المجتمع المدني بين الفرض الغربي والرفض العربي

::cck::1691::/cck::
::introtext::

في مواجهة واقع أوروبي آخر غير الواقع العربي، وفي سياق حضاري مسيحي آخر غير السياق الحضاري الإسلامي، وفي إطار تطور اجتماعي آخر غير التطور الاجتماعي.. أي في النهاية في ظروف غير الظروف، ولأسباب غير الأسباب ولأهداف غير الأهداف، وفي زمان غير الزمان ومكان غير المكان، نشأ مصطلح (المجتمع المدني) في منتصف القرن الثامن عشر ليعكس الواقع التاريخي الأوروبي بمفهومه الاجتماعي والسياسي والديني.

::/introtext::
::fulltext::

في مواجهة واقع أوروبي آخر غير الواقع العربي، وفي سياق حضاري مسيحي آخر غير السياق الحضاري الإسلامي، وفي إطار تطور اجتماعي آخر غير التطور الاجتماعي.. أي في النهاية في ظروف غير الظروف، ولأسباب غير الأسباب ولأهداف غير الأهداف، وفي زمان غير الزمان ومكان غير المكان، نشأ مصطلح (المجتمع المدني) في منتصف القرن الثامن عشر ليعكس الواقع التاريخي الأوروبي بمفهومه الاجتماعي والسياسي والديني.

قد نفهم مثلاً أن صفة (المدني) تعني ما هو عكس (القروي)، أو ما يقابل صفة (العسكري)، لكنها لا تقابل صفة (الديني) إلا في ظل الدولة الدينية، أي التي يحكم حاكمها بالحق الإلهي أو في ظل سلطة الكهنوت، بينما الدولة الإسلامية، كما عرفناها، ليست دولة دينية (ثيوقراطية) بالمفهوم المسيحي في العصور الوسطى، بل هي دولة مدنية بطبيعتها، حيث لا رجال دين (كهنوت) ولكن علماء في علوم الدين، وليست للمسجد سلطة تعادل سلطة الكنيسة في ذاك الزمان.

ولأن (المجتمع المدني) من المصطلحات التاريخية التي تعددت مفاهيمها وأهدافها على مر العصور، ينطلق المهتمون بمفهومهوالمعنيون بأهدافه بمفاهيمهم وأهدافهم من خلفيات وتجارب سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية مختلفة، ما أدى إلى فهمه والتعبير عنه والخلاف حوله برؤى مختلفة.

سياسياً.. كانت الطبقة الرأسمالية الصناعية الناشئة مع الثورة الصناعية تسعى إلى نيل مكاسب سياسية جديدة بفعل هذا التطور على حساب الطبقة الإقطاعية الزراعية في ظل استبداد سياسي مما نشأ عنه خاصة بعد الثورة الفرنسية نوع من الديمقراطية البورجوازية. 

اجتماعياً.. كان التطور الاجتماعي بعد الثورة الصناعية يسير في اتجاه تحول القرى إلى مدن، وتحول قطاع كبير من الفلاحين إلى عمال، وبالتالي تطورت مجتمعات قروية إلى مجتمعات مدنية ونشأت طبقة بورجوازية جديدة لها مطالبها وثقافتها الجديدة في ظل الانتقال من المجتمع الإقطاعي الزراعي إلى المجتمع الرأسمالي الصناعي.

ودينياً.. كانت الكنيسة تمثل أيضاً سلطة استبدادية متحكمة ومنافسة للطبقة الاستبدادية الحاكمة في نوع من الصراع بين السلطة الإمبراطورية الزمنية والسلطة الكنسية الدينية، وكانت الطبقة البورجوازية الناشئة في ظل دعوة ديمقراطية سياسية ونزعة علمانية فكرية تسعى إلى الخروج من تحت عباءة السلطة، سلطة الإمبراطور وسلطة الكنيسة.

في ظل هذا الواقع نشأ هذا المصطلح الذي يعنى بضرورة وجود مؤسسات أهلية غير حكومية وغير كنسية تملك من التأثير والفعل عن طريق النقابات العمالية والجمعيات الأهلية ما يجعلها مؤسسة موازية للمؤسسة الحكومية وللمؤسسة الدينية، بل تسعى للحد من السيطرة السياسية المتحكمة للحكومة والسيطرة الدينية المتزمتة للكنيسة.

