انتهاكات حقوق الإنسان في العراق بين عصرين

::cck::3111::/cck::
::introtext::

إن أهم ما يميز الحالة التي يعيشها العراق الآن هو انتهاك حقوق الإنسان، أما كيف تنتهك حقوق الإنسان ومن ينتهكها ولماذا؟ فضلاً عن دور وزارة حقوق الإنسان والمنظمات الدولية وغير الحكومية فهو ما سنتطرق إليه في هذا المقال.

::/introtext::
::fulltext::

إن أهم ما يميز الحالة التي يعيشها العراق الآن هو انتهاك حقوق الإنسان، أما كيف تنتهك حقوق الإنسان ومن ينتهكها ولماذا؟ فضلاً عن دور وزارة حقوق الإنسان والمنظمات الدولية وغير الحكومية فهو ما سنتطرق إليه في هذا المقال.
الجذور الحقيقة لانتهاك حقوق الإنسان في العراق
انتهاك حقوق الإنسان في العراق أمر يعود إلى فترات زمنية سابقة من القرن السابق، ولعل الجذور الحقيقية لانتهاك حقوق الإنسان في العراق بشكل واسع وبجهود حكومية منظمة يعود إلى حقبة حكم نظام البعث في العراق التي ابتدات بشكل فعلي سنة 1963، وامتدت حتى سقوط تمثال صدام سنة 2003، حيث تعرض الشعب العراقي لانتهاكات منهجية وواسعة النطاق لحقوقه الإنسانية طيلة عقود. واستخدم حكم صدام حسين عمليات القتل الجماعية وحوادث (الاختفاء) والممارسة المنهجية للتعذيب والسجن لدوافع سياسية والاقتلاع القسري من المجتمعات في محاولة للقضاء المبرم على جميع المعارضين. ويشير تقرير لمنظمة العفو الدولية إلى مسألة مهمة ألا وهي استحالة عد أو تقدير ضحايا ذلك العهد لأن التصفيات وعمليات القتل كانت جماعية وليست فردية، كما أن النظام حكم العراق بصورة مغلقة فلا أحد يعرف ماذا يدور، وعلى كل حال فإن ضحايا مدينة حلبجة الكردية البالغ عددهم خمسة آلاف شخص جلهم من الأطفال والنساء وضحايا عمليات (الأنفال) البالغ عددهم مائة واثنين وثمانين شخصاً، حسبما تؤكد المصادر في الحزبين الكرديين، فضلا عن عمليات القتل الجماعي والتعذيب، التي خلّفت ثلاثمائة ألف شخص في وسط وجنوب العراق إبان أحداث الانتفاضة التي شهدها العراق عقب خروج جيش صدام من الكويت في عام 1991، وهو رقم أكده نظام صدام للقيادات الكردية خلال المفاوضات التي دارت بين تلك القيادات والحكومة آنذاك. كما أن هنالك ميزة لتلك الحقبة من المهم التذكير بها وهي أن نظام الحكم في العراق في تلك المرحلة لم يشهد وجود سجون سرية كما كان يشاع عنه، بل شهد أماكن سرية للتعذيب ومن ثم القتل حيث تدفن الجثث في أماكن لم يكشف عنها إلا بعد زوال نظام الحكم فيما لايزال بعضها لم يتم التنبه له أو العثورعليه حتى هذه الساعة.
أنواع الانتهاكات التي شهدتها تلك الحقبة وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها تتضمن الانتهاكات في حوادث (الاختفاء) وعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء والتعذيب والإعدام بعد محاكمة بإجراءات مقتضبة والطرد القسري، كما تعرض العراقيون وسواهم لانتهاكات منصوص عليها في القانون الإنساني الدولي وذلك في النـزاع الأخير والحروب السابقة، وقد كشفت وزارة حقوق الإنسان في العراق أن عدد المفقودين العراقيين المسجلين لديها بلغ 60 ألف مفقود خلال العقود الثلاثة الماضية. وأوضحت وزيرة حقوق الإنسان في الحكومة السابقة نرمين عثمان أن عدد المفقودين العراقيين من عسكريين ومدنيين المسجلين لدى الوزارة لفترة ما قبل عام 1990 بلغ 55 ألف مفقود جراء الحروب التي خاضها النظام السابق وعمليات التعذيب والاعتقال في تلك الفترة، فيما بلغ عدد المفقودين خلال حرب الخليج الثانية 5 آلاف مفقود، مع الإشارة إلى أن هذه الإحصائية لا تشمل المغيبين والمفقودين في مناطق كردستان التي كانت خارج سلطة النظام من الذين كانوا من ضحايا عملية (الأنفال) ضد الأكراد.
