المجتمع المدني في المجتمعات الخليجية بين الماضي والحاضر
::cck::1692::/cck::
::introtext::
ينضم مفهوم المجتمع المدني إلى غيره من المفاهيم الأخرى التي انتشرت خلال العقود الثلاثة الماضية، مثل العولمة والحركة النسوية وثورة المعلومات. فمنذ نهاية السبعينات في القرن الماضي ومع مطلع الثمانينات لقي مفهوم المجتمع المدني ترحيباً شديداً بين هؤلاء المعنيين بالتغيير السياسي في الدول النامية بشكل عام، وفي الدول العربية بشكل خاص.
::/introtext::
::fulltext::
ينضم مفهوم المجتمع المدني إلى غيره من المفاهيم الأخرى التي انتشرت خلال العقود الثلاثة الماضية، مثل العولمة والحركة النسوية وثورة المعلومات. فمنذ نهاية السبعينات في القرن الماضي ومع مطلع الثمانينات لقي مفهوم المجتمع المدني ترحيباً شديداً بين هؤلاء المعنيين بالتغيير السياسي في الدول النامية بشكل عام، وفي الدول العربية بشكل خاص.
أصبح مفهوم المجتمع المدني رأس الحربة في التغييرات الجديدة المنشودة، في ضوء ما يُسمح به لأفراد المجتمع المدني بإنشاء المنظمات التي يمارسون من خلالها تصوراتهم لتغيير المجتمع اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. فكون المفهوم يرتبط بملء الفراغ القائم بين الفرد من جانب ومؤسسات الدولة من جانب آخر فقد منحه ذلك شهرة وذيوعاً كبيرين من حيث الرغبة في معادلة سلطة الدولة بمؤسسات جديدة تمارس حقوقها المختلفة في ضوء ما يراه المواطنون أنفسهم.
التغيير في بنية التركيبة السكانية يعتبر من أهم المستجدات التي صاحبت نشأة الدولة الحديثة في الخليج
ويختلف استخدام مفهوم المجتمع المدني من سياق لآخر، ومن كتلة اجتماعية لأخرى. فمما لا شك فيه أن حجم المجتمع المدني وتأثيره يرتبطان بالسياق الحضاري والتطور الاجتماعي الذي وصلت إليه الدولة، ومدى الحريات المتاحة المسموح بها للأفراد بإنشاء التنظيمات المدنية الخاصة بهم. من هنا فإن الحديث عن حالة المجتمع المدني وعمق تأثيره في المجتمعات الخليجية لابد أن يضع في اعتباره التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي مرت بها المجتمعات الخليجية المعاصرة، وبشكلٍ خاص مع بدايات استخراج النفط بكميات تجارية واسعة النطاق في بداية سبعينات القرن المنصرم.

وفي هذا السياق، تمثل المجتمعات الخليجية عامة حالة فريدة من حيث طبيعة التغيرات التي لحقت بها منذ ما يزيد على العقود الثلاثة وحتى الآن. وتبرز هذه الفرادة من خلال الدور الكبير الذي لعبه ظهور النفط واستخراجه بكميات تجارية ضخمة في مسيرة التحولات الخاصة بهذه المجتمعات. ورغم ما يؤكده البعض من أن الخليج ليس نفطاً فقط، مؤكدين بذلك اشتمال الخليج أيضاً على البشر والتاريخ والقيم والثقافة والإنسان، فإن هذا لا يتعارض بأي حال من الأحوال مع الدور المفصلي الذي لعبه النفط في سرعة التحولات التي حاقت بالمجتمعات الخليجية.