كان الاتجاه الأغلب لدى القوميين هو رفض مصطلح المجتمع المدني بعذر الحاجة الملحة لبناء الدولة الاتحادية القومية أولاً

غير أن هذا المصطلح الذي توارى لقرن كامل كانت المسميات البديلة عنه هي النقابات والجمعيات والحركات السياسية بعد الحرب العالمية الأولىالتي كان أحد أطراف الصراع فيها الإمبراطورية العثمانية ذات الصبغة الدينية الإسلامية، وفي مواجهتها وسعياً من الغرب المسيحي إلى هزيمتها وعلمنتها عن طريق الجمعيات السرية والعلنية المدعومة من الغرب كجمعية الاتحاد والترقي التركية، عاد مصطلح المجتمع المدني للظهور مرة أخرى.

ثم عاد هذا المصطلح للتردد بقوة في السنوات الأخيرة في إطار العولمة لتوظيفه بهدف نشر مفاهيم (اللبرلة) السياسية والاقتصادية وتقليل دور الحكومات في الإنتاج والخدماتوفي التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما انتشرت جمعياته ومنظماته بتمويل من المؤسسات الغربية وخاصة الأمريكية ضمن محاولات أمركة المنطقة العربية والإسلامية. واشتدت وتيرتها ضمن استراتيجية القرن الأمريكي للهيمنة على العالم وفي إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تحت شعارات نشر الديمقراطية السياسية والتعددية الحزبية والحد من سلطات الحكومات، وتقوية مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان وحرية السوق كأدوات للسياسات الأجنبية في اختراق المجتمعات العربية والإسلامية لتنفيذ الأجندات الأمريكية.

وقد عرفت المجتمعات العربية منذ قرون ما يعرف بالمجتمع الأهلي والجمعيات الخيرية التي تقوم بدور في التنمية البشرية والاجتماعية المكمل لدور الحكومات وليس البديل عنها انطلاقاً من قيم روحية إسلامية تأمر بإعانة المحتاج وإغاثة الملهوف وإغناء الفقراء والتعاون والتكافل وحب الخير، وتختلف عن منطلقات المفهوم الغربي المعاصر لما يسمى (المجتمع المدني) الذي يبدو في مواجهة مؤسسة الحكومة والمؤسسة الدينية بل ومؤسسة الأسرة.

ليس هناك إنسان عاقل يمكن أن يقف مدافعاً عن الاستبداد بشقيه السياسي لرجال السياسة أو الديني لرجال الدين، لأن أي استبداد هو طريق الفساد، سواء بتحول الحكم إلى تحكم أو تحول السلطة إلى تسلط، لكن ضمانات ذلك تتركز في الأساس في ضمان إمكانية رقابة السلطات الموازية التشريعية والقضائية والصحافية.

 كما لا يمكن لإنسان حر أن يقف معادياً للحرية أو حقوق الإنسان والمفاهيم الشورية والآليات الديمقراطية والمشاركة السياسية لكل القوى الشعبية ممثلة في الأحزاب أو الجمعيات النوعية والخيرية التطوعية في صنع القرار الوطني والمساهمة في التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع.

لكن ما أثارته تسمية هذه الجمعيات الأهلية والمنظمات الشعبية بمصطلح (منظمات المجتمع المدني) من جدل فكري وسياسي ومن تساؤلات واعتراضات تمثلت في الواقع لدى عدة قطاعات من عدة اعتبارات. بعضها وقف ضد نشأة هذه المنظمات من الأصل بتمويل أجنبي لمنظمات أوروبية وأمريكية مرتبطة بحكوماتها، بل وفي بعض الأحيان بأجهزة مخابراتها ووفقاً لأجندة غربية وتحديداً أمريكية لخدمة أهدافها لاختراق المجتمعات العربية والإسلامية، على أساس أنه لم يثبت يوماً أن الولايات المتحدة الأمريكية هي إحدى أكبر الجمعيات الخيرية الإنسانية العالمية.

 ثم أية مدنية وأي حقوق وأي إنسانية، بينما تتناقض أمريكا داعية الديمقراطية والحقوق الإنسانية وممولة منظمات المجتمع المدنية التي فقدت المصداقية مع المفاهيم المدنية والحقوقية والإنسانية، ولا تعرف سوى الوسائل العسكرية في التعامل مع دول العالم؟

وكيف لأمريكا أن تناصر الحقوق الإنسانية وهي فقدت المسؤولية في انتهاكات حقوق الإنسان في (غوانتانامو) وسجون العراق وفي دعم السطو الإسرائيلي على حقوق الإنسان الفلسطيني وتسليح الإرهاب العنصري الصهيوني بأسلحة العدوان والقتل والخطف والبطش والتهجير؟

وبعضها الآخر يرى في ارتباط انتشار هذه المنظمات والجمعيات والمكاتب والمراكز في المجالات السياسية والثقافية والإعلامية والحقوقية والاجتماعية بهذه الصورة الكبيرة في سنوات قليلة نوعاً من الغزو بالقوة الناعمة وبأموال غربية وأدوات عربية.

الإسلاميون يؤيدون الجمعيات الأهلية ولكنهم ينتقدون تسويق مصطلحها بمفاهيم غربية

وأخرى ترفض مثل هذه المصطلحات التي تنبع من مرجعيات فكرية أخرى مغايرة، للتغطية على محاولة نشر مفاهيم مغايرة لثقافتنا الأصيلة في الشكل باسم الحداثة والمعاصرة لتذويب الهوية، بينما هي في الواقع تستهدف تفكيك المجتمعات وإعادة تشكيلها وفقاً لنماذج لا تشكل عقبات أمام الهيمنة الثقافية الغربية على الثقافة العربية والإسلامية التي لا تتناقض مع الأصالة والمعاصرة.

ينظر البعض بريبة كبيرة لضغوط الغرب في اتجاه نشر منظمات المجتمع المدني

والبعض ينظر بريبة عالية لضغوط الغرب في اتجاه نشر جمعيات ومنظمات المجتمع المدني، بينما هي في مسلك مناقض تضغط بشدة على الحكومات العربية والإسلامية لإغلاق الجمعيات الخيرية والمنظمات الإنسانية طالما اتسمت بمرجعيات إسلامية، بل وتحارب وصول التنظيمات السياسية الإسلامية إلى الحكم، أو حتى مشاركة التيارات الإسلامية المدنية والسلمية التي تلتزم بالقواعد الديمقراطية والدستور والقانون، مثلما حدث في الجزائر وفلسطين وتونس والجزائر ومصر، برغم أن هذه التيارات هي التي تحظى بالشعبية في أي انتخابات نزيهة، بينما نخب المجتمع المدني والنخب السياسية التقليدية والثقافية العاجية لا شعبية لها.

وينظر آخرون إلى الجدل الذي يدور بين النخب العلمانية والتي رأت في منظمات المجتمع المدني وسيلة وإطار الاتجار بالأفكار وبين المفكرين القوميين والإسلاميين على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية والسياسيةحول هذا المصطلح، فعلى سبيل المثال كان الاتجاه الأغلب لدى القوميين هو رفضالمصطلح انطلاقاً من أن المجتمعات العربية اليوم بحاجة أكثر إلحاحاً إلى بناء الدولةالقومية الاتحاديةالأقدر على بناء التنمية العربية الشاملة والمتكاملة منها إلى (المجتمع المدني) الأضعف والذي يمكن في حالة سلامته وتطوعيته وشفافيته أن يكون مساعداً، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن دور الدولة في تنمية المجتمع، خاصة في ظل عجز الدولة القطرية الراهنة بإمكاناتها المحدودة عن القيام بدورها في التنمية وحل مشكلات البطالة والفقر.

 أما الإسلاميون فلم يرفضوا دور الجمعيات الأهلية الاجتماعية والخيرية، بل إنهم أكثر مؤسسيها تطبيقاً للمفاهيم الإسلامية، بل إن أدوارهم في مجالات التكافل الاجتماعي والإغاثة الإنسانيةفي المحن والكوارث تتفوق في كثير من الدول العربية غالباً على دور الأحزاب القائمة بل على الحكومات أحياناً، لكنهم بقدر ما يؤيدون دور هذه الجمعيات الأهلية في التنمية الإنسانية والاجتماعية بقدر ما ينتقدون تسويق هذا المصطلح بما يحملهمن مفاهيم غربية، فليس من الملائم تناول مفهوم معروف بمرجعيته الغربية في الفكرة والخبرة الغربية في أوساط عربية لها مرجعية والممارسة إسلامية. ولذلك اقترحوا مصطلحاً بديلاً يتلاءم مع الخبرة الإسلامية، هو المجتمع الأهلي كما كان يطلق عليه دائماً.

أما الاتجاه الغالب بين الليبراليين واليساريين في تبنى المصطلح والمفهوم كما ورد في الصياغة الغربية، مع الإقرار بإمكانات تطويره ليتناسب مع الظروف الخاصة لواقع المجتمعات والثقافة العربية.

 وبينما أظهرت دراسة فلسطينية أن انتشار المنظمات التي تطلق على نفسها منظمات المجتمع المدني في الأراضي الفلسطينية بلغ عددها بمعدل منظمة مدنية لكل 2850 مواطناً، وأن هذه المنظمات الممولة كلها من الخارج الأوروبي زادت في النصف الأول فقط من عام 2000 من 926 منظمة مدنية إلى 1500 بنسبة تزيد على 61 في المائة ومعظمها منظمات لحقوق الإنسان، ومع ذلك لا تزال كل حقوق الإنسان الفلسطيني مهدورة، وفي دول عربية أخرى ومع الانتشار الكبير والتمويل الكبير لمنظمات ما يسمى المجتمع المدني، لا يزال الآلاف من سجناء الرأي المعارضين سواء من السياسيين أو الصحفيين المعارضين أو المواطنين العاديين في المعتقلات والسجون في ظل أحوال وقوانين الطوارئ بغير ضمانات جدية لحقوق الإنسان!

وقد بينت إحدى الدراسات الحديثة التي أجراها مركز خدماتالتنمية في مصر، استغراب المجتمع لمصطلح ومفهوم (المجتمع المدني) وتفضيله لمصطلح ومفهوم (المجتمع الأهلي) الذي له جذورلغوية وروحية واجتماعية وأبعاد إنسانية وخيرية وتعاونية أعمق للمفهوم العربي، وذلك كمؤشرإلى رؤية المجتمع المصري حالياًلمصطلح المجتمع المدني ذي المفهوم الغربي.

 

 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1691::/cck::
::introtext::

في مواجهة واقع أوروبي آخر غير الواقع العربي، وفي سياق حضاري مسيحي آخر غير السياق الحضاري الإسلامي، وفي إطار تطور اجتماعي آخر غير التطور الاجتماعي.. أي في النهاية في ظروف غير الظروف، ولأسباب غير الأسباب ولأهداف غير الأهداف، وفي زمان غير الزمان ومكان غير المكان، نشأ مصطلح (المجتمع المدني) في منتصف القرن الثامن عشر ليعكس الواقع التاريخي الأوروبي بمفهومه الاجتماعي والسياسي والديني.

::/introtext::
::fulltext::

في مواجهة واقع أوروبي آخر غير الواقع العربي، وفي سياق حضاري مسيحي آخر غير السياق الحضاري الإسلامي، وفي إطار تطور اجتماعي آخر غير التطور الاجتماعي.. أي في النهاية في ظروف غير الظروف، ولأسباب غير الأسباب ولأهداف غير الأهداف، وفي زمان غير الزمان ومكان غير المكان، نشأ مصطلح (المجتمع المدني) في منتصف القرن الثامن عشر ليعكس الواقع التاريخي الأوروبي بمفهومه الاجتماعي والسياسي والديني.

قد نفهم مثلاً أن صفة (المدني) تعني ما هو عكس (القروي)، أو ما يقابل صفة (العسكري)، لكنها لا تقابل صفة (الديني) إلا في ظل الدولة الدينية، أي التي يحكم حاكمها بالحق الإلهي أو في ظل سلطة الكهنوت، بينما الدولة الإسلامية، كما عرفناها، ليست دولة دينية (ثيوقراطية) بالمفهوم المسيحي في العصور الوسطى، بل هي دولة مدنية بطبيعتها، حيث لا رجال دين (كهنوت) ولكن علماء في علوم الدين، وليست للمسجد سلطة تعادل سلطة الكنيسة في ذاك الزمان.

ولأن (المجتمع المدني) من المصطلحات التاريخية التي تعددت مفاهيمها وأهدافها على مر العصور، ينطلق المهتمون بمفهومهوالمعنيون بأهدافه بمفاهيمهم وأهدافهم من خلفيات وتجارب سياسية واقتصادية واجتماعية ودينية مختلفة، ما أدى إلى فهمه والتعبير عنه والخلاف حوله برؤى مختلفة.

سياسياً.. كانت الطبقة الرأسمالية الصناعية الناشئة مع الثورة الصناعية تسعى إلى نيل مكاسب سياسية جديدة بفعل هذا التطور على حساب الطبقة الإقطاعية الزراعية في ظل استبداد سياسي مما نشأ عنه خاصة بعد الثورة الفرنسية نوع من الديمقراطية البورجوازية. 

اجتماعياً.. كان التطور الاجتماعي بعد الثورة الصناعية يسير في اتجاه تحول القرى إلى مدن، وتحول قطاع كبير من الفلاحين إلى عمال، وبالتالي تطورت مجتمعات قروية إلى مجتمعات مدنية ونشأت طبقة بورجوازية جديدة لها مطالبها وثقافتها الجديدة في ظل الانتقال من المجتمع الإقطاعي الزراعي إلى المجتمع الرأسمالي الصناعي.

ودينياً.. كانت الكنيسة تمثل أيضاً سلطة استبدادية متحكمة ومنافسة للطبقة الاستبدادية الحاكمة في نوع من الصراع بين السلطة الإمبراطورية الزمنية والسلطة الكنسية الدينية، وكانت الطبقة البورجوازية الناشئة في ظل دعوة ديمقراطية سياسية ونزعة علمانية فكرية تسعى إلى الخروج من تحت عباءة السلطة، سلطة الإمبراطور وسلطة الكنيسة.

في ظل هذا الواقع نشأ هذا المصطلح الذي يعنى بضرورة وجود مؤسسات أهلية غير حكومية وغير كنسية تملك من التأثير والفعل عن طريق النقابات العمالية والجمعيات الأهلية ما يجعلها مؤسسة موازية للمؤسسة الحكومية وللمؤسسة الدينية، بل تسعى للحد من السيطرة السياسية المتحكمة للحكومة والسيطرة الدينية المتزمتة للكنيسة.

كان الاتجاه الأغلب لدى القوميين هو رفض مصطلح المجتمع المدني بعذر الحاجة الملحة لبناء الدولة الاتحادية القومية أولاً

غير أن هذا المصطلح الذي توارى لقرن كامل كانت المسميات البديلة عنه هي النقابات والجمعيات والحركات السياسية بعد الحرب العالمية الأولىالتي كان أحد أطراف الصراع فيها الإمبراطورية العثمانية ذات الصبغة الدينية الإسلامية، وفي مواجهتها وسعياً من الغرب المسيحي إلى هزيمتها وعلمنتها عن طريق الجمعيات السرية والعلنية المدعومة من الغرب كجمعية الاتحاد والترقي التركية، عاد مصطلح المجتمع المدني للظهور مرة أخرى.

ثم عاد هذا المصطلح للتردد بقوة في السنوات الأخيرة في إطار العولمة لتوظيفه بهدف نشر مفاهيم (اللبرلة) السياسية والاقتصادية وتقليل دور الحكومات في الإنتاج والخدماتوفي التنمية الاقتصادية والاجتماعية، كما انتشرت جمعياته ومنظماته بتمويل من المؤسسات الغربية وخاصة الأمريكية ضمن محاولات أمركة المنطقة العربية والإسلامية. واشتدت وتيرتها ضمن استراتيجية القرن الأمريكي للهيمنة على العالم وفي إطار مشروع الشرق الأوسط الكبير بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر تحت شعارات نشر الديمقراطية السياسية والتعددية الحزبية والحد من سلطات الحكومات، وتقوية مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان وحرية السوق كأدوات للسياسات الأجنبية في اختراق المجتمعات العربية والإسلامية لتنفيذ الأجندات الأمريكية.

وقد عرفت المجتمعات العربية منذ قرون ما يعرف بالمجتمع الأهلي والجمعيات الخيرية التي تقوم بدور في التنمية البشرية والاجتماعية المكمل لدور الحكومات وليس البديل عنها انطلاقاً من قيم روحية إسلامية تأمر بإعانة المحتاج وإغاثة الملهوف وإغناء الفقراء والتعاون والتكافل وحب الخير، وتختلف عن منطلقات المفهوم الغربي المعاصر لما يسمى (المجتمع المدني) الذي يبدو في مواجهة مؤسسة الحكومة والمؤسسة الدينية بل ومؤسسة الأسرة.

ليس هناك إنسان عاقل يمكن أن يقف مدافعاً عن الاستبداد بشقيه السياسي لرجال السياسة أو الديني لرجال الدين، لأن أي استبداد هو طريق الفساد، سواء بتحول الحكم إلى تحكم أو تحول السلطة إلى تسلط، لكن ضمانات ذلك تتركز في الأساس في ضمان إمكانية رقابة السلطات الموازية التشريعية والقضائية والصحافية.

 كما لا يمكن لإنسان حر أن يقف معادياً للحرية أو حقوق الإنسان والمفاهيم الشورية والآليات الديمقراطية والمشاركة السياسية لكل القوى الشعبية ممثلة في الأحزاب أو الجمعيات النوعية والخيرية التطوعية في صنع القرار الوطني والمساهمة في التنمية البشرية والاقتصادية والاجتماعية للمجتمع.

لكن ما أثارته تسمية هذه الجمعيات الأهلية والمنظمات الشعبية بمصطلح (منظمات المجتمع المدني) من جدل فكري وسياسي ومن تساؤلات واعتراضات تمثلت في الواقع لدى عدة قطاعات من عدة اعتبارات. بعضها وقف ضد نشأة هذه المنظمات من الأصل بتمويل أجنبي لمنظمات أوروبية وأمريكية مرتبطة بحكوماتها، بل وفي بعض الأحيان بأجهزة مخابراتها ووفقاً لأجندة غربية وتحديداً أمريكية لخدمة أهدافها لاختراق المجتمعات العربية والإسلامية، على أساس أنه لم يثبت يوماً أن الولايات المتحدة الأمريكية هي إحدى أكبر الجمعيات الخيرية الإنسانية العالمية.

 ثم أية مدنية وأي حقوق وأي إنسانية، بينما تتناقض أمريكا داعية الديمقراطية والحقوق الإنسانية وممولة منظمات المجتمع المدنية التي فقدت المصداقية مع المفاهيم المدنية والحقوقية والإنسانية، ولا تعرف سوى الوسائل العسكرية في التعامل مع دول العالم؟

وكيف لأمريكا أن تناصر الحقوق الإنسانية وهي فقدت المسؤولية في انتهاكات حقوق الإنسان في (غوانتانامو) وسجون العراق وفي دعم السطو الإسرائيلي على حقوق الإنسان الفلسطيني وتسليح الإرهاب العنصري الصهيوني بأسلحة العدوان والقتل والخطف والبطش والتهجير؟

وبعضها الآخر يرى في ارتباط انتشار هذه المنظمات والجمعيات والمكاتب والمراكز في المجالات السياسية والثقافية والإعلامية والحقوقية والاجتماعية بهذه الصورة الكبيرة في سنوات قليلة نوعاً من الغزو بالقوة الناعمة وبأموال غربية وأدوات عربية.

الإسلاميون يؤيدون الجمعيات الأهلية ولكنهم ينتقدون تسويق مصطلحها بمفاهيم غربية

وأخرى ترفض مثل هذه المصطلحات التي تنبع من مرجعيات فكرية أخرى مغايرة، للتغطية على محاولة نشر مفاهيم مغايرة لثقافتنا الأصيلة في الشكل باسم الحداثة والمعاصرة لتذويب الهوية، بينما هي في الواقع تستهدف تفكيك المجتمعات وإعادة تشكيلها وفقاً لنماذج لا تشكل عقبات أمام الهيمنة الثقافية الغربية على الثقافة العربية والإسلامية التي لا تتناقض مع الأصالة والمعاصرة.

ينظر البعض بريبة كبيرة لضغوط الغرب في اتجاه نشر منظمات المجتمع المدني

والبعض ينظر بريبة عالية لضغوط الغرب في اتجاه نشر جمعيات ومنظمات المجتمع المدني، بينما هي في مسلك مناقض تضغط بشدة على الحكومات العربية والإسلامية لإغلاق الجمعيات الخيرية والمنظمات الإنسانية طالما اتسمت بمرجعيات إسلامية، بل وتحارب وصول التنظيمات السياسية الإسلامية إلى الحكم، أو حتى مشاركة التيارات الإسلامية المدنية والسلمية التي تلتزم بالقواعد الديمقراطية والدستور والقانون، مثلما حدث في الجزائر وفلسطين وتونس والجزائر ومصر، برغم أن هذه التيارات هي التي تحظى بالشعبية في أي انتخابات نزيهة، بينما نخب المجتمع المدني والنخب السياسية التقليدية والثقافية العاجية لا شعبية لها.

وينظر آخرون إلى الجدل الذي يدور بين النخب العلمانية والتي رأت في منظمات المجتمع المدني وسيلة وإطار الاتجار بالأفكار وبين المفكرين القوميين والإسلاميين على اختلاف اتجاهاتهم الفكرية والسياسيةحول هذا المصطلح، فعلى سبيل المثال كان الاتجاه الأغلب لدى القوميين هو رفضالمصطلح انطلاقاً من أن المجتمعات العربية اليوم بحاجة أكثر إلحاحاً إلى بناء الدولةالقومية الاتحاديةالأقدر على بناء التنمية العربية الشاملة والمتكاملة منها إلى (المجتمع المدني) الأضعف والذي يمكن في حالة سلامته وتطوعيته وشفافيته أن يكون مساعداً، لكنه لا يمكن أن يكون بديلاً عن دور الدولة في تنمية المجتمع، خاصة في ظل عجز الدولة القطرية الراهنة بإمكاناتها المحدودة عن القيام بدورها في التنمية وحل مشكلات البطالة والفقر.

 أما الإسلاميون فلم يرفضوا دور الجمعيات الأهلية الاجتماعية والخيرية، بل إنهم أكثر مؤسسيها تطبيقاً للمفاهيم الإسلامية، بل إن أدوارهم في مجالات التكافل الاجتماعي والإغاثة الإنسانيةفي المحن والكوارث تتفوق في كثير من الدول العربية غالباً على دور الأحزاب القائمة بل على الحكومات أحياناً، لكنهم بقدر ما يؤيدون دور هذه الجمعيات الأهلية في التنمية الإنسانية والاجتماعية بقدر ما ينتقدون تسويق هذا المصطلح بما يحملهمن مفاهيم غربية، فليس من الملائم تناول مفهوم معروف بمرجعيته الغربية في الفكرة والخبرة الغربية في أوساط عربية لها مرجعية والممارسة إسلامية. ولذلك اقترحوا مصطلحاً بديلاً يتلاءم مع الخبرة الإسلامية، هو المجتمع الأهلي كما كان يطلق عليه دائماً.

أما الاتجاه الغالب بين الليبراليين واليساريين في تبنى المصطلح والمفهوم كما ورد في الصياغة الغربية، مع الإقرار بإمكانات تطويره ليتناسب مع الظروف الخاصة لواقع المجتمعات والثقافة العربية.

 وبينما أظهرت دراسة فلسطينية أن انتشار المنظمات التي تطلق على نفسها منظمات المجتمع المدني في الأراضي الفلسطينية بلغ عددها بمعدل منظمة مدنية لكل 2850 مواطناً، وأن هذه المنظمات الممولة كلها من الخارج الأوروبي زادت في النصف الأول فقط من عام 2000 من 926 منظمة مدنية إلى 1500 بنسبة تزيد على 61 في المائة ومعظمها منظمات لحقوق الإنسان، ومع ذلك لا تزال كل حقوق الإنسان الفلسطيني مهدورة، وفي دول عربية أخرى ومع الانتشار الكبير والتمويل الكبير لمنظمات ما يسمى المجتمع المدني، لا يزال الآلاف من سجناء الرأي المعارضين سواء من السياسيين أو الصحفيين المعارضين أو المواطنين العاديين في المعتقلات والسجون في ظل أحوال وقوانين الطوارئ بغير ضمانات جدية لحقوق الإنسان!

وقد بينت إحدى الدراسات الحديثة التي أجراها مركز خدماتالتنمية في مصر، استغراب المجتمع لمصطلح ومفهوم (المجتمع المدني) وتفضيله لمصطلح ومفهوم (المجتمع الأهلي) الذي له جذورلغوية وروحية واجتماعية وأبعاد إنسانية وخيرية وتعاونية أعمق للمفهوم العربي، وذلك كمؤشرإلى رؤية المجتمع المصري حالياًلمصطلح المجتمع المدني ذي المفهوم الغربي.

 

 

::/fulltext::
::cck::1691::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *