أوباما واستراتيجيته تجاه العراق.. المزيد من المفاجآت والتورط
::cck::1654::/cck::
::introtext::
إن فهم السياسة الخارجية الأمريكية يستوجب قراءة التحولات والمستجدات التي طرأت على النظام الدولي، وتوضيح وتحليل دور هذه المستجدات في تغيير الاستراتيجية الأمريكية تجاه العالم، وتحتاج قراءة هذه التحولات إلى أكثر من مجرد بضع أوراق لدراستها حيث يضيق المقام والمجال معاً.
::/introtext::
::fulltext::
إن فهم السياسة الخارجية الأمريكية يستوجب قراءة التحولات والمستجدات التي طرأت على النظام الدولي، وتوضيح وتحليل دور هذه المستجدات في تغيير الاستراتيجية الأمريكية تجاه العالم، وتحتاج قراءة هذه التحولات إلى أكثر من مجرد بضع أوراق لدراستها حيث يضيق المقام والمجال معاً.
لكن ما نتوخاه هنا الإشارة إلى أن النزعة الإمبراطورية التي رافقت سلوك الإدارات المتعاقبة لا تزال تطل برأسها بين مخططي السياسة الأمريكية إلى وقتنا الحاضر، ويتضح ذلك بالتصدي العنيف من قبل الولايات المتحدة للدول الطامحة في مسرح السياسة الدولية للخروج من واحة الضغوط والسيطرة الأحادية للولايات المتحدة؛ فمع بداية العام الماضي بدت دول أوروبية وأخرى آسيوية تطمح إلى الخروج من السيطرة الأمريكية على مسرح العلاقات الدولية نتيجة لما أثارته الولايات المتحدة من أخطار على مصالحها وتحديداً إدارة بوش، والفوضى المنتشرة في أغلب بقاع العالم نتيجة لسياسته وطموحه إلى تنفيذ مشروعه الذي رسمه له المحافظون الجدد والمتمثل في مشروع القرن الأمريكي الجديد، والذي جاءت منطقتنا فيه ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير.
مع نهاية العام الماضي بدأت تتضح بصورة واسعة حالة استياء عارمة حتى لدى حلفاء أمريكا مما آلت إليه الأوضاع في المنطقة العربية تحديداً والعالم بصورة عامة، خصوصاً على صعيد إصرار الولايات المتحدة على الابتعاد عن المؤسسات الدولية في تنفيذ أجندتها؛ حيث كان الاستياء كبيراً لما قامت به الولايات المتحدة في حربها على أفغانستان ثم الحرب على العراق وما تبعهما من تداعيات.
ومع تولي الرئيس باراك أوباما سدة الحكم، تتضح صورة النظام الدولي الآخذة بالخروج من دائرة النفوذ الأمريكي، وخصوصاً في المنطقة العربية الرافضة للمشروع الديمقراطي المفروض عليها، لكن في الوقت ذاته لا تزال الولايات المتحدة حبيسة أفكارها الإمبراطورية. ولذلك يرى بعض الخبراء أن الرئيس الأمريكي لديه مهمة تتمثل في استكمال ما رسم من استراتيجيات بعد نهاية الحرب الباردة، وموازنة هذه المصالح بما يقابلها من استياء دولي قد يضعف تنفيذ هذه الاستراتيجيات، لذا يتضح من تشكيلة وزراء أو مستشاري الرئيس الأمريكي اهتماماً واضحاً بمشاركة المجتمع الدولي في التعامل مع القضايا الدولية وليس بالصورة التي نفذها الجمهوريون خلال فترتي رئاسة جورج بوش الثانية.
إن دراسة الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وتحديداً تجاه العراق تفترض بالقارئ أن يتخيل أن هناك استراتيجية متغيرة غير ثابتة تتغير مع تغير إدارة ما؛ وهذا الأمر يفترض أيضاً أن لكل إدارة جديدة استراتيجيتها الخاصة التي تختلف عن الأخرى، وهذا الأمر بالتحليل الأخير غير ممكن كبلد ديمقراطي أو يدعي الديمقراطية تقوم ديمومته على استقرار مؤسساته وبنائه الديمقراطي. ولذلك فإن من نافلة القول الإشارة إلى أنه ليست هناك استراتيجية جديدة متبعه للولايات المتحدة في المنطقة عموماً والعراق على وجه الخصوص.
ليست هناك استراتيجية جديدة متبعة للولايات المتحدة في المنطقة عموماً والعراق على وجه الخصوص
لقد اتضح جلياً أن الاستراتيجية الأمريكية ترسم لعقود طويلة؛ بحيث تأتي مهمة الإدارات المتعاقبة تنفيذ هذه الاستراتيجيات بما يلائمها من سياسات ضمن توجهاتها ورؤية الإدارة الجديدة؛ ومن المتوقع أن تستمر الاستراتيجية ذاتها التي رسمت بعد حقبة الحرب الباردة خلال فترات الرئاسة الأمريكية المقبلة، ويقع على الرئيس الأمريكي الحالي أوباما وهو محور دراستنا هنا مهمة تنفيذ الحلم الأمريكي بنهج مختلف عن خلفه خصوصاً على صعيد القضايا المختلفة التي بدا في تعامل بعضها أنه أخذ طابعاً شخصياً مما أثار استياء شعوب ودول. لذا فإنه ليس من المتوقع هروب أوباما من هذه الاستراتيجية إلى استراتيجية أخرى تعزل أمريكا عن العالم، بل يتوقع تنفيذ هذه الاستراتيجيات بما لا يضر بمصالح وحلفاء أمريكا في العالم والمنطقة العربية.
اختيار الرئيس أوباما
لم يأت اختيار الرئيس باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة مفاجئاً بقدر ما جاء الاختيار لنهج أقل حدة واندفاعاً في السياسة الخارجية التي قادها بوش الابن بصورة متهورة. فما تحقق للولايات المتحدة خلال رئاسة الرئيس الأمريكي بوش الابن من احتلال بلدين وإنهاء المخاطر المهددة لأمن إسرائيل جاء سريعاً وبعيداً عن التقاط الأنفاس؛ وهي سياسة بالتقدير الاستراتيجي تأخذ وقتاً أكبر من ولايتين لرئيس أمريكي واحد. ولذلك كان لزاماً إيجاد خليفة جديد يكون أقل اندفاعاً يعمل على تثبيت النقاط على الحروف، وتقليل الاندفاع المتهور لقطار الإدارة الأمريكية، وإعادة تقييم ما تحقق من الاستراتيجية الأمريكية المحددة ضمن مشروعها الذي دشنته في مطلع الألفية الثالثة والمعروف بمشروع (القرن الأمريكي الجديد)، الذي اعتبر هذا القرن قرناًأمريكياً بامتياز يعمل على تحقيق النجاح للولايات المتحدة على الصعيد الدولي من خلال استغلال سنوات الفرصة التي تحققت بسيادة الولايات المتحدة على الساحة الدولية.
أوباما يبدو في نظر الكثير من المحللين حديث الخبرة في الشؤون الخارجية
وجاء أوباما مكملاً لذلك المشروع الذي حدد لمنطقتنا مشروعاً وصف بالشرق الأوسط الكبير؛ فحالة الانشقاق والاستياء من تفرد الولايات المتحدة على الساحة الدولية، ناهيك عن الخروقات العديدة لملفات مشتركة أساسية يعنى بها المجتمع الدولي من مثيل حقوق الإنسان والديمقراطية، كل ذلك دفع باتجاه اختيار نهج أقل حدة بالاندفاع يعيد تقييم ما سبق ويستكمل ما ترك، فجاء اختيار أوباما.
الحزب الديمقراطي والحرب على العراق
الحديث عن سياسة الرئيس المنتخب باراك أوباما حول استراتيجيته تجاه العراق أو قضايا السياسة الخارجية هو حديث يرتبط بسياسة الحزب الديمقراطي تجاه هذه القضايا؛ فقد ظهر الحزب الديمقراطي خلال السنوات السابقة متردداً تحت زخم الضغوط الداخلية في تبني وجهة نظر واحدة تجاه المسألة العراقية. وهو انقسام يرجع إلى الانقسام الذي اعترى الحزب وطال بنيته وهيكلته التنظيمية؛ فالحزب الديمقراطي انقسم إلى أكثر من اتجاه بين اليسار الجديد واليسار التقليدي المحافظ؛ ففيما يتعلق بالعراق أو بالسياسة الخارجية للحزب فقد اتهم المحافظون التقليديون اليسار الجديد بمهادنة أعداء أمريكا ورفضهم الحرب على العراق. وساهم هذا الانقسام ببروز تيار جديد من رحم هذا الصراع الدائر منذ منتصف الستينات عرف بالليبراليين الجدد أو الطريق الثالث يكون أكثر توازناً بين التيارين الآخرين، بحيث أثر أعضاء هذا التيار الجمع بين المنهجين السابقين عبر التمييز بين السياسة الخارجية وسياسة الإدارة الداخلية؛ ففي السياسة الخارجية يتبنى الليبراليون الجدد سياسة أكثر صقورية؛ فعلى الرغم من أن هذا الاتجاه يفضل الانعزال نحو السياسة الداخلية، لكنه في السياسة الخارجية يفضل العمل الدولي الجماعي عبر التركيز على بناء المنظمات الدولية والتعويل على دورها بالتعامل مع الملفات الشائكة كالعراق مثلاً؛ ولذلكأيد هؤلاء الحرب على العراق لكن اختلفوا مع الجمهوريين فيانفرادهم بالحرب من دون الاعتماد على أنصار في الأمم المتحدة، وقد قاد الرئيس السابق بيل كلينتون هذا الاتجاه الذي وفر له وللحزب الديمقراطي الفوز بدورتين رئاسيتين لم يسبق للحزب الديمقراطي الفوز بهما منذ الستينات.
ومع بروز نذر الفشل الأمريكي في العراق مطلع عام 2006 بدا اليسار الجديد الرافض للحرب على العراق أكثر قوة داخل الحزب الديمقراطي، لكن ممثلي الحزب من النخب في الكونغرس الأمريكي ابتعدوا عن انتقاد الحرب وشاركوا في التصويت على تمويلها، وبدوا واقعين تحت تأثير الليبراليين الجدد مما ساهم في زيادة الانقسام داخل الحزب الديمقراطي، وبدا أن هناك شرخاً بين الأغلبية الجماهيرية الرافضة للحرب وبين ممثليهم في الكونغرس.
ولا يزال هذان التياران مع انتخاب أوباما يقسمان الحزب بحيث تتبدل المواقف بين رفض وقبول، ما يجعل عوامل أخرى تلعب دوراً في تشكيل مواقف الحزب وقيادته من القضايا، ومن ضمنها شخصية الرئيس ومستشاروه من جهة ومواقف اللوبيات وجماعات الضغط وغيرها من جهة ثانية.

الضغوط الخارجية قد تدفع أوباما إلى تبني توجهات لا تنسجم مع رغبات القواعد التي رشحته
وانسحب الانقسام في المواقف على قيادات الحزب الديمقراطي؛ فأوباما الذي رفض الحرب على العراق في عام 2002، بدا في عام 2008 مع تقدم الانتخابات الرئاسية أكثر يمينياً، وبدأت تصريحاته تتلون بصبغة أخرى، فانتقل سريعاً مع زخم الضغوط اليمينية والإسرائيلية والانتقادات الجمهورية له كونه يأتي من أصول إفريقية ويتسم بسمات غريبة لم يسبق أن وجدت في أي مرشح سابق للرئاسة، تراوحت مواقفه بين الانسحاب من العراق (خلال ستة أشهر) من توليه الرئاسة إلى الانسحاب (المسؤول والمتوازن) بما يتلاءم مع خطط القيادة العسكرية في العراق. وبدا كغيره من السياسيين الأمريكيين لا بد أن يخضع لضغوط ومحاذير السياسة الأمريكية من أحزاب وصراعات ولوبيات ومصالح ضغط.
أبرز العوامل المؤثرة في قرار أوباما تجاه العراق
سنحاول هنا حصر المؤثرات بدراسة شخصية الرئيس نفسها، ودراسة دور مستشاري الرئيس الذين سيلعبون دوراً في بلورة معتقدات وقرارات الرئيس أوباما من القضايا المختلفة من دون أن نقلل من دور بقية المؤثرات الأخرى في عملية اتخاذه للقرار.
أولاً: شخصية الرئيس المنتخب المتناقضة
اتسم سلوك أوباما تجاه القضايا المختلفة داخل الحزب الديمقراطي والولايات المتحدة بالوسطية والاعتدال؛ بحيث اتخذ موقفاً رافضاً للتصادم مع مختلف التيارات المتصارعة داخل الحزب؛ حيث بدا أكثر وسطية وأقل يسارية على خلاف موقفه المنحاز إلى اليسار الجديد من القضايا الخارجية وتأييده للانسحاب من العراق. هذا الموقف جذب قواعد الحزب الديمقراطي لترشيح أوباما؛ لكن يبدو أن الضغوط الخارجية قد تدفع أوباما على تبني توجهات لا تنسجم مع رغبات القواعد التي رشحته كما كان عليه الوضع في عام 2006 مما سيزيد من حدة الانقسام داخل الحزب ما يدفع أوباما الذي وضع على نفسه شرطاً لتوحيد الحزب خلال فترة رئاسته للقيام بدور المقايضة من خلالالتركيز على القضايا الداخلية للاستمرار بكسب أصوات قواعد الحزب، وهو ما واجه به منافسه للرئاسة بالقول (إن ماكين تفاخر بزيارة العراق، لكن حبذا لو زار المدن الأمريكية لرأى وفهم ما يحدث من مصاعب اقتصادية).
ولكون حرب العراق أصبحت قضية داخلية بالمجتمع الأمريكي سيعمل أوباما على التركيز على دور يوازن بين المصالح الأمريكية في استمرار الوجود داخل العراق وبين تصريحاته الهادفة للانسحاب خلال أقل من ستة عشر شهراً، فقد أوضح بتاريخ 17 نوفمبر 2008 أنه (لدي التزام أخلاقي، فأول اجتماع لي وعندماأباشر عملي كرئيس هو الاجتماع مع هيئة الأركان والمخابرات من أجل وضع جدول زمنيللانسحاب من العراق..).
لكن السؤال هنا هل لدى الرئيس المنتخب الخبرة الكافية بالتعامل مع هذا الملف؟ وهل لديه اطلاع أكبر حول السياسة الأمريكية في العراق والبناء السياسي الذي وضع في العراق، بحيث يستطيع الخروج منه بأقل الأضرار الممكنة وبما يضمن المصالح الأمريكية المتمثلة في إبعاد خطر (التنظيمات الإرهابية) من جهة والحيلولة دون وقوع البلاد في حالة من الحرب الأهلية؟
إن قلة خبرة أوباما في موضوعات السياسة الخارجية وخصوصاً ما يتعلق بالعراق تجعلنا نتوقعأن يفاجئ بوش الابن أوباما حول الوضع في العراق الذي سيكون أكثر تورطاً له مما يتوقع؛ فقد استطاع بوش خلال سنوات إدارته للعراق تحويل البلاد ومؤسساتها، بحيث أصبحت جبهة موحدة وآلية متقدمة للجيش والإدارة الأمريكية لمكافحة الإرهاب الدولي؛ أي أن العراق أصبح إحدى الجبهات المتقدمة لمواجهة الإرهاب الدولي، وسيقع على الرئيس الجديد التعامل مع هذه الحرب التي يدعمها تماماً بحيث يصفها أوباما بالمعركة الحقيقية أمام الولايات المتحدة الآن: (يجب مواصلة مطاردة قادة القاعدة بأفغانستان ومواجهة المخاطر العالمية)، وليس استمرار الحرب على العراق الذي يجب على الحكومة العراقية تحمل مسؤولياتها ملقياً اللوم على الحكومة والبرلمان في تردي الأوضاع الأمنية والسياسية فيه.
ثانياً: دور مستشاري الرئيس
إن أهمية مستشاري الرئيس تتمثل في التأثير الذي من الممكن إحداثه في قرارات الرئيس أوباما الذي يبدو في نظر قسم كبير من المحللين حديث الخبرة في الشؤون الخارجية،خاصةأن الظروف الماثلة أمامه قد تدفعه أكثر نحو مستشاريه بصورة غير مسبوقة نتيجة للتركة التي خلفها الرئيس السابق. ونشير على سبيل المثال إلى إحدى المشكلات التي يقع على الرئيس التعامل معها سريعاً مثل القرارات التي توصف (بقرارات منتصف الليل)، حيث لاحظت الوكالات الفيدرالية ازدياداً متصاعداً في القرارات المتخذة من قبل الإدارة الراحلة وهي وسيلة– بحسب دراسة حديثة لدراسات أبحاث الكونغرس – الإدارة الراحلة للحياة مرة أخرى بعد الوفاة، حيث إن الإدارة الجديدة ليس أمامها لإلغاء أو تغيير تلك القواعد والقرارات التي اتخذتها الإدارة السابقة قبل الرحيل إلا العودة إلى الجهات التي أصدرتها، وهو الأمر الذي يحتاج إلى وقت طويل، ويتطلب أيضاً بقاء بعض المؤسسات والموظفين دون تغيير بسبب هذه القرارات. ولكون الإدارة الراحلة لعبت دوراً كبيراً وطويلاً في العراق يفرض على الرئيس الجديد التعامل مع هذه القرارات والقوانين بصورة تؤثر في اختياراته لمستشاريه وأعضاء إدارته، وهو ما اتضح بالمستشارين والأعضاء من إدارته الجديدة؛ حيث جاء اختيار المستشارين أو إعضاء إدارة الرئيس أوباما بصورة تتناقض مع توجهاته الانتخابية التي وعد بها الناخب الأمريكي بالانسحاب من العراق خلال مدة زمنية لا تتجاوز ستة عشر شهراً. ففي الوقت الذي حدد استراتيجيته في العراق بانسحاب خلال مدة زمنية محددة جاء اختياره لمستشاريه يتناقض مع هذا التوجه، حيث إن أغلب هؤلاء يرفضون انسحاباً أمريكياً سريعاً من العراق؛ وإذا اقتضى تنفيذ هذا التوجه فهو قد يأخذ وقتاً يتجاوز الفترة المحددة بستة عشر شهراً؛ التي لن تكون كافية لتأمين مصالح أمريكا في العراق والمنطقة أو إبعاد العراق عن أن يكون دولة حاضنة للجماعات الإرهابية؛ ولذلك بدأت مواقفه تتجه نحو اليمينية بتنفيذ انسحاب متوازن ومدروس مع الأخذ في الاعتبار توجهات القادة العسكريين.
