكية والأمن القومي الخليجي، ينبغي عدم إغفال أهمية العلاقة بين أمن الخليج والأمن القومي العربي أولاً وبينه وبين الأمن القومي الإسلامي – إن صح التعبير- ثانياً، واللذين يقعان في دائرة مصلحة الأجيال القادمة، واللذين أيضاً أصابهما كثير من الخلل نتيجة للسياسات الخاطئة والمبنية على مخلفات التفكير الفلسفي والتي أضرت بالأمةالعربية والإسلامية على حد سواء، وفتحت المجال أمام السياسة الأمريكية كي تنال الحظوة تفضيلاً مصلحياً في كثير من الأحيان من قبل دول الخليج العربية على غيرها من السياسات في المنطقة، إلا أن هذه الدول أيضاً لم تتوقف عن السعي إلى بناء علاقات سياسية مع أقطاب أخرى في العالم لإسناد استقلالية السياسة الخليجية وتكوين البدائل الملائمة لمواجهة المتغيرات السياسية على الساحة الدولية وكذلك لمد جسور العلاقات مع مختلف الأطراف الدولية وبناء التوازنات الملائم لمصالح المنطقة، وهذا بلا شك يدخل أيضاً في حسابات السياسة الأمريكية في المنطقة وهي تتعامل على أساس المصالح المتبادلة وبلغتها البراغماتية وهي تعلم أن كثيراً من حقائق المنطقة لاتزال تقع ضمن معطيات الفكر الفلسفي ولاسيما مايتصل بالعقلية السائدة في المجتمع العربي ومايمكن أن يشكله ذلك من تحد لسياستها، لذا هي تعمد إلى تقوية ومساندة إسرائيل في كل الظروف، وتعمل أيضاً على بث الدعوات الإصلاحية في المنطقة العربية عامة ولاسيما ما يتصل منها بإصلاح النظم السياسية والتربوية والإعلامية وغيرها وبما يتناسب مع توجهاتها وطموحاتها الدولية، وبهذا فإن معطيات السياسة الأمريكية في منطقة الخليج العربي تشير وفق حقائق التعامل مع التوجهات الإقليمية الواقعية منها أم الوهمية – إن صح التعبير- إلى تقديرها المحسوب لبعض السياسات الإقليمية التي لا تخلو من سلوك براغماتي، كما هي الحال مع السياسة الإيرانية وبدرجة أخرى مع السياسة التركية ذات الاتجاه المغاير لنمط السياسة الإيرانية في مدياتها الراهنة وهو ما يدخل فعلاً في حسابات السياسة الأمريكية تجاه الخليج وفق المنظورالذي تحركه الوقائع الميدانية، وإذا حللنا توجهات الفكر الفلسفي خلال التاريخ أو ما يظهر منه اليوم في محيط المجتمعات النامية والذي بات الغرب من جهته يراهن عليه في كسب مصالحه ويضعه في دائرته السياسية في منطقة الشرق الأوسط باعتباره حماسةأكثر منه عقلانية، وطالما أدت هذهالحماسةبأهله إلى المهالك والخراب وهو ما يتناقض مع ما تحتاج إليه المنطقة العربية عامة والخليجية خاصة من حالة التطور والاستقرار مماجعلها أكثر التصاقاً بتلك السياسات، وكنتيجةأيضاً لحالة التأخر الاجتماعي والثقافي السائدة في مجتمعاتها وفقدان القوة الدفاعية الملائمة للتصدي للمخاطرالمحتملة جعلها أيضاً أسيرة التناقضات السياسية وتحمل بعض المصطلحات التي تطلقها السياسة الأمريكية كمصطلح الدول المعتدلة، وأن الخروج من هذا الواقع لايأتي بسهولةبقدر ما يأتي من أتون نهضة علمية وثقافية تنقل المجتمع العربي من حقبة التفكير الفلسفي إلى حقبة التفكير العلمي وما يمكن أن ينتج عنه من إنجاز علمي وتكنولوجي يجعل من العرب قوة تمكنهم من رد اعتبارهم في المحافل الدولية.
