العراق وإدارة أوباما بين العسكر والاقتصاد وتوازنات المنطقة
::cck::1653::/cck::
::introtext::
إن أي مناقشة للسياسة الأمريكية تجاه العراق في المرحلة المقبلة وفي ظل إدارة الرئيس باراك أوباما لابد أن تنطلق من حقيقة ثبات الأسس التي تقوم عليها الاستراتيجية الأمريكية، وأن السياسة الخارجية تعد انعكاساً واضحاً لما يجري في الداخل الأمريكي قبل أي شيء، والمفاهيم المتعلقة بالأمن القومي والمصالح الوطنية (حسب التوصيف الأمريكي).
::/introtext::
::fulltext::
إن أي مناقشة للسياسة الأمريكية تجاه العراق في المرحلة المقبلة وفي ظل إدارة الرئيس باراك أوباما لابد أن تنطلق من حقيقة ثبات الأسس التي تقوم عليها الاستراتيجية الأمريكية، وأن السياسة الخارجية تعد انعكاساً واضحاً لما يجري في الداخل الأمريكي قبل أي شيء، والمفاهيم المتعلقة بالأمن القومي والمصالح الوطنية (حسب التوصيف الأمريكي).
إن الاستراتيجية الأمريكية تسعى دائماً إلى تحييد البيئة الدولية ما أمكن لضمان مصالحها، وكانت القضية العراقية خير مثال على ذلك، حين وجد السياسيون في الولايات المتحدة أن مغامرتهم يمكن أن تقود إلى الهيمنة الكاملة على نفط المنطقة العربية، مما يؤدي إلى النهوض بالاقتصاد الأمريكي من كبوته، فعمدوا إلى احتلال هذا البلد النفطي رغم المعارضة الدولية التي لم تتوقف عند حدود الأمم المتحدة، بل تعدته إلى حلف شمالي الأطلسي والحلفاء الأوروبيين.
إن الوقائع على الأرض تشير إلى أن القرار الأمريكي في العراق الآن وبعد نحو ست سنوات من الاحتلال لا يخضع فقط لهيمنة العسكر، بل أيضاً لإملاءات الشركات الأمريكية التيأسهمت بشكلٍفعال فيتمويل حملة أوباما الانتخابية، والتيتحاول احتكار نفط العراق،حسب الاتفاقية طويلة الأمد التي تم توقيعها مع الحكومة العراقية في أواخر العام الماضي، والتيتعطيالحق للشركات الأمريكية بالتنقيب عن النفط العراقي واستخراجه والتصرف به حسب حاجة السوق النفطية الأمريكية،مما يعني أن الخروج المبكر للجيش الأمريكي من العراق لا يتفق مع تلك الوقائع، فإن الأولوية التي تواجه أوباما تتمثل في المشكلة الاقتصادية التي تتطلب حلولاً عاجلة، وربما كان بعض هذه الحلول ينطلق من الساحة العراقية تحديداً،وأن القوات الأمريكية لن تنسحب فعلاً من العراق وإن نصت الاتفاقية المعقودة بين الجانبين على ذلك، بدليل أن إدارة أوباما باتت تمهد لعملية المماطلة. وبعد أن استطاع أوباما كسب غالبية الأصوات من الناخبين بدعايته المضادة لاستمرار الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وما يؤدي إليه هذا الوجود من هدر للأموال والقدرات البشرية وإساءة لسمعة الولايات المتحدة، وإشغالها عن العمل في ساحات وملفات أخرى مهمة، عاد ليطرح إمكانية بقاء قوات محدودة لمحاربة (القاعدة) وحماية المصالح الأمريكية في العراق، وتدريب الجيش العراقي، مما يعني عملياً الإبقاء على نحو ثلث القوة الموجودة حالياً على أقل تقدير. كما اختار في فريقه الحكومي روبرت غيتس وزيراً للدفاع في ما يمثل استمرارية لسياسة سلفه جورج بوش، ولمواجهة تعقيدات الملفات العسكرية والاستخبارية العديدة، خاصة في العراق وأفغانستان. كما اختار هيلاري كلينتون التي سبق لها أن رفضت خلال حملتها لانتخابات الرئاسة فكرة الانسحاب من العراق، بالإضافة إلى نائبه جوزيف بايدن الذي قدم فيما سبق مشروعاً تفصيلياً لتقسيم العراق طائفياً وعرقياً.
