إيران والأسلحة النووية والشرق الأوسط الكبير
::cck::1669::/cck::
::introtext::
تحظى قضية الأمن الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط الكبير بأهمية كبيرة لما لها من أثر بالغ في تشكيل معالم الأمن الدولي والعالمي، وباتت هذه القضية أكثر إلحاحاً في ظل وجود دولة نووية في المنطقة هي إسرائيل، وإصرار دولة أخرى هي إيران على حجز مقعدها في النادي النووي، واستعداد أطراف أخرى لتغيير توجهاتهم النووية في حالة امتلاك إيران لأسلحة نووية، وظهور الولايات المتحدة في الإطار العام لهذه الصورة المعتمة وإصرارها على حماية إسرائيل وإعلانها مراراً عزمها على منع إيران من دخول النادي النووي مهما كلفها الأمر.
::/introtext::
::fulltext::
تحظى قضية الأمن الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط الكبير بأهمية كبيرة لما لها من أثر بالغ في تشكيل معالم الأمن الدولي والعالمي، وباتت هذه القضية أكثر إلحاحاً في ظل وجود دولة نووية في المنطقة هي إسرائيل، وإصرار دولة أخرى هي إيران على حجز مقعدها في النادي النووي، واستعداد أطراف أخرى لتغيير توجهاتهم النووية في حالة امتلاك إيران لأسلحة نووية، وظهور الولايات المتحدة في الإطار العام لهذه الصورة المعتمة وإصرارها على حماية إسرائيل وإعلانها مراراً عزمها على منع إيران من دخول النادي النووي مهما كلفها الأمر.
تنطوي المواجهة الراهنة على مخاطر جمة تحتاج إلى تدخل عاجل وسريع من جانب المجتمع الدولي، حيث يتعرض الأمن والاستقرار الإقليميين لتهديدات خطيرة ربما تؤدي في النهاية إلى وقوع كارثة نووية. ويبدو العالم حالياً أقرب ما يكون إلى الدخول في حرب نووية منذ أزمة الصواريخ الكوبية، الأمر الذي ينذر بانهيار النظام العالمي ونشوب حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي طويل الأمد والاقتتال بين الدول، ناهيك عن تراجع مساعي الاندماج السياسي والاقتصادي على الساحة العالمية.
فما المقصود بمصطلح الأمن الاستراتيجي؟ وكيف نشأ هذا المفهوم في التاريخ الحديث؟ تعود جذور هذا المصطلح إلى العداوة التي دارت رحاها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إبان النصف الثاني من القرن العشرين. والواقع أن الخبراء الاستراتيجيين ينظرون في الوقت الحالي إلى الحرب الباردة بارتياح غريب. فعلى الرغم من حالة الرعب والفزع التي كانت تسيطر على القوتين العظميين آنذاك وخوفهما من الاحتراق بالأسلحة النووية، إلا أن علاقة معقدة المعالم ولكنها مستقرة استراتيجياً نشأت بين البلدين. فعقب أزمة أسلحة الصواريخ الكوبية التي وقعت في شهر نوفمبر من عام 1962، تبلورت آلية جديدة من التفاعل بين الدول تقوم على تصور مشترك لا غنى عنه ألا وهو: ضرورة تفادي الدخول في حرب نووية شاملة مهما كلف الأمر.
واستندت هذه الآلية الجديدة إلى جملة من العوامل المهمة مثل:
1- الإيمان بفكرة أن الحرب ستؤدي لا محالة إلى إلحاق خسائر فادحة ودمار شامل لكلا الطرفين، ومن ثم يجب القضاء على شبح الحرب النووية بكل السبل.
2- الاتفاق على إنشاء آلية لمراقبة الأسلحة النووية الهجومية في كل دولة للحيلولة دون التمادي في سباق التسلح الجامح.
3- إقامة نظام تواصل بين الطرفين خلال الأزمات والمواجهات للحيلولة دون تصعيد الموقف.
