المجتمع المدني والمرأة في الخليج من الهامش إلى المتن

::cck::1711::/cck::
::introtext::

يتناسب نشاط المجتمع المدني طردياً مع معدلات التنمية والتحديث المجتمعي،  وكما يمثل نشاط المجتمع مساراً نحو التنمية، في ظل الحديث عن الحوكمة أو الـ Governance، فإن التنمية- كذلك-  تمثل مؤدياً إليه، وهو ما يجعل المجتمع المدني في الخليج، رغم تأخره النسبي في النشأة عن أشباهه في المنطقة العربية، مؤهلاً للفاعلية بدرجة كبيرة، حيث يرتفع معدل التنمية البشرية فيه أكثر بكثير من سواه في العالم العربي في العقود الأخيرة. 

::/introtext::
::fulltext::

(المرأة ليست فقط نصف المجتمع.. ولكنها كذلك نصف الحقيقة، ومتى غابت عن الشأن العام، أو غيبت لا شك في أن وعينا بالحقيقة يظل وعياً منقوصاً).

يتناسب نشاط المجتمع المدني طردياً مع معدلات التنمية والتحديث المجتمعي،  وكما يمثل نشاط المجتمع مساراً نحو التنمية، في ظل الحديث عن الحوكمة أو الـ Governance، فإن التنمية- كذلك-  تمثل مؤدياً إليه، وهو ما يجعل المجتمع المدني في الخليج، رغم تأخره النسبي في النشأة عن أشباهه في المنطقة العربية، مؤهلاً للفاعلية بدرجة كبيرة، حيث يرتفع معدل التنمية البشرية فيه أكثر بكثير من سواه في العالم العربي في العقود الأخيرة.

ويعد مفهوم المجتمع المدني أحد المفاهيم المركزية في منظومة الحداثة، ولكنه مفهوم يتشكل في بيئته، بمعنى أن تنظيماته تتحدد أولوياتها حسب الأجندة المجتمعية والثقافية التي يوجد فيها، فهو في المجتمع الخليجي – في الغالب – مجتمع خدمي وتنموي  أكثر منه سياسياً أو ديمقراطياً، كما أنه مفهوم غير تمييزي يعتبر نشاط المرأة فيه وحضورها تعبيراً جوهرياً عن فاعليته وتحققه.

حيث تحكم ثقافة المجتمع المدني ثلاث قيم حاكمة تحدد ما يصدق عليه تعبير المجتمع المدني هي:

1- قيمة التسامح وحق الاختلاف: حيث يؤكد المجتمع المدني على رعاية التنوع والدعوة لإقرار التسامح الديني والسياسي والفكري داخل المجتمع، وإقرار التسامح هو أول شروط الفكرة الديمقراطية، وارتباط المجتمع المدني بالتسامح هو تجل طبيعي له حيث يعبر المجتمع المدني عن التنوعات المجتمعية والمجموعات الدينية والمذهبية والفكرية المختلفة في مقابل وحدة السلطة أو الحكومة.

2- قيمة وثقافة التطوع: حيث يساهم المجتمع المدني في تزكية دور الفرد وذاتيته في اتجاه الفعل الاجتماعي والتنموي والقيام بدور خدمي في مناطق الخدمات التي تنسحب منها الدولة أو لا تقوى على الامتداد إليها، ونحن هنا نؤكد أن ثمة مشكلة في ثقافة التطوع في المجتمع العربي، رغم وجود روافد ثقافية عديدة تدفع إليها.  

3- الاستقلال والروح المدنية: إن أساس أي مجتمع مدني هو تجسيده وتعبيره عن الرأي العام، وبالتالي هو يتسم باستقلاليته عن مختلف البنى الفوقية في المجتمع الأبوي، حيث تمنعه الروح المدنية التي هي انتماء لفضاء تسامحي واختلافي متنوع من التعصب أو الانغلاق الكلي على الانتماءات الأولية للأسرة والقبيلة، وإن انطلق منها،. كما أن كونه مدنيا يعني أنه ليس حكوميا،  فلا يتبع السلطة وإن عمل تحت رعايتها أو توجه وفق توصياتها، ولكنه يظل في كل الأحوال محتفظا باستقلاليته منطلقا فقط من أجندته المدنية التي تتعاطى مع الشأن العام من مدخل مجتمعي ونسبي تاريخي.  

ويذكر أن البلدان الخليجية تتفاوت تفاوتاً كبيراً في معدلات مؤسسات المجتمع المدني، ولعل الحاكم في ذلك هو مقدار الانفتاح السياسي والاقتصادي في البلد، فضلاً عن مدى هيمنة بعض المنظورات السلفية على المجتمع التي لا تتعاطى إلا ما هو ذات صبغة دينية أيديولوجية تحديداً، ففي مجتمع كالإمارات نلحظ أعلى معدل للمشاركة في عضوية الجمعيات او التنظيمات المدنية، والذي وصل في منتصف التسعينات إلى عضو واحد لكل (45) من السكان، بينما المعدل العام لدول مجلس التعاون الـ (6) معاً هو عضو واحد لكل (452).

ويلي الإمارات في ارتفاع معدل المشاركة كل من قطر عضو واحد لكل (91) والبحرين (92) والكويت (96). وتعد عُمان والسعودية هما أقل البلدان من حيث معدلات المشاركة في التنظيمات المدنية.

ومن العوائق التي تؤخر إشهار منظمات المجتمع المدني في المجتمع الخليجي المناخ الذي نشأ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وثبوت تورط عدد من المنظمات الخيرية والإغاثية الخليجية في تمويل الإرهاب، ما جعل الحكومات الخليجية تسارع إلى تجميد منح الرخص المخصصة للعديد من المؤسسات الخيرية وتغلق البعض الآخر، ولكن لا تزال الكثير من هذه المؤسسات تعمل وتؤسس دون إشهار. ولكن تظل هناك أشكال عديدة من السلوكيات تؤكد عمق ثقافة التطوع في المجتمع الخليجي من قبيل مواجهة إعصار (جونو) الذي ضرب سلطنة عمان والحدود الإماراتية معها، حيث كان التطوع الرد الطبيعي لأغلب المواطنين في تكاتفهم مع السلطات المحلية، كما يتجلى التطوع في العديد من الأعمال الخيرية والإنسانية، كما كان أثناء الغزو العراقي للكويت سنة 1990، حيث برز العديد من رجال العمل الأهلي والخدمي في حل مشكلات اللاجئين والفارين من هذا الغزو الغاشم ومساعدتهم، كما يتجلى في أشكال أخرى عديدة كالتبرع وإقامة الموائد للفقراء أثناء شهر رمضان، أو القيام بتكاليف رحلات الحج للمعوزين، وتنظيم ورعاية الحملات الخيرية لمساعدة المضطرين كسجناء القروض، أو القيام بإنشاء مراكز علمية متخصصة خدمة للتراث أو البحث العلمي من قبل رجال الأعمال (مثل مركز جمعة الماجد في دبي) وهو ما يدل على وعي يتنامى في المجتمع الخليجي يؤمن بإمكانية القيام بأدوار خدمية وتنموية بعيداً عن الدولة، غير متعارض معها. 

المرأة والمجتمع المدني الخليجي

شأن المجتمع المدني الخليجي بالعموم فقد تأخر العمل الأهلي النسائي نسبياً عن سواه في المنطقة، وبدأت بوادره في نهاية الخمسينات ومطلع الستينات وفي بعض الدول في السبعينات، كما تأخر في البعض الآخر إلى منتصف التسعينات.

وصل عدد الجمعيات الأهلية النسائية في السعودية إلى ما يقارب 23 جمعية في 2006 

وفي العام 2006، وصل عدد الجمعيات الأهلية النسائية في المملكة العربية السعودية إلى ما يقرب من (23) جمعية ذات بعد خدمي وتنموي بالأساس، تستهدف المرأة والمجموعات النسائية، ولا تنشط لديها بشكل كبير المطلبية السياسية أو الحقوقية، حيث تهدف فقط إلى تنمية قدرات المرأة بالتعليم والتدريب على اكتساب المهارات الفنية والعلمية، كما قد تظهر لها بعض المواقف غير المؤطرة تنظيمياً في رفض بعض التجاوزات- التي تراها- من قبيل فتوى البعض بمنع المرأة من ركوب السيارة أو ما شابه. 

وتعتبر مملكة البحرين هي الأكثر نشاطاً في ما يخص العمل المدني النسائي، حيث وصل عدد الجمعيات النسائية إلى ما يقرب من (25) جمعية كان آخرها الاتحاد النسائي البحريني، الذي تم إشهاره بعد جهد طويل في 23 يوليو سنة 2006. وهو يهدف لتلبية طموحات واحتياجات المرأة البحرينية، ويحرص على دعم قضاياها بالدرجة الأولى وقضايا ومشكلات المجتمع البحريني بشكل عام، ناهيك عن الجمعيات النسائية التي أشهرتها وزارة التنمية الاجتماعية خلال هذا العام وهي: جمعية (الإبداع النسائية) و(الريادة النسائية)، اللتان صدر قرار إشهارهما في 27 من مايو2006، إضافة إلى جمعية (الفجر الجديد النسائية) التي أشهرت في 17 يونيو من العام نفسه.

جمعيات المرأة العمانية من المؤسسات الاجتماعية التي تستقطب أعداداً كبيرة من النساء

كما احتل المجتمع المدني النسائي الصدارة في سلطنة عمان، إذ تعتبر جمعيات المرأة العمانية من المؤسسات الاجتماعية التي تستقطب أعداداً كبيرة من النساء، ويساهمن إسهاماً كبيراً في تفعيل دور العمل النسائي التطوعي من خلال المشاركة، والاستفادة من الفعاليات التي تنظم بهدف تنمية المجتمع المحلي بمقر وجود تلك الجمعيات، وبلغ عدد هذه الجمعيات حتى عام 2006 حوالي (43) جمعية نسائية تنتشر في مختلف ولايات ومحافظات السلطنة، إلى جانب وجود 7 مراكز للتنمية الريفية، و10 مراكز للتأهيل النسائي، بالإضافة إلى وجود ما يقارب 3000 متطوعة مع برامج منظمة (اليونيسيف) في المجالات الإرشادية، ومن أمثلة تلك الجمعيات: جمعية المرأة العمانية، التي تم إنشاؤها عام 1972 بهدف رفع مستوى كفاءة الأعضاء في المجالات الاجتماعية والثقافية ونشر الوعي الثقافي والاجتماعي في المجتمع وتقديم الخدمات الاجتماعية والتوعوية وسبل الحياة الصحيحة وتعليم المرأة بعض الصناعات ومساعدتها على زيادة دخل الأسرة اقتصادياً واجتماعياً، ويذكر أن جمعيات المرأة العمانية ضمت بداخلها ما يقرب من (2738) عضواً في نهاية عام 2003، ولكن يظل دور هذه الجمعيات موقوفا عند حدود العمل الخدمي والتكافلي أكثر منها منطلقاً من موضوعة حقوق المرأة ونقلها من هامش إلى متن في المجتمعات القطرية، وإن برز في جانب آخر عدد من نشيطات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان في البحرين وغيرها تطالب مطالبة صريحة بالتمكين لحقوق المرأة وعقد مساواة كاملة مع الرجل وفق الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، واتفاقية (السيداو) القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة.

ولعل الكويت التي تنشط فيها العديد من المؤسسات المدنية النسائية، تأتي استثناء حيث نشطت الجمعيات النسائية الكويتية في التأكيد على دور المرأة ومساواتها بالرجل بعد انتصارها في معركتها في حق التصويت الانتخابي في انتخابات عام 2006، حيث قامت هذه الجمعيات ممثلة في الاتحاد النسائي الكويتي بدور متميز في إدارة العملية الانتخابية،  عبر المشاركة في الحملات الانتخابية للمرشحات وإقامة الندوات والمؤتمرات التي تشجع النساء على الذهاب إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهن والتعبير عن إرادتهن في اختيار من يمثلهن في البرلمان سواء كان رجلاً أو امرأة.

كما تكرر الأمر نفسه في انتخابات المجلس الوطني في دولة الإمارات، حيث تسارعت خطوات إشراك المرأة في العملية السياسية عبر انتخاب امرأة هي أمل القبيسي عضواً في المجلس الوطني الاتحادي لأول مرة عام 2006. وأكمل حكام الإمارات هذا التوجه بتعيينهم 8 نساء أعضاء في المجلس الوطني الاتحادي من بين حصة إماراتهم من النواب المعينين العشرين، وبهذا يضم المجلس الوطني الاتحادي الحالي 9 نساء من بين 40 عضواً.

ورغم القدم النسبي لبعض الجمعيات النسائية في دولة الإمارات، حيث أنشئت جمعية النهضة النسائية عام 1973، وإن ظل أغلب النشاط مرهوناً بالعمل الخدمي والتكافلي وهو ما ينطبق على رواق عوشة في إمارة دبي، ولكن يذكر أن المرأة في المجتمع الخليجي أمامها فرصة كبيرة في الصعود خاصة في دول كالكويت والإمارات أبدت الحكومات فيها رغبة في التمكين لحقوق المرأة ومكانتها عبر توليها العديد من المناصب المهمة والمرموقة، وهو ما تجاوزت فيه بتقدميتها العديد من التيارات الدينية السلفية التي وقفت ضد هذا الطرح في بلد كالكويت، بينما يستدعي تسارع عجلة التنمية في دولة الإمارات أدواراً مختلفة للمرأة على مستوى التوعية ومستوى الخدمات والتكافل وكذلك مستوى التنمية المستدامة والمتواصلة في مجتمع لم يعد يصح له الرهان فقط على الطفرات النفطية، في عهد الاقتصاد المعولم، والتجارة الإلكترونية التي تحتاج إلى مواطن ومناخ أكثر انفتاحاً على الروح المدنية والحقوق الإنسانية وتنشيط المجالات الإبداعية لدى مختلف المواطنين. 

من الهامش إلى المتن

تضع الشرعية الدولية لحقوق الإنسان المرأة ضمن الفئات المهمشة التي تضم المعوقين والأقليات، التي تحرم من الحقوق ويمارس التمييز ضدها لأسباب طبيعية، ولعل أزمة المرأة الخليجية والتحدي الأكبر لها، وللعمل النسائي الأهلي في منطقة الخليج، تأتي من تكرس وحضور لا يزال فاعلا للسيطرة الذكورية على بنى الأسرة والقبيلة، وغلبة منظور تقليدي، تم تجاوزه واقعياً، للمرأة وقدراتها وإمكاناتها، بغية تأكيد الوصاية الذكورية عليها.

كما يتكاتف مع هذا التحدي الحضور التاريخي للتيارات الدينية المتشددة، التي لا تزال ترى بعين واحدة أن المرأة عورة، رغم امتلاء تراثنا بنماذج من الفقيهات والمحدثات رصد منهن ابن حزم رحمه الله ثلاثمائة ذكر أنهن كن أكثر حفظاً من الرجال، وأن القرآن أثنى على ملك بلقيس ملكة سبأ، بينما لم يثن على ملك فرعون ولا غيره، وهو ما يستدعي من المرأة إن أرادت تجاوز هذه الموقعة المهمشة لها والتمييزية ضدها مزيداً من الجهد التوعوي الذي يستطيع أن يجابه التشدد بالتنور والوسطية، ويتجاوز بالتقليدي نحو الحديث، وبالتحديث وعجلة التنمية نحو مجتمع المعرفة والمواطنة حقيقة. 

إن الحقوق النسائية ليست هبة تمنح، ولكنها حق يكتسب عبر مزيد من الجهد التوعوي الناضج والمستنير، الذي يستطيع أن يجابه من عارضوا التصويت لحقوق المرأة أو من يرفضون توليتها أي مناصب، أو من زالوا يحرمونها حقها في اختيار شريك حياتها. 

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1711::/cck::
::introtext::

يتناسب نشاط المجتمع المدني طردياً مع معدلات التنمية والتحديث المجتمعي،  وكما يمثل نشاط المجتمع مساراً نحو التنمية، في ظل الحديث عن الحوكمة أو الـ Governance، فإن التنمية- كذلك-  تمثل مؤدياً إليه، وهو ما يجعل المجتمع المدني في الخليج، رغم تأخره النسبي في النشأة عن أشباهه في المنطقة العربية، مؤهلاً للفاعلية بدرجة كبيرة، حيث يرتفع معدل التنمية البشرية فيه أكثر بكثير من سواه في العالم العربي في العقود الأخيرة. 

::/introtext::
::fulltext::

(المرأة ليست فقط نصف المجتمع.. ولكنها كذلك نصف الحقيقة، ومتى غابت عن الشأن العام، أو غيبت لا شك في أن وعينا بالحقيقة يظل وعياً منقوصاً).

يتناسب نشاط المجتمع المدني طردياً مع معدلات التنمية والتحديث المجتمعي،  وكما يمثل نشاط المجتمع مساراً نحو التنمية، في ظل الحديث عن الحوكمة أو الـ Governance، فإن التنمية- كذلك-  تمثل مؤدياً إليه، وهو ما يجعل المجتمع المدني في الخليج، رغم تأخره النسبي في النشأة عن أشباهه في المنطقة العربية، مؤهلاً للفاعلية بدرجة كبيرة، حيث يرتفع معدل التنمية البشرية فيه أكثر بكثير من سواه في العالم العربي في العقود الأخيرة.

ويعد مفهوم المجتمع المدني أحد المفاهيم المركزية في منظومة الحداثة، ولكنه مفهوم يتشكل في بيئته، بمعنى أن تنظيماته تتحدد أولوياتها حسب الأجندة المجتمعية والثقافية التي يوجد فيها، فهو في المجتمع الخليجي – في الغالب – مجتمع خدمي وتنموي  أكثر منه سياسياً أو ديمقراطياً، كما أنه مفهوم غير تمييزي يعتبر نشاط المرأة فيه وحضورها تعبيراً جوهرياً عن فاعليته وتحققه.

حيث تحكم ثقافة المجتمع المدني ثلاث قيم حاكمة تحدد ما يصدق عليه تعبير المجتمع المدني هي:

1- قيمة التسامح وحق الاختلاف: حيث يؤكد المجتمع المدني على رعاية التنوع والدعوة لإقرار التسامح الديني والسياسي والفكري داخل المجتمع، وإقرار التسامح هو أول شروط الفكرة الديمقراطية، وارتباط المجتمع المدني بالتسامح هو تجل طبيعي له حيث يعبر المجتمع المدني عن التنوعات المجتمعية والمجموعات الدينية والمذهبية والفكرية المختلفة في مقابل وحدة السلطة أو الحكومة.

2- قيمة وثقافة التطوع: حيث يساهم المجتمع المدني في تزكية دور الفرد وذاتيته في اتجاه الفعل الاجتماعي والتنموي والقيام بدور خدمي في مناطق الخدمات التي تنسحب منها الدولة أو لا تقوى على الامتداد إليها، ونحن هنا نؤكد أن ثمة مشكلة في ثقافة التطوع في المجتمع العربي، رغم وجود روافد ثقافية عديدة تدفع إليها.  

3- الاستقلال والروح المدنية: إن أساس أي مجتمع مدني هو تجسيده وتعبيره عن الرأي العام، وبالتالي هو يتسم باستقلاليته عن مختلف البنى الفوقية في المجتمع الأبوي، حيث تمنعه الروح المدنية التي هي انتماء لفضاء تسامحي واختلافي متنوع من التعصب أو الانغلاق الكلي على الانتماءات الأولية للأسرة والقبيلة، وإن انطلق منها،. كما أن كونه مدنيا يعني أنه ليس حكوميا،  فلا يتبع السلطة وإن عمل تحت رعايتها أو توجه وفق توصياتها، ولكنه يظل في كل الأحوال محتفظا باستقلاليته منطلقا فقط من أجندته المدنية التي تتعاطى مع الشأن العام من مدخل مجتمعي ونسبي تاريخي.  

ويذكر أن البلدان الخليجية تتفاوت تفاوتاً كبيراً في معدلات مؤسسات المجتمع المدني، ولعل الحاكم في ذلك هو مقدار الانفتاح السياسي والاقتصادي في البلد، فضلاً عن مدى هيمنة بعض المنظورات السلفية على المجتمع التي لا تتعاطى إلا ما هو ذات صبغة دينية أيديولوجية تحديداً، ففي مجتمع كالإمارات نلحظ أعلى معدل للمشاركة في عضوية الجمعيات او التنظيمات المدنية، والذي وصل في منتصف التسعينات إلى عضو واحد لكل (45) من السكان، بينما المعدل العام لدول مجلس التعاون الـ (6) معاً هو عضو واحد لكل (452).

ويلي الإمارات في ارتفاع معدل المشاركة كل من قطر عضو واحد لكل (91) والبحرين (92) والكويت (96). وتعد عُمان والسعودية هما أقل البلدان من حيث معدلات المشاركة في التنظيمات المدنية.

ومن العوائق التي تؤخر إشهار منظمات المجتمع المدني في المجتمع الخليجي المناخ الذي نشأ بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وثبوت تورط عدد من المنظمات الخيرية والإغاثية الخليجية في تمويل الإرهاب، ما جعل الحكومات الخليجية تسارع إلى تجميد منح الرخص المخصصة للعديد من المؤسسات الخيرية وتغلق البعض الآخر، ولكن لا تزال الكثير من هذه المؤسسات تعمل وتؤسس دون إشهار. ولكن تظل هناك أشكال عديدة من السلوكيات تؤكد عمق ثقافة التطوع في المجتمع الخليجي من قبيل مواجهة إعصار (جونو) الذي ضرب سلطنة عمان والحدود الإماراتية معها، حيث كان التطوع الرد الطبيعي لأغلب المواطنين في تكاتفهم مع السلطات المحلية، كما يتجلى التطوع في العديد من الأعمال الخيرية والإنسانية، كما كان أثناء الغزو العراقي للكويت سنة 1990، حيث برز العديد من رجال العمل الأهلي والخدمي في حل مشكلات اللاجئين والفارين من هذا الغزو الغاشم ومساعدتهم، كما يتجلى في أشكال أخرى عديدة كالتبرع وإقامة الموائد للفقراء أثناء شهر رمضان، أو القيام بتكاليف رحلات الحج للمعوزين، وتنظيم ورعاية الحملات الخيرية لمساعدة المضطرين كسجناء القروض، أو القيام بإنشاء مراكز علمية متخصصة خدمة للتراث أو البحث العلمي من قبل رجال الأعمال (مثل مركز جمعة الماجد في دبي) وهو ما يدل على وعي يتنامى في المجتمع الخليجي يؤمن بإمكانية القيام بأدوار خدمية وتنموية بعيداً عن الدولة، غير متعارض معها. 

المرأة والمجتمع المدني الخليجي

شأن المجتمع المدني الخليجي بالعموم فقد تأخر العمل الأهلي النسائي نسبياً عن سواه في المنطقة، وبدأت بوادره في نهاية الخمسينات ومطلع الستينات وفي بعض الدول في السبعينات، كما تأخر في البعض الآخر إلى منتصف التسعينات.

وصل عدد الجمعيات الأهلية النسائية في السعودية إلى ما يقارب 23 جمعية في 2006 

وفي العام 2006، وصل عدد الجمعيات الأهلية النسائية في المملكة العربية السعودية إلى ما يقرب من (23) جمعية ذات بعد خدمي وتنموي بالأساس، تستهدف المرأة والمجموعات النسائية، ولا تنشط لديها بشكل كبير المطلبية السياسية أو الحقوقية، حيث تهدف فقط إلى تنمية قدرات المرأة بالتعليم والتدريب على اكتساب المهارات الفنية والعلمية، كما قد تظهر لها بعض المواقف غير المؤطرة تنظيمياً في رفض بعض التجاوزات- التي تراها- من قبيل فتوى البعض بمنع المرأة من ركوب السيارة أو ما شابه. 

وتعتبر مملكة البحرين هي الأكثر نشاطاً في ما يخص العمل المدني النسائي، حيث وصل عدد الجمعيات النسائية إلى ما يقرب من (25) جمعية كان آخرها الاتحاد النسائي البحريني، الذي تم إشهاره بعد جهد طويل في 23 يوليو سنة 2006. وهو يهدف لتلبية طموحات واحتياجات المرأة البحرينية، ويحرص على دعم قضاياها بالدرجة الأولى وقضايا ومشكلات المجتمع البحريني بشكل عام، ناهيك عن الجمعيات النسائية التي أشهرتها وزارة التنمية الاجتماعية خلال هذا العام وهي: جمعية (الإبداع النسائية) و(الريادة النسائية)، اللتان صدر قرار إشهارهما في 27 من مايو2006، إضافة إلى جمعية (الفجر الجديد النسائية) التي أشهرت في 17 يونيو من العام نفسه.

جمعيات المرأة العمانية من المؤسسات الاجتماعية التي تستقطب أعداداً كبيرة من النساء

كما احتل المجتمع المدني النسائي الصدارة في سلطنة عمان، إذ تعتبر جمعيات المرأة العمانية من المؤسسات الاجتماعية التي تستقطب أعداداً كبيرة من النساء، ويساهمن إسهاماً كبيراً في تفعيل دور العمل النسائي التطوعي من خلال المشاركة، والاستفادة من الفعاليات التي تنظم بهدف تنمية المجتمع المحلي بمقر وجود تلك الجمعيات، وبلغ عدد هذه الجمعيات حتى عام 2006 حوالي (43) جمعية نسائية تنتشر في مختلف ولايات ومحافظات السلطنة، إلى جانب وجود 7 مراكز للتنمية الريفية، و10 مراكز للتأهيل النسائي، بالإضافة إلى وجود ما يقارب 3000 متطوعة مع برامج منظمة (اليونيسيف) في المجالات الإرشادية، ومن أمثلة تلك الجمعيات: جمعية المرأة العمانية، التي تم إنشاؤها عام 1972 بهدف رفع مستوى كفاءة الأعضاء في المجالات الاجتماعية والثقافية ونشر الوعي الثقافي والاجتماعي في المجتمع وتقديم الخدمات الاجتماعية والتوعوية وسبل الحياة الصحيحة وتعليم المرأة بعض الصناعات ومساعدتها على زيادة دخل الأسرة اقتصادياً واجتماعياً، ويذكر أن جمعيات المرأة العمانية ضمت بداخلها ما يقرب من (2738) عضواً في نهاية عام 2003، ولكن يظل دور هذه الجمعيات موقوفا عند حدود العمل الخدمي والتكافلي أكثر منها منطلقاً من موضوعة حقوق المرأة ونقلها من هامش إلى متن في المجتمعات القطرية، وإن برز في جانب آخر عدد من نشيطات المجتمع المدني ومنظمات حقوق الإنسان في البحرين وغيرها تطالب مطالبة صريحة بالتمكين لحقوق المرأة وعقد مساواة كاملة مع الرجل وفق الشرعية الدولية لحقوق الإنسان، واتفاقية (السيداو) القضاء على كل أشكال التمييز ضد المرأة.

ولعل الكويت التي تنشط فيها العديد من المؤسسات المدنية النسائية، تأتي استثناء حيث نشطت الجمعيات النسائية الكويتية في التأكيد على دور المرأة ومساواتها بالرجل بعد انتصارها في معركتها في حق التصويت الانتخابي في انتخابات عام 2006، حيث قامت هذه الجمعيات ممثلة في الاتحاد النسائي الكويتي بدور متميز في إدارة العملية الانتخابية،  عبر المشاركة في الحملات الانتخابية للمرشحات وإقامة الندوات والمؤتمرات التي تشجع النساء على الذهاب إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهن والتعبير عن إرادتهن في اختيار من يمثلهن في البرلمان سواء كان رجلاً أو امرأة.

كما تكرر الأمر نفسه في انتخابات المجلس الوطني في دولة الإمارات، حيث تسارعت خطوات إشراك المرأة في العملية السياسية عبر انتخاب امرأة هي أمل القبيسي عضواً في المجلس الوطني الاتحادي لأول مرة عام 2006. وأكمل حكام الإمارات هذا التوجه بتعيينهم 8 نساء أعضاء في المجلس الوطني الاتحادي من بين حصة إماراتهم من النواب المعينين العشرين، وبهذا يضم المجلس الوطني الاتحادي الحالي 9 نساء من بين 40 عضواً.

ورغم القدم النسبي لبعض الجمعيات النسائية في دولة الإمارات، حيث أنشئت جمعية النهضة النسائية عام 1973، وإن ظل أغلب النشاط مرهوناً بالعمل الخدمي والتكافلي وهو ما ينطبق على رواق عوشة في إمارة دبي، ولكن يذكر أن المرأة في المجتمع الخليجي أمامها فرصة كبيرة في الصعود خاصة في دول كالكويت والإمارات أبدت الحكومات فيها رغبة في التمكين لحقوق المرأة ومكانتها عبر توليها العديد من المناصب المهمة والمرموقة، وهو ما تجاوزت فيه بتقدميتها العديد من التيارات الدينية السلفية التي وقفت ضد هذا الطرح في بلد كالكويت، بينما يستدعي تسارع عجلة التنمية في دولة الإمارات أدواراً مختلفة للمرأة على مستوى التوعية ومستوى الخدمات والتكافل وكذلك مستوى التنمية المستدامة والمتواصلة في مجتمع لم يعد يصح له الرهان فقط على الطفرات النفطية، في عهد الاقتصاد المعولم، والتجارة الإلكترونية التي تحتاج إلى مواطن ومناخ أكثر انفتاحاً على الروح المدنية والحقوق الإنسانية وتنشيط المجالات الإبداعية لدى مختلف المواطنين. 

من الهامش إلى المتن

تضع الشرعية الدولية لحقوق الإنسان المرأة ضمن الفئات المهمشة التي تضم المعوقين والأقليات، التي تحرم من الحقوق ويمارس التمييز ضدها لأسباب طبيعية، ولعل أزمة المرأة الخليجية والتحدي الأكبر لها، وللعمل النسائي الأهلي في منطقة الخليج، تأتي من تكرس وحضور لا يزال فاعلا للسيطرة الذكورية على بنى الأسرة والقبيلة، وغلبة منظور تقليدي، تم تجاوزه واقعياً، للمرأة وقدراتها وإمكاناتها، بغية تأكيد الوصاية الذكورية عليها.

كما يتكاتف مع هذا التحدي الحضور التاريخي للتيارات الدينية المتشددة، التي لا تزال ترى بعين واحدة أن المرأة عورة، رغم امتلاء تراثنا بنماذج من الفقيهات والمحدثات رصد منهن ابن حزم رحمه الله ثلاثمائة ذكر أنهن كن أكثر حفظاً من الرجال، وأن القرآن أثنى على ملك بلقيس ملكة سبأ، بينما لم يثن على ملك فرعون ولا غيره، وهو ما يستدعي من المرأة إن أرادت تجاوز هذه الموقعة المهمشة لها والتمييزية ضدها مزيداً من الجهد التوعوي الذي يستطيع أن يجابه التشدد بالتنور والوسطية، ويتجاوز بالتقليدي نحو الحديث، وبالتحديث وعجلة التنمية نحو مجتمع المعرفة والمواطنة حقيقة. 

إن الحقوق النسائية ليست هبة تمنح، ولكنها حق يكتسب عبر مزيد من الجهد التوعوي الناضج والمستنير، الذي يستطيع أن يجابه من عارضوا التصويت لحقوق المرأة أو من يرفضون توليتها أي مناصب، أو من زالوا يحرمونها حقها في اختيار شريك حياتها. 

::/fulltext::
::cck::1711::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *