تحسين الصورة الأمريكية عربياً مهمة الإدارة الأمريكية الجديدة
::cck::1658::/cck::
::introtext::
مع تولي الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما وإدارته الجديدة السلطة دستورياً في العشرين من يناير 2009، فإنه سيرث تركة ثقيلة من التحديات والملفات العالقة والمتأزمة على الصعيدين الداخلي والخارجي. ومن أبرز تلك الملفات التي ستفرض نفسها على أجندته تراجع المكانة والصورة الأمريكية خلال فترتي الرئيس جورج بوش لاسيما عربياً، نظراً للأهمية الاقتصادية والجيواستراتيجية للمنطقة العربية في منظومتي المصلحة والأمن القومي الأمريكي، ولأن التعامل الأمريكي مع التحديات الدولية المعاصرة، كالحرب على الإرهاب ومنع الانتشار النووي وأمن الطاقة، ينطلق من منطقة الشرق الأوسط.
::/introtext::
::fulltext::
مع تولي الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما وإدارته الجديدة السلطة دستورياً في العشرين من يناير 2009، فإنه سيرث تركة ثقيلة من التحديات والملفات العالقة والمتأزمة على الصعيدين الداخلي والخارجي. ومن أبرز تلك الملفات التي ستفرض نفسها على أجندته تراجع المكانة والصورة الأمريكية خلال فترتي الرئيس جورج بوش لاسيما عربياً، نظراً للأهمية الاقتصادية والجيواستراتيجية للمنطقة العربية في منظومتي المصلحة والأمن القومي الأمريكي، ولأن التعامل الأمريكي مع التحديات الدولية المعاصرة، كالحرب على الإرهاب ومنع الانتشار النووي وأمن الطاقة، ينطلق من منطقة الشرق الأوسط.
لقد انشغلت الإدارة الأمريكية السابقة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتزايد الاتهامات – الرسمية وغير الرسمية – للعرب بأنهم يكرهون كل ما هو أمريكي، بتساؤلين رئيسيين، الأول عن أسباب كراهية العرب للولايات المتحدة (لماذا يكرهوننا؟)، والثاني عن كيفية تحسين الصورة الأمريكية عربياً. ولهذا أولت تلك الإدارة قدراً من الاهتمام بالدبلوماسية العامة كمحاولة لتعريف العرب والمسلمين أكثر بالولايات المتحدة إيماناً منها بأنهم (العرب ) لو عرفوها ما كرهوها وما أحرقوا علمها.
تراجع الصورة الأمريكية عربياً
اعتمدت الولايات المتحدة في إطار تحسين صورتها عربياً (معركة كسب العقول والقلوب) على إذاعة (سوا)، التي أُطلقت في عام 2002، وقناة (الحرة) الإخبارية التلفزيونية، التي أطلقتها واشنطن في فبراير 2004، ومجلة هاي (HI) الموجهة إلى الشباب العربي، والتي كانت تُعبر عن نمط الحياة الأمريكية، فضلاً عن بناء علاقات طويلة المدى مع أفراد ومؤسسات من خلال البعثات الدراسية والتبادل ودورات التدريب والمؤتمرات مثل برنامج فولبريت.
ورغم تعدد أدوات واستراتيجيات الدبلوماسية العامة الأمريكية في المنطقة العربية، إلا أنها أخفقت في تحقيق أهدافها وفي تحسين الصورة الأمريكية عربياً، إذ لا تزال هناك صورة سلبية للولايات المتحدة، ونسب الكراهية لواشنطن لا تزال مرتفعة في العالم العربي. إذ يشير استطلاع لمركز (بيو) لأبحاث الرأي العام ضم 24 ألف مستطلع من 24 دولة في الفترة من 27 مارس إلى 21 إبريل الماضيين إلى أن نسبة من لديهم صورة سلبية عن الولايات المتحدة في الأردن – أحد حلفاء الولايات المتحدة – وصلت إلى 79 في المائة وهي الأعلى بين المستطلعين العرب، وفي مصر – الحليفة أيضاً لواشنطن – كشف الاستطلاع أن هناك 22 في المائة لديهم رؤية سلبية عن الولايات المتحدة و39 في المائة يرونها عدواً، وفي تركيا وصلت نسبة من يصنفونها على أنها عدو إلى 70 في المائة، ومن لديهم رؤية إيجابية عنها إلى 12 في المائة.
ويشير استطلاع آخر لمؤسسة (زغبي الدولية) لاستطلاعات الرأي إلى أن كراهية العرب للولايات المتحدة زادت خلال عامي (2002 – 2003) في مصر من 79 في المائة إلى 98 في المائة، وفي المغرب من 61 في المائة إلى 88 في المائة، وفي الأردن أيضاً من 61 في المائة إلى 78 في المائة. ويرجع ارتفاع نسبة كراهية العرب لواشنطن خلال فترة الاستطلاع إلى التحضير الأمريكي للحرب على النظام العراقي السابق، وإخفاق الإدارة في تصوير تلك الحرب على أنها حرب من أجل تحرير العراق من استبداد النظام السابق.
ويظهر استطلاع آخر للرأي، أُجرى في ست دول عربية (مصر، الأردن، لبنان، المغرب، السعودية والإمارات) أن نسبة تصل إلى 79 في المائة من العرب يعتقدون أن الولايات المتحدة وإسرائيل تُشكلان أكبر تهديد للأمن القومي العربي. ووصف 39 في المائة ممن استطلعت آراؤهم الرئيس بوش بأنه يحتل المرتبة الأولى بين الزعماء الأجانب المكروهين عربياً، يليه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ارئيل شارون ثم إيهود أولمرت.
كما تظهر نتائج استطلاع لكرسي أنور السادات للسلام والتنمية بجامعة ميرلاند وبالتعاون مع مؤسسة زغبي الدولية في مارس 2008 في ست دول عربية، هي: مصر، الأردن، لبنان، المغرب، السعودية والإمارات، ارتفاع نسبة من لديهم رؤية سلبية عن الولايات المتحدة إلى 64 في المائة والتي تمثل ما يقرب من 4 آلاف مستطلع من الدول الست عنها في عام 2006 والتي تقدر بـ 57 في المائة. في حين أبدى 19 في المائة بعض الرؤى الإيجابية تجاه الولايات المتحدة مقارنة باستطلاع آخر خلال الأشهر الماضية والتي قدرت بـ 17 في المائة.
وقد رأى 88 في المائة من المستطلعين أن الولايات المتحدة أكبر تهديد للمنطقة فيما رأى 95 في المائة أن إسرائيل، وهي نسبة مرتفعة مقارنة باستطلاع آخر أواخر عام 2006، حيث رأى 72 في المائة أن واشنطن أكبر تهديد فيما صنف 85 في المائة إسرائيل بأنها أكبر تهديدٍ. ورأى ما يقرب من ثلثي المستطلعين، أي 65 في المائة، أن الديمقراطية ليست هدفاً أمريكياً حقيقياً في المنطقة، في حين رأى 20 في المائة أنها هدف حقيقي لكن الولايات المتحدة تطبقها بصورة خاطئة.
اعتراف أمريكي بإخفاقات الدبلوماسية العامة
يمكن البرهنة على إخفاق الدبلوماسية العامة الأمريكية أيضاً في استقالات القائمين عليها، بداية من (شارلوت بيرز) المسؤولة عن تحسين صورة أمريكا أمام العالمين العربي والإسلامي في أوائل شهر فبراير 2003 بعد عام ونصف العام فقط من توليها المنصب. واعترفت بأن محاولتها للدفاع عن سياسات غير مقبولة في العالمين العربي والإسلامي كانت بمثابة (إدخال فيل كبير في علبة صغيرة)، لأن صورة أمريكا لدى شعوب العالم – كما قالت – أقبح كثيراً مما يتخيل الأمريكيون.
ولم يكن حظ السفيرة مارغريت تاتوايلر أحسن حالاً من سابقتها، فلم تمض ستة أشهر حتى قدمت استقالتها، وأفصحت عن أن السبب هو فشلها في قيادة حملة تحسين الصورة الأمريكية أثناء الحرب على العراق، وفي وقت تزايد الدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل، ولحقت بهما كارين هيوز ودينا باول المصرية الأصل.
ويضاف إلى دلائل إخفاقات الدبلوماسية العامة الأمريكية الإطاحة بصاحب فكرة قناة (الحرة) وراديو (سوا) البليونير نورمان باتيز، ثم الاستغناء عن مدير قناة الحرة موفق حرب وإسناد إدارة القناة لمدير أمريكي كان يعمل في شبكة (CNN) لعله يُوفق في ما لم يوفق فيه المدير السابق. وكانت تلك الاستقالات نتيجة متوقعة طالما ظلت إدارة بوش متمسكة بسياساتها الخاطئة وعدم تغييرها.
الولايات المتحدة أطلقت قنوات فضائية عربية لتحسين صورتها في المنطقة
وفي هذا الصدد، انتقد أنتوني كوردسمان ـ المحلل البارز بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن ـ حملة الدبلوماسية العامة الأمريكية بقيادة (هيوز)، فقال إنها وصلت إلى مستوى عبثي يديره مسؤولون لا يملكون الخبرة. في حين يرى روبرت ساتلوف ـ مدير مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى (من المراكز الأمريكية الموالية لإسرائيل) ـ في كتابه (معركة الأفكار في الحرب ضد الإرهاب) أن من أسباب فشل الدبلوماسية العامة الأمريكية رصدها ملايين الدولارات بغرض إنشاء مؤسسات إعلامية ناطقة بالعربية مثل (الحرة) وراديو (سوا) بلا أهداف معلنة؛ مما أدى إلى إخفاق هذا النوع من المشاريع لتحسين الصورة الأمريكية أمام المواطن العربي.
أوباما الأجدر على تحسين الصورة الأمريكية
إن فوز باراك أوباما في انتخابات الرابع من نوفمبر قد يساعد على تحسين الصورة الأمريكية عربياً، فباراك أوباما هو الأجدر على تحسينها مقارنة بالرئيس السابق ومنافسه في الانتخابات الرئاسية المرشح الجمهوري جون ماكين، وذلك لأربعة أسباب رئيسية، هي:
أولاً: تمتع الرئيس الأمريكي الجديد بشعبية في منطقة الشرق الأوسط على الصعيدين الرسمي والشعبي، حيث تُفضل الأغلبية العربية باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. وعلى الرغم من تصريحاته تجاه القضية الفلسطينية التي أغضبت كثيرين إلا أنها لم تؤثر في شعبيته، بحيث لم يذهب التأييد العربي إلى منافسه ماكين. ولعل هذا جلي في حجم الكتابات والتحليلات العربية سواء الصحفية أو الإعلامية أو على شبكة الإنترنت التي تؤيد باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة، والتي تعول عليه في إحداث تغيير في السياسة الأمريكية تجاه قضايا المنطقة المتأزمة.
ثانياً: تبني باراك أوباما خطاباً انتقادياً لسياسات إدارتي الرئيس بوش والمحافظين الجدد، فالبعض أضحى يطلق عليه المضاد لبوش، وينظر إليه على أنه رجل التغيير داخل الولايات المتحدة. فأوباما يعارض سياسات بوش الانفرادية حيال التعامل مع الأزمات الدولية، لكنه يفضل العمل الجماعي في إطار المنظمات الدولية ومع الحلفاء.
ثالثاً: ما يُعزز من فرص أوباما في تحسين الصورة الأمريكية في المنطقة مواقفه حيال العديد من قضايا المنطقة العربية ابتداءً من رفضه الحرب الأمريكية على العراق منذ بدايتها إلى يومنا هذا ودعواته إلى سحب القوات العسكرية الأمريكية، مروراً بتبنيه نهجاً دبلوماسياً للتعامل مع قضايا منطقة الشرق الأوسط، ولعل مواقفه من الأزمة النووية الإيرانية خير مثال على ذلك، حيث يركز على الدبلوماسية والحوافز والعقوبات، وعدم التلويح باستخدام القوة العسكرية في التعامل مع الأزمة إلا في حال استنفاد كل الحلول السلمية والعقوبات، وانتهاءً بالانفتاح على أعداء الولايات المتحدة الأمريكية بالمنطقة من دول وقوى، ورفض عزلها كما كانت تتبنى إدارتا بوش، فهو الداعي إلى حوار مع سوريا وإيران و(حزب الله) و(حماس) مع بداية الانخراط الأمريكي بعملية السلام بالمنطقة، لكن بشروط وإجراءات مسبقة بالنسبة للقوى التي تحمل السلاح ولا تعترف بإسرائيل.
رابعاً: إن انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية زاد من الإعجاب العربي بالقيم والمبادئ الأمريكية. فعلى الرغم من تزايد الكراهية للولايات المتحدة لسياساتها فإن الكثيرين من شعوب المنطقة ما زالوا معجبين بالقيم والمبادئ الأمريكية، الأمر الذي قد يشجع الرأي العام العربي والإسلامي على دعم قياداتهم للتعامل والعمل مع الولايات المتحدة.
أوباما وضرورات التعامل مع تراجع الصورة
لكن قدرة باراك أوباما على تحسين الصورة الأمريكية عربياً ترتبط بصورة أساسية بإحداث تغييرات في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القضايا التي كانت السبب الرئيسي في تراجع الصورة الأمريكية وتزايد كراهيتها بالمنطقة العربية، والتي أخفقت إدارة بوش في التعامل معها، ومن تلك القضايا ما يلي:
أولاً: اقتراب الموقف الأمريكي من نظيره الإسرائيلي إزاء التعامل مع الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والسماح لتل أبيب بعرقلة (خريطة الطريق)، وبناء جدار الفصل العنصري، واقتطاع المزيد من الأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى التخلي عن سياسات أمريكية تقليدية لمساندة إسرائيل، مثل الموقف الأمريكي الحالي من بناء المستوطنات وعودة اللاجئين الفلسطينيين. فضلاً عن وضع إسرائيل في موقع الدولة الاستثنائية التي لا تنطبق عليها معايير المساءلة والعقاب التي تصر واشنطن على تطبيقها على الدول الأخرى في المنطقة وفقاً لسياسة المعايير المزدوجة الأمريكية.
يضاف إلى ذلك، التأييد الأمريكي اللامتناهي لتل أبيب في مجلس الأمن، واستخدام حق النقض (الفيتو) لمنع صدور أي قرار يدين إسرائيل، وتقديم الدعم العسكري والتقني (التكنولوجي) للتفوق الإسرائيلي النوعي على جيرانها ومساندتها في عدوانها على دول الجوار. ولعل التأييد الأمريكي (العسكري والدبلوماسي) للعدوان الإسرائيلي على لبنان خلال شهري يوليو وأغسطس 2006 أوضح مثال على ذلك، بالإضافة إلى وضع المنظمات وجماعات المقاومة الفلسطينية واللبنانية على قائمة الجماعات الإرهابية، الأمر الذي يعطي الشرعية لتل أبيب باستهداف قياداتها.
انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة زاد من الإعجاب العربي بالقيم والمبادئ الأمريكية
ثانياً: الغزو الأمريكي لأفغانستان في عام 2001 والعراق في 2003. وهي سابقة تاريخية تجعل العرب ينظرون إلى الولايات المتحدة كامتداد لمرحلة الاستعمارين البريطاني والفرنسي لأراضيهم. وما استتبعه من انتهاك واشنطن لحقوق الإنسان ومعاملة السجناء معاملة لا إنسانية، ولا تزال أحداث سجن (أبو غريب العراقي) ومعتقل غوانتانامو عالقة في أذهان الجميع كدليل صارخ على هذه الانتهاكات.
ثالثاً: تصاعد التهديدات الأمريكية لسوريا وإيران اللتين تعمقان الشعور لدى الرأي العام العربي بأن الولايات المتحدة تسعى إلى الهيمنة على دول المنطقة وتنفيذ خطة (القرن الأمريكي) التي رسمها المحافظون الجدد.
رابعاً: التصعيد المحتمل ضد السودان حول أزمة دارفور، على الرغم من رضوخ الحكومة السودانية للضغوط الأمريكية وقبولها بتقسيم السلطة والثروة مع الجنوبيين.
خامساً: تردي العلاقات العربية ـ الأمريكية، وتصاعد حدة الاتهامات الأمريكية للعديدٍ من دول المنطقة بانتهاكها حقوق الإنسان، والاتجار في البشر، ومساندة المنظمات الإرهابية، إلى جانب نزعة واشنطن الواضحة إلى تجاهل التشاور مع الأطراف العربية حول قضايا المنطقة في كثير من الأحيان، مما يزيد من الشكوك والمخاوف العربية حول رغبة واشنطن في فرض الهيمنة على العالم العربي.
سادساً: الربط بين الإسلام والإرهاب. فواشنطن تنظر إلى الإسلام على أنه (مفرخة) الإرهاب والجماعات الإرهابية، فضلاً عن تصريحات الرئيس الأمريكي والعديد من المسؤولين في الإدارة الأمريكية ضد الإسلام، التي وصلت إلى أوجها بإعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش أن الحرب الأمريكية في المنطقة (حرب صليبية جديدة) ضد أعدائها الذين وصفهم في سياق آخر بـ (الفاشيين) الإسلاميين.
سابعاً: دعاوى الديمقراطية المفرغة من مضمونها. ففي حقيقة الأمر كان الخطاب الأمريكي لتعزيز الديمقراطية مزدوج المعايير، فإنه في حال وصول قيادة إلى سدة الحكم لا توافق واشنطن في أهدافها ومصالحها ـ مثل حركة حماس التي نجحت في الانتخابات التشريعية أوائل عام 2006 ـ تخرج تصريحات أمريكية مفادها أن الشعوب العربية غير قادرة على تطبيق الديمقراطية. فالالتزام الأمريكي بالديمقراطية في المنطقة ليس مرتبطاً بجوانب دستورية فنية بقدر ارتباطه بمدى تبني الدولة لمواقف متسقة مع المصالح الأمريكية في المنطقة، أي أن الديمقراطية التي تريدها واشنطن هي ديمقراطية النتائج (Democracy Outcomes).
وفي التحليل الأخير، نقول إن تحسين صورة الولايات المتحدة عربياً ليس من الأمور السهلة، خاصة أن الصورة السلبية لواشنطن والمرسخة في العديد من بلدان العالمين العربي والإسلامي لم تتكون بين عشية وضحاها، ولن تتبدل بين ليلة وضحاها. فتحسين صورة أية دولة يرتبط في المقام الأول بسياساتها، والدبلوماسية العامة لا يمكن أن تنفصل عن الدبلوماسية الرسمية، ولا يمكن أن تنجح الأولى في ما أخفقت فيه الثانية. كما أن النوع الوحيد من الدبلوماسية العامة الذي ينجح في المدى البعيد هو ذلك النوع المؤسس على برامج قابلة للاستمرار، والتي تدوم فقط إذا ما لبتْ المصالح المتبادلة لكلا الطرفين.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1658::/cck::
::introtext::
مع تولي الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما وإدارته الجديدة السلطة دستورياً في العشرين من يناير 2009، فإنه سيرث تركة ثقيلة من التحديات والملفات العالقة والمتأزمة على الصعيدين الداخلي والخارجي. ومن أبرز تلك الملفات التي ستفرض نفسها على أجندته تراجع المكانة والصورة الأمريكية خلال فترتي الرئيس جورج بوش لاسيما عربياً، نظراً للأهمية الاقتصادية والجيواستراتيجية للمنطقة العربية في منظومتي المصلحة والأمن القومي الأمريكي، ولأن التعامل الأمريكي مع التحديات الدولية المعاصرة، كالحرب على الإرهاب ومنع الانتشار النووي وأمن الطاقة، ينطلق من منطقة الشرق الأوسط.
::/introtext::
::fulltext::
مع تولي الرئيس الأمريكي المنتخب باراك أوباما وإدارته الجديدة السلطة دستورياً في العشرين من يناير 2009، فإنه سيرث تركة ثقيلة من التحديات والملفات العالقة والمتأزمة على الصعيدين الداخلي والخارجي. ومن أبرز تلك الملفات التي ستفرض نفسها على أجندته تراجع المكانة والصورة الأمريكية خلال فترتي الرئيس جورج بوش لاسيما عربياً، نظراً للأهمية الاقتصادية والجيواستراتيجية للمنطقة العربية في منظومتي المصلحة والأمن القومي الأمريكي، ولأن التعامل الأمريكي مع التحديات الدولية المعاصرة، كالحرب على الإرهاب ومنع الانتشار النووي وأمن الطاقة، ينطلق من منطقة الشرق الأوسط.
لقد انشغلت الإدارة الأمريكية السابقة عقب أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 وتزايد الاتهامات – الرسمية وغير الرسمية – للعرب بأنهم يكرهون كل ما هو أمريكي، بتساؤلين رئيسيين، الأول عن أسباب كراهية العرب للولايات المتحدة (لماذا يكرهوننا؟)، والثاني عن كيفية تحسين الصورة الأمريكية عربياً. ولهذا أولت تلك الإدارة قدراً من الاهتمام بالدبلوماسية العامة كمحاولة لتعريف العرب والمسلمين أكثر بالولايات المتحدة إيماناً منها بأنهم (العرب ) لو عرفوها ما كرهوها وما أحرقوا علمها.
تراجع الصورة الأمريكية عربياً
اعتمدت الولايات المتحدة في إطار تحسين صورتها عربياً (معركة كسب العقول والقلوب) على إذاعة (سوا)، التي أُطلقت في عام 2002، وقناة (الحرة) الإخبارية التلفزيونية، التي أطلقتها واشنطن في فبراير 2004، ومجلة هاي (HI) الموجهة إلى الشباب العربي، والتي كانت تُعبر عن نمط الحياة الأمريكية، فضلاً عن بناء علاقات طويلة المدى مع أفراد ومؤسسات من خلال البعثات الدراسية والتبادل ودورات التدريب والمؤتمرات مثل برنامج فولبريت.
ورغم تعدد أدوات واستراتيجيات الدبلوماسية العامة الأمريكية في المنطقة العربية، إلا أنها أخفقت في تحقيق أهدافها وفي تحسين الصورة الأمريكية عربياً، إذ لا تزال هناك صورة سلبية للولايات المتحدة، ونسب الكراهية لواشنطن لا تزال مرتفعة في العالم العربي. إذ يشير استطلاع لمركز (بيو) لأبحاث الرأي العام ضم 24 ألف مستطلع من 24 دولة في الفترة من 27 مارس إلى 21 إبريل الماضيين إلى أن نسبة من لديهم صورة سلبية عن الولايات المتحدة في الأردن – أحد حلفاء الولايات المتحدة – وصلت إلى 79 في المائة وهي الأعلى بين المستطلعين العرب، وفي مصر – الحليفة أيضاً لواشنطن – كشف الاستطلاع أن هناك 22 في المائة لديهم رؤية سلبية عن الولايات المتحدة و39 في المائة يرونها عدواً، وفي تركيا وصلت نسبة من يصنفونها على أنها عدو إلى 70 في المائة، ومن لديهم رؤية إيجابية عنها إلى 12 في المائة.
ويشير استطلاع آخر لمؤسسة (زغبي الدولية) لاستطلاعات الرأي إلى أن كراهية العرب للولايات المتحدة زادت خلال عامي (2002 – 2003) في مصر من 79 في المائة إلى 98 في المائة، وفي المغرب من 61 في المائة إلى 88 في المائة، وفي الأردن أيضاً من 61 في المائة إلى 78 في المائة. ويرجع ارتفاع نسبة كراهية العرب لواشنطن خلال فترة الاستطلاع إلى التحضير الأمريكي للحرب على النظام العراقي السابق، وإخفاق الإدارة في تصوير تلك الحرب على أنها حرب من أجل تحرير العراق من استبداد النظام السابق.
ويظهر استطلاع آخر للرأي، أُجرى في ست دول عربية (مصر، الأردن، لبنان، المغرب، السعودية والإمارات) أن نسبة تصل إلى 79 في المائة من العرب يعتقدون أن الولايات المتحدة وإسرائيل تُشكلان أكبر تهديد للأمن القومي العربي. ووصف 39 في المائة ممن استطلعت آراؤهم الرئيس بوش بأنه يحتل المرتبة الأولى بين الزعماء الأجانب المكروهين عربياً، يليه رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ارئيل شارون ثم إيهود أولمرت.
كما تظهر نتائج استطلاع لكرسي أنور السادات للسلام والتنمية بجامعة ميرلاند وبالتعاون مع مؤسسة زغبي الدولية في مارس 2008 في ست دول عربية، هي: مصر، الأردن، لبنان، المغرب، السعودية والإمارات، ارتفاع نسبة من لديهم رؤية سلبية عن الولايات المتحدة إلى 64 في المائة والتي تمثل ما يقرب من 4 آلاف مستطلع من الدول الست عنها في عام 2006 والتي تقدر بـ 57 في المائة. في حين أبدى 19 في المائة بعض الرؤى الإيجابية تجاه الولايات المتحدة مقارنة باستطلاع آخر خلال الأشهر الماضية والتي قدرت بـ 17 في المائة.
وقد رأى 88 في المائة من المستطلعين أن الولايات المتحدة أكبر تهديد للمنطقة فيما رأى 95 في المائة أن إسرائيل، وهي نسبة مرتفعة مقارنة باستطلاع آخر أواخر عام 2006، حيث رأى 72 في المائة أن واشنطن أكبر تهديد فيما صنف 85 في المائة إسرائيل بأنها أكبر تهديدٍ. ورأى ما يقرب من ثلثي المستطلعين، أي 65 في المائة، أن الديمقراطية ليست هدفاً أمريكياً حقيقياً في المنطقة، في حين رأى 20 في المائة أنها هدف حقيقي لكن الولايات المتحدة تطبقها بصورة خاطئة.
اعتراف أمريكي بإخفاقات الدبلوماسية العامة
يمكن البرهنة على إخفاق الدبلوماسية العامة الأمريكية أيضاً في استقالات القائمين عليها، بداية من (شارلوت بيرز) المسؤولة عن تحسين صورة أمريكا أمام العالمين العربي والإسلامي في أوائل شهر فبراير 2003 بعد عام ونصف العام فقط من توليها المنصب. واعترفت بأن محاولتها للدفاع عن سياسات غير مقبولة في العالمين العربي والإسلامي كانت بمثابة (إدخال فيل كبير في علبة صغيرة)، لأن صورة أمريكا لدى شعوب العالم – كما قالت – أقبح كثيراً مما يتخيل الأمريكيون.
ولم يكن حظ السفيرة مارغريت تاتوايلر أحسن حالاً من سابقتها، فلم تمض ستة أشهر حتى قدمت استقالتها، وأفصحت عن أن السبب هو فشلها في قيادة حملة تحسين الصورة الأمريكية أثناء الحرب على العراق، وفي وقت تزايد الدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل، ولحقت بهما كارين هيوز ودينا باول المصرية الأصل.
ويضاف إلى دلائل إخفاقات الدبلوماسية العامة الأمريكية الإطاحة بصاحب فكرة قناة (الحرة) وراديو (سوا) البليونير نورمان باتيز، ثم الاستغناء عن مدير قناة الحرة موفق حرب وإسناد إدارة القناة لمدير أمريكي كان يعمل في شبكة (CNN) لعله يُوفق في ما لم يوفق فيه المدير السابق. وكانت تلك الاستقالات نتيجة متوقعة طالما ظلت إدارة بوش متمسكة بسياساتها الخاطئة وعدم تغييرها.
الولايات المتحدة أطلقت قنوات فضائية عربية لتحسين صورتها في المنطقة
وفي هذا الصدد، انتقد أنتوني كوردسمان ـ المحلل البارز بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن ـ حملة الدبلوماسية العامة الأمريكية بقيادة (هيوز)، فقال إنها وصلت إلى مستوى عبثي يديره مسؤولون لا يملكون الخبرة. في حين يرى روبرت ساتلوف ـ مدير مركز واشنطن لدراسات الشرق الأدنى (من المراكز الأمريكية الموالية لإسرائيل) ـ في كتابه (معركة الأفكار في الحرب ضد الإرهاب) أن من أسباب فشل الدبلوماسية العامة الأمريكية رصدها ملايين الدولارات بغرض إنشاء مؤسسات إعلامية ناطقة بالعربية مثل (الحرة) وراديو (سوا) بلا أهداف معلنة؛ مما أدى إلى إخفاق هذا النوع من المشاريع لتحسين الصورة الأمريكية أمام المواطن العربي.
أوباما الأجدر على تحسين الصورة الأمريكية
إن فوز باراك أوباما في انتخابات الرابع من نوفمبر قد يساعد على تحسين الصورة الأمريكية عربياً، فباراك أوباما هو الأجدر على تحسينها مقارنة بالرئيس السابق ومنافسه في الانتخابات الرئاسية المرشح الجمهوري جون ماكين، وذلك لأربعة أسباب رئيسية، هي:
أولاً: تمتع الرئيس الأمريكي الجديد بشعبية في منطقة الشرق الأوسط على الصعيدين الرسمي والشعبي، حيث تُفضل الأغلبية العربية باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية. وعلى الرغم من تصريحاته تجاه القضية الفلسطينية التي أغضبت كثيرين إلا أنها لم تؤثر في شعبيته، بحيث لم يذهب التأييد العربي إلى منافسه ماكين. ولعل هذا جلي في حجم الكتابات والتحليلات العربية سواء الصحفية أو الإعلامية أو على شبكة الإنترنت التي تؤيد باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة، والتي تعول عليه في إحداث تغيير في السياسة الأمريكية تجاه قضايا المنطقة المتأزمة.
ثانياً: تبني باراك أوباما خطاباً انتقادياً لسياسات إدارتي الرئيس بوش والمحافظين الجدد، فالبعض أضحى يطلق عليه المضاد لبوش، وينظر إليه على أنه رجل التغيير داخل الولايات المتحدة. فأوباما يعارض سياسات بوش الانفرادية حيال التعامل مع الأزمات الدولية، لكنه يفضل العمل الجماعي في إطار المنظمات الدولية ومع الحلفاء.
ثالثاً: ما يُعزز من فرص أوباما في تحسين الصورة الأمريكية في المنطقة مواقفه حيال العديد من قضايا المنطقة العربية ابتداءً من رفضه الحرب الأمريكية على العراق منذ بدايتها إلى يومنا هذا ودعواته إلى سحب القوات العسكرية الأمريكية، مروراً بتبنيه نهجاً دبلوماسياً للتعامل مع قضايا منطقة الشرق الأوسط، ولعل مواقفه من الأزمة النووية الإيرانية خير مثال على ذلك، حيث يركز على الدبلوماسية والحوافز والعقوبات، وعدم التلويح باستخدام القوة العسكرية في التعامل مع الأزمة إلا في حال استنفاد كل الحلول السلمية والعقوبات، وانتهاءً بالانفتاح على أعداء الولايات المتحدة الأمريكية بالمنطقة من دول وقوى، ورفض عزلها كما كانت تتبنى إدارتا بوش، فهو الداعي إلى حوار مع سوريا وإيران و(حزب الله) و(حماس) مع بداية الانخراط الأمريكي بعملية السلام بالمنطقة، لكن بشروط وإجراءات مسبقة بالنسبة للقوى التي تحمل السلاح ولا تعترف بإسرائيل.
رابعاً: إن انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة الأمريكية زاد من الإعجاب العربي بالقيم والمبادئ الأمريكية. فعلى الرغم من تزايد الكراهية للولايات المتحدة لسياساتها فإن الكثيرين من شعوب المنطقة ما زالوا معجبين بالقيم والمبادئ الأمريكية، الأمر الذي قد يشجع الرأي العام العربي والإسلامي على دعم قياداتهم للتعامل والعمل مع الولايات المتحدة.
أوباما وضرورات التعامل مع تراجع الصورة
لكن قدرة باراك أوباما على تحسين الصورة الأمريكية عربياً ترتبط بصورة أساسية بإحداث تغييرات في السياسة الخارجية الأمريكية تجاه القضايا التي كانت السبب الرئيسي في تراجع الصورة الأمريكية وتزايد كراهيتها بالمنطقة العربية، والتي أخفقت إدارة بوش في التعامل معها، ومن تلك القضايا ما يلي:
أولاً: اقتراب الموقف الأمريكي من نظيره الإسرائيلي إزاء التعامل مع الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي، والسماح لتل أبيب بعرقلة (خريطة الطريق)، وبناء جدار الفصل العنصري، واقتطاع المزيد من الأراضي الفلسطينية، بالإضافة إلى التخلي عن سياسات أمريكية تقليدية لمساندة إسرائيل، مثل الموقف الأمريكي الحالي من بناء المستوطنات وعودة اللاجئين الفلسطينيين. فضلاً عن وضع إسرائيل في موقع الدولة الاستثنائية التي لا تنطبق عليها معايير المساءلة والعقاب التي تصر واشنطن على تطبيقها على الدول الأخرى في المنطقة وفقاً لسياسة المعايير المزدوجة الأمريكية.
يضاف إلى ذلك، التأييد الأمريكي اللامتناهي لتل أبيب في مجلس الأمن، واستخدام حق النقض (الفيتو) لمنع صدور أي قرار يدين إسرائيل، وتقديم الدعم العسكري والتقني (التكنولوجي) للتفوق الإسرائيلي النوعي على جيرانها ومساندتها في عدوانها على دول الجوار. ولعل التأييد الأمريكي (العسكري والدبلوماسي) للعدوان الإسرائيلي على لبنان خلال شهري يوليو وأغسطس 2006 أوضح مثال على ذلك، بالإضافة إلى وضع المنظمات وجماعات المقاومة الفلسطينية واللبنانية على قائمة الجماعات الإرهابية، الأمر الذي يعطي الشرعية لتل أبيب باستهداف قياداتها.
انتخاب باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة زاد من الإعجاب العربي بالقيم والمبادئ الأمريكية
ثانياً: الغزو الأمريكي لأفغانستان في عام 2001 والعراق في 2003. وهي سابقة تاريخية تجعل العرب ينظرون إلى الولايات المتحدة كامتداد لمرحلة الاستعمارين البريطاني والفرنسي لأراضيهم. وما استتبعه من انتهاك واشنطن لحقوق الإنسان ومعاملة السجناء معاملة لا إنسانية، ولا تزال أحداث سجن (أبو غريب العراقي) ومعتقل غوانتانامو عالقة في أذهان الجميع كدليل صارخ على هذه الانتهاكات.
ثالثاً: تصاعد التهديدات الأمريكية لسوريا وإيران اللتين تعمقان الشعور لدى الرأي العام العربي بأن الولايات المتحدة تسعى إلى الهيمنة على دول المنطقة وتنفيذ خطة (القرن الأمريكي) التي رسمها المحافظون الجدد.
رابعاً: التصعيد المحتمل ضد السودان حول أزمة دارفور، على الرغم من رضوخ الحكومة السودانية للضغوط الأمريكية وقبولها بتقسيم السلطة والثروة مع الجنوبيين.
خامساً: تردي العلاقات العربية ـ الأمريكية، وتصاعد حدة الاتهامات الأمريكية للعديدٍ من دول المنطقة بانتهاكها حقوق الإنسان، والاتجار في البشر، ومساندة المنظمات الإرهابية، إلى جانب نزعة واشنطن الواضحة إلى تجاهل التشاور مع الأطراف العربية حول قضايا المنطقة في كثير من الأحيان، مما يزيد من الشكوك والمخاوف العربية حول رغبة واشنطن في فرض الهيمنة على العالم العربي.
سادساً: الربط بين الإسلام والإرهاب. فواشنطن تنظر إلى الإسلام على أنه (مفرخة) الإرهاب والجماعات الإرهابية، فضلاً عن تصريحات الرئيس الأمريكي والعديد من المسؤولين في الإدارة الأمريكية ضد الإسلام، التي وصلت إلى أوجها بإعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش أن الحرب الأمريكية في المنطقة (حرب صليبية جديدة) ضد أعدائها الذين وصفهم في سياق آخر بـ (الفاشيين) الإسلاميين.
سابعاً: دعاوى الديمقراطية المفرغة من مضمونها. ففي حقيقة الأمر كان الخطاب الأمريكي لتعزيز الديمقراطية مزدوج المعايير، فإنه في حال وصول قيادة إلى سدة الحكم لا توافق واشنطن في أهدافها ومصالحها ـ مثل حركة حماس التي نجحت في الانتخابات التشريعية أوائل عام 2006 ـ تخرج تصريحات أمريكية مفادها أن الشعوب العربية غير قادرة على تطبيق الديمقراطية. فالالتزام الأمريكي بالديمقراطية في المنطقة ليس مرتبطاً بجوانب دستورية فنية بقدر ارتباطه بمدى تبني الدولة لمواقف متسقة مع المصالح الأمريكية في المنطقة، أي أن الديمقراطية التي تريدها واشنطن هي ديمقراطية النتائج (Democracy Outcomes).
وفي التحليل الأخير، نقول إن تحسين صورة الولايات المتحدة عربياً ليس من الأمور السهلة، خاصة أن الصورة السلبية لواشنطن والمرسخة في العديد من بلدان العالمين العربي والإسلامي لم تتكون بين عشية وضحاها، ولن تتبدل بين ليلة وضحاها. فتحسين صورة أية دولة يرتبط في المقام الأول بسياساتها، والدبلوماسية العامة لا يمكن أن تنفصل عن الدبلوماسية الرسمية، ولا يمكن أن تنجح الأولى في ما أخفقت فيه الثانية. كما أن النوع الوحيد من الدبلوماسية العامة الذي ينجح في المدى البعيد هو ذلك النوع المؤسس على برامج قابلة للاستمرار، والتي تدوم فقط إذا ما لبتْ المصالح المتبادلة لكلا الطرفين.
::/fulltext::
::cck::1658::/cck::