4- تبني إجراءات وخطوات لبناء الثقة بين الطرفين مما يساعد على إيجاد أجواء سياسية مناسبة.
5- تأكيد فكرة أن المنافسة والخصومة والصراع لا تتعارض مع إقامة علاقات بين الدولتين.
وأسهمت هذه العناصر في تشكيل إطار للمساومة إبان الحرب الباردة ساعد على تعزيز مفهوم الأمن الاستراتيجي بين القوتين العظميين آنذاك.
ولا تتوافر هذه العناصر حالياً في منطقة الشرق الأوسط وهذا يرجع إلى الأسباب التالية:
أولاً: أن الدول المتصارعة لا تتبنى هذا التصور، ولا تؤمن بضرورة توفير إطار للمساومة والمفاوضات على هذا الصعيد. فإسرائيل مثلاً لا تبدو مستعدة للتعايش مع أية دولة نووية أخرى في المنطقة، وترفض الاعتماد على مبدأ المخاطرة المشتركة والردع المتبادل كأساس للحفاظ على أمنها واستقرارها، ولن تقبل بوجود أي خطر يهدد وجود الدولة الصهيونية. وتتباين التوجهات الإسرائيلية مع موقف القوتين العظميين إبان الحرب الباردة، حيث أقر الطرفان بأن وجود تهديد متبادل ومشترك يحول دون إمكانية استخدام أسلحة نووية في هذا الصراع. أما بالنسبة لإيران، فترفض الإذعان للهيمنة النووية الإسرائيلية التي جاءت خارج إطار معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. وتبين هذه المواقف المتناقضة أن الأطراف المعنية تنظر إلى العلاقات الاستراتيجية من زوايا مختلفة تماماً.

نياً: عدم وجود إطار عمل عسكري أو سياسي يسهل عملية التواصل بين الدول من أجل تعزيز الشفافية وبناء الثقة بين الأطراف المتناحرة. أما أثناء الحرب الباردة، فجاءت المحادثات التي دارت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حول الحد من الأسلحة النووية كي توفر قنوات حوار فعالة ساعدت على تعزيز التواصل بين الطرفين إزاء الكثير من الموضوعات والقضايا الأخرى. وأدَّت هذه القنوات دوراً مكملاً للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين التي لم تنقطع أبداً حتى في أحلك الأزمات. وعلى النقيض من ذلك، لا توجد قنوات دبلوماسية رسمية بين إيران وخصميها اللدودين. والمفارقة أن إيران كانت تتمتع بعلاقات قوية مع كلا البلدين في الماضي. واقتصر الاتصال بين الطرفين على ما يطلقه زعماء كل طرف من تصريحات وخطابات أمام الجماهير. فعلى سبيل المثال، أسهمت الخطابات النارية التي ألقاها الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لحشد التأييد العام في خلق أجواء سلبية داخل الأوساط الإسرائيلية والمجتمع الدولي بصورة عامة. وبالمثل، فإن التصريحات التي أدلى بها الزعماء الأمريكيون أمام اللوبي الصهيوني، وتهدد بشن هجوم عسكري على إيران تزيد من تشدد القيادة الإيرانية وتعنتها على الرغم من أن هذه التصريحات قد تأتي في الأساس لضرورات يقتضيها المشهد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية.
ويؤدي غياب قنوات التواصل والحوار الرسمية إلى هيمنة لغة الإشارات والإيماءات المعقدة التي تزداد خطورة أثناء التدريبات العسكرية والمناورات الحربية. فعلى سبيل المثال، قامت القوات الجوية الإسرائيلية بإجراء مناورات عسكرية في البحر المتوسط خلال شهر يونيو الماضي للتدريب على الهجوم المحتمل ضد المواقع النووية الإيرانية. وردت إيران فوراً على هذه المناورات عبر إجراء اختبارات صاروخية تؤكد قدرة الجيش الإيراني على الوصول إلى أهداف في عمق الدولة الصهيونية. وربما يعمد أحد الأطراف إلى إرسال إشارات وتوصيل رسائل معينة إلى الطرف الآخر من وراء هذه المناورات العسكرية، الأمر الذي يؤدي إلى تأجيج العداوة وربما يدفع أحد الطرفين إلى شن ضربة وقائية خشية تعرضه لهجمات عسكرية وشيكة. وقد يشعر طرفا النزاع أو أحدهما بحالة من عدم الاستقرار اعتقاداً منه بأن القدرات العسكرية التي استعرضها الخصم تهدد أمنه واستقراره، ولذلك فقد يرى ضرورة تعطيل قدرة الطرف الآخر على استخدام هذه الأسلحة.
وتقوم الأطراف والمنظمات غير الحكومية بدور بارز في تدهور الوضع الأمني والاستقرار الاستراتيجي في المنطقة، فقد تكون لهذه المنظمات أهداف ومصالح تختلف تماماً مع ما تصبو إليه الأطراف الرئيسية في الصراع. وتتجلى هذه المشكلة في الصراع الإيراني – الإسرائيلي على وجه الخصوص، حيث تتولى إيران دعم حركة حماس وحزب الله اللذين تعهدا بتدمير الدولة اليهودية ومن ثم دخلا في حرب مفتوحة مع إسرائيل. كما تساند إيران عدداً من الميليشيات المسلحة في العراق التي تتحمل المسؤولية المباشرة عن وقوع ضحايا بشرية في صفوف القوات الأمريكية في العراق. وترى الولايات المتحدة وإسرائيل أن هذه المنظمات ما هي إلا دُمَى وأدوات تحركها الأصابع الإيرانية، ولكن لم يتضح بعد هل تدرك هذه المنظمات – حماس وحزب الله وجيش المهدي – دورها الخطير في تشكيل معالم الصراع الإقليمي بين دول المنطقة أو هل تخضع هذه المنظمات لسيطرة إيران المباشرة؟ وهل تنبع أهدافها ودوافعها من الأجندة الإيرانية؟ وهناك احتمال قائم بأن تعمد هذه المنظمات إلى شن هجمات عدوانية تفسر على أنها استفزاز إيراني يستند إلى قرارات اتخذتها الحكومات المحلية.
يبدو العالم حالياً أقرب ما يكون إلى الدخول في حرب نووية منذ أزمة الصواريخ الكوبية
ويتفاقم المشهد الأمني والاستقرار الاستراتيجي في المنطقة جراء وجود أسلحة كيماوية وبيولوجية في المنطقة، فمن المعروف أن إيران تمتلك برنامجاً متطوراً لتصنيع الأسلحة الكيماوية ويعتقد أنها تمتلك برنامجاً آخر لإنتاج الأسلحة البيولوجية، ويرى البعض أنها قادرة على استخدام الصواريخ بعيدة المدى في توصيل الأسلحة الكيماوية إلى أهدافها. وتحتفظ الولايات المتحدة بدورها بحق الرد على استخدام أسلحة كيماوية أو بيولوجية بكل الوسائل والسبل بما في ذلك اللجوء إلى استخدام أسلحة نووية.
ويمكن تلخيص العوامل السابقة فيما يلي:
1- تباين تصورات الأطراف المعنية حول إقامة علاقات بناءً على مبدأ الردع المشترك.
2- عدم وجود قنوات تواصل فعّالة بين الدول، الأمر الذي يجعل لغة الإيماءات والإشارات وسيلة التفاهم بين دول المنطقة للتعبير عن نياتها.
3- وجود منظمات وأطراف غير حكومية تؤدي دوراً مهماً في تشكيل العلاقات بين الدول المتصارعة.
- وجود أسلحة غير تقليدية في المنطقة. ومن هنا يتعين على المجتمع الدولي حشد كل طاقاته للحيلولة دون الوصول إلى هذه النتيجة التي تمثل كارثة حقيقية ستأتي على الأخضر واليابس، ولن تسلم منها شعوب المنطقة والعالم بأسره.