فالثروات النفطية التي فاقت كل التوقعات أدت إلى تحولين على قدر كبير من الأهمية:
يتمثل أولهما في ذلك التحول المتسارع من بنية القبيلة التقليدية في مرحلة ما قبل ظهور النفط إلى بنية الدولة الحديثة في مرحلة ما بعد ظهور النفط واستخراجه. ولا يعني ذلك أن التحول إلى بنية الدولة العصرية الحديثة، وما ارتبط بها من تحول من علاقة الفرد – القبيلة إلى علاقة المواطن – الدولة غيّر تماماً من بنية العلاقات القبلية التقليدية المتعارف عليها، إلى حيث العلاقات الجديدة المرتبطة ببنية الدولة الحديثة. فلا تزال البنيات القبلية تتعايش، إلى حدٍ كبير، بأشكال جديدة ومتنوعة مع بنيات الدولة الحديثة في علاقات أقرب ما تكون للتجاور القائم على التجانس والتعايش منه إلى التنافر والصراع.
وفي معظم المجتمعات البشرية لا ينفي الجديد القديم تماماً ويقضي عليه كلية، بقدر ما يتعايش الاثنان معاً بأطر وأشكال جديدة، لكن الفارق بين مجتمع وآخر يكمن هنا في قدرة الجديد على إزاحة القديم والإحلال محله. ففي بعض المجتمعات الإنسانية تأخذ هذه العملية فترات طويلة، بينما تقصر في المجتمعات الأخرى، حيث تعتمد عملية الإزاحة هنا على الواقع الحضاري والتاريخي لكل مجتمع على حدة.
ويتمثل التحول الثاني في قدوم ذلك الطوفان الضخم من الوافدين، الذين تجاوزوا أعداد المواطنين أنفسهم بثلاث أو أربع مرات، الأمر الذي ترتب عليه حدوث تأثيرات ضخمة سواء على مستوى التركيبة السكانية من جانب أو على مستوى بنية المجتمع القيمية من جانب آخر. فالتغير في بنية التركيبة السكانية يعتبر من أهم المستجدات التي صاحبت نشأة الدولة الحديثة منذ بداية السبعينات وحتى الآن، حيث ارتبط الحضور الفيزيقي للوافدين بالبدء في عملية إعمار وتحديث واسعة النطاق، كما ارتبط في الوقت نفسه بعملية تغيير قيمية واجتماعية وثقافية كانت لها جوانبها السلبية الواسعة النطاق أيضاً.
الممارسات الفردية المدنية لا تزال تتم بتوجيهات دينية خيرية بحتة
ويمكن القول إن هذين التحولين تدخلا في إعادة صياغة مجمل العلاقات الاجتماعية بين المواطنين أنفسهم، ونقصد بذلك علاقات الحياة اليومية، ونسق القيم والعادات والتقاليد المتعارف عليها، إضافة إلى نمط التبادلات الاجتماعية التي تتم فيما بينهم. ومنذ نشأة الدولة الحديثة لم توجد متغيرات أخرى على المستوى نفسه من الأهمية والتأثير في الدول الخليجية بشكل عام. فالتحول إلى بنية الدولة الحديثة، إضافة إلى الارتباط ببنية قيمية واجتماعية جديدة مشمولة بالاعتماد على الوافدين، يمثلان بوصلتي فهم التحولات المعاصرة في منطقة الخليج.
لقد لعبت هذه التحولات دوراً كبيراً في تغيير بنية المجتمع المدني في الخليج. فبالتأكيد لم تكن بنية المجتمع المدني في الماضي تشبه المجتمع المدني المعاصر والمتعارف عليه. فممارسات الأفراد اتسمت بالتعاون فيما بينهم من أجل مواجهة شظف العيش والعمل على مواجهة الظروف المعيشية بالغة القسوة، وفيما عدا ذلك فقد اقتصرت الجهود التطوعية الفردية على بعض المحاولات المتناثرة التي قام بها بعض التجار من أجل إنشاء المدارس وتمويل الجوانب الخيرية المختلفة متسلحين في ذلك بالقيم الإسلامية الداعية إلى عمل الخير، أو قام بها بعض رجال الدين من أجل التعليم الأولي للأطفال المتمثل في حفظ القرآن وبعض المبادئ الحسابية البسيطة. وفيما عدا ذلك فقد فرضت الظروف المجتمعية القاسية أطراً وقواعد محددة من أجل تقديم المساعدات التي ساعد على استمرارها قانون قبلي حاكم لمجمل العلاقات بين الأفراد. من هنا يمكن القول إن جهود الأفراد في الماضي كانت جهوداً محكومة بالظروف القاسية؛ فقد فرضتها ظروف الفقر والحرمان، فمن يمنح اليوم سوف يُمنح غداً، وهكذا دواليك. فلم تكن مسألة العطاء مرتبطة بالكرم فقط، بل كانت مرتبطة أيضاً بطبيعة الظروف الحياتية.
تطور المجتمع المدني يحتاج إلى فترات طويلة من إسهامات الأفراد وانغماسهم في العمل المدني
إضافة إلى ذلك فقد كان المجتمع صغيراً، يعرف فيه كل فرد الآخرين، ويرتبط بهم في الغالب الأعم بعلاقات قرابة، الأمر الذي يجعل مسألة مساعدة الآخرين والفزعة من أجل نجدتهم، وفقاً لقانون علاقات القرابة، على درجة كبيرة من الأهمية. حيث إن صغر المجتمع وعدم وجود وافدين في ذلك الزمان، جعلا من تعاون الأفراد فيما بينهم مسألة على قدر كبير من الأهمية.
ومن مفارقات التحولات المجتمعية أنه في ظل قسوة الحياة في الماضي وشظف العيش المرتبط بها، حقق الأفراد فيما بينهم قدراً كبيراً من التعاون وتحقيق المتطلبات الحقيقية والأساسية لمفهوم المجتمع المدني المعاصر. وعلى العكس من ذلك فقد فرضت تحولات النفط والثروات المرتبطة بها تحولات جديدة أقرب ما تكون للفردية، رغم بعض المحاولات الجمعية المدعمة لعمل المجتمع المدني وتحولاته الجديدة المعاصرة.
لقد قامت الدولة في الخليج بأدوار هائلة في مجال الرفاه الفردي والمجتمعي، ورغم العديد من الجوانب الإيجابية المرتبطة بأدوار دولة الرفاه الاجتماعية الخليجية التي تحملت عن الأفراد كل الأعباء الاجتماعية المختلفة، إلا أنها خلقت لدى الأفراد شعوراً بالفردية والانقطاع عن العمل الجمعي، وبالعزلة عن الفضاء المجتمعي المدني العام. إضافة إلى ذلك فقد تجمعت أسباب عدة أدت إلى ضعف العمل المدني في مرحلة ما بعد اكتشاف النفط واستخراجه بكميات تجارية غير مسبوقة تأتي في صدارتها تلك الثروات الهائلة التي جعلت الأفراد بغير حاجة للالتقاء الجمعي، والعمل من أجل الجماعة. فقد خلقت الثروات شكلاً ما من أشكال الاكتفاء الفردي الذاتي، وتحولت علاقات القرابة القديمة التي فرضتها ظروف الفقر والحاجة إلى علاقات أقرب للديكور الاجتماعي والمظهرية الفارغة. لذلك كانت أغلب اللقاءات الاجتماعية أقرب ما تكون للطابع الاحتفالي منها لتلك اللقاءات والأفعال التي تصب في تدعيم لُحمة المجتمع المدني، وتزيد من تكاتف الأفراد وتعاونهم.
إضافة إلى ذلك، فقد لعب الوافدون دوراً كبيراً في إعادة ترتيب البنية القيمية الخليجية والنأي بها عن الطابع الجمعي القديم إلى حالة من التقوقع والانسحاب الفردي. ففي ظل خلل البنيات السكانية في أغلب الدول الخليجية لصالح الوافدين، أصبح المواطنون يكتفون بأعمالهم ومشاركاتهم العائلية الضيقة بعيداً عن أي إسهامات مجتمعية عامة مشمولة بذلك الكم الهائل من الوافدين.
ولا يعني ما سبق عدم وجود بنيات حقيقية للمجتمع المدني في منطقة الخليج، فالإسهامات الخيرية العديدة التي يقوم بها الأثرياء والمساعدات المختلفة المقدمة للمحتاجين، إضافة إلى العديد من الإسهامات الثقافية والفكرية التي تقوم بها النخب الخليجية وتدعمها، كلها تؤشر إلى وجود بنيات حقيقية واعدة للمجتمع المدني في منطقة الخليج. لكن الشيء الذي يجب الإشارة إليه هنا أن تلك الممارسات الفردية المدنية لا تزال تتم بتوجهات دينية خيرية بحتة أو بتوجهات شكلية غير مؤثرة في عمق المجتمع المدني الخليجي. إن تطور المجتمع المدني يحتاج إلى فترات طويلة من إسهامات الأفراد وانغماسهم في العمل المدني، وهي أمور لا تزال باتجاه التشكل في المجتمعات الخليجية، وتتم ببطء ضمن مسيرة التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الأخرى.
ورغم أن مؤسسات المجتمع المدني تتوسط المسافة بين الدولة من ناحية والأفراد من ناحية أخرى، فإن الدولة في المجتمعات الخليجية تقع عليها أعباء هائلة في المرحلة المقبلة من أجل تفعيل مؤسسات المجتمع المدني الخليجية وتحفيز الأفراد على القيام بالأدوار المنتظرة منهم. فكما احتكرت الدولة الخدمات الاجتماعية والاقتصادية ووفرتها لمواطنيها من خلال نموذج دولة الرفاه الخليجي منذ السبعينات وحتى الآن، فإن عليها أن تبدأ الآن وبسرعة في إفساح المجال لهؤلاء المواطنين من أجل المشاركة المدنية والسياسية في الوقت نفسه، وهو دور لن ينجح فيه المواطن من دون مساعدة الدولة، وإسهامات النخب السياسية والفكرية صاحبة الانطلاقات الأساسية في التغيير والتطوير.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1692::/cck::
::introtext::
ينضم مفهوم المجتمع المدني إلى غيره من المفاهيم الأخرى التي انتشرت خلال العقود الثلاثة الماضية، مثل العولمة والحركة النسوية وثورة المعلومات. فمنذ نهاية السبعينات في القرن الماضي ومع مطلع الثمانينات لقي مفهوم المجتمع المدني ترحيباً شديداً بين هؤلاء المعنيين بالتغيير السياسي في الدول النامية بشكل عام، وفي الدول العربية بشكل خاص.
::/introtext::
::fulltext::
ينضم مفهوم المجتمع المدني إلى غيره من المفاهيم الأخرى التي انتشرت خلال العقود الثلاثة الماضية، مثل العولمة والحركة النسوية وثورة المعلومات. فمنذ نهاية السبعينات في القرن الماضي ومع مطلع الثمانينات لقي مفهوم المجتمع المدني ترحيباً شديداً بين هؤلاء المعنيين بالتغيير السياسي في الدول النامية بشكل عام، وفي الدول العربية بشكل خاص.
أصبح مفهوم المجتمع المدني رأس الحربة في التغييرات الجديدة المنشودة، في ضوء ما يُسمح به لأفراد المجتمع المدني بإنشاء المنظمات التي يمارسون من خلالها تصوراتهم لتغيير المجتمع اقتصادياً وسياسياً واجتماعياً. فكون المفهوم يرتبط بملء الفراغ القائم بين الفرد من جانب ومؤسسات الدولة من جانب آخر فقد منحه ذلك شهرة وذيوعاً كبيرين من حيث الرغبة في معادلة سلطة الدولة بمؤسسات جديدة تمارس حقوقها المختلفة في ضوء ما يراه المواطنون أنفسهم.
التغيير في بنية التركيبة السكانية يعتبر من أهم المستجدات التي صاحبت نشأة الدولة الحديثة في الخليج
ويختلف استخدام مفهوم المجتمع المدني من سياق لآخر، ومن كتلة اجتماعية لأخرى. فمما لا شك فيه أن حجم المجتمع المدني وتأثيره يرتبطان بالسياق الحضاري والتطور الاجتماعي الذي وصلت إليه الدولة، ومدى الحريات المتاحة المسموح بها للأفراد بإنشاء التنظيمات المدنية الخاصة بهم. من هنا فإن الحديث عن حالة المجتمع المدني وعمق تأثيره في المجتمعات الخليجية لابد أن يضع في اعتباره التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي مرت بها المجتمعات الخليجية المعاصرة، وبشكلٍ خاص مع بدايات استخراج النفط بكميات تجارية واسعة النطاق في بداية سبعينات القرن المنصرم.

وفي هذا السياق، تمثل المجتمعات الخليجية عامة حالة فريدة من حيث طبيعة التغيرات التي لحقت بها منذ ما يزيد على العقود الثلاثة وحتى الآن. وتبرز هذه الفرادة من خلال الدور الكبير الذي لعبه ظهور النفط واستخراجه بكميات تجارية ضخمة في مسيرة التحولات الخاصة بهذه المجتمعات. ورغم ما يؤكده البعض من أن الخليج ليس نفطاً فقط، مؤكدين بذلك اشتمال الخليج أيضاً على البشر والتاريخ والقيم والثقافة والإنسان، فإن هذا لا يتعارض بأي حال من الأحوال مع الدور المفصلي الذي لعبه النفط في سرعة التحولات التي حاقت بالمجتمعات الخليجية.
فالثروات النفطية التي فاقت كل التوقعات أدت إلى تحولين على قدر كبير من الأهمية:
يتمثل أولهما في ذلك التحول المتسارع من بنية القبيلة التقليدية في مرحلة ما قبل ظهور النفط إلى بنية الدولة الحديثة في مرحلة ما بعد ظهور النفط واستخراجه. ولا يعني ذلك أن التحول إلى بنية الدولة العصرية الحديثة، وما ارتبط بها من تحول من علاقة الفرد – القبيلة إلى علاقة المواطن – الدولة غيّر تماماً من بنية العلاقات القبلية التقليدية المتعارف عليها، إلى حيث العلاقات الجديدة المرتبطة ببنية الدولة الحديثة. فلا تزال البنيات القبلية تتعايش، إلى حدٍ كبير، بأشكال جديدة ومتنوعة مع بنيات الدولة الحديثة في علاقات أقرب ما تكون للتجاور القائم على التجانس والتعايش منه إلى التنافر والصراع.
وفي معظم المجتمعات البشرية لا ينفي الجديد القديم تماماً ويقضي عليه كلية، بقدر ما يتعايش الاثنان معاً بأطر وأشكال جديدة، لكن الفارق بين مجتمع وآخر يكمن هنا في قدرة الجديد على إزاحة القديم والإحلال محله. ففي بعض المجتمعات الإنسانية تأخذ هذه العملية فترات طويلة، بينما تقصر في المجتمعات الأخرى، حيث تعتمد عملية الإزاحة هنا على الواقع الحضاري والتاريخي لكل مجتمع على حدة.
ويتمثل التحول الثاني في قدوم ذلك الطوفان الضخم من الوافدين، الذين تجاوزوا أعداد المواطنين أنفسهم بثلاث أو أربع مرات، الأمر الذي ترتب عليه حدوث تأثيرات ضخمة سواء على مستوى التركيبة السكانية من جانب أو على مستوى بنية المجتمع القيمية من جانب آخر. فالتغير في بنية التركيبة السكانية يعتبر من أهم المستجدات التي صاحبت نشأة الدولة الحديثة منذ بداية السبعينات وحتى الآن، حيث ارتبط الحضور الفيزيقي للوافدين بالبدء في عملية إعمار وتحديث واسعة النطاق، كما ارتبط في الوقت نفسه بعملية تغيير قيمية واجتماعية وثقافية كانت لها جوانبها السلبية الواسعة النطاق أيضاً.
الممارسات الفردية المدنية لا تزال تتم بتوجيهات دينية خيرية بحتة
ويمكن القول إن هذين التحولين تدخلا في إعادة صياغة مجمل العلاقات الاجتماعية بين المواطنين أنفسهم، ونقصد بذلك علاقات الحياة اليومية، ونسق القيم والعادات والتقاليد المتعارف عليها، إضافة إلى نمط التبادلات الاجتماعية التي تتم فيما بينهم. ومنذ نشأة الدولة الحديثة لم توجد متغيرات أخرى على المستوى نفسه من الأهمية والتأثير في الدول الخليجية بشكل عام. فالتحول إلى بنية الدولة الحديثة، إضافة إلى الارتباط ببنية قيمية واجتماعية جديدة مشمولة بالاعتماد على الوافدين، يمثلان بوصلتي فهم التحولات المعاصرة في منطقة الخليج.
لقد لعبت هذه التحولات دوراً كبيراً في تغيير بنية المجتمع المدني في الخليج. فبالتأكيد لم تكن بنية المجتمع المدني في الماضي تشبه المجتمع المدني المعاصر والمتعارف عليه. فممارسات الأفراد اتسمت بالتعاون فيما بينهم من أجل مواجهة شظف العيش والعمل على مواجهة الظروف المعيشية بالغة القسوة، وفيما عدا ذلك فقد اقتصرت الجهود التطوعية الفردية على بعض المحاولات المتناثرة التي قام بها بعض التجار من أجل إنشاء المدارس وتمويل الجوانب الخيرية المختلفة متسلحين في ذلك بالقيم الإسلامية الداعية إلى عمل الخير، أو قام بها بعض رجال الدين من أجل التعليم الأولي للأطفال المتمثل في حفظ القرآن وبعض المبادئ الحسابية البسيطة. وفيما عدا ذلك فقد فرضت الظروف المجتمعية القاسية أطراً وقواعد محددة من أجل تقديم المساعدات التي ساعد على استمرارها قانون قبلي حاكم لمجمل العلاقات بين الأفراد. من هنا يمكن القول إن جهود الأفراد في الماضي كانت جهوداً محكومة بالظروف القاسية؛ فقد فرضتها ظروف الفقر والحرمان، فمن يمنح اليوم سوف يُمنح غداً، وهكذا دواليك. فلم تكن مسألة العطاء مرتبطة بالكرم فقط، بل كانت مرتبطة أيضاً بطبيعة الظروف الحياتية.
تطور المجتمع المدني يحتاج إلى فترات طويلة من إسهامات الأفراد وانغماسهم في العمل المدني
إضافة إلى ذلك فقد كان المجتمع صغيراً، يعرف فيه كل فرد الآخرين، ويرتبط بهم في الغالب الأعم بعلاقات قرابة، الأمر الذي يجعل مسألة مساعدة الآخرين والفزعة من أجل نجدتهم، وفقاً لقانون علاقات القرابة، على درجة كبيرة من الأهمية. حيث إن صغر المجتمع وعدم وجود وافدين في ذلك الزمان، جعلا من تعاون الأفراد فيما بينهم مسألة على قدر كبير من الأهمية.
ومن مفارقات التحولات المجتمعية أنه في ظل قسوة الحياة في الماضي وشظف العيش المرتبط بها، حقق الأفراد فيما بينهم قدراً كبيراً من التعاون وتحقيق المتطلبات الحقيقية والأساسية لمفهوم المجتمع المدني المعاصر. وعلى العكس من ذلك فقد فرضت تحولات النفط والثروات المرتبطة بها تحولات جديدة أقرب ما تكون للفردية، رغم بعض المحاولات الجمعية المدعمة لعمل المجتمع المدني وتحولاته الجديدة المعاصرة.
لقد قامت الدولة في الخليج بأدوار هائلة في مجال الرفاه الفردي والمجتمعي، ورغم العديد من الجوانب الإيجابية المرتبطة بأدوار دولة الرفاه الاجتماعية الخليجية التي تحملت عن الأفراد كل الأعباء الاجتماعية المختلفة، إلا أنها خلقت لدى الأفراد شعوراً بالفردية والانقطاع عن العمل الجمعي، وبالعزلة عن الفضاء المجتمعي المدني العام. إضافة إلى ذلك فقد تجمعت أسباب عدة أدت إلى ضعف العمل المدني في مرحلة ما بعد اكتشاف النفط واستخراجه بكميات تجارية غير مسبوقة تأتي في صدارتها تلك الثروات الهائلة التي جعلت الأفراد بغير حاجة للالتقاء الجمعي، والعمل من أجل الجماعة. فقد خلقت الثروات شكلاً ما من أشكال الاكتفاء الفردي الذاتي، وتحولت علاقات القرابة القديمة التي فرضتها ظروف الفقر والحاجة إلى علاقات أقرب للديكور الاجتماعي والمظهرية الفارغة. لذلك كانت أغلب اللقاءات الاجتماعية أقرب ما تكون للطابع الاحتفالي منها لتلك اللقاءات والأفعال التي تصب في تدعيم لُحمة المجتمع المدني، وتزيد من تكاتف الأفراد وتعاونهم.
إضافة إلى ذلك، فقد لعب الوافدون دوراً كبيراً في إعادة ترتيب البنية القيمية الخليجية والنأي بها عن الطابع الجمعي القديم إلى حالة من التقوقع والانسحاب الفردي. ففي ظل خلل البنيات السكانية في أغلب الدول الخليجية لصالح الوافدين، أصبح المواطنون يكتفون بأعمالهم ومشاركاتهم العائلية الضيقة بعيداً عن أي إسهامات مجتمعية عامة مشمولة بذلك الكم الهائل من الوافدين.
ولا يعني ما سبق عدم وجود بنيات حقيقية للمجتمع المدني في منطقة الخليج، فالإسهامات الخيرية العديدة التي يقوم بها الأثرياء والمساعدات المختلفة المقدمة للمحتاجين، إضافة إلى العديد من الإسهامات الثقافية والفكرية التي تقوم بها النخب الخليجية وتدعمها، كلها تؤشر إلى وجود بنيات حقيقية واعدة للمجتمع المدني في منطقة الخليج. لكن الشيء الذي يجب الإشارة إليه هنا أن تلك الممارسات الفردية المدنية لا تزال تتم بتوجهات دينية خيرية بحتة أو بتوجهات شكلية غير مؤثرة في عمق المجتمع المدني الخليجي. إن تطور المجتمع المدني يحتاج إلى فترات طويلة من إسهامات الأفراد وانغماسهم في العمل المدني، وهي أمور لا تزال باتجاه التشكل في المجتمعات الخليجية، وتتم ببطء ضمن مسيرة التحولات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية الأخرى.
ورغم أن مؤسسات المجتمع المدني تتوسط المسافة بين الدولة من ناحية والأفراد من ناحية أخرى، فإن الدولة في المجتمعات الخليجية تقع عليها أعباء هائلة في المرحلة المقبلة من أجل تفعيل مؤسسات المجتمع المدني الخليجية وتحفيز الأفراد على القيام بالأدوار المنتظرة منهم. فكما احتكرت الدولة الخدمات الاجتماعية والاقتصادية ووفرتها لمواطنيها من خلال نموذج دولة الرفاه الخليجي منذ السبعينات وحتى الآن، فإن عليها أن تبدأ الآن وبسرعة في إفساح المجال لهؤلاء المواطنين من أجل المشاركة المدنية والسياسية في الوقت نفسه، وهو دور لن ينجح فيه المواطن من دون مساعدة الدولة، وإسهامات النخب السياسية والفكرية صاحبة الانطلاقات الأساسية في التغيير والتطوير.
::/fulltext::
::cck::1692::/cck::