ليس من المتوقع لجوءأوباما إلى استراتيجية أخرى تعزل أمريكا عن العالم
فعلى سبيل المثال فإن نائب الرئيس جوزيف بايدن ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون معروفان برفضهما انسحاباً سريعاً من العراق أو تحديد جدول زمني لذلك، بل إن بايدن فرض على الرئيس قبل توليه قبوله منصب نائب الرئيس استشارته في كل القرارات المهمة التي تتعلق بالسياسة الخارجية على أن تتخذ بصورة مشتركة وتوافقية؛ فقد أشار بايدن إلى أنه (حين اقترح السيناتور باراك أوباما علي أن أكون نائبه أمضينا أكثر من ثلاث ساعات في الحديث وقلت إنني أريد منه التزاماً بأن أشاركه في كل القرارات المهمة التي يتخذها إن كانت سياسية أو اقتصادية وقد قدم لي هذا الالتزام وحققه، وشاءت الصدف أنه غالباً ما قام بالخيارات التي نصحته بها، لأننا غالباً ما نفكر بالطريقة نفسها).
موقف أوباما من انسحاب القوات العسكرية من العراق
على الرغم من أهمية دراسة المواقف التي من الممكن أن تتبعها إدارة الرئيس باراك أوباما إلا أننا ولدواعي البحث سنحصر حديثنا في الموقف من الانسحاب الأمريكي من العراق.
يواجه الرئيس الأمريكي أوباما مشكلة تتعلق بالتزامه تجاه ناخبيه بسحب سريع للقوات؛ فبموجب الاتفاقية الأمنية الموقعة بين البلدين نزعت الاتفاقية حصانة المدنيين المتعاقدين، وهؤلاء يقدرون بحوالي 50 ألف متعاقد يقومون بدور كبير بأعمال يفترض أن يقوم بها الجيش الأمريكي المحارب، وقد استخدمت القيادة العسكرية هؤلاء لأسباب مختلفة، لا مجال لذكرها هنا؛ لكن تحمّل هؤلاء بعض الأعمال العسكرية التي من المفترض أن تقوم بها القوات النظامية. والآن مع رفع الحصانة عنهم من المتوقع أن ينخفض وجود عناصر هذه الشركات التي وجدت حصانة في القوانين السابقة من أية ملاحقات قضائية. بالإضافة إلى ذلك استخدمت وزارة الدفاع الأمريكية أفراد هذه الشركات بالأعمال الحربية للتخفيف من حدة الخسائر البشرية في صفوف الجيش الأمريكي التي تثير استياءً لدى الشارع الأمريكي. وتجدر الملاحظة أن قتلى هؤلاء المتعاقدين لا تدرج ضمن الأرقام الصادرة عن هذه الوزارة المتعلقة بقتلى الجيش الأمريكي في العراق.

اختيار أوباما لمستشاريه يتناقض مع توجهاته في مسألة الانسحاب من العراق
ولذلك يواجه أوباما مشكلة كبيرة تتعلق بتسريع الانسحاب الأمريكي من العراق في ظل انسحاب أفراد أو عناصر الشركات الأمنية التي سيطبق عليها القانون العراقي بموجب ما جاء في الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق؛ فقد أشارت صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) مؤخراً إلى أن شركات التعاقد، مثل (بلاكووتر)، تقول إن سحب الحصانة سيصعّب من مهمة الحفاظ على المتعاقدين وتجنيدهم للعمل في العراق. فإذا صدقت هذه الشركات، كما ترى الصحيفة، سيتوجب على الجيش الأمريكي تسلّم العمليات التي يؤديها مدنيون الآن، الأمر الذي سيزيد من العراقيل أمام تنفيذ انسحاب سريع للقوات كما وعد أوباما. ويتفاقم الموضوع أكثر في ظل تصاعد التقارير التي تتحدث عن عدم قدرة وزارة الدفاع على تجنيد عناصر جديدة من المقاتلين للذهاب للعراق في ظل سيادة قانون التجنيد الطوعي.
موقف الرئيس أوباما من الحكومة العراقية
النقطة الأخرى تتعلق بطبيعة العلاقة التي من الممكن أن تنتج عن تعامل الرئيس الأمريكي أوباما مع الحكومة العراقية؛ حيث تقوم رؤية أوباما تجاه الحكومة العراقية على منحها مزيداً من الحرية بالعمل وتهديدها بانسحاب مرحلي لدفع مختلف الأطراف إلى تحقيق مصالحة حقيقية كمخرج وحيد للأزمة العراقية، حيث من الصعب تجاهل الحل السياسي في العراق والاكتفاء بالحل العسكري، كما جرت عليه الأمور في إدارة بوش الابن؛ أي أن هذه الخطة لا تستدعي تدخلاً أمريكياً بالقضايا الشائكة كما فعلت بالسابق. لذلك فإنه من غير المتوقع أن تحقق هذه الاستراتيجية نجاحاً في ظل سيادة المحاصصة الطائفية.
إن المتابع للتصريحات التي أطلقها الرئيس أوباما خلال الفترة الماضية يجد تحاملاً كبيراً منه على القادة السياسيين العراقيين لأسباب تتعلق برفضهم للمصالحة الوطنية لأغراض شخصية أو خضوعاً لضغوط إقليمية، ولذلك فإنه من المتوقع أن تشهد علاقة الإدارة الجديدة بالقادة السياسيين مزيداً من التوتر وفقدان الثقة، وقد صرح أوباما بهذا التوجه في أكثر من مناسبة (إن أساس الانسحاب التدريجي هو لتمكين القادة السياسيين في العراق من الوصول إلى مصالحة وطنية، حيث إن قواتنا تقاتل وتموت في أجواء حر تصل إلى 120 درجة لأجل توفير مجال يمكن القادة العراقيين من الوصول إلى اتفاق بينهم، لكنهم لا يقومون بذلك). لذا فإن هذه الاستراتيجية الخاصة بتحميل مسؤولية التدهور في العراق إلى القادة السياسيين قد تحمل في طياتها مزيداً من التوتر الأمني بين المكونات السياسة للمعادلة العراقية التي رسمت منذ عام 2003 ولا تزال جزءاً مهماً في الحياة السياسة بين الأطراف، بحيث إن أي تغير يطرأ عليها دون توافق بين المكونات السياسية قد يجعل العراق من جديد على حافة الانفجار؛ فلا يزال الرماد يحمل بين جنباته ناراً تتأهب للاشتعال.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1654::/cck::
::introtext::
إن فهم السياسة الخارجية الأمريكية يستوجب قراءة التحولات والمستجدات التي طرأت على النظام الدولي، وتوضيح وتحليل دور هذه المستجدات في تغيير الاستراتيجية الأمريكية تجاه العالم، وتحتاج قراءة هذه التحولات إلى أكثر من مجرد بضع أوراق لدراستها حيث يضيق المقام والمجال معاً.
::/introtext::
::fulltext::
إن فهم السياسة الخارجية الأمريكية يستوجب قراءة التحولات والمستجدات التي طرأت على النظام الدولي، وتوضيح وتحليل دور هذه المستجدات في تغيير الاستراتيجية الأمريكية تجاه العالم، وتحتاج قراءة هذه التحولات إلى أكثر من مجرد بضع أوراق لدراستها حيث يضيق المقام والمجال معاً.
لكن ما نتوخاه هنا الإشارة إلى أن النزعة الإمبراطورية التي رافقت سلوك الإدارات المتعاقبة لا تزال تطل برأسها بين مخططي السياسة الأمريكية إلى وقتنا الحاضر، ويتضح ذلك بالتصدي العنيف من قبل الولايات المتحدة للدول الطامحة في مسرح السياسة الدولية للخروج من واحة الضغوط والسيطرة الأحادية للولايات المتحدة؛ فمع بداية العام الماضي بدت دول أوروبية وأخرى آسيوية تطمح إلى الخروج من السيطرة الأمريكية على مسرح العلاقات الدولية نتيجة لما أثارته الولايات المتحدة من أخطار على مصالحها وتحديداً إدارة بوش، والفوضى المنتشرة في أغلب بقاع العالم نتيجة لسياسته وطموحه إلى تنفيذ مشروعه الذي رسمه له المحافظون الجدد والمتمثل في مشروع القرن الأمريكي الجديد، والذي جاءت منطقتنا فيه ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير.
مع نهاية العام الماضي بدأت تتضح بصورة واسعة حالة استياء عارمة حتى لدى حلفاء أمريكا مما آلت إليه الأوضاع في المنطقة العربية تحديداً والعالم بصورة عامة، خصوصاً على صعيد إصرار الولايات المتحدة على الابتعاد عن المؤسسات الدولية في تنفيذ أجندتها؛ حيث كان الاستياء كبيراً لما قامت به الولايات المتحدة في حربها على أفغانستان ثم الحرب على العراق وما تبعهما من تداعيات.
ومع تولي الرئيس باراك أوباما سدة الحكم، تتضح صورة النظام الدولي الآخذة بالخروج من دائرة النفوذ الأمريكي، وخصوصاً في المنطقة العربية الرافضة للمشروع الديمقراطي المفروض عليها، لكن في الوقت ذاته لا تزال الولايات المتحدة حبيسة أفكارها الإمبراطورية. ولذلك يرى بعض الخبراء أن الرئيس الأمريكي لديه مهمة تتمثل في استكمال ما رسم من استراتيجيات بعد نهاية الحرب الباردة، وموازنة هذه المصالح بما يقابلها من استياء دولي قد يضعف تنفيذ هذه الاستراتيجيات، لذا يتضح من تشكيلة وزراء أو مستشاري الرئيس الأمريكي اهتماماً واضحاً بمشاركة المجتمع الدولي في التعامل مع القضايا الدولية وليس بالصورة التي نفذها الجمهوريون خلال فترتي رئاسة جورج بوش الثانية.
إن دراسة الاستراتيجية الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط وتحديداً تجاه العراق تفترض بالقارئ أن يتخيل أن هناك استراتيجية متغيرة غير ثابتة تتغير مع تغير إدارة ما؛ وهذا الأمر يفترض أيضاً أن لكل إدارة جديدة استراتيجيتها الخاصة التي تختلف عن الأخرى، وهذا الأمر بالتحليل الأخير غير ممكن كبلد ديمقراطي أو يدعي الديمقراطية تقوم ديمومته على استقرار مؤسساته وبنائه الديمقراطي. ولذلك فإن من نافلة القول الإشارة إلى أنه ليست هناك استراتيجية جديدة متبعه للولايات المتحدة في المنطقة عموماً والعراق على وجه الخصوص.
ليست هناك استراتيجية جديدة متبعة للولايات المتحدة في المنطقة عموماً والعراق على وجه الخصوص
لقد اتضح جلياً أن الاستراتيجية الأمريكية ترسم لعقود طويلة؛ بحيث تأتي مهمة الإدارات المتعاقبة تنفيذ هذه الاستراتيجيات بما يلائمها من سياسات ضمن توجهاتها ورؤية الإدارة الجديدة؛ ومن المتوقع أن تستمر الاستراتيجية ذاتها التي رسمت بعد حقبة الحرب الباردة خلال فترات الرئاسة الأمريكية المقبلة، ويقع على الرئيس الأمريكي الحالي أوباما وهو محور دراستنا هنا مهمة تنفيذ الحلم الأمريكي بنهج مختلف عن خلفه خصوصاً على صعيد القضايا المختلفة التي بدا في تعامل بعضها أنه أخذ طابعاً شخصياً مما أثار استياء شعوب ودول. لذا فإنه ليس من المتوقع هروب أوباما من هذه الاستراتيجية إلى استراتيجية أخرى تعزل أمريكا عن العالم، بل يتوقع تنفيذ هذه الاستراتيجيات بما لا يضر بمصالح وحلفاء أمريكا في العالم والمنطقة العربية.
اختيار الرئيس أوباما
لم يأت اختيار الرئيس باراك أوباما رئيساً للولايات المتحدة مفاجئاً بقدر ما جاء الاختيار لنهج أقل حدة واندفاعاً في السياسة الخارجية التي قادها بوش الابن بصورة متهورة. فما تحقق للولايات المتحدة خلال رئاسة الرئيس الأمريكي بوش الابن من احتلال بلدين وإنهاء المخاطر المهددة لأمن إسرائيل جاء سريعاً وبعيداً عن التقاط الأنفاس؛ وهي سياسة بالتقدير الاستراتيجي تأخذ وقتاً أكبر من ولايتين لرئيس أمريكي واحد. ولذلك كان لزاماً إيجاد خليفة جديد يكون أقل اندفاعاً يعمل على تثبيت النقاط على الحروف، وتقليل الاندفاع المتهور لقطار الإدارة الأمريكية، وإعادة تقييم ما تحقق من الاستراتيجية الأمريكية المحددة ضمن مشروعها الذي دشنته في مطلع الألفية الثالثة والمعروف بمشروع (القرن الأمريكي الجديد)، الذي اعتبر هذا القرن قرناًأمريكياً بامتياز يعمل على تحقيق النجاح للولايات المتحدة على الصعيد الدولي من خلال استغلال سنوات الفرصة التي تحققت بسيادة الولايات المتحدة على الساحة الدولية.
أوباما يبدو في نظر الكثير من المحللين حديث الخبرة في الشؤون الخارجية
وجاء أوباما مكملاً لذلك المشروع الذي حدد لمنطقتنا مشروعاً وصف بالشرق الأوسط الكبير؛ فحالة الانشقاق والاستياء من تفرد الولايات المتحدة على الساحة الدولية، ناهيك عن الخروقات العديدة لملفات مشتركة أساسية يعنى بها المجتمع الدولي من مثيل حقوق الإنسان والديمقراطية، كل ذلك دفع باتجاه اختيار نهج أقل حدة بالاندفاع يعيد تقييم ما سبق ويستكمل ما ترك، فجاء اختيار أوباما.
الحزب الديمقراطي والحرب على العراق
الحديث عن سياسة الرئيس المنتخب باراك أوباما حول استراتيجيته تجاه العراق أو قضايا السياسة الخارجية هو حديث يرتبط بسياسة الحزب الديمقراطي تجاه هذه القضايا؛ فقد ظهر الحزب الديمقراطي خلال السنوات السابقة متردداً تحت زخم الضغوط الداخلية في تبني وجهة نظر واحدة تجاه المسألة العراقية. وهو انقسام يرجع إلى الانقسام الذي اعترى الحزب وطال بنيته وهيكلته التنظيمية؛ فالحزب الديمقراطي انقسم إلى أكثر من اتجاه بين اليسار الجديد واليسار التقليدي المحافظ؛ ففيما يتعلق بالعراق أو بالسياسة الخارجية للحزب فقد اتهم المحافظون التقليديون اليسار الجديد بمهادنة أعداء أمريكا ورفضهم الحرب على العراق. وساهم هذا الانقسام ببروز تيار جديد من رحم هذا الصراع الدائر منذ منتصف الستينات عرف بالليبراليين الجدد أو الطريق الثالث يكون أكثر توازناً بين التيارين الآخرين، بحيث أثر أعضاء هذا التيار الجمع بين المنهجين السابقين عبر التمييز بين السياسة الخارجية وسياسة الإدارة الداخلية؛ ففي السياسة الخارجية يتبنى الليبراليون الجدد سياسة أكثر صقورية؛ فعلى الرغم من أن هذا الاتجاه يفضل الانعزال نحو السياسة الداخلية، لكنه في السياسة الخارجية يفضل العمل الدولي الجماعي عبر التركيز على بناء المنظمات الدولية والتعويل على دورها بالتعامل مع الملفات الشائكة كالعراق مثلاً؛ ولذلكأيد هؤلاء الحرب على العراق لكن اختلفوا مع الجمهوريين فيانفرادهم بالحرب من دون الاعتماد على أنصار في الأمم المتحدة، وقد قاد الرئيس السابق بيل كلينتون هذا الاتجاه الذي وفر له وللحزب الديمقراطي الفوز بدورتين رئاسيتين لم يسبق للحزب الديمقراطي الفوز بهما منذ الستينات.
ومع بروز نذر الفشل الأمريكي في العراق مطلع عام 2006 بدا اليسار الجديد الرافض للحرب على العراق أكثر قوة داخل الحزب الديمقراطي، لكن ممثلي الحزب من النخب في الكونغرس الأمريكي ابتعدوا عن انتقاد الحرب وشاركوا في التصويت على تمويلها، وبدوا واقعين تحت تأثير الليبراليين الجدد مما ساهم في زيادة الانقسام داخل الحزب الديمقراطي، وبدا أن هناك شرخاً بين الأغلبية الجماهيرية الرافضة للحرب وبين ممثليهم في الكونغرس.
ولا يزال هذان التياران مع انتخاب أوباما يقسمان الحزب بحيث تتبدل المواقف بين رفض وقبول، ما يجعل عوامل أخرى تلعب دوراً في تشكيل مواقف الحزب وقيادته من القضايا، ومن ضمنها شخصية الرئيس ومستشاروه من جهة ومواقف اللوبيات وجماعات الضغط وغيرها من جهة ثانية.

الضغوط الخارجية قد تدفع أوباما إلى تبني توجهات لا تنسجم مع رغبات القواعد التي رشحته
وانسحب الانقسام في المواقف على قيادات الحزب الديمقراطي؛ فأوباما الذي رفض الحرب على العراق في عام 2002، بدا في عام 2008 مع تقدم الانتخابات الرئاسية أكثر يمينياً، وبدأت تصريحاته تتلون بصبغة أخرى، فانتقل سريعاً مع زخم الضغوط اليمينية والإسرائيلية والانتقادات الجمهورية له كونه يأتي من أصول إفريقية ويتسم بسمات غريبة لم يسبق أن وجدت في أي مرشح سابق للرئاسة، تراوحت مواقفه بين الانسحاب من العراق (خلال ستة أشهر) من توليه الرئاسة إلى الانسحاب (المسؤول والمتوازن) بما يتلاءم مع خطط القيادة العسكرية في العراق. وبدا كغيره من السياسيين الأمريكيين لا بد أن يخضع لضغوط ومحاذير السياسة الأمريكية من أحزاب وصراعات ولوبيات ومصالح ضغط.
أبرز العوامل المؤثرة في قرار أوباما تجاه العراق
سنحاول هنا حصر المؤثرات بدراسة شخصية الرئيس نفسها، ودراسة دور مستشاري الرئيس الذين سيلعبون دوراً في بلورة معتقدات وقرارات الرئيس أوباما من القضايا المختلفة من دون أن نقلل من دور بقية المؤثرات الأخرى في عملية اتخاذه للقرار.