سياسة بوش أدت إلى توسيع المكاسب في الجانب العسكري في العديد من دول العالم تحت ذريعة محاربة الإرهاب

القوات الأمريكية لن تنسحب فعلاً من العراق وإن نصت الاتفاقية المعقودة بين الجانبين على ذلك
إن تسويغ عملية المماطلة في الخروج من العراق، يبدو ضرورياً (حسب الرؤية الأمريكية) إذا ما أخذنا في الاعتبار أن أي رئيس أمريكي، جمهورياً كان أم ديمقراطياً، لا يمكنه التخلي عما يعد مكسباً استراتيجياً، ومن هنا فإن سياسة بوش أدت إلى توسيع المكاسب في الجانب العسكري في العديد من دول العالم، تحت ذريعة محاربة الإرهاب، والتي كان احتلال أفغانستان والعراق المنطلق للحصول عليها. كما أن المعارضة لعملية الانسحاب السريع تنطلق من بين صفوف فريق مستشاري أوباما للأمن القومي وكبار موظفي البيت الأبيض، خاصة أن أغلبهم من المتعاطفين مع المطالب الإسرائيلية في وقت عدّ فيه احتلال العراق أكبر نصر لإسرائيل مما سهل عليها التعاطي مع بقية أطراف الصراع في المنطقة، وخاصة سوريا ومنظمات المقاومة متمثلة في حزب الله اللبناني وحماس في قطاع غزة.
إن الوجود الأمريكي في العراق يرتبط أيضاً بملفات أخرى، من بينها الصراع العربي – الإسرائيلي وحاجة الولايات المتحدة إلى الضغط على سوريا لاتخاذ خطوات إضافية في تسوية هذا الصراع، كما أن الملف الإيراني في العلاقات مع الولايات المتحدة يتداخل مع الملفين العراقي وملف الصراع العربي – الإسرائيلي، (بفعل التدخل الإيراني في الشأن العراقي من جهة، والدعم الإيراني لحركات المقاومة لإسرائيل من جهة أخرى) مما يعني أن الانسحاب سيبعد الولايات المتحدة عن الساحة لتبقى حقائق الجغرافية والتاريخ هي الحكم في توازنات القوة في المنطقة. يضاف إلى ذلك خشية العديد من الدول المجاورة للعراق من أن يكون الانسحاب الأمريكي عاملاً لزيادة نفوذ إيران وتركيا في المنطقة واتساع دورهما الإقليمي. أي أن إدارة أوباما ستجد دعماً من دول الجوار العراقي لبقاء قواتها على أراضيه.
إن الملف العراقي عندما يتقدم على أولويات أوباما في السياسة الخارجية لارتباطه الوثيق بالسياسة الداخلية وما تعنيه عودة الجنود الأمريكيين إلى الولايات المتحدة بتداعياتها السلبية والإيجابية، حيث إن عودة آلاف الجنود إلى بلادهم قد تكون مطلباً شعبياً أمريكياً، إلا أنه في خضم الوضع الاقتصادي المتأزم تعني عبئاً إضافياً ومزيداً من البطالة، مما أدى إلى التركيز على أن القوات التي ستسحب من العراق سيقوم أغلبها بتدعيم الوجود الأمريكي في أفغانستان. كما أن دعوات ترشيد الإنفاق للنهوض بالاقتصاد تتطلب تخفيف الالتزامات العسكرية في الخارج. ويبدو أن إدارة أوباما ستعمد إلى تحميل العراق ودول المنطقة مسؤولية النفقات المالية لوجود قواتها، وهو أمر ركز عليه الديمقراطيون وفي مقدمتهم نائب الرئيس جوزيف بايدن، خلال الحملة الانتخابية عندما أكدوا أن العراق يمتلك فائضاً مالياً كبيراً من عائداته النفطية، وأن عليه الصرف على عملية إعادة الإعمار وعدم تحميل دافع الضرائب الأمريكي هذا العبء، بل إن بعضهم طالب بأن يدفع العراق ودول المنطقة تكاليف الوجود الأمريكي لأنه يقوم بحمايتهم.
وتواجه إدارة أوباما في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي أدت إلى تعميق الخلل الاجتماعي أيضاً، تحديات الميزانية العسكرية الضخمة التي أقرت قبل مغادرة جورج ووكر بوش للسلطة، وبينما يطرح الديمقراطيون ومنهم أوباما وأغلبية أعضاء الكونغرس الأمريكي، ضرورة ترشيد الإنفاق العسكري، فإن الواقع يؤكد صعوبة هذا الإجراء، فقد اعتمدت الولايات المتحدة على الإنفاق العسكري لتحصيل مردود اقتصادي يتأتى من مبيعات الأسلحة وهي تجارة تنشط مع تصاعد الصراعات المسلحة في العالم، حيث تشكل صناعة الأسلحة والإنتاج الحربي ما نسبته 40 في المائة من إجمالي الإنتاج الصناعي الأمريكي..
إن استمرار الإنفاق الحربي على حاله وعدم تقليصه، يرتبط ليس بكون المؤسسة المحددة لهذا النوع من الإنفاق تهيمن على مراكز صنع القرار فقط، ولكن أيضاً لكون الصناعات الحربية تمثل قطاعاً واسعاً من قطاعات الاقتصاد القومي الأمريكي، حيث يعمل واحد من كل ستة عشر عاملاً أمريكياً بشكل مباشر ضمن البيئة الحربية الصناعية لكسب قوته، وفي بعض الولايات الكبيرة مثل كاليفورنيا (يتجاوز عدد سكانها ثلاثين مليون نسمة)، تعد الوظائف المرتبطة بهذا النوع من الاستخدام لأغراض الدفاع، أكبر مصادر الدخل الفردي في حين يعمل نحو 25 في المائة من المهندسين والعلماء الأمريكيين في وظائف لدى وزارة الدفاع.
الأولوية التي تواجه أوباما تتمثل في المشكلة الاقتصادية التي تتطلب حلولاً عاجلة
لقد وجدت الإدارة الأمريكية نفسها أمام تناقضات كثيرة في مجال تحديد الدور العسكري وأهميته في وضع استراتيجيتها الأمنية للمرحلة المقبلة، فالدور العسكري معوّل عليه في احتفاظ الولايات المتحدة بدورها المهيمن دولياً مادام جيشها هو الأقوى وترسانتها العسكرية هي الأضخم والأكثر تطوراً، لكن القلق الذي تسبب فيه تراجع اقتصادها أدى إلى طرح مسألة إعادة النظر بهذا الدور مع تصاعد الحديث عن عدم حاجة (العولمة) و(اقتصاد السوق) لسياسة عسكرية أو خوض حروب مكلفة، وأن البديل عن ذلك إيجاد فرصة أفضل في السوق العالمية.
لقد عمدت الإدارة الأمريكية السابقة تحت رئاسة جورج ووكر بوش إلى تعزيز الاقتصاد عبر الإفراط في استخدام الأدوات العسكرية سواء عبر الاستخدام المباشر وتحميل الآخرين مسؤولية تغطية التكاليف أو عبر توسيع برامج المساعدات والتدريب والتوسع في إنشاء القواعد تحت ذريعة الحرب ضد الإرهاب وهي الحجة التي اتخذتها هذه الإدارة ذريعة لمغامراتها العسكرية التي تمكنت من خلالها من تصريف فائض السلاح في مخازنها وتنشيط إنتاج الأسلحة التقليدية وزيادة مبيعات السلاح، الأمر الذي أنعش الاقتصاد الأمريكي بشكل واضح وإن لم يحقق إنهاء مشكلته. وهو ما تأكد عبر الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تشهدها الولايات المتحدة منذ أكثر من عام والتي تلقي بظلالها على الكثير من مؤسسات الأمن القومي الأمريكي، بل والعالم كله.
إن إدارة أوباما وهي تتجه للتعاطي مع الشأن العراقي لا يمكنها إلا أن تسعى إلى تحميل أكثر من طرف المسؤولية مع الإصرار على الاحتفاظ بالقيادة، وستشهد المرحلة المقبلة نشاطاً دبلوماسياً أمريكياً وعلى أكثر من صعيد، وستسعى هذه الإدارة إلى إشراك الأمم المتحدة بدور واضح لتجاوز بعض المشكلات، بالإضافة إلى تسهيل حصول بعض الدول التي يمكن أن تدعمها على مكاسب اقتصادية في العراق عبر عقود الاستثمار والإعمار،وستحاور دول الجوار بمن فيها إيران، لأن الهدف الاستراتيجي الذي تسعى إليه هو الإبقاء على مصالحها في المنطقة وحماية تلك المصالح، والإبقاء على تحالفات مناسبة وتحييد القوى الفاعلة في المنطقة وفي مقدمتها إيران ودول الخليج العربية، والنزعة البراغماتية في السياسة الأمريكية ستؤدي إلى استمرار إدارة أوباما على نهج سلفه بوش في العديد من القضايا، ويكون الاختلاف في التكتيكات والسبل المؤدية للهدف. أما القول إن شعار التغيير الذي رفعه أوباما في حملته الانتخابية يعني تحولات جذرية في علاقات بلاده بالعالم فهو أمر مستبعد جداً. فقد شهد العالم أيام الرئيس الأسبق بيل كلينتون كيف أن الولايات المتحدة رفعت شعارات العولمة إلا أن ذلك لم يمنعها من استخدام قوتها العسكرية في الحرب في البلقان وفي العدوان على العراق ولأكثر من مرة وتحت دعاوى مختلفة. ولن يكون مستغرباً أن يسعى أوباما في بداية رئاسته إلى المماطلة والمساومة في بعض الملفات تجنباً للحسم، كما أنه من غير المستبعد أن يستخدم القوة من أجل ما يوصف بالمصلحة الأمريكية وتحت توصيف الدواعي الأمنية، والساحة العراقية التي عانت طوال ست سنوات من تبعات السياسة الأمريكية ربما لن تكون بمنأى عن تداعيات التجريب والانتقائية التي قد تحكم سياسات الإدارة الأمريكية الحالية.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1653::/cck::
::introtext::
إن أي مناقشة للسياسة الأمريكية تجاه العراق في المرحلة المقبلة وفي ظل إدارة الرئيس باراك أوباما لابد أن تنطلق من حقيقة ثبات الأسس التي تقوم عليها الاستراتيجية الأمريكية، وأن السياسة الخارجية تعد انعكاساً واضحاً لما يجري في الداخل الأمريكي قبل أي شيء، والمفاهيم المتعلقة بالأمن القومي والمصالح الوطنية (حسب التوصيف الأمريكي).
::/introtext::
::fulltext::
إن أي مناقشة للسياسة الأمريكية تجاه العراق في المرحلة المقبلة وفي ظل إدارة الرئيس باراك أوباما لابد أن تنطلق من حقيقة ثبات الأسس التي تقوم عليها الاستراتيجية الأمريكية، وأن السياسة الخارجية تعد انعكاساً واضحاً لما يجري في الداخل الأمريكي قبل أي شيء، والمفاهيم المتعلقة بالأمن القومي والمصالح الوطنية (حسب التوصيف الأمريكي).
إن الاستراتيجية الأمريكية تسعى دائماً إلى تحييد البيئة الدولية ما أمكن لضمان مصالحها، وكانت القضية العراقية خير مثال على ذلك، حين وجد السياسيون في الولايات المتحدة أن مغامرتهم يمكن أن تقود إلى الهيمنة الكاملة على نفط المنطقة العربية، مما يؤدي إلى النهوض بالاقتصاد الأمريكي من كبوته، فعمدوا إلى احتلال هذا البلد النفطي رغم المعارضة الدولية التي لم تتوقف عند حدود الأمم المتحدة، بل تعدته إلى حلف شمالي الأطلسي والحلفاء الأوروبيين.