الانتهاك واحد والأطراف متعددة
بعد ما عاناه العراقيون من اضطهاد وانتهاك لحقوق الإنسان في حقبة حكم نظام البعث كان لابد من أن يتنفس العراقيون الصعداء ويفارقوا وإلى الأبد ظلمات السجون ومشاهد القتل والتعذيب، إلا أن ذلك لم يحصل لأن من انتهك حقوق الإنسان في المرحلة السابقة جهة واحدة ومعروفة، أما الآن فإن من ينتهك حقوق الإنسان جهات متعددة وبعضها غير معروفة الأهداف والدعم والتمويل.
القوات الأمريكية التي احتلت العراق في التاسع من نيسان عام 2003م حيث فرح العراقيون الذين انتهكت حقوقهم من قبل، كانت أولى الجهات التي مارست انتهاكاً لحقوق الإنسان، ولعل ما أثير في وسائل الإعلام عن الانتهاكات لا يقبل الشك أو التأويل، ويقول حارث أديب رئيس المنظمة الإسلامية لحقوق الإنسان في العراق التي تضطلع برصد وتوثيق كافة انتهاكات حقوق الإنسان (إن الاعتقالات التعسفية والعشوائية والجماعية أصبحت متفشية بحيث أصبحت تطال الجميع النساء والأطفال والمرضى والمعاقين والجرحى والشيوخ وقد قدمنا تقارير تفصل النسبة الكبيرة لاعتقالات الأحداث والشيوخ الذين اعتقلتهم القوات الأمريكية بالإضافة إلى حالات التعذيب المتكررة)، أما الجهات الأخرى اللاعبة على الساحة والمنتهكة لحقوق الإنسان فلا يمكن حصرها وتسميتها للقارئ الذي يمكنه تمييزها بكل وضوح. أما مبررات ممارسة الانتهاكات لكل طرف فهي تجعل من موضوع الحد من الانتهاك معادلة صعبة لا يمكن الوصول فيها إلى نتيجة تبرئ ساحة أحد من تلك الانتهاكات.
حقوق الإنسان … المعادلة الصعبة
حقوق الإنسان في العراق خلال المرحلة الحالية أصبحت معادلة صعبة، وهي كيف نضمن عدم وجود انتهاكات في ظل الوضع الأمني العصيب الذي يشهده العراق، فبعد سقوط نظام صدام وجدت منظمة العفو الدولية أن ثمة حاجة لإجراء تغييرات أساسية في الأنظمة القانونية والقضائية والعقابية العراقية لضمان الحماية من انتهاكات حقوق الإنسان، وعدّت التقاعس عن دمج الإصلاحات اللازمة لحماية حقوق الإنسان بشكل كامل في عملية التغيير خيانة للشعب العراقي، كما لخصت المنظمة العناصر المهمة للحماية المستقبلية لحقوق الإنسان في العراق بالتالي:
• وضع حد للتمييز – وحماية حقوق الجميع وتعزيزها بما فيها:
• حقوق المرأة.
• حقوق المجموعات العرقية والدينية.
• إجراء مراجعة قانونية شاملة من جانب الحكومة العراقية المستقبلية من أجل:
• جعل قوانين العراق تتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
• إلغاء عقوبة الإعدام والعقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
• إنشاء سلطة قضائية مستقلة.
• إعادة النظر في نظام القضاء الجنائي وإصلاحه.
• حماية الحق في حرية التعبير والاشتراك في الجمعيات.
• تعليم حقوق الإنسان والتوعية بها بتمويل من المجتمع الدولي.
• نشر مراقبين لحقوق الإنسان تابعين للأمم المتحدة في العراق من أجل:
• المساعدة على حماية العراقيين من الانتهاكات في فترة ما بعد النـزاع.
• المبادرة إلى توفير سبل الإنصاف بالنسبة للانتهاكات الماضية والحاضرة.
• تقديم الخبرة والمعلومات اللازمة للإصلاحات التشريعية والدستورية المقترحة.
ومن الواضح أن العناصر سابقة الذكر تتلخص في حقوق السجناء أو الموقوفين، ولكن التساؤل المهم هل إن المطالبة بضمان حقوق السجين هي الحل لانتهاكات حقوق الإنسان؟ فتلك المعالجة تتمثل بجهة واحدة من الجهات التي تنتهك حقوق الإنسان فكيف بالجهات الاخرى التي تنتهك حقوق الإنسان بشكل كبير وصريح، وكيف نضمن عدم انتهاك الأجهزة الحكومية لحقوق السجين إذا ما عرفنا أن السجين المذكور هو من الجهات الأخرى المنتهكة لحقوق الإنسان؟ ألا توضع منظمات حقوق الإنسان هنا في موقف حرج إذا ما كان السجين قد انتهك حقوق خمسين أو ستين شخصاً في أحد الأسواق ومنعهم من الحياة بطريقة بشعة، ففي هذه الحالة أيهما أفضل الشخص أم الخمسين؟ كما أن مطلب إلغاء عقوبة الإعدام التي كنت أنا وحتى وقت قريب من الداعين إليها يشكل انتهاكاً من قبلنا نحن المطالبين بإلغائها على حقوق من قتل عدداً كبيراً من الناس ومنعهم من حرية العيش، ألا يشكل ذلك انتهاكاً مستقبلياً لعدد كبير من العراقيين الذين سيقتلون ويعذبون من قبل العصابات والمجرمين والإرهابيين بعد أن يجد هؤلاء أن الفرصة سانحة لهم لتحقيق ذلك لعدم وجود قانون يردعهم عن القيام بما يمكن أن يقوموا به من أعمال منتهكين بها حقوق الإنسان، كما أن الفقرات السابقة الذكر تعارض بعضها البعض.. وهنا يكمن ما ذكرناه من أن الوصول إلى مستوى عال لتجنب انتهاك حقوق الإنسان معادلة صعبة ولا يمكن تحقيقها.
وأعرب تقرير حقوق الإنسان، الذي تصدره بعثة الأمم المتحدة العاملة في العراق هذا العام، عن قلق المنظمة الدولية حيال تردي وضع حقوق الإنسان في البلاد، وأشار التقرير إلى أن التمتع بحقوق الإنسان (يتعرض لتقويض خطير كنتيجة لتفاقم ظاهرة انعدام الأمن، وارتفاع وتيرة العنف، وانعدام القانون والنظام الناجم عن الأعمال التي ترتكبها الميليشيات والعصابات الإجرامية). وأضاف التقرير (أن الحق في الحياة عرضة للانتهاك جراء الهجمات الإرهابية والهجمات التي يشنها المتمردون، وكذلك أعمال القتل أخذاً بالثأر التي ترتكبها الجماعات المسلحة، إضافة إلى تواصل استهداف النساء والأطفال والقطاعات المهنية المختصة، بمن فيهم القضاة والأكاديميون، من خلال أعمال العنف المستمرة).
إن ما ذكره تقرير بعثة الأمم المتحدة العاملة في العراق يشير بصورة واضحة إلى أن انتهاكات حقوق الإنسان في العراق تمارسها جهات متعددة. وقد كشف التقرير السنوي عن حالة حقوق الإنسان في العراق لعام 2005 أن عدد الضحايا من العراقيين نتيجة الأعمال الإرهابية لعام 2005 بلغ (11572) بينهم (1639) شرطياً و(1128) من الجيش العراقي و(8505) مدنياً، فيما أصيب خلال أحداث العنف والقتل (9043) عراقياً خلال العام المذكور.. فمن انتهك حقوق تلك الأعداد البشرية التي تتجاوز العشرين ألف شخص بين قتيل وجريح؟
أما عمليات التهجير القسري التي بدأت تتسع في أنحاء العراق كافة فقد أشارت تقارير وزارة المهجرين والمهاجرين إلى أن عدد العوائل النازحة من مناطق التوتر بلغ (24741) عائلة، وتوزعت هذه العوائل على عموم المحافظات عدا إقليم كردستان منها (3944) عائلة في محافظة بغداد، وتقف وراء عمليات التهجير تلك جهات سياسية تستهدف إجراء تغييرات ديموغرافية في مناطق العراق وتوزيعها على شكل طائفي، وهو انتهاك لحقوق الفرد من حيث اضطهاده وتهديده أو تعذيبه لكي يتخذ قراراً بالهجرة من مكانه، كما أن تهجيره قسراً يعد بحد ذاته انتهاكاً لحقوقه فضلاً عن مصادرة أمواله وأثاثه.
الحكومة والمؤسسات وحقوق الإنسان
تضم الحكومة العراقية بين وزاراتها ومنذ عام 2004 وزارة لحقوق الإنسان لم تتضح معالم نشاطاتها وخططها أو برنامج عملها ومجالاته، الأمر الذي حدا بالعديد من النواب والناشطين في مجال حقوق الإنسان إلى المطالبة بإلغاء هذه الوزارة واستحداث مفوضية عليا مستقلة لحقوق الإنسان في العراق، وقد أوضحت أزهار الشيخلي وزيرة الدولة لشؤون المرأة في حكومة الدكتور إبراهيم الجعفري السابقة في لقاء خاص (أن الدولة (أية دولة) من غير تحديد هي المتهم الأول بممارسة انتهاكات حقوق الإنسان، فمن غير المعقول أن تقوم وزارة حقوق الإنسان بفضح الانتهاكات التي تقوم بها الدولة، ولذلك طالبنا باستحداث مفوضية عليا لحقوق الإنسان كمنظمة مستقلة لتتابع الانتهاكات التي تقوم بها الأطراف المختلفة لحقوق الإنسان) ولذلك تبنت حكومة جواد المالكي الحالية الاقتراح الذي تقدم به الدكتور زهير الجلبي الوزير السابق لحقوق الإنسان في حكومة الجعفري لإنشاء تلك المفوضية، كما بدأ مكتب حقوق الإنسان بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع بتنفيذ مشروع حقوق الإنسان الخاص بالعراق لسنة 2006 و2007، الذي ستشمل نشاطاته تقديم المساعدة على تأسيس المعهد الوطني لحقوق الإنسان وتنظيم فعاليات لمساعدة العراق في تطوير استراتيجية وطنية للعدالة الانتقالية والبدء بحملة عامة عن المعلومات المتعلقة بحقوق الإنسان وتعزيز إدارة العدالة وإيجاد ثقافة حقوق الإنسان.
لكن التساؤل الأهم هو هل إن استحداث مؤسسات خاصة بمراقبة حقوق الإنسان يكفي وحده في الحد من الانتهاكات أم أن الأمر في العراق يتطلب وعياً سياسياً وفكرياً وربما نحتاج إلى تمدن أو حتى الشعور بأننا في مجتمع متمدن لكي نتقي شر انتهاك حقوق بعضنا البعض.
الانتهاكات مستمرة
الانتهاكات التي أشرنا إلى أنها لا تزال تمارس في العراق، وما خلصنا إليه هو أن انتهاكات حقوق الإنسان في العراق لا تزال مستمرة وتمارسها جهات مختلفة على الرغم من وجود حكومة عراقية منتخبة، وهذا ما أكده التقرير الشهري الخاص بأوضاع حقوق الإنسان في العراق لشهر يوليو من عام 2006، الذي تصدره المنظمة الإسلامية لحقوق الإنسان في العراق، حيث أوضح أن جرائم القتل والاغتيال والتصفية البشرية المتعمدة وأعمال الاعتداء على السلامة الجسدية وأعمال التعذيب التي تشكل في عرف القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان جرائم خطيرة وممارسات مجرمة على أعلى المستويات الدولية، هذه الجرائم لا تزال قائمة في العراق، ولا تزال جهات حكومية وغير حكومية مختلفة تمارسها حيث لا تعير تلك الجهات أي أهمية لحماية الناس وصيانة أرواحهم وحماية ممتلكاتهم، وإن جرائم التهجير القسري المستمرة تنذر بالكثير من المعاناة الإنسانية ومن الأوضاع الكارثية على حياة العوائل النازحة والمهجرة، وأن تلك العوائل باتت تعيش في الوقت الحاضر في ظل الظروف الإنسانية القاسية للغاية، وأنها لا تزال تعاني الكثير من الأوضاع المتردية جراء نقص المواد الإغاثة الأساسية وعدم توفر أماكن للسكن المناسبة، وأن الإجراءات الحكومية المتخذة لمساعدة تلك العوائل لا تزال محددة ولا تلبي الطموح في السعي وراء تأمين حياة آمنة ومطمئنة وكريمة لتلك العوائل. ولعل الإرهاب الذي يمارس في العراق الذي أصبح ساحة لتصفية الحسابات بين الدول والمنظمات مما يجعل أمر الحد من الانتهاكات صعبا جدا كما يجعل أيضاً من العراق الدولة الأكبر انتهاكاً لحقوق الإنسان.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::3111::/cck::
::introtext::

إن أهم ما يميز الحالة التي يعيشها العراق الآن هو انتهاك حقوق الإنسان، أما كيف تنتهك حقوق الإنسان ومن ينتهكها ولماذا؟ فضلاً عن دور وزارة حقوق الإنسان والمنظمات الدولية وغير الحكومية فهو ما سنتطرق إليه في هذا المقال.

::/introtext::
::fulltext::

إن أهم ما يميز الحالة التي يعيشها العراق الآن هو انتهاك حقوق الإنسان، أما كيف تنتهك حقوق الإنسان ومن ينتهكها ولماذا؟ فضلاً عن دور وزارة حقوق الإنسان والمنظمات الدولية وغير الحكومية فهو ما سنتطرق إليه في هذا المقال.
الجذور الحقيقة لانتهاك حقوق الإنسان في العراق
انتهاك حقوق الإنسان في العراق أمر يعود إلى فترات زمنية سابقة من القرن السابق، ولعل الجذور الحقيقية لانتهاك حقوق الإنسان في العراق بشكل واسع وبجهود حكومية منظمة يعود إلى حقبة حكم نظام البعث في العراق التي ابتدات بشكل فعلي سنة 1963، وامتدت حتى سقوط تمثال صدام سنة 2003، حيث تعرض الشعب العراقي لانتهاكات منهجية وواسعة النطاق لحقوقه الإنسانية طيلة عقود. واستخدم حكم صدام حسين عمليات القتل الجماعية وحوادث (الاختفاء) والممارسة المنهجية للتعذيب والسجن لدوافع سياسية والاقتلاع القسري من المجتمعات في محاولة للقضاء المبرم على جميع المعارضين. ويشير تقرير لمنظمة العفو الدولية إلى مسألة مهمة ألا وهي استحالة عد أو تقدير ضحايا ذلك العهد لأن التصفيات وعمليات القتل كانت جماعية وليست فردية، كما أن النظام حكم العراق بصورة مغلقة فلا أحد يعرف ماذا يدور، وعلى كل حال فإن ضحايا مدينة حلبجة الكردية البالغ عددهم خمسة آلاف شخص جلهم من الأطفال والنساء وضحايا عمليات (الأنفال) البالغ عددهم مائة واثنين وثمانين شخصاً، حسبما تؤكد المصادر في الحزبين الكرديين، فضلا عن عمليات القتل الجماعي والتعذيب، التي خلّفت ثلاثمائة ألف شخص في وسط وجنوب العراق إبان أحداث الانتفاضة التي شهدها العراق عقب خروج جيش صدام من الكويت في عام 1991، وهو رقم أكده نظام صدام للقيادات الكردية خلال المفاوضات التي دارت بين تلك القيادات والحكومة آنذاك. كما أن هنالك ميزة لتلك الحقبة من المهم التذكير بها وهي أن نظام الحكم في العراق في تلك المرحلة لم يشهد وجود سجون سرية كما كان يشاع عنه، بل شهد أماكن سرية للتعذيب ومن ثم القتل حيث تدفن الجثث في أماكن لم يكشف عنها إلا بعد زوال نظام الحكم فيما لايزال بعضها لم يتم التنبه له أو العثورعليه حتى هذه الساعة.
أنواع الانتهاكات التي شهدتها تلك الحقبة وصفتها منظمة العفو الدولية بأنها تتضمن الانتهاكات في حوادث (الاختفاء) وعمليات الإعدام خارج نطاق القضاء والتعذيب والإعدام بعد محاكمة بإجراءات مقتضبة والطرد القسري، كما تعرض العراقيون وسواهم لانتهاكات منصوص عليها في القانون الإنساني الدولي وذلك في النـزاع الأخير والحروب السابقة، وقد كشفت وزارة حقوق الإنسان في العراق أن عدد المفقودين العراقيين المسجلين لديها بلغ 60 ألف مفقود خلال العقود الثلاثة الماضية. وأوضحت وزيرة حقوق الإنسان في الحكومة السابقة نرمين عثمان أن عدد المفقودين العراقيين من عسكريين ومدنيين المسجلين لدى الوزارة لفترة ما قبل عام 1990 بلغ 55 ألف مفقود جراء الحروب التي خاضها النظام السابق وعمليات التعذيب والاعتقال في تلك الفترة، فيما بلغ عدد المفقودين خلال حرب الخليج الثانية 5 آلاف مفقود، مع الإشارة إلى أن هذه الإحصائية لا تشمل المغيبين والمفقودين في مناطق كردستان التي كانت خارج سلطة النظام من الذين كانوا من ضحايا عملية (الأنفال) ضد الأكراد.
الانتهاك واحد والأطراف متعددة
بعد ما عاناه العراقيون من اضطهاد وانتهاك لحقوق الإنسان في حقبة حكم نظام البعث كان لابد من أن يتنفس العراقيون الصعداء ويفارقوا وإلى الأبد ظلمات السجون ومشاهد القتل والتعذيب، إلا أن ذلك لم يحصل لأن من انتهك حقوق الإنسان في المرحلة السابقة جهة واحدة ومعروفة، أما الآن فإن من ينتهك حقوق الإنسان جهات متعددة وبعضها غير معروفة الأهداف والدعم والتمويل.
القوات الأمريكية التي احتلت العراق في التاسع من نيسان عام 2003م حيث فرح العراقيون الذين انتهكت حقوقهم من قبل، كانت أولى الجهات التي مارست انتهاكاً لحقوق الإنسان، ولعل ما أثير في وسائل الإعلام عن الانتهاكات لا يقبل الشك أو التأويل، ويقول حارث أديب رئيس المنظمة الإسلامية لحقوق الإنسان في العراق التي تضطلع برصد وتوثيق كافة انتهاكات حقوق الإنسان (إن الاعتقالات التعسفية والعشوائية والجماعية أصبحت متفشية بحيث أصبحت تطال الجميع النساء والأطفال والمرضى والمعاقين والجرحى والشيوخ وقد قدمنا تقارير تفصل النسبة الكبيرة لاعتقالات الأحداث والشيوخ الذين اعتقلتهم القوات الأمريكية بالإضافة إلى حالات التعذيب المتكررة)، أما الجهات الأخرى اللاعبة على الساحة والمنتهكة لحقوق الإنسان فلا يمكن حصرها وتسميتها للقارئ الذي يمكنه تمييزها بكل وضوح. أما مبررات ممارسة الانتهاكات لكل طرف فهي تجعل من موضوع الحد من الانتهاك معادلة صعبة لا يمكن الوصول فيها إلى نتيجة تبرئ ساحة أحد من تلك الانتهاكات.
حقوق الإنسان … المعادلة الصعبة
حقوق الإنسان في العراق خلال المرحلة الحالية أصبحت معادلة صعبة، وهي كيف نضمن عدم وجود انتهاكات في ظل الوضع الأمني العصيب الذي يشهده العراق، فبعد سقوط نظام صدام وجدت منظمة العفو الدولية أن ثمة حاجة لإجراء تغييرات أساسية في الأنظمة القانونية والقضائية والعقابية العراقية لضمان الحماية من انتهاكات حقوق الإنسان، وعدّت التقاعس عن دمج الإصلاحات اللازمة لحماية حقوق الإنسان بشكل كامل في عملية التغيير خيانة للشعب العراقي، كما لخصت المنظمة العناصر المهمة للحماية المستقبلية لحقوق الإنسان في العراق بالتالي:
• وضع حد للتمييز – وحماية حقوق الجميع وتعزيزها بما فيها:
• حقوق المرأة.
• حقوق المجموعات العرقية والدينية.
• إجراء مراجعة قانونية شاملة من جانب الحكومة العراقية المستقبلية من أجل:
• جعل قوانين العراق تتماشى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان.
• إلغاء عقوبة الإعدام والعقوبات القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة.
• إنشاء سلطة قضائية مستقلة.
• إعادة النظر في نظام القضاء الجنائي وإصلاحه.
• حماية الحق في حرية التعبير والاشتراك في الجمعيات.
• تعليم حقوق الإنسان والتوعية بها بتمويل من المجتمع الدولي.
• نشر مراقبين لحقوق الإنسان تابعين للأمم المتحدة في العراق من أجل:
• المساعدة على حماية العراقيين من الانتهاكات في فترة ما بعد النـزاع.
• المبادرة إلى توفير سبل الإنصاف بالنسبة للانتهاكات الماضية والحاضرة.
• تقديم الخبرة والمعلومات اللازمة للإصلاحات التشريعية والدستورية المقترحة.
ومن الواضح أن العناصر سابقة الذكر تتلخص في حقوق السجناء أو الموقوفين، ولكن التساؤل المهم هل إن المطالبة بضمان حقوق السجين هي الحل لانتهاكات حقوق الإنسان؟ فتلك المعالجة تتمثل بجهة واحدة من الجهات التي تنتهك حقوق الإنسان فكيف بالجهات الاخرى التي تنتهك حقوق الإنسان بشكل كبير وصريح، وكيف نضمن عدم انتهاك الأجهزة الحكومية لحقوق السجين إذا ما عرفنا أن السجين المذكور هو من الجهات الأخرى المنتهكة لحقوق الإنسان؟ ألا توضع منظمات حقوق الإنسان هنا في موقف حرج إذا ما كان السجين قد انتهك حقوق خمسين أو ستين شخصاً في أحد الأسواق ومنعهم من الحياة بطريقة بشعة، ففي هذه الحالة أيهما أفضل الشخص أم الخمسين؟ كما أن مطلب إلغاء عقوبة الإعدام التي كنت أنا وحتى وقت قريب من الداعين إليها يشكل انتهاكاً من قبلنا نحن المطالبين بإلغائها على حقوق من قتل عدداً كبيراً من الناس ومنعهم من حرية العيش، ألا يشكل ذلك انتهاكاً مستقبلياً لعدد كبير من العراقيين الذين سيقتلون ويعذبون من قبل العصابات والمجرمين والإرهابيين بعد أن يجد هؤلاء أن الفرصة سانحة لهم لتحقيق ذلك لعدم وجود قانون يردعهم عن القيام بما يمكن أن يقوموا به من أعمال منتهكين بها حقوق الإنسان، كما أن الفقرات السابقة الذكر تعارض بعضها البعض.. وهنا يكمن ما ذكرناه من أن الوصول إلى مستوى عال لتجنب انتهاك حقوق الإنسان معادلة صعبة ولا يمكن تحقيقها.
وأعرب تقرير حقوق الإنسان، الذي تصدره بعثة الأمم المتحدة العاملة في العراق هذا العام، عن قلق المنظمة الدولية حيال تردي وضع حقوق الإنسان في البلاد، وأشار التقرير إلى أن التمتع بحقوق الإنسان (يتعرض لتقويض خطير كنتيجة لتفاقم ظاهرة انعدام الأمن، وارتفاع وتيرة العنف، وانعدام القانون والنظام الناجم عن الأعمال التي ترتكبها الميليشيات والعصابات الإجرامية). وأضاف التقرير (أن الحق في الحياة عرضة للانتهاك جراء الهجمات الإرهابية والهجمات التي يشنها المتمردون، وكذلك أعمال القتل أخذاً بالثأر التي ترتكبها الجماعات المسلحة، إضافة إلى تواصل استهداف النساء والأطفال والقطاعات المهنية المختصة، بمن فيهم القضاة والأكاديميون، من خلال أعمال العنف المستمرة).
إن ما ذكره تقرير بعثة الأمم المتحدة العاملة في العراق يشير بصورة واضحة إلى أن انتهاكات حقوق الإنسان في العراق تمارسها جهات متعددة. وقد كشف التقرير السنوي عن حالة حقوق الإنسان في العراق لعام 2005 أن عدد الضحايا من العراقيين نتيجة الأعمال الإرهابية لعام 2005 بلغ (11572) بينهم (1639) شرطياً و(1128) من الجيش العراقي و(8505) مدنياً، فيما أصيب خلال أحداث العنف والقتل (9043) عراقياً خلال العام المذكور.. فمن انتهك حقوق تلك الأعداد البشرية التي تتجاوز العشرين ألف شخص بين قتيل وجريح؟
أما عمليات التهجير القسري التي بدأت تتسع في أنحاء العراق كافة فقد أشارت تقارير وزارة المهجرين والمهاجرين إلى أن عدد العوائل النازحة من مناطق التوتر بلغ (24741) عائلة، وتوزعت هذه العوائل على عموم المحافظات عدا إقليم كردستان منها (3944) عائلة في محافظة بغداد، وتقف وراء عمليات التهجير تلك جهات سياسية تستهدف إجراء تغييرات ديموغرافية في مناطق العراق وتوزيعها على شكل طائفي، وهو انتهاك لحقوق الفرد من حيث اضطهاده وتهديده أو تعذيبه لكي يتخذ قراراً بالهجرة من مكانه، كما أن تهجيره قسراً يعد بحد ذاته انتهاكاً لحقوقه فضلاً عن مصادرة أمواله وأثاثه.
الحكومة والمؤسسات وحقوق الإنسان
تضم الحكومة العراقية بين وزاراتها ومنذ عام 2004 وزارة لحقوق الإنسان لم تتضح معالم نشاطاتها وخططها أو برنامج عملها ومجالاته، الأمر الذي حدا بالعديد من النواب والناشطين في مجال حقوق الإنسان إلى المطالبة بإلغاء هذه الوزارة واستحداث مفوضية عليا مستقلة لحقوق الإنسان في العراق، وقد أوضحت أزهار الشيخلي وزيرة الدولة لشؤون المرأة في حكومة الدكتور إبراهيم الجعفري السابقة في لقاء خاص (أن الدولة (أية دولة) من غير تحديد هي المتهم الأول بممارسة انتهاكات حقوق الإنسان، فمن غير المعقول أن تقوم وزارة حقوق الإنسان بفضح الانتهاكات التي تقوم بها الدولة، ولذلك طالبنا باستحداث مفوضية عليا لحقوق الإنسان كمنظمة مستقلة لتتابع الانتهاكات التي تقوم بها الأطراف المختلفة لحقوق الإنسان) ولذلك تبنت حكومة جواد المالكي الحالية الاقتراح الذي تقدم به الدكتور زهير الجلبي الوزير السابق لحقوق الإنسان في حكومة الجعفري لإنشاء تلك المفوضية، كما بدأ مكتب حقوق الإنسان بالتعاون مع مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ومكتب الأمم المتحدة لخدمات المشاريع بتنفيذ مشروع حقوق الإنسان الخاص بالعراق لسنة 2006 و2007، الذي ستشمل نشاطاته تقديم المساعدة على تأسيس المعهد الوطني لحقوق الإنسان وتنظيم فعاليات لمساعدة العراق في تطوير استراتيجية وطنية للعدالة الانتقالية والبدء بحملة عامة عن المعلومات المتعلقة بحقوق الإنسان وتعزيز إدارة العدالة وإيجاد ثقافة حقوق الإنسان.
لكن التساؤل الأهم هو هل إن استحداث مؤسسات خاصة بمراقبة حقوق الإنسان يكفي وحده في الحد من الانتهاكات أم أن الأمر في العراق يتطلب وعياً سياسياً وفكرياً وربما نحتاج إلى تمدن أو حتى الشعور بأننا في مجتمع متمدن لكي نتقي شر انتهاك حقوق بعضنا البعض.
الانتهاكات مستمرة
الانتهاكات التي أشرنا إلى أنها لا تزال تمارس في العراق، وما خلصنا إليه هو أن انتهاكات حقوق الإنسان في العراق لا تزال مستمرة وتمارسها جهات مختلفة على الرغم من وجود حكومة عراقية منتخبة، وهذا ما أكده التقرير الشهري الخاص بأوضاع حقوق الإنسان في العراق لشهر يوليو من عام 2006، الذي تصدره المنظمة الإسلامية لحقوق الإنسان في العراق، حيث أوضح أن جرائم القتل والاغتيال والتصفية البشرية المتعمدة وأعمال الاعتداء على السلامة الجسدية وأعمال التعذيب التي تشكل في عرف القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان جرائم خطيرة وممارسات مجرمة على أعلى المستويات الدولية، هذه الجرائم لا تزال قائمة في العراق، ولا تزال جهات حكومية وغير حكومية مختلفة تمارسها حيث لا تعير تلك الجهات أي أهمية لحماية الناس وصيانة أرواحهم وحماية ممتلكاتهم، وإن جرائم التهجير القسري المستمرة تنذر بالكثير من المعاناة الإنسانية ومن الأوضاع الكارثية على حياة العوائل النازحة والمهجرة، وأن تلك العوائل باتت تعيش في الوقت الحاضر في ظل الظروف الإنسانية القاسية للغاية، وأنها لا تزال تعاني الكثير من الأوضاع المتردية جراء نقص المواد الإغاثة الأساسية وعدم توفر أماكن للسكن المناسبة، وأن الإجراءات الحكومية المتخذة لمساعدة تلك العوائل لا تزال محددة ولا تلبي الطموح في السعي وراء تأمين حياة آمنة ومطمئنة وكريمة لتلك العوائل. ولعل الإرهاب الذي يمارس في العراق الذي أصبح ساحة لتصفية الحسابات بين الدول والمنظمات مما يجعل أمر الحد من الانتهاكات صعبا جدا كما يجعل أيضاً من العراق الدولة الأكبر انتهاكاً لحقوق الإنسان.

::/fulltext::
::cck::3111::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *