الحوار الأمريكي-الإيراني المرتقب وأمن الخليج
::cck::1656::/cck::
::introtext::
من يطلع على نص سلة الحوافز الغربية الذي قدمه وزراء خارجية دول 5+1 (الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن+ ألمانيا)، إلى إيران، في 14 يونيو الماضي، والرد الإيراني على هذه السلة المتكاملة التي تؤسس لتعاون سلمي في مجال الطاقة النووية وتطلق العلاقات السياسية والاقتصادية والتنموية لهذه الدول مع طهران مقابل وقف تخصيب اليورانيوم؛ يدرك على الفور أن الحوار الأمريكي المرتقب بين إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما وطهران لن يكون نزهة للطرفين، ولن يقتصر على معالجة ملف إيران النووي بل سينتقل إلى ملفات أخرى ساخنة تمتد من جبال تورا بورا إلى قطاع غزة.
::/introtext::
::fulltext::
من يطلع على نص سلة الحوافز الغربية الذي قدمه وزراء خارجية دول 5+1 (الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن+ ألمانيا)، إلى إيران، في 14 يونيو الماضي، والرد الإيراني على هذه السلة المتكاملة التي تؤسس لتعاون سلمي في مجال الطاقة النووية وتطلق العلاقات السياسية والاقتصادية والتنموية لهذه الدول مع طهران مقابل وقف تخصيب اليورانيوم؛ يدرك على الفور أن الحوار الأمريكي المرتقب بين إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما وطهران لن يكون نزهة للطرفين، ولن يقتصر على معالجة ملف إيران النووي بل سينتقل إلى ملفات أخرى ساخنة تمتد من جبال تورا بورا إلى قطاع غزة.
الحقيقة أن الطرفين قد كشر كل منهما عن أنيابه التفاوضية مبكراً. فأوباما وفريقه للسياسات الخارجية والشؤون الأمنية والدفاعية صرحوا في أكثر من مناسبة بأن الحوار ليس هدفه الحوار فقط، إنما هو حوار من أجل تعريف الإيرانيين بشكل مباشر بعواقب الاستمرار في البرنامج النووي ودعم الجبهات المناهضة للسياسات الأمريكية على امتداد المنطقة. والإيرانيون من جانبهم يرون أنهم يقفون في أي حوار على أرضية صلبة، فنفوذهم الإقليمي بات في كل مكان بالمنطقة، وهم أكدوا في ردهم على سلة الحوافز الغربية أن (عصر التفاوض من موقع الضعف قد انتهى).
إن المشكلة الأساسية التي يواجهها مثل هذا الحوار أنه يأتي في وقت تضاءلت فيه الخيارات الأمريكية والغربية للتعامل مع إيران؛ فبعد خمسة أعوام من بداية الحديث عن مخاطر البرنامج النووي الإيراني، يلاحظ أن خيار تغيير النظام من الداخل قد سقط، كما سقط أيضاً مبدأ الاحتواء بعد أن استطاعت إيران مواجهة عقبة الوجود الأمريكي على حدودها، بتوسيع نفوذها عبر مختلف الأدوات لمحاصرة وتهديد المصالح الأمريكية في أكثر من مكان، وطورت من البرامج العسكرية ما يجعل من خيار الحل العسكري أمراً مكلفاً لأمريكا وسائر أطراف المنطقة.
وعلى الدرب ذاته، أي خيار الاحتواء، لم تفلح أربعة قرارات صدرت عن مجلس الأمن الدولي بشأن ملف إيران النووي أن تثني طهران عن مواصلة جهودها لإكمال مشروعها النووي، بل ربما وصلت طهران إلى نقطة (اللاعودة النووية)، وهو ما يؤكد أن خيارات أمريكا اليوم تتراوح بين التسوية الشاملة أو المواجهة الشاملة (إن قررت عدم التعايش مع إيران نووية) وذلك على خلفية بعض التوقعات التي تقول إن إيران نجحت، أو على وشك أن تنجح، في إكمال دورة التخصيب واحتمال حصولها على القنبلة النووية قبل عام 2011.
وفي كلتا الحالتين، فإن أمن منطقة الخليج العربي سيتأثر كثيراً بما سيجري على صعيد هذا الحوار الأمريكي-الإيراني المرتقب. فخيار المواجهة ولا شك كارثي لدول المنطقة عامة ولدول الخليج خاصة. أما خيار التسوية (الصفقة) الشاملة، وإن بدا أقل خطورة، إلا أنه يجب ألا يكون على حساب دول الخليج أو فرض صيغة إقليمية للأمن تكون أبعد من تصوراتها ورؤاها ومصالحها.
تداعيات الحرب الإسرائيلية الوحشية على قطاع غزة ستحدث تغييرات في أولويات إدارة أوباما

إسرائيل ستكون الرقم الأصعب في أي حوار أمريكي-إيراني
معطيات واقعية
وحتى يمكن بحث تأثير هذا الحوار فيأمن الخليج بشكل عام، لا بد من الوقوف على بعض المعطيات الواقعية التي تحكم إطار الحوار من جانب، وموقع الدول الخليجية في سياق المنظومة الإقليمية من جانب آخر. ومن أهم هذه المعطيات ما يلي:
أولاً: تبدو التفاعلات بين أطراف هذه المنظومة، أمريكا وإيران ودول الخليج، مزيجاً بين علاقات الصراع والتعاون، ويمكن توصيفها بأنها علاقات (تنافسية وتعاونية) في آن واحد. فسياسة الاحتواء الأمريكي لطهران، التي تقوم على فرض العقوبات المتدرجة في مجلس الأمن الدولي وحشد تحالف غربي وعربي أيضاً ضدها، لم تمنع تعاون الطرفين في عراق ما بعد الاحتلال وفي أفغانستان ولم تحل دون انضمام الولايات المتحدة رسمياً إلى الدول الأخرى المعنية بالملف الإيراني وتوقيع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة رايس على نص سلة الحوافز السابقة.
وبالمثل، فالعلاقات الخليجية-الإيرانية هي في أنقى توصيف لها علاقات (بين بين)، فالقلق يبدو سمة خليجية مشتركة تجاه إيران، لكن لا يمنع ذلك من وجود اتفاق أمني بين بعض دول الخليج ومنها السعودية، وبين إيران. ونجد أن عُمان وقطر والإمارات -رغم احتلال الجزر الثلاث- تقيم علاقات اقتصادية متميزة مع طهران،فيما تستخدم السعودية والبحرين والكويت قدراتها لمواجهة النفوذ الإيراني قدر المستطاع.
ومن جانب آخر، لا توجد رؤية أمريكية-خليجية مشتركة في كيفية التعامل مع إيران، فمهما يكن تقاطع المصالح أو وجود صيغ للتعاون العسكري، فإن مصالح الدول الخليجية في إطارها العربي والشرق أوسطي تفرض حدوداً على هذه العلاقة، وإن بدت في ظاهرها (تحالفية). ومثال ذلك ربط الدول الخليجية معالجة البرنامج النووي الإيراني بإخلاء الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل، من السلاح النووي، والإجماع الخليجي على رفض اللجوء للحل العسكري ضد إيران من أي طرف.
ثانياً: لا يمكن الجزم أو الحكم بوجود صيغة محددة للأمن الخليجي في بيئة ما بعد احتلال العراق. ولا ينفي ذلك اعتماد الدول الخليجية على التعاون الثنائي مع الولايات المتحدة على اعتبار ذلك الضامن الأساسي لأمن هذه الدول حتى إن توسع بعضها في إقامة علاقات عسكرية مع فاعلين آخرين مثل روسيا والصين، إذ تبقى أمريكا هي صاحبة المصالح الأولى في المنطقة، وستظل على المدى المنظور قوة عسكرية قابعة بالمنطقة.
ثالثاً: تثبت مدخلات البيئة الاستراتيجية الأمنية في الخليج أن الأمن في المنطقة بات مفهوماً وإطاراً أشمل من التعريف العسكري الضيق للأمن؛ فأضحى الأمن الاقتصادي والبيئي والإنساني والمجتمعي عناصر جوهرية لا بد أن تشملهامخرجات أية منظومة مقترحة للأمن في الخليج.
رابعاً: لا تزال تصورات إدارة أوباما عن منطقة الشرق الأوسط في مجموعها مبهمة للغاية، فهو لم يقدم أكثر من مواقف أولية تؤكد انتهاجه سياسة الحوار أولاً وتقديم الدبلوماسية على الوسائل الأخرى. ولئن كان أوباما لديه رؤية (تغييرية) هادئة وكلية للإقليم تبدأ من استقرار الوضع في العراق، مروراً بإيران الممسكة بملفات أخرى في المنطقة، انتقالاً إلى ملف الصراع العربي-الإسرائيلي، فإنه لم يتطرق للأمن الخليجي إلا في سياق علاج الملف الإيراني وشكل المنظومة الإقليمية ككل.
ويجوز القول إن تداعيات الحرب الإسرائيلية الوحشية على قطاع غزة ستحدث تغييرات في أولويات إدارة أوباما، بحيث إنه لن يتمكن من فصل المسارات في الشرق الأوسط؛ فيقدم أحدها على الآخر، بل إن إدارته ستضطر إلى التطرق لجملة الملفات العالقة وربما دفعة واحدة.
خامساً: لأن إيران ستكون رقماً صعباً في كافة ملفات الشرق الأوسط (بتعريفه الأوسع)، فإن إدارة أوباما، وبعد تجربتي حرب إسرائيليتين في لبنان وغزة، ستجد نفسها مدفوعة بهاجس الأمن الإسرائيلي وهاجس تحقيق إنجاز في أفغانستان، إلى أن تفتح حواراً مع إيران حول الأمن في الخليج ووسط آسيا والمشرق العربي. وربما في سياق كهذا يأتي بحث أمن الخليج بعد الملفين الأخيرين الأكثر إلحاحاً لفريق أوباما.
الحوار يأتي في وقت تضاءلت فيه الخيارات الأمريكية والغربية للتعامل مع إيران
سادساً: لا يحتاج المرء إلى برهان للقول بأن إسرائيل ستكون الرقم الأصعب في أي حوار أمريكي-إيراني، فالعداء الظاهر بين إيران وإسرائيل وبلوغ نفوذ طهران إلى البحر المتوسط واقتراب استكمال مشروعها النووي، تمثل عوامل ضاغطة على كل اقتراب أمريكي-إيراني لتناول قضايا المنطقة.
وفي السياق ذاته، هناك فاعلون إقليميون سيسهمون في تحديد وجهة الحوار الأمريكي-الإيراني. فمصر والسعودية والأردن تخشى على وضعها الإقليمي، وثمة قوة جديدة صاعدة ووافدة للمنطقة هي تركيا كما برزت أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة. وبالمقابل هناك قوى أخرى، دول وفاعلون دون الدول، تربطهم صلات وثيقة بالنظام الإيراني، وربما تحدد توجهات إدارة أوباما نحوهم بوصلة الحوار مع إيران.
سيناريوهات محتملة
بناءً على ذلك، فإن تشابك الفاعلين وتداخل المصالح وتنوع التفاعلات تبقى هي العناوين الكبرى لأي حوار أمريكي-إيراني مرتقب. وفي القلب من هذا كله لا يجوز للأطراف الخليجية باعتبارها فاعلاً محورياً في تلك الملفات المعقدة أن تنتظر ما سيؤول إليه الحوار بين واشنطن وطهران ثم تتخذ ما تراه مناسباً من سياسات فيما بعد، بل لا بد أن تستعد مبكراً لكافة الاحتمالات الواردة، بل أن تكون طرفاً وشريكاً في أي حوار، حتى إن لجأت للحوار بشكل منفرد مع كل من الدولتين.
وبغض النظر عن الصيغ المختلفة المطروحة نظرياً لتحقيق الأمن في الخليج، ومعظمها نتاج دراسات غربية، فإن السياسات الواقعية وحدها وانتهاج البراغماتية في حدها الأقصى، هي ما قد يحقق المصلحة الخليجية المشتركة ويجعل من الرؤية الخليجية لتحقيق الأمن والاستقرار محل اعتبار مهما تكن مآلات الحوار الأمريكي-الإيراني.
ومن المتصور أن برنامج إيران النووي سيكون نقطة البداية في أي حوار أمريكي-إيراني، وكل نقاش في سائر القضايا الأخرى بل وكل حوافز ستقدم لطهران ستتوقف على ما تبغيه إيران من مكانة بالمنطقة وعلى درجة تعاطيها مع الجهود الدولية لتحقيق الاستقرار في مناطق الاضطراب المختلفة. كما أنه من المتصور كذلك أن أولويات طهران المصلحية تتوقف على نظرة براغماتية لا إيديولوجية لمحيطها، وبالتالي فهي ستقدم دورها في كل من الخليج ووسط آسيا على المناطق الأخرى.
وهنا ثمة سيناريوهان أساسيان يمكن أن يؤول إليهما الحوار، أولهما أن ينجح الحوار عبر تسوية شاملة تقتضي تخلي طهران عن برنامجها النووي والقبول بتعاون دولي إيراني مشترك وفق ضمانات معينة لإنتاج الوقود النووي للأغراض السلمية فقط، مقابل تثبيت رؤاها ومكانتها في مناطق النفوذ القريبة، والحد من الدعم الذي تقدمه للأطراف الأبعد، وتحديداً في المحيط المتوسطي، مع وعود، وربما تحركات، من إدارة أوباما لمحاولة التوصل إلى حلول سلمية للصراع العربي-الإسرائيلي.
وفي هذه الوضعية قد يأتي الإقرار بالنفوذ الإيراني على حساب الأطراف الخليجية باعتبار منطقة الخليج والعراق هما الأقرب لإيران جيوبوليتيكياً والأهم من الناحية الجيوسياسية والجيواقتصادية أيضاً.
أما السيناريو الثاني فهو أن تتمسك إيران بخيارها النووي، ما يعني فشل الحوار على كافة المستويات والصعد الأخرى، وهو أيضاً ما يشكل مأزقاً لدول الخليج، سواء لجأت الدول الغربية إلى انتهاج سياسة المواجهة الشاملة مع إيران، ومنها اعتماد الخيار العسكري، أم اضطرت هذه الدول إلى التعايش مع إيران (نووية).
وإذا كانت فكرة التعايش مع إيران (نووية) ستعد ترفاً للأطراف الغربية القادرة على ردع إيران فعلياً، بل حتى إذا قبلت بها إسرائيل -بالنظر إلى ما يعنيه لجوء إسرائيل إلى العمل العسكري المنفرد ولو تحت غطاء دولي من صعوبات، وكذلك بالنظر إلى إمكانية نشوء توازن رعب نووي بينهما-، فإن إيران (نووية) تبدو الخيار الأكثر سوءاً للدول الخليجية لما يحدثه ذلك من المزيد من خلخلة التوازن الاستراتيجي المختل أصلاً لصالح إيران.
أمن منطقة الخليج العربي سيتأثر كثيراً بما سيجري على صعيد هذا الحوار الأمريكي-الإيراني المرتقب
وفي هذه الحالة فقط، لن تجد دول الخليج مناصاً من أن تدخل في أقرب وقت في إطار منظومة (مظلة نووية) أمريكية أو متعددة الأطراف لحماية نفسها، وتثبيت حقوقها ونفوذها في منطقتها ومحيطها المباشر، وسوف تعتمد الخيار النووي مستقبلاً. وربما تلجأ كذلك إلى (تدويل) أمن الخليج بالدخول في تحالفات مع دول قريبة سياسياً من طهران حتى تؤمن الذات من مخاطر نشوب أي صراعات مستقبلية بين أمريكا وإيران، لأن وجود السلاح النووي بحد ذاته، لا يضمن منع نشوب حروب تقليدية ولا يضمن منع تفاقم الصراعات كما يثبت من واقع تجارب الدول النووية، القديمة منها والحديثة والمعلنة منها وغير المعلنة.
أما في حالة خياري التسوية الشاملة أو المواجهة الشاملة، فيمكن التأكيد على أن الدول الخليجية ستكون متضررة إذا ما فقدت زمام المبادرة، وهي تمتلك من أدوات اللعبة ما يكفل لها إيجاد التوازن المطلوب، ووحدها السياسة البراغماتية هي ما يمكن أن يحول دون أن تقع فريسة للصفقة أو الصفعة المحتملتين.
ويقتضي الأمر توحيد الرؤية الخليجية أو على الأقل الانطلاق من السياق الجماعي الناظم لشكل الأمن المحتمل في الخليج. وهنا فاللعب على وتر التناقضات الأمريكية-الإيرانية هو ما يثبت مكانة دول الخليج ويعزز أمنها في ظل بيئة غامضة.
وفي هذه الحالة يمكن انتهاج سياسة تقوم على:
أولاً: التعاون مع الطرفين، واشنطن وطهران، حيث التأكيد على نمط التحالف العسكري مع أمريكا من دون الإغفال عن بحث صيغ التعاون في المجالات المختلفة مع طهران، والعمل على اتخاذ تدابير لإجراءات بناء الثقة، بشرط (الحياد الخليجي الإيجابي) مقابل (التحييد) في أية مواجهة محتملة بين الطرفين. وهذا قد يقلل من التأثير المتوقع على دول الخليج خاصة في حالة نشوب مواجهة عسكرية في المنطقة.
ثانياً: في إطار سيناريو التسوية الشاملة يمكن لدول الخليج ومنذ البداية أن تبادر هي -وليس واشنطن أو طهران- إلى طرح صيغة لنظام أمن إقليمي جديد يقوم على الارتباط والتشارك بين كافة القوى القائمة في المنطقة، ويتضمن ذلك: اتفاقية تضمن حرمة انتهاك الحدود في المنطقة، ومعاهدة لضبط التسلح تستبعد فئات تسليحية محددة، وسوقاً مشتركة ومنطقة للتجارة الحرة، وآليات مشتركة لتأمين الإمدادات النفطية وحماية المداخل البحرية، وإنشاء آلية للتحكيم في النزاعات الإقليمية، والبدء في معالجة ملف الجزر الإماراتية ونقاط الخلاف الأخرى مع طهران.
وسبق للرئيس الإيراني أحمدي نجاد أن قدم أمام القمة الخليجية في عام 2007 طرحاً مشابهاً، إلا أن على الدول الخليجية أن تكمل ما تغاضى عنه نجاد، وهو برنامج إيران النووي وإيجاد آليات لمنع التدخل في الشؤون الداخلية وحل قضية الجزر. لكن واقعية هذا الطرح تعتمد على عاملين آخرين، هما: تعزيز القدرات الخليجية العسكرية الذاتية ونقلها إلى طور التنفيذ الفعلي ووضع برامج ذاتية للدفاع عن النفس كما ترتئيها الوزارات المعنية، وإقناع الإدارة الأمريكية بأن مصالحها وتحالفاتها في المنطقة لن تتأثر بهذه الإجراءات، بل على العكس سيكون هذا مدخلاً لإقامة نظام متوازن تلعب فيه أمريكا دوراً إيجابياً فاعلاً يشبه سياسة (التوازن عن بعد) التي اتبعتها واشنطن في عقدي الستينات والسبعينات، حتى على الرغم من وجودأمريكا عسكرياً في المنطقة.
ثالثاً: لا بد من الأخذ في الاعتبار ضيق الوقت، وهو ما يستلزم تنحية الخلافات الخليجية-الخليجية جانباً، والخروج من نمط المحاور الإقليمية السائد الآن، وعدم الخلط بين أوراق الصراع المتباينة في عموم الشرق الأوسط؛ فأمن أعضاء منطقة الخليج لا يكون بالميل إلى هذا المحور (المعتدلين) أو ذاك المحور (الراديكاليين)، وإنما يكون من خلال توحيد الرؤية وإيجاد القاسم المشترك لتعزيز المصالح بين دول المنطقة وكيفية تحقيق الأمن فيما بينها، بعيداً عن الإيديولوجيات والنزاعات الجانبية التي أجبرت كلاً من واشنطن وطهران على الحوار أولاً قبل أية مواجهة مستقبلية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1656::/cck::
::introtext::
من يطلع على نص سلة الحوافز الغربية الذي قدمه وزراء خارجية دول 5+1 (الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن+ ألمانيا)، إلى إيران، في 14 يونيو الماضي، والرد الإيراني على هذه السلة المتكاملة التي تؤسس لتعاون سلمي في مجال الطاقة النووية وتطلق العلاقات السياسية والاقتصادية والتنموية لهذه الدول مع طهران مقابل وقف تخصيب اليورانيوم؛ يدرك على الفور أن الحوار الأمريكي المرتقب بين إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما وطهران لن يكون نزهة للطرفين، ولن يقتصر على معالجة ملف إيران النووي بل سينتقل إلى ملفات أخرى ساخنة تمتد من جبال تورا بورا إلى قطاع غزة.
::/introtext::
::fulltext::
من يطلع على نص سلة الحوافز الغربية الذي قدمه وزراء خارجية دول 5+1 (الأعضاء الخمسة الدائمون في مجلس الأمن+ ألمانيا)، إلى إيران، في 14 يونيو الماضي، والرد الإيراني على هذه السلة المتكاملة التي تؤسس لتعاون سلمي في مجال الطاقة النووية وتطلق العلاقات السياسية والاقتصادية والتنموية لهذه الدول مع طهران مقابل وقف تخصيب اليورانيوم؛ يدرك على الفور أن الحوار الأمريكي المرتقب بين إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما وطهران لن يكون نزهة للطرفين، ولن يقتصر على معالجة ملف إيران النووي بل سينتقل إلى ملفات أخرى ساخنة تمتد من جبال تورا بورا إلى قطاع غزة.
الحقيقة أن الطرفين قد كشر كل منهما عن أنيابه التفاوضية مبكراً. فأوباما وفريقه للسياسات الخارجية والشؤون الأمنية والدفاعية صرحوا في أكثر من مناسبة بأن الحوار ليس هدفه الحوار فقط، إنما هو حوار من أجل تعريف الإيرانيين بشكل مباشر بعواقب الاستمرار في البرنامج النووي ودعم الجبهات المناهضة للسياسات الأمريكية على امتداد المنطقة. والإيرانيون من جانبهم يرون أنهم يقفون في أي حوار على أرضية صلبة، فنفوذهم الإقليمي بات في كل مكان بالمنطقة، وهم أكدوا في ردهم على سلة الحوافز الغربية أن (عصر التفاوض من موقع الضعف قد انتهى).
إن المشكلة الأساسية التي يواجهها مثل هذا الحوار أنه يأتي في وقت تضاءلت فيه الخيارات الأمريكية والغربية للتعامل مع إيران؛ فبعد خمسة أعوام من بداية الحديث عن مخاطر البرنامج النووي الإيراني، يلاحظ أن خيار تغيير النظام من الداخل قد سقط، كما سقط أيضاً مبدأ الاحتواء بعد أن استطاعت إيران مواجهة عقبة الوجود الأمريكي على حدودها، بتوسيع نفوذها عبر مختلف الأدوات لمحاصرة وتهديد المصالح الأمريكية في أكثر من مكان، وطورت من البرامج العسكرية ما يجعل من خيار الحل العسكري أمراً مكلفاً لأمريكا وسائر أطراف المنطقة.
وعلى الدرب ذاته، أي خيار الاحتواء، لم تفلح أربعة قرارات صدرت عن مجلس الأمن الدولي بشأن ملف إيران النووي أن تثني طهران عن مواصلة جهودها لإكمال مشروعها النووي، بل ربما وصلت طهران إلى نقطة (اللاعودة النووية)، وهو ما يؤكد أن خيارات أمريكا اليوم تتراوح بين التسوية الشاملة أو المواجهة الشاملة (إن قررت عدم التعايش مع إيران نووية) وذلك على خلفية بعض التوقعات التي تقول إن إيران نجحت، أو على وشك أن تنجح، في إكمال دورة التخصيب واحتمال حصولها على القنبلة النووية قبل عام 2011.
وفي كلتا الحالتين، فإن أمن منطقة الخليج العربي سيتأثر كثيراً بما سيجري على صعيد هذا الحوار الأمريكي-الإيراني المرتقب. فخيار المواجهة ولا شك كارثي لدول المنطقة عامة ولدول الخليج خاصة. أما خيار التسوية (الصفقة) الشاملة، وإن بدا أقل خطورة، إلا أنه يجب ألا يكون على حساب دول الخليج أو فرض صيغة إقليمية للأمن تكون أبعد من تصوراتها ورؤاها ومصالحها.
تداعيات الحرب الإسرائيلية الوحشية على قطاع غزة ستحدث تغييرات في أولويات إدارة أوباما

إسرائيل ستكون الرقم الأصعب في أي حوار أمريكي-إيراني
معطيات واقعية
وحتى يمكن بحث تأثير هذا الحوار فيأمن الخليج بشكل عام، لا بد من الوقوف على بعض المعطيات الواقعية التي تحكم إطار الحوار من جانب، وموقع الدول الخليجية في سياق المنظومة الإقليمية من جانب آخر. ومن أهم هذه المعطيات ما يلي:
أولاً: تبدو التفاعلات بين أطراف هذه المنظومة، أمريكا وإيران ودول الخليج، مزيجاً بين علاقات الصراع والتعاون، ويمكن توصيفها بأنها علاقات (تنافسية وتعاونية) في آن واحد. فسياسة الاحتواء الأمريكي لطهران، التي تقوم على فرض العقوبات المتدرجة في مجلس الأمن الدولي وحشد تحالف غربي وعربي أيضاً ضدها، لم تمنع تعاون الطرفين في عراق ما بعد الاحتلال وفي أفغانستان ولم تحل دون انضمام الولايات المتحدة رسمياً إلى الدول الأخرى المعنية بالملف الإيراني وتوقيع وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة رايس على نص سلة الحوافز السابقة.
وبالمثل، فالعلاقات الخليجية-الإيرانية هي في أنقى توصيف لها علاقات (بين بين)، فالقلق يبدو سمة خليجية مشتركة تجاه إيران، لكن لا يمنع ذلك من وجود اتفاق أمني بين بعض دول الخليج ومنها السعودية، وبين إيران. ونجد أن عُمان وقطر والإمارات -رغم احتلال الجزر الثلاث- تقيم علاقات اقتصادية متميزة مع طهران،فيما تستخدم السعودية والبحرين والكويت قدراتها لمواجهة النفوذ الإيراني قدر المستطاع.
ومن جانب آخر، لا توجد رؤية أمريكية-خليجية مشتركة في كيفية التعامل مع إيران، فمهما يكن تقاطع المصالح أو وجود صيغ للتعاون العسكري، فإن مصالح الدول الخليجية في إطارها العربي والشرق أوسطي تفرض حدوداً على هذه العلاقة، وإن بدت في ظاهرها (تحالفية). ومثال ذلك ربط الدول الخليجية معالجة البرنامج النووي الإيراني بإخلاء الشرق الأوسط، بما في ذلك إسرائيل، من السلاح النووي، والإجماع الخليجي على رفض اللجوء للحل العسكري ضد إيران من أي طرف.
ثانياً: لا يمكن الجزم أو الحكم بوجود صيغة محددة للأمن الخليجي في بيئة ما بعد احتلال العراق. ولا ينفي ذلك اعتماد الدول الخليجية على التعاون الثنائي مع الولايات المتحدة على اعتبار ذلك الضامن الأساسي لأمن هذه الدول حتى إن توسع بعضها في إقامة علاقات عسكرية مع فاعلين آخرين مثل روسيا والصين، إذ تبقى أمريكا هي صاحبة المصالح الأولى في المنطقة، وستظل على المدى المنظور قوة عسكرية قابعة بالمنطقة.
ثالثاً: تثبت مدخلات البيئة الاستراتيجية الأمنية في الخليج أن الأمن في المنطقة بات مفهوماً وإطاراً أشمل من التعريف العسكري الضيق للأمن؛ فأضحى الأمن الاقتصادي والبيئي والإنساني والمجتمعي عناصر جوهرية لا بد أن تشملهامخرجات أية منظومة مقترحة للأمن في الخليج.
رابعاً: لا تزال تصورات إدارة أوباما عن منطقة الشرق الأوسط في مجموعها مبهمة للغاية، فهو لم يقدم أكثر من مواقف أولية تؤكد انتهاجه سياسة الحوار أولاً وتقديم الدبلوماسية على الوسائل الأخرى. ولئن كان أوباما لديه رؤية (تغييرية) هادئة وكلية للإقليم تبدأ من استقرار الوضع في العراق، مروراً بإيران الممسكة بملفات أخرى في المنطقة، انتقالاً إلى ملف الصراع العربي-الإسرائيلي، فإنه لم يتطرق للأمن الخليجي إلا في سياق علاج الملف الإيراني وشكل المنظومة الإقليمية ككل.
ويجوز القول إن تداعيات الحرب الإسرائيلية الوحشية على قطاع غزة ستحدث تغييرات في أولويات إدارة أوباما، بحيث إنه لن يتمكن من فصل المسارات في الشرق الأوسط؛ فيقدم أحدها على الآخر، بل إن إدارته ستضطر إلى التطرق لجملة الملفات العالقة وربما دفعة واحدة.
خامساً: لأن إيران ستكون رقماً صعباً في كافة ملفات الشرق الأوسط (بتعريفه الأوسع)، فإن إدارة أوباما، وبعد تجربتي حرب إسرائيليتين في لبنان وغزة، ستجد نفسها مدفوعة بهاجس الأمن الإسرائيلي وهاجس تحقيق إنجاز في أفغانستان، إلى أن تفتح حواراً مع إيران حول الأمن في الخليج ووسط آسيا والمشرق العربي. وربما في سياق كهذا يأتي بحث أمن الخليج بعد الملفين الأخيرين الأكثر إلحاحاً لفريق أوباما.
الحوار يأتي في وقت تضاءلت فيه الخيارات الأمريكية والغربية للتعامل مع إيران
سادساً: لا يحتاج المرء إلى برهان للقول بأن إسرائيل ستكون الرقم الأصعب في أي حوار أمريكي-إيراني، فالعداء الظاهر بين إيران وإسرائيل وبلوغ نفوذ طهران إلى البحر المتوسط واقتراب استكمال مشروعها النووي، تمثل عوامل ضاغطة على كل اقتراب أمريكي-إيراني لتناول قضايا المنطقة.
وفي السياق ذاته، هناك فاعلون إقليميون سيسهمون في تحديد وجهة الحوار الأمريكي-الإيراني. فمصر والسعودية والأردن تخشى على وضعها الإقليمي، وثمة قوة جديدة صاعدة ووافدة للمنطقة هي تركيا كما برزت أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة. وبالمقابل هناك قوى أخرى، دول وفاعلون دون الدول، تربطهم صلات وثيقة بالنظام الإيراني، وربما تحدد توجهات إدارة أوباما نحوهم بوصلة الحوار مع إيران.
سيناريوهات محتملة
بناءً على ذلك، فإن تشابك الفاعلين وتداخل المصالح وتنوع التفاعلات تبقى هي العناوين الكبرى لأي حوار أمريكي-إيراني مرتقب. وفي القلب من هذا كله لا يجوز للأطراف الخليجية باعتبارها فاعلاً محورياً في تلك الملفات المعقدة أن تنتظر ما سيؤول إليه الحوار بين واشنطن وطهران ثم تتخذ ما تراه مناسباً من سياسات فيما بعد، بل لا بد أن تستعد مبكراً لكافة الاحتمالات الواردة، بل أن تكون طرفاً وشريكاً في أي حوار، حتى إن لجأت للحوار بشكل منفرد مع كل من الدولتين.
وبغض النظر عن الصيغ المختلفة المطروحة نظرياً لتحقيق الأمن في الخليج، ومعظمها نتاج دراسات غربية، فإن السياسات الواقعية وحدها وانتهاج البراغماتية في حدها الأقصى، هي ما قد يحقق المصلحة الخليجية المشتركة ويجعل من الرؤية الخليجية لتحقيق الأمن والاستقرار محل اعتبار مهما تكن مآلات الحوار الأمريكي-الإيراني.
ومن المتصور أن برنامج إيران النووي سيكون نقطة البداية في أي حوار أمريكي-إيراني، وكل نقاش في سائر القضايا الأخرى بل وكل حوافز ستقدم لطهران ستتوقف على ما تبغيه إيران من مكانة بالمنطقة وعلى درجة تعاطيها مع الجهود الدولية لتحقيق الاستقرار في مناطق الاضطراب المختلفة. كما أنه من المتصور كذلك أن أولويات طهران المصلحية تتوقف على نظرة براغماتية لا إيديولوجية لمحيطها، وبالتالي فهي ستقدم دورها في كل من الخليج ووسط آسيا على المناطق الأخرى.
وهنا ثمة سيناريوهان أساسيان يمكن أن يؤول إليهما الحوار، أولهما أن ينجح الحوار عبر تسوية شاملة تقتضي تخلي طهران عن برنامجها النووي والقبول بتعاون دولي إيراني مشترك وفق ضمانات معينة لإنتاج الوقود النووي للأغراض السلمية فقط، مقابل تثبيت رؤاها ومكانتها في مناطق النفوذ القريبة، والحد من الدعم الذي تقدمه للأطراف الأبعد، وتحديداً في المحيط المتوسطي، مع وعود، وربما تحركات، من إدارة أوباما لمحاولة التوصل إلى حلول سلمية للصراع العربي-الإسرائيلي.
وفي هذه الوضعية قد يأتي الإقرار بالنفوذ الإيراني على حساب الأطراف الخليجية باعتبار منطقة الخليج والعراق هما الأقرب لإيران جيوبوليتيكياً والأهم من الناحية الجيوسياسية والجيواقتصادية أيضاً.
أما السيناريو الثاني فهو أن تتمسك إيران بخيارها النووي، ما يعني فشل الحوار على كافة المستويات والصعد الأخرى، وهو أيضاً ما يشكل مأزقاً لدول الخليج، سواء لجأت الدول الغربية إلى انتهاج سياسة المواجهة الشاملة مع إيران، ومنها اعتماد الخيار العسكري، أم اضطرت هذه الدول إلى التعايش مع إيران (نووية).
وإذا كانت فكرة التعايش مع إيران (نووية) ستعد ترفاً للأطراف الغربية القادرة على ردع إيران فعلياً، بل حتى إذا قبلت بها إسرائيل -بالنظر إلى ما يعنيه لجوء إسرائيل إلى العمل العسكري المنفرد ولو تحت غطاء دولي من صعوبات، وكذلك بالنظر إلى إمكانية نشوء توازن رعب نووي بينهما-، فإن إيران (نووية) تبدو الخيار الأكثر سوءاً للدول الخليجية لما يحدثه ذلك من المزيد من خلخلة التوازن الاستراتيجي المختل أصلاً لصالح إيران.
أمن منطقة الخليج العربي سيتأثر كثيراً بما سيجري على صعيد هذا الحوار الأمريكي-الإيراني المرتقب
وفي هذه الحالة فقط، لن تجد دول الخليج مناصاً من أن تدخل في أقرب وقت في إطار منظومة (مظلة نووية) أمريكية أو متعددة الأطراف لحماية نفسها، وتثبيت حقوقها ونفوذها في منطقتها ومحيطها المباشر، وسوف تعتمد الخيار النووي مستقبلاً. وربما تلجأ كذلك إلى (تدويل) أمن الخليج بالدخول في تحالفات مع دول قريبة سياسياً من طهران حتى تؤمن الذات من مخاطر نشوب أي صراعات مستقبلية بين أمريكا وإيران، لأن وجود السلاح النووي بحد ذاته، لا يضمن منع نشوب حروب تقليدية ولا يضمن منع تفاقم الصراعات كما يثبت من واقع تجارب الدول النووية، القديمة منها والحديثة والمعلنة منها وغير المعلنة.
أما في حالة خياري التسوية الشاملة أو المواجهة الشاملة، فيمكن التأكيد على أن الدول الخليجية ستكون متضررة إذا ما فقدت زمام المبادرة، وهي تمتلك من أدوات اللعبة ما يكفل لها إيجاد التوازن المطلوب، ووحدها السياسة البراغماتية هي ما يمكن أن يحول دون أن تقع فريسة للصفقة أو الصفعة المحتملتين.
ويقتضي الأمر توحيد الرؤية الخليجية أو على الأقل الانطلاق من السياق الجماعي الناظم لشكل الأمن المحتمل في الخليج. وهنا فاللعب على وتر التناقضات الأمريكية-الإيرانية هو ما يثبت مكانة دول الخليج ويعزز أمنها في ظل بيئة غامضة.
وفي هذه الحالة يمكن انتهاج سياسة تقوم على:
أولاً: التعاون مع الطرفين، واشنطن وطهران، حيث التأكيد على نمط التحالف العسكري مع أمريكا من دون الإغفال عن بحث صيغ التعاون في المجالات المختلفة مع طهران، والعمل على اتخاذ تدابير لإجراءات بناء الثقة، بشرط (الحياد الخليجي الإيجابي) مقابل (التحييد) في أية مواجهة محتملة بين الطرفين. وهذا قد يقلل من التأثير المتوقع على دول الخليج خاصة في حالة نشوب مواجهة عسكرية في المنطقة.
ثانياً: في إطار سيناريو التسوية الشاملة يمكن لدول الخليج ومنذ البداية أن تبادر هي -وليس واشنطن أو طهران- إلى طرح صيغة لنظام أمن إقليمي جديد يقوم على الارتباط والتشارك بين كافة القوى القائمة في المنطقة، ويتضمن ذلك: اتفاقية تضمن حرمة انتهاك الحدود في المنطقة، ومعاهدة لضبط التسلح تستبعد فئات تسليحية محددة، وسوقاً مشتركة ومنطقة للتجارة الحرة، وآليات مشتركة لتأمين الإمدادات النفطية وحماية المداخل البحرية، وإنشاء آلية للتحكيم في النزاعات الإقليمية، والبدء في معالجة ملف الجزر الإماراتية ونقاط الخلاف الأخرى مع طهران.
وسبق للرئيس الإيراني أحمدي نجاد أن قدم أمام القمة الخليجية في عام 2007 طرحاً مشابهاً، إلا أن على الدول الخليجية أن تكمل ما تغاضى عنه نجاد، وهو برنامج إيران النووي وإيجاد آليات لمنع التدخل في الشؤون الداخلية وحل قضية الجزر. لكن واقعية هذا الطرح تعتمد على عاملين آخرين، هما: تعزيز القدرات الخليجية العسكرية الذاتية ونقلها إلى طور التنفيذ الفعلي ووضع برامج ذاتية للدفاع عن النفس كما ترتئيها الوزارات المعنية، وإقناع الإدارة الأمريكية بأن مصالحها وتحالفاتها في المنطقة لن تتأثر بهذه الإجراءات، بل على العكس سيكون هذا مدخلاً لإقامة نظام متوازن تلعب فيه أمريكا دوراً إيجابياً فاعلاً يشبه سياسة (التوازن عن بعد) التي اتبعتها واشنطن في عقدي الستينات والسبعينات، حتى على الرغم من وجودأمريكا عسكرياً في المنطقة.
ثالثاً: لا بد من الأخذ في الاعتبار ضيق الوقت، وهو ما يستلزم تنحية الخلافات الخليجية-الخليجية جانباً، والخروج من نمط المحاور الإقليمية السائد الآن، وعدم الخلط بين أوراق الصراع المتباينة في عموم الشرق الأوسط؛ فأمن أعضاء منطقة الخليج لا يكون بالميل إلى هذا المحور (المعتدلين) أو ذاك المحور (الراديكاليين)، وإنما يكون من خلال توحيد الرؤية وإيجاد القاسم المشترك لتعزيز المصالح بين دول المنطقة وكيفية تحقيق الأمن فيما بينها، بعيداً عن الإيديولوجيات والنزاعات الجانبية التي أجبرت كلاً من واشنطن وطهران على الحوار أولاً قبل أية مواجهة مستقبلية.
::/fulltext::
::cck::1656::/cck::