إن الوقائع على الأرض تشير إلى أن القرار الأمريكي في العراق الآن وبعد نحو ست سنوات من الاحتلال لا يخضع فقط لهيمنة العسكر، بل أيضاً لإملاءات الشركات الأمريكية التيأسهمت بشكلٍفعال فيتمويل حملة أوباما الانتخابية، والتيتحاول احتكار نفط العراق،حسب الاتفاقية طويلة الأمد التي تم توقيعها مع الحكومة العراقية في أواخر العام الماضي، والتيتعطيالحق للشركات الأمريكية بالتنقيب عن النفط العراقي واستخراجه والتصرف به حسب حاجة السوق النفطية الأمريكية،مما يعني أن الخروج المبكر للجيش الأمريكي من العراق لا يتفق مع تلك الوقائع، فإن الأولوية التي تواجه أوباما تتمثل في المشكلة الاقتصادية التي تتطلب حلولاً عاجلة، وربما كان بعض هذه الحلول ينطلق من الساحة العراقية تحديداً،وأن القوات الأمريكية لن تنسحب فعلاً من العراق وإن نصت الاتفاقية المعقودة بين الجانبين على ذلك، بدليل أن إدارة أوباما باتت تمهد لعملية المماطلة. وبعد أن استطاع أوباما كسب غالبية الأصوات من الناخبين بدعايته المضادة لاستمرار الوجود العسكري الأمريكي في العراق، وما يؤدي إليه هذا الوجود من هدر للأموال والقدرات البشرية وإساءة لسمعة الولايات المتحدة، وإشغالها عن العمل في ساحات وملفات أخرى مهمة، عاد ليطرح إمكانية بقاء قوات محدودة لمحاربة (القاعدة) وحماية المصالح الأمريكية في العراق، وتدريب الجيش العراقي، مما يعني عملياً الإبقاء على نحو ثلث القوة الموجودة حالياً على أقل تقدير. كما اختار في فريقه الحكومي روبرت غيتس وزيراً للدفاع في ما يمثل استمرارية لسياسة سلفه جورج بوش، ولمواجهة تعقيدات الملفات العسكرية والاستخبارية العديدة، خاصة في العراق وأفغانستان. كما اختار هيلاري كلينتون التي سبق لها أن رفضت خلال حملتها لانتخابات الرئاسة فكرة الانسحاب من العراق، بالإضافة إلى نائبه جوزيف بايدن الذي قدم فيما سبق مشروعاً تفصيلياً لتقسيم العراق طائفياً وعرقياً.
سياسة بوش أدت إلى توسيع المكاسب في الجانب العسكري في العديد من دول العالم تحت ذريعة محاربة الإرهاب

القوات الأمريكية لن تنسحب فعلاً من العراق وإن نصت الاتفاقية المعقودة بين الجانبين على ذلك
إن تسويغ عملية المماطلة في الخروج من العراق، يبدو ضرورياً (حسب الرؤية الأمريكية) إذا ما أخذنا في الاعتبار أن أي رئيس أمريكي، جمهورياً كان أم ديمقراطياً، لا يمكنه التخلي عما يعد مكسباً استراتيجياً، ومن هنا فإن سياسة بوش أدت إلى توسيع المكاسب في الجانب العسكري في العديد من دول العالم، تحت ذريعة محاربة الإرهاب، والتي كان احتلال أفغانستان والعراق المنطلق للحصول عليها. كما أن المعارضة لعملية الانسحاب السريع تنطلق من بين صفوف فريق مستشاري أوباما للأمن القومي وكبار موظفي البيت الأبيض، خاصة أن أغلبهم من المتعاطفين مع المطالب الإسرائيلية في وقت عدّ فيه احتلال العراق أكبر نصر لإسرائيل مما سهل عليها التعاطي مع بقية أطراف الصراع في المنطقة، وخاصة سوريا ومنظمات المقاومة متمثلة في حزب الله اللبناني وحماس في قطاع غزة.
إن الوجود الأمريكي في العراق يرتبط أيضاً بملفات أخرى، من بينها الصراع العربي – الإسرائيلي وحاجة الولايات المتحدة إلى الضغط على سوريا لاتخاذ خطوات إضافية في تسوية هذا الصراع، كما أن الملف الإيراني في العلاقات مع الولايات المتحدة يتداخل مع الملفين العراقي وملف الصراع العربي – الإسرائيلي، (بفعل التدخل الإيراني في الشأن العراقي من جهة، والدعم الإيراني لحركات المقاومة لإسرائيل من جهة أخرى) مما يعني أن الانسحاب سيبعد الولايات المتحدة عن الساحة لتبقى حقائق الجغرافية والتاريخ هي الحكم في توازنات القوة في المنطقة. يضاف إلى ذلك خشية العديد من الدول المجاورة للعراق من أن يكون الانسحاب الأمريكي عاملاً لزيادة نفوذ إيران وتركيا في المنطقة واتساع دورهما الإقليمي. أي أن إدارة أوباما ستجد دعماً من دول الجوار العراقي لبقاء قواتها على أراضيه.
إن الملف العراقي عندما يتقدم على أولويات أوباما في السياسة الخارجية لارتباطه الوثيق بالسياسة الداخلية وما تعنيه عودة الجنود الأمريكيين إلى الولايات المتحدة بتداعياتها السلبية والإيجابية، حيث إن عودة آلاف الجنود إلى بلادهم قد تكون مطلباً شعبياً أمريكياً، إلا أنه في خضم الوضع الاقتصادي المتأزم تعني عبئاً إضافياً ومزيداً من البطالة، مما أدى إلى التركيز على أن القوات التي ستسحب من العراق سيقوم أغلبها بتدعيم الوجود الأمريكي في أفغانستان. كما أن دعوات ترشيد الإنفاق للنهوض بالاقتصاد تتطلب تخفيف الالتزامات العسكرية في الخارج. ويبدو أن إدارة أوباما ستعمد إلى تحميل العراق ودول المنطقة مسؤولية النفقات المالية لوجود قواتها، وهو أمر ركز عليه الديمقراطيون وفي مقدمتهم نائب الرئيس جوزيف بايدن، خلال الحملة الانتخابية عندما أكدوا أن العراق يمتلك فائضاً مالياً كبيراً من عائداته النفطية، وأن عليه الصرف على عملية إعادة الإعمار وعدم تحميل دافع الضرائب الأمريكي هذا العبء، بل إن بعضهم طالب بأن يدفع العراق ودول المنطقة تكاليف الوجود الأمريكي لأنه يقوم بحمايتهم.
وتواجه إدارة أوباما في ظل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي أدت إلى تعميق الخلل الاجتماعي أيضاً، تحديات الميزانية العسكرية الضخمة التي أقرت قبل مغادرة جورج ووكر بوش للسلطة، وبينما يطرح الديمقراطيون ومنهم أوباما وأغلبية أعضاء الكونغرس الأمريكي، ضرورة ترشيد الإنفاق العسكري، فإن الواقع يؤكد صعوبة هذا الإجراء، فقد اعتمدت الولايات المتحدة على الإنفاق العسكري لتحصيل مردود اقتصادي يتأتى من مبيعات الأسلحة وهي تجارة تنشط مع تصاعد الصراعات المسلحة في العالم، حيث تشكل صناعة الأسلحة والإنتاج الحربي ما نسبته 40 في المائة من إجمالي الإنتاج الصناعي الأمريكي..
إن استمرار الإنفاق الحربي على حاله وعدم تقليصه، يرتبط ليس بكون المؤسسة المحددة لهذا النوع من الإنفاق تهيمن على مراكز صنع القرار فقط، ولكن أيضاً لكون الصناعات الحربية تمثل قطاعاً واسعاً من قطاعات الاقتصاد القومي الأمريكي، حيث يعمل واحد من كل ستة عشر عاملاً أمريكياً بشكل مباشر ضمن البيئة الحربية الصناعية لكسب قوته، وفي بعض الولايات الكبيرة مثل كاليفورنيا (يتجاوز عدد سكانها ثلاثين مليون نسمة)، تعد الوظائف المرتبطة بهذا النوع من الاستخدام لأغراض الدفاع، أكبر مصادر الدخل الفردي في حين يعمل نحو 25 في المائة من المهندسين والعلماء الأمريكيين في وظائف لدى وزارة الدفاع.
الأولوية التي تواجه أوباما تتمثل في المشكلة الاقتصادية التي تتطلب حلولاً عاجلة
لقد وجدت الإدارة الأمريكية نفسها أمام تناقضات كثيرة في مجال تحديد الدور العسكري وأهميته في وضع استراتيجيتها الأمنية للمرحلة المقبلة، فالدور العسكري معوّل عليه في احتفاظ الولايات المتحدة بدورها المهيمن دولياً مادام جيشها هو الأقوى وترسانتها العسكرية هي الأضخم والأكثر تطوراً، لكن القلق الذي تسبب فيه تراجع اقتصادها أدى إلى طرح مسألة إعادة النظر بهذا الدور مع تصاعد الحديث عن عدم حاجة (العولمة) و(اقتصاد السوق) لسياسة عسكرية أو خوض حروب مكلفة، وأن البديل عن ذلك إيجاد فرصة أفضل في السوق العالمية.
لقد عمدت الإدارة الأمريكية السابقة تحت رئاسة جورج ووكر بوش إلى تعزيز الاقتصاد عبر الإفراط في استخدام الأدوات العسكرية سواء عبر الاستخدام المباشر وتحميل الآخرين مسؤولية تغطية التكاليف أو عبر توسيع برامج المساعدات والتدريب والتوسع في إنشاء القواعد تحت ذريعة الحرب ضد الإرهاب وهي الحجة التي اتخذتها هذه الإدارة ذريعة لمغامراتها العسكرية التي تمكنت من خلالها من تصريف فائض السلاح في مخازنها وتنشيط إنتاج الأسلحة التقليدية وزيادة مبيعات السلاح، الأمر الذي أنعش الاقتصاد الأمريكي بشكل واضح وإن لم يحقق إنهاء مشكلته. وهو ما تأكد عبر الأزمة الاقتصادية الطاحنة التي تشهدها الولايات المتحدة منذ أكثر من عام والتي تلقي بظلالها على الكثير من مؤسسات الأمن القومي الأمريكي، بل والعالم كله.
إن إدارة أوباما وهي تتجه للتعاطي مع الشأن العراقي لا يمكنها إلا أن تسعى إلى تحميل أكثر من طرف المسؤولية مع الإصرار على الاحتفاظ بالقيادة، وستشهد المرحلة المقبلة نشاطاً دبلوماسياً أمريكياً وعلى أكثر من صعيد، وستسعى هذه الإدارة إلى إشراك الأمم المتحدة بدور واضح لتجاوز بعض المشكلات، بالإضافة إلى تسهيل حصول بعض الدول التي يمكن أن تدعمها على مكاسب اقتصادية في العراق عبر عقود الاستثمار والإعمار،وستحاور دول الجوار بمن فيها إيران، لأن الهدف الاستراتيجي الذي تسعى إليه هو الإبقاء على مصالحها في المنطقة وحماية تلك المصالح، والإبقاء على تحالفات مناسبة وتحييد القوى الفاعلة في المنطقة وفي مقدمتها إيران ودول الخليج العربية، والنزعة البراغماتية في السياسة الأمريكية ستؤدي إلى استمرار إدارة أوباما على نهج سلفه بوش في العديد من القضايا، ويكون الاختلاف في التكتيكات والسبل المؤدية للهدف. أما القول إن شعار التغيير الذي رفعه أوباما في حملته الانتخابية يعني تحولات جذرية في علاقات بلاده بالعالم فهو أمر مستبعد جداً. فقد شهد العالم أيام الرئيس الأسبق بيل كلينتون كيف أن الولايات المتحدة رفعت شعارات العولمة إلا أن ذلك لم يمنعها من استخدام قوتها العسكرية في الحرب في البلقان وفي العدوان على العراق ولأكثر من مرة وتحت دعاوى مختلفة. ولن يكون مستغرباً أن يسعى أوباما في بداية رئاسته إلى المماطلة والمساومة في بعض الملفات تجنباً للحسم، كما أنه من غير المستبعد أن يستخدم القوة من أجل ما يوصف بالمصلحة الأمريكية وتحت توصيف الدواعي الأمنية، والساحة العراقية التي عانت طوال ست سنوات من تبعات السياسة الأمريكية ربما لن تكون بمنأى عن تداعيات التجريب والانتقائية التي قد تحكم سياسات الإدارة الأمريكية الحالية.
::/fulltext::
::cck::1653::/cck::