أولاً: شخصية الرئيس المنتخب المتناقضة
اتسم سلوك أوباما تجاه القضايا المختلفة داخل الحزب الديمقراطي والولايات المتحدة بالوسطية والاعتدال؛ بحيث اتخذ موقفاً رافضاً للتصادم مع مختلف التيارات المتصارعة داخل الحزب؛ حيث بدا أكثر وسطية وأقل يسارية على خلاف موقفه المنحاز إلى اليسار الجديد من القضايا الخارجية وتأييده للانسحاب من العراق. هذا الموقف جذب قواعد الحزب الديمقراطي لترشيح أوباما؛ لكن يبدو أن الضغوط الخارجية قد تدفع أوباما على تبني توجهات لا تنسجم مع رغبات القواعد التي رشحته كما كان عليه الوضع في عام 2006 مما سيزيد من حدة الانقسام داخل الحزب ما يدفع أوباما الذي وضع على نفسه شرطاً لتوحيد الحزب خلال فترة رئاسته للقيام بدور المقايضة من خلالالتركيز على القضايا الداخلية للاستمرار بكسب أصوات قواعد الحزب، وهو ما واجه به منافسه للرئاسة بالقول (إن ماكين تفاخر بزيارة العراق، لكن حبذا لو زار المدن الأمريكية لرأى وفهم ما يحدث من مصاعب اقتصادية).
ولكون حرب العراق أصبحت قضية داخلية بالمجتمع الأمريكي سيعمل أوباما على التركيز على دور يوازن بين المصالح الأمريكية في استمرار الوجود داخل العراق وبين تصريحاته الهادفة للانسحاب خلال أقل من ستة عشر شهراً، فقد أوضح بتاريخ 17 نوفمبر 2008 أنه (لدي التزام أخلاقي، فأول اجتماع لي وعندماأباشر عملي كرئيس هو الاجتماع مع هيئة الأركان والمخابرات من أجل وضع جدول زمنيللانسحاب من العراق..).
لكن السؤال هنا هل لدى الرئيس المنتخب الخبرة الكافية بالتعامل مع هذا الملف؟ وهل لديه اطلاع أكبر حول السياسة الأمريكية في العراق والبناء السياسي الذي وضع في العراق، بحيث يستطيع الخروج منه بأقل الأضرار الممكنة وبما يضمن المصالح الأمريكية المتمثلة في إبعاد خطر (التنظيمات الإرهابية) من جهة والحيلولة دون وقوع البلاد في حالة من الحرب الأهلية؟
إن قلة خبرة أوباما في موضوعات السياسة الخارجية وخصوصاً ما يتعلق بالعراق تجعلنا نتوقعأن يفاجئ بوش الابن أوباما حول الوضع في العراق الذي سيكون أكثر تورطاً له مما يتوقع؛ فقد استطاع بوش خلال سنوات إدارته للعراق تحويل البلاد ومؤسساتها، بحيث أصبحت جبهة موحدة وآلية متقدمة للجيش والإدارة الأمريكية لمكافحة الإرهاب الدولي؛ أي أن العراق أصبح إحدى الجبهات المتقدمة لمواجهة الإرهاب الدولي، وسيقع على الرئيس الجديد التعامل مع هذه الحرب التي يدعمها تماماً بحيث يصفها أوباما بالمعركة الحقيقية أمام الولايات المتحدة الآن: (يجب مواصلة مطاردة قادة القاعدة بأفغانستان ومواجهة المخاطر العالمية)، وليس استمرار الحرب على العراق الذي يجب على الحكومة العراقية تحمل مسؤولياتها ملقياً اللوم على الحكومة والبرلمان في تردي الأوضاع الأمنية والسياسية فيه.
ثانياً: دور مستشاري الرئيس
إن أهمية مستشاري الرئيس تتمثل في التأثير الذي من الممكن إحداثه في قرارات الرئيس أوباما الذي يبدو في نظر قسم كبير من المحللين حديث الخبرة في الشؤون الخارجية،خاصةأن الظروف الماثلة أمامه قد تدفعه أكثر نحو مستشاريه بصورة غير مسبوقة نتيجة للتركة التي خلفها الرئيس السابق. ونشير على سبيل المثال إلى إحدى المشكلات التي يقع على الرئيس التعامل معها سريعاً مثل القرارات التي توصف (بقرارات منتصف الليل)، حيث لاحظت الوكالات الفيدرالية ازدياداً متصاعداً في القرارات المتخذة من قبل الإدارة الراحلة وهي وسيلة– بحسب دراسة حديثة لدراسات أبحاث الكونغرس – الإدارة الراحلة للحياة مرة أخرى بعد الوفاة، حيث إن الإدارة الجديدة ليس أمامها لإلغاء أو تغيير تلك القواعد والقرارات التي اتخذتها الإدارة السابقة قبل الرحيل إلا العودة إلى الجهات التي أصدرتها، وهو الأمر الذي يحتاج إلى وقت طويل، ويتطلب أيضاً بقاء بعض المؤسسات والموظفين دون تغيير بسبب هذه القرارات. ولكون الإدارة الراحلة لعبت دوراً كبيراً وطويلاً في العراق يفرض على الرئيس الجديد التعامل مع هذه القرارات والقوانين بصورة تؤثر في اختياراته لمستشاريه وأعضاء إدارته، وهو ما اتضح بالمستشارين والأعضاء من إدارته الجديدة؛ حيث جاء اختيار المستشارين أو إعضاء إدارة الرئيس أوباما بصورة تتناقض مع توجهاته الانتخابية التي وعد بها الناخب الأمريكي بالانسحاب من العراق خلال مدة زمنية لا تتجاوز ستة عشر شهراً. ففي الوقت الذي حدد استراتيجيته في العراق بانسحاب خلال مدة زمنية محددة جاء اختياره لمستشاريه يتناقض مع هذا التوجه، حيث إن أغلب هؤلاء يرفضون انسحاباً أمريكياً سريعاً من العراق؛ وإذا اقتضى تنفيذ هذا التوجه فهو قد يأخذ وقتاً يتجاوز الفترة المحددة بستة عشر شهراً؛ التي لن تكون كافية لتأمين مصالح أمريكا في العراق والمنطقة أو إبعاد العراق عن أن يكون دولة حاضنة للجماعات الإرهابية؛ ولذلك بدأت مواقفه تتجه نحو اليمينية بتنفيذ انسحاب متوازن ومدروس مع الأخذ في الاعتبار توجهات القادة العسكريين.
ليس من المتوقع لجوءأوباما إلى استراتيجية أخرى تعزل أمريكا عن العالم
فعلى سبيل المثال فإن نائب الرئيس جوزيف بايدن ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون معروفان برفضهما انسحاباً سريعاً من العراق أو تحديد جدول زمني لذلك، بل إن بايدن فرض على الرئيس قبل توليه قبوله منصب نائب الرئيس استشارته في كل القرارات المهمة التي تتعلق بالسياسة الخارجية على أن تتخذ بصورة مشتركة وتوافقية؛ فقد أشار بايدن إلى أنه (حين اقترح السيناتور باراك أوباما علي أن أكون نائبه أمضينا أكثر من ثلاث ساعات في الحديث وقلت إنني أريد منه التزاماً بأن أشاركه في كل القرارات المهمة التي يتخذها إن كانت سياسية أو اقتصادية وقد قدم لي هذا الالتزام وحققه، وشاءت الصدف أنه غالباً ما قام بالخيارات التي نصحته بها، لأننا غالباً ما نفكر بالطريقة نفسها).
موقف أوباما من انسحاب القوات العسكرية من العراق
على الرغم من أهمية دراسة المواقف التي من الممكن أن تتبعها إدارة الرئيس باراك أوباما إلا أننا ولدواعي البحث سنحصر حديثنا في الموقف من الانسحاب الأمريكي من العراق.
يواجه الرئيس الأمريكي أوباما مشكلة تتعلق بالتزامه تجاه ناخبيه بسحب سريع للقوات؛ فبموجب الاتفاقية الأمنية الموقعة بين البلدين نزعت الاتفاقية حصانة المدنيين المتعاقدين، وهؤلاء يقدرون بحوالي 50 ألف متعاقد يقومون بدور كبير بأعمال يفترض أن يقوم بها الجيش الأمريكي المحارب، وقد استخدمت القيادة العسكرية هؤلاء لأسباب مختلفة، لا مجال لذكرها هنا؛ لكن تحمّل هؤلاء بعض الأعمال العسكرية التي من المفترض أن تقوم بها القوات النظامية. والآن مع رفع الحصانة عنهم من المتوقع أن ينخفض وجود عناصر هذه الشركات التي وجدت حصانة في القوانين السابقة من أية ملاحقات قضائية. بالإضافة إلى ذلك استخدمت وزارة الدفاع الأمريكية أفراد هذه الشركات بالأعمال الحربية للتخفيف من حدة الخسائر البشرية في صفوف الجيش الأمريكي التي تثير استياءً لدى الشارع الأمريكي. وتجدر الملاحظة أن قتلى هؤلاء المتعاقدين لا تدرج ضمن الأرقام الصادرة عن هذه الوزارة المتعلقة بقتلى الجيش الأمريكي في العراق.

اختيار أوباما لمستشاريه يتناقض مع توجهاته في مسألة الانسحاب من العراق
ولذلك يواجه أوباما مشكلة كبيرة تتعلق بتسريع الانسحاب الأمريكي من العراق في ظل انسحاب أفراد أو عناصر الشركات الأمنية التي سيطبق عليها القانون العراقي بموجب ما جاء في الاتفاقية الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق؛ فقد أشارت صحيفة (لوس أنجلوس تايمز) مؤخراً إلى أن شركات التعاقد، مثل (بلاكووتر)، تقول إن سحب الحصانة سيصعّب من مهمة الحفاظ على المتعاقدين وتجنيدهم للعمل في العراق. فإذا صدقت هذه الشركات، كما ترى الصحيفة، سيتوجب على الجيش الأمريكي تسلّم العمليات التي يؤديها مدنيون الآن، الأمر الذي سيزيد من العراقيل أمام تنفيذ انسحاب سريع للقوات كما وعد أوباما. ويتفاقم الموضوع أكثر في ظل تصاعد التقارير التي تتحدث عن عدم قدرة وزارة الدفاع على تجنيد عناصر جديدة من المقاتلين للذهاب للعراق في ظل سيادة قانون التجنيد الطوعي.
موقف الرئيس أوباما من الحكومة العراقية
النقطة الأخرى تتعلق بطبيعة العلاقة التي من الممكن أن تنتج عن تعامل الرئيس الأمريكي أوباما مع الحكومة العراقية؛ حيث تقوم رؤية أوباما تجاه الحكومة العراقية على منحها مزيداً من الحرية بالعمل وتهديدها بانسحاب مرحلي لدفع مختلف الأطراف إلى تحقيق مصالحة حقيقية كمخرج وحيد للأزمة العراقية، حيث من الصعب تجاهل الحل السياسي في العراق والاكتفاء بالحل العسكري، كما جرت عليه الأمور في إدارة بوش الابن؛ أي أن هذه الخطة لا تستدعي تدخلاً أمريكياً بالقضايا الشائكة كما فعلت بالسابق. لذلك فإنه من غير المتوقع أن تحقق هذه الاستراتيجية نجاحاً في ظل سيادة المحاصصة الطائفية.
إن المتابع للتصريحات التي أطلقها الرئيس أوباما خلال الفترة الماضية يجد تحاملاً كبيراً منه على القادة السياسيين العراقيين لأسباب تتعلق برفضهم للمصالحة الوطنية لأغراض شخصية أو خضوعاً لضغوط إقليمية، ولذلك فإنه من المتوقع أن تشهد علاقة الإدارة الجديدة بالقادة السياسيين مزيداً من التوتر وفقدان الثقة، وقد صرح أوباما بهذا التوجه في أكثر من مناسبة (إن أساس الانسحاب التدريجي هو لتمكين القادة السياسيين في العراق من الوصول إلى مصالحة وطنية، حيث إن قواتنا تقاتل وتموت في أجواء حر تصل إلى 120 درجة لأجل توفير مجال يمكن القادة العراقيين من الوصول إلى اتفاق بينهم، لكنهم لا يقومون بذلك). لذا فإن هذه الاستراتيجية الخاصة بتحميل مسؤولية التدهور في العراق إلى القادة السياسيين قد تحمل في طياتها مزيداً من التوتر الأمني بين المكونات السياسة للمعادلة العراقية التي رسمت منذ عام 2003 ولا تزال جزءاً مهماً في الحياة السياسة بين الأطراف، بحيث إن أي تغير يطرأ عليها دون توافق بين المكونات السياسية قد يجعل العراق من جديد على حافة الانفجار؛ فلا يزال الرماد يحمل بين جنباته ناراً تتأهب للاشتعال.
::/fulltext::
::cck::1654::/cck::