ثالثاً: أهمية الحوار الخليجي – الإيراني
من أجل بلورة رؤية سياسية خليجية إنجازية ينبغي فتح حوار حقيقي بين هذه الدول وإيران، والأخيرةأضحت قوةمتنامية في المنطقة عسكرياً وأيديولوجياً، وهي مسألة ليست بالسهلة ولا تأتي عن طريق الوعظ والإرشاد وإنما عن طريق تلاقي الرغبات الحقيقية على أساس فهم المصالح الواقعية بعيداً عن متاهات الفكر الفلسفي التي لا تفيد شيئاًأمام حقائق المنطقة وملابساتها بما في ذلك ما يدور في نطاق السياسة الأمريكية إزاء المنطقة بكاملها لاسيما أن العلاقات الأمريكية- الخليجية تسير وفق المصالح المتبادلة المتعارف عليها بين الدول من جهة وبما يدفع هذه العلاقات تحت ظروف الشك من النوايا الإيرانية وغيرها إلى جعل قضية أمن الخليج تعلو في ميزان المطالب الخليجية، مما قد يخل أصلاً بماتقوم عليه العلاقات السياسية في سياقاتها الطبيعية من جهةأخرى، الأمر الذي يفرض على كافة الأطراف الجلوس إلى طاولة التفاهم وحل الإشكاليات العالقة بمافيها مشكلة الجزر الإماراتية، وكذلك يجب فهم حاجات المنطقة بمايساعد على وضع السياسات الإنمائية من أجل التنمية والتقدم والرخاء.
الرؤية الأوروبية لمشكلات المنطقة تتسم بالبراغماتية التي لا تخلو من لأطماع
رابعاً: السياسة الأمريكية والتجربة الوطنية الخليجية
لا أحد يستطيع أن ينكر غياب الفكر العلمي الإنجازي في المنطقة العربية عامة، الأمر الذي أوجد فجوة شاسعة بين المعطيات السياسية في المجتمعات المتقدمة وعلى رأسها أمريكا وطبيعة التفكير السياسي في المجتمعات النامية عامة، وبذلك فقدت ميادين العلاقات السياسية بين الدول المتقدمة والمتأخرةالآلية المتكافئة في العمل السياسي، وقد عملت الظروف التي رافقت نشأة دول الخليج العربية في العصر الحديث علىإحداث سياسة تداخلت فيها قوى مضادة إبان الاستعمار القديم لتظهر فيما بعد مسارات واضحة في السياسة الخارجية الخليجية ولاسيما في توجهها نحو الغرب حينما كانت السياسة السوفييتية تلعب على أوتار التحرر في المنطقة، وقد تمكنت الدول الخليجية من بناء تجربتها الميدانية بكفاءة عالية فاقت بكثير التجارب الأخرى ذات المسار المضاد. وعلى هذا الأساس فإن التجربة الوطنية الخليجية انطلقت في سياستها وفق مايحقق مصالحها أولاً وبما يمكنها من مد جسور العلاقة مع أمريكا والغرب بشكل عام ثانياًلتظهر هذه العلاقة في الوقت الراهن واضحة في رسم خريطة المنطقة، حيث كان من دواعي ترسيخ هذه العلاقة ما يدور في محيط هذه الدول من تشكيك بسياستها ووصفها بالتبعية، إلا أنها أثبتت للعالم صواب توجهاتها السياسية بالنموذج الاقتصادي والسياسي الذي تقدمه للعالم، وجاء هذا نتيجة إدراك واضح لدى دول الخليج العربية بأن التجربة الوطنية في التنمية والبناء هي الوسيلة الناجحة لتحديد مسارات تلك العلاقة ومما يحافظ على بقائها في عالم مضطرب، إلا أن هذا لايكفي على المدى البعيد إذا تم حساب نجاح تلك التجربة بمدياتها العمرانية والاقتصادية المرتبطة بسوق النفط من دون البدء بحقبة علمية تستنهض من خلالها قدرات أبناء المنطقة وتبني الأسلوب العلمي بما يخدم المنطقة وأهلها ومحيطها الإقليمي كذلك، لتمتد جسور الثقة كنتاج لهذه النقلة الحضارية، وبما يلبي ضرورة التوازن المطلوب في السياسة الخارجية ولاسيما العلاقات الأمريكية- الخليجية.
::/fulltext::
::cck::1650::/cck::