- وفي ظل العوامل السابقة ليس من الصعب استشراف السيناريوهات المستقبلية التي يمكن أن تدفع الدول المتصارعة في المنطقة إلى استخدام الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية أو حتى النووية. ويتمثل السيناريو الأكثر احتمالاً في قيام الولايات المتحدة وإسرائيل بشن هجمات عسكرية ضد المواقع النووية الإيرانية في (آراك وبوشهر وناتانز). أما السيناريو الآخر الذي قد يشعل فتيل الحرب فيتمثل في قيام طهران بالإعلان عن إجراء اختبارات نووية، وهو احتمال غير قائم قبل ثلاث سنوات. ويمكن أن يؤدي هذان الاحتمالان إلى تصاعد الموقف واندلاع الحرب. وبالفعل أعلنت القيادة الإيرانية أنها لن تتوانى عن الرد على أي هجمات قد تتعرض لها بشتى الوسائل الممكنة وتعهدت بالنيل من الولايات المتحدة الأمريكية في عقر دارها عبر تنفيذ هجمات إرهابية. كما كشفت عن نيتها في تحميل المسؤولية لجميع الأطراف والدول والجهات التي قد تساعد أو تحرِّض على تنفيذ هذه الهجمات بما في ذلك دول مجلس التعاون التي تؤيد الوجود الأمريكي في منطقة الخليج ولا سيما قطر والإمارات. وهناك احتمالات طفيفة بأن تؤدي الهجمات العسكرية ضد إيران إلى نشوب حرب إقليمية واسعة النطاق تشترك فيها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران والميليشيات الموالية لطهران وسوريا ودول المجلس.
- وتشير هذه العوامل إلى إمكانية قيام أحد الأطراف بتصعيد النزاع سواء عن قصد أو بسبب سوء التقدير والحسابات الخاطئة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1669::/cck::
::introtext::
تحظى قضية الأمن الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط الكبير بأهمية كبيرة لما لها من أثر بالغ في تشكيل معالم الأمن الدولي والعالمي، وباتت هذه القضية أكثر إلحاحاً في ظل وجود دولة نووية في المنطقة هي إسرائيل، وإصرار دولة أخرى هي إيران على حجز مقعدها في النادي النووي، واستعداد أطراف أخرى لتغيير توجهاتهم النووية في حالة امتلاك إيران لأسلحة نووية، وظهور الولايات المتحدة في الإطار العام لهذه الصورة المعتمة وإصرارها على حماية إسرائيل وإعلانها مراراً عزمها على منع إيران من دخول النادي النووي مهما كلفها الأمر.
::/introtext::
::fulltext::
تحظى قضية الأمن الاستراتيجي في منطقة الشرق الأوسط الكبير بأهمية كبيرة لما لها من أثر بالغ في تشكيل معالم الأمن الدولي والعالمي، وباتت هذه القضية أكثر إلحاحاً في ظل وجود دولة نووية في المنطقة هي إسرائيل، وإصرار دولة أخرى هي إيران على حجز مقعدها في النادي النووي، واستعداد أطراف أخرى لتغيير توجهاتهم النووية في حالة امتلاك إيران لأسلحة نووية، وظهور الولايات المتحدة في الإطار العام لهذه الصورة المعتمة وإصرارها على حماية إسرائيل وإعلانها مراراً عزمها على منع إيران من دخول النادي النووي مهما كلفها الأمر.
تنطوي المواجهة الراهنة على مخاطر جمة تحتاج إلى تدخل عاجل وسريع من جانب المجتمع الدولي، حيث يتعرض الأمن والاستقرار الإقليميين لتهديدات خطيرة ربما تؤدي في النهاية إلى وقوع كارثة نووية. ويبدو العالم حالياً أقرب ما يكون إلى الدخول في حرب نووية منذ أزمة الصواريخ الكوبية، الأمر الذي ينذر بانهيار النظام العالمي ونشوب حالة من عدم الاستقرار السياسي والاقتصادي طويل الأمد والاقتتال بين الدول، ناهيك عن تراجع مساعي الاندماج السياسي والاقتصادي على الساحة العالمية.
فما المقصود بمصطلح الأمن الاستراتيجي؟ وكيف نشأ هذا المفهوم في التاريخ الحديث؟ تعود جذور هذا المصطلح إلى العداوة التي دارت رحاها بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي إبان النصف الثاني من القرن العشرين. والواقع أن الخبراء الاستراتيجيين ينظرون في الوقت الحالي إلى الحرب الباردة بارتياح غريب. فعلى الرغم من حالة الرعب والفزع التي كانت تسيطر على القوتين العظميين آنذاك وخوفهما من الاحتراق بالأسلحة النووية، إلا أن علاقة معقدة المعالم ولكنها مستقرة استراتيجياً نشأت بين البلدين. فعقب أزمة أسلحة الصواريخ الكوبية التي وقعت في شهر نوفمبر من عام 1962، تبلورت آلية جديدة من التفاعل بين الدول تقوم على تصور مشترك لا غنى عنه ألا وهو: ضرورة تفادي الدخول في حرب نووية شاملة مهما كلف الأمر.
واستندت هذه الآلية الجديدة إلى جملة من العوامل المهمة مثل:
1- الإيمان بفكرة أن الحرب ستؤدي لا محالة إلى إلحاق خسائر فادحة ودمار شامل لكلا الطرفين، ومن ثم يجب القضاء على شبح الحرب النووية بكل السبل.
2- الاتفاق على إنشاء آلية لمراقبة الأسلحة النووية الهجومية في كل دولة للحيلولة دون التمادي في سباق التسلح الجامح.
3- إقامة نظام تواصل بين الطرفين خلال الأزمات والمواجهات للحيلولة دون تصعيد الموقف.
4- تبني إجراءات وخطوات لبناء الثقة بين الطرفين مما يساعد على إيجاد أجواء سياسية مناسبة.
5- تأكيد فكرة أن المنافسة والخصومة والصراع لا تتعارض مع إقامة علاقات بين الدولتين.
وأسهمت هذه العناصر في تشكيل إطار للمساومة إبان الحرب الباردة ساعد على تعزيز مفهوم الأمن الاستراتيجي بين القوتين العظميين آنذاك.
ولا تتوافر هذه العناصر حالياً في منطقة الشرق الأوسط وهذا يرجع إلى الأسباب التالية:
أولاً: أن الدول المتصارعة لا تتبنى هذا التصور، ولا تؤمن بضرورة توفير إطار للمساومة والمفاوضات على هذا الصعيد. فإسرائيل مثلاً لا تبدو مستعدة للتعايش مع أية دولة نووية أخرى في المنطقة، وترفض الاعتماد على مبدأ المخاطرة المشتركة والردع المتبادل كأساس للحفاظ على أمنها واستقرارها، ولن تقبل بوجود أي خطر يهدد وجود الدولة الصهيونية. وتتباين التوجهات الإسرائيلية مع موقف القوتين العظميين إبان الحرب الباردة، حيث أقر الطرفان بأن وجود تهديد متبادل ومشترك يحول دون إمكانية استخدام أسلحة نووية في هذا الصراع. أما بالنسبة لإيران، فترفض الإذعان للهيمنة النووية الإسرائيلية التي جاءت خارج إطار معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. وتبين هذه المواقف المتناقضة أن الأطراف المعنية تنظر إلى العلاقات الاستراتيجية من زوايا مختلفة تماماً.

نياً: عدم وجود إطار عمل عسكري أو سياسي يسهل عملية التواصل بين الدول من أجل تعزيز الشفافية وبناء الثقة بين الأطراف المتناحرة. أما أثناء الحرب الباردة، فجاءت المحادثات التي دارت بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي حول الحد من الأسلحة النووية كي توفر قنوات حوار فعالة ساعدت على تعزيز التواصل بين الطرفين إزاء الكثير من الموضوعات والقضايا الأخرى. وأدَّت هذه القنوات دوراً مكملاً للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين التي لم تنقطع أبداً حتى في أحلك الأزمات. وعلى النقيض من ذلك، لا توجد قنوات دبلوماسية رسمية بين إيران وخصميها اللدودين. والمفارقة أن إيران كانت تتمتع بعلاقات قوية مع كلا البلدين في الماضي. واقتصر الاتصال بين الطرفين على ما يطلقه زعماء كل طرف من تصريحات وخطابات أمام الجماهير. فعلى سبيل المثال، أسهمت الخطابات النارية التي ألقاها الرئيس الإيراني أحمدي نجاد لحشد التأييد العام في خلق أجواء سلبية داخل الأوساط الإسرائيلية والمجتمع الدولي بصورة عامة. وبالمثل، فإن التصريحات التي أدلى بها الزعماء الأمريكيون أمام اللوبي الصهيوني، وتهدد بشن هجوم عسكري على إيران تزيد من تشدد القيادة الإيرانية وتعنتها على الرغم من أن هذه التصريحات قد تأتي في الأساس لضرورات يقتضيها المشهد السياسي الداخلي في الولايات المتحدة الأمريكية.
ويؤدي غياب قنوات التواصل والحوار الرسمية إلى هيمنة لغة الإشارات والإيماءات المعقدة التي تزداد خطورة أثناء التدريبات العسكرية والمناورات الحربية. فعلى سبيل المثال، قامت القوات الجوية الإسرائيلية بإجراء مناورات عسكرية في البحر المتوسط خلال شهر يونيو الماضي للتدريب على الهجوم المحتمل ضد المواقع النووية الإيرانية. وردت إيران فوراً على هذه المناورات عبر إجراء اختبارات صاروخية تؤكد قدرة الجيش الإيراني على الوصول إلى أهداف في عمق الدولة الصهيونية. وربما يعمد أحد الأطراف إلى إرسال إشارات وتوصيل رسائل معينة إلى الطرف الآخر من وراء هذه المناورات العسكرية، الأمر الذي يؤدي إلى تأجيج العداوة وربما يدفع أحد الطرفين إلى شن ضربة وقائية خشية تعرضه لهجمات عسكرية وشيكة. وقد يشعر طرفا النزاع أو أحدهما بحالة من عدم الاستقرار اعتقاداً منه بأن القدرات العسكرية التي استعرضها الخصم تهدد أمنه واستقراره، ولذلك فقد يرى ضرورة تعطيل قدرة الطرف الآخر على استخدام هذه الأسلحة.
وتقوم الأطراف والمنظمات غير الحكومية بدور بارز في تدهور الوضع الأمني والاستقرار الاستراتيجي في المنطقة، فقد تكون لهذه المنظمات أهداف ومصالح تختلف تماماً مع ما تصبو إليه الأطراف الرئيسية في الصراع. وتتجلى هذه المشكلة في الصراع الإيراني – الإسرائيلي على وجه الخصوص، حيث تتولى إيران دعم حركة حماس وحزب الله اللذين تعهدا بتدمير الدولة اليهودية ومن ثم دخلا في حرب مفتوحة مع إسرائيل. كما تساند إيران عدداً من الميليشيات المسلحة في العراق التي تتحمل المسؤولية المباشرة عن وقوع ضحايا بشرية في صفوف القوات الأمريكية في العراق. وترى الولايات المتحدة وإسرائيل أن هذه المنظمات ما هي إلا دُمَى وأدوات تحركها الأصابع الإيرانية، ولكن لم يتضح بعد هل تدرك هذه المنظمات – حماس وحزب الله وجيش المهدي – دورها الخطير في تشكيل معالم الصراع الإقليمي بين دول المنطقة أو هل تخضع هذه المنظمات لسيطرة إيران المباشرة؟ وهل تنبع أهدافها ودوافعها من الأجندة الإيرانية؟ وهناك احتمال قائم بأن تعمد هذه المنظمات إلى شن هجمات عدوانية تفسر على أنها استفزاز إيراني يستند إلى قرارات اتخذتها الحكومات المحلية.
يبدو العالم حالياً أقرب ما يكون إلى الدخول في حرب نووية منذ أزمة الصواريخ الكوبية
ويتفاقم المشهد الأمني والاستقرار الاستراتيجي في المنطقة جراء وجود أسلحة كيماوية وبيولوجية في المنطقة، فمن المعروف أن إيران تمتلك برنامجاً متطوراً لتصنيع الأسلحة الكيماوية ويعتقد أنها تمتلك برنامجاً آخر لإنتاج الأسلحة البيولوجية، ويرى البعض أنها قادرة على استخدام الصواريخ بعيدة المدى في توصيل الأسلحة الكيماوية إلى أهدافها. وتحتفظ الولايات المتحدة بدورها بحق الرد على استخدام أسلحة كيماوية أو بيولوجية بكل الوسائل والسبل بما في ذلك اللجوء إلى استخدام أسلحة نووية.
ويمكن تلخيص العوامل السابقة فيما يلي:
1- تباين تصورات الأطراف المعنية حول إقامة علاقات بناءً على مبدأ الردع المشترك.
2- عدم وجود قنوات تواصل فعّالة بين الدول، الأمر الذي يجعل لغة الإيماءات والإشارات وسيلة التفاهم بين دول المنطقة للتعبير عن نياتها.
3- وجود منظمات وأطراف غير حكومية تؤدي دوراً مهماً في تشكيل العلاقات بين الدول المتصارعة.
- وجود أسلحة غير تقليدية في المنطقة. ومن هنا يتعين على المجتمع الدولي حشد كل طاقاته للحيلولة دون الوصول إلى هذه النتيجة التي تمثل كارثة حقيقية ستأتي على الأخضر واليابس، ولن تسلم منها شعوب المنطقة والعالم بأسره.
- وفي ظل العوامل السابقة ليس من الصعب استشراف السيناريوهات المستقبلية التي يمكن أن تدفع الدول المتصارعة في المنطقة إلى استخدام الأسلحة الكيماوية أو البيولوجية أو حتى النووية. ويتمثل السيناريو الأكثر احتمالاً في قيام الولايات المتحدة وإسرائيل بشن هجمات عسكرية ضد المواقع النووية الإيرانية في (آراك وبوشهر وناتانز). أما السيناريو الآخر الذي قد يشعل فتيل الحرب فيتمثل في قيام طهران بالإعلان عن إجراء اختبارات نووية، وهو احتمال غير قائم قبل ثلاث سنوات. ويمكن أن يؤدي هذان الاحتمالان إلى تصاعد الموقف واندلاع الحرب. وبالفعل أعلنت القيادة الإيرانية أنها لن تتوانى عن الرد على أي هجمات قد تتعرض لها بشتى الوسائل الممكنة وتعهدت بالنيل من الولايات المتحدة الأمريكية في عقر دارها عبر تنفيذ هجمات إرهابية. كما كشفت عن نيتها في تحميل المسؤولية لجميع الأطراف والدول والجهات التي قد تساعد أو تحرِّض على تنفيذ هذه الهجمات بما في ذلك دول مجلس التعاون التي تؤيد الوجود الأمريكي في منطقة الخليج ولا سيما قطر والإمارات. وهناك احتمالات طفيفة بأن تؤدي الهجمات العسكرية ضد إيران إلى نشوب حرب إقليمية واسعة النطاق تشترك فيها الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل وإيران والميليشيات الموالية لطهران وسوريا ودول المجلس.
- وتشير هذه العوامل إلى إمكانية قيام أحد الأطراف بتصعيد النزاع سواء عن قصد أو بسبب سوء التقدير والحسابات الخاطئة.
::/fulltext::
::cck::1669::/cck::
