القاعدة العسكرية في سوريا: روسيا تكثف حضورها العسكري حول العالم
::cck::1736::/cck::
::introtext::
خطت روسيا خطوات كبيرة على صعيد استعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي السابق، كان أبرزها قيام غواصة نووية روسية بإطلاق صاروخ تجريبي عابر للقارات من نوع جديد في عمق المياه الدولية في المحيط الهادئ بعد سنوات طوال من الركود العسكري الروسي خارج حدود روسيا ومياهها الإقليمية، وكذلك تجميد العمل باتفاقية الحد من انتشار الأسلحة التقليدية في أوروبا، والذي جاء رداً على إعلان الولايات المتحدة سعيها إلى نشر درع صاروخية في تشيكيا وبولونيا.
::/introtext::
::fulltext::
خطت روسيا خطوات كبيرة على صعيد استعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي السابق، كان أبرزها قيام غواصة نووية روسية بإطلاق صاروخ تجريبي عابر للقارات من نوع جديد في عمق المياه الدولية في المحيط الهادئ بعد سنوات طوال من الركود العسكري الروسي خارج حدود روسيا ومياهها الإقليمية، وكذلك تجميد العمل باتفاقية الحد من انتشار الأسلحة التقليدية في أوروبا، والذي جاء رداً على إعلان الولايات المتحدة سعيها إلى نشر درع صاروخية في تشيكيا وبولونيا.
كان هناك أيضاً الإعلان الروسي عن استئناف الرحلات طويلة المدى لقاذفاتها الاستراتيجية، لتحلق فوق مناطق تجوبها قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) والولايات المتحدة، معيدة بذلك ممارسات كانت سائدة خلال حقبة الحرب الباردة، وفي الوقت نفسه إرسالها فريقاً من علمائها إلى منطقة القطب الشمالي مع بداية شهر أغسطس الماضي، في محاولة لإثبات ما تقول إنه حقوقها في قاع المحيط المتجمد الشمالي الذي يحتوي على مكامن هائلة للنفط والغاز.
هذه الخطوات بدأت مع تسلم الرئيس فلاديمير بوتين مقاليد السلطة في العام 2000 الذي حاول معالجة الأخطاء التي وقع فيها سلفه الرئيس يلتسين، فقام بانتهاج طريق الإصلاح التدريجي الهادئ، لكن مع استمراره في علاقات الشراكة نفسها التي انتهجها سلفه يلتسين مع الولايات المتحدة، حيث لم يكن يسعى في ذلك الوقت لافتعال مواجهات مع الولايات المتحدة، لإعادة مكانة روسيا على الساحة الدولية، فقد كان يدرك جيداً أن بلاده لم تكن مؤهلة بعد للاستقلال بشكل كامل في قرارها الدولي.
بل أكثر من ذلك فقد دخل في التحالف الذي شكلته الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في إطار الحرب العالمية التي بدأتها واشنطن ضد الإرهاب، وسمح للأمريكيين بنشر جيوشهم وأسلحتهم في بعض بلدان آسيا الوسطى المحاذية لروسيا، حيث كان يريد استغلال الفرصة ليستكمل مشروع الهيمنة على الشيشان وتسوية بعض مشكلاته الداخلية.
وفي الحرب على أفغانستان تخطت العلاقة الأمريكية – الروسية مستوى الشراكة الاستراتيجية لتصل إلى التعاون والتنسيق المباشرين، لكن في حمأة الاستعدادات الأمريكية لشن الحرب على العراق بدأت هذه العلاقة بالتراجع وصولاً إلى انضمام روسيا إلى ما سمي (معسكر السلام) الرافض لشن الحرب على العراق، مع إمكانية استخدامها حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد قرار يخول واشنطن شن الحرب. وأدارت واشنطن ظهرها للأمم المتحدة وذهبت إلى الحرب التي لم تدم سوى أسابيع معدودة.
في هذا الوقت كان بوتين قد نجح إلى حد كبير في ترسيخ سلطته في الداخل، واستفاد من ارتفاع أسعار النفط لإخراج روسيا من أزمتها الاقتصادية، وتدريجياً راح (المارد الروسي) يستعيد عافيته ويهم بالعودة إلى الساحة الدولية.
وكان من مؤشرات هذه العودة تغير الخطاب الروسي على الساحة الدولية وخاصة في مواجهة الولايات المتحدة، ففي بداية شهر مايو من العام الماضي شن نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني حملة على روسيا منتقداً (نقص الديمقراطية) فيها واستخدامها مواردها من الطاقة (كوسائل ابتزاز) حيال الجمهوريات السوفييتية السابقة. فجاء الرد الروسي عليه قوياً بدرجة لم تكن متوقعة حتى من قبل تشيني نفسه، وبطريقة أقنعت المراقبين بأن روسيا باتت مختلفة كلياً اليوم، فهي (استعادت سيادتها الحقيقية في الكثير من المجالات وتسلك طريقاً في العالم يستجيب أساساً لمصالحها الوطنية)، كما أكد ذلك رئيس لجنة العلاقات مع الجمهوريات السوفييتية السابقة في مجلس الدوما الروسي.
وفي العاشر من الشهر نفسه أكد الرئيس الروسي هذا التوجه الجديد، ففي خطاب عاصف صفق له الحضور سبعاً وأربعين مرة أعلن عزمه على الاستمرار في تقوية بلاده على كافة الصعد ومنها التكنولوجية والنووية والحفاظ على موقعها الدولي وزيادة ميزانيتها العسكرية لجعلها قادرة على (مواجهة نزاع عالمي ونزاع إقليمي ونزاعات محلية عدة في آن واحد)، معتبراً أنه من المبكر الحديث عن انتهاء سباق التسلح، موجهاً أعنف الانتقادات للولايات المتحدة بشأن موازنتها العسكرية واصفاً إياها بــ (الذئب الذي لا يستمع لأحد) وساخراً من ادعاءاتها المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

روسيا بدأت تلعب أدواراً متقدمة في قضايا دولية لم يكن مسموحاً لها التدخل فيها من قبل
واندفعت روسيا بعد ذلك للعب أدوار متقدمة في عدد من القضايا الدولية التي كان ممنوعاً عليها التدخل فيها من قبل، ومن ذلك استقبالها خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الفلسطينية بعد فوز الحركة في الانتخابات التشريعية العام الماضي ووقوعها تحت حصار دولي شديد بعد قيامها بتشكيل حكومتها. وكذلك الموقف الروسي المتصلب حيال تشديد العقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي، ورفضها مشروع القرار الدولي لاستقلال إقليم كوسوفو عن صربيا.
ثم جاءت الخطوة الأكثر جرأة في طريق (الدب الروسي) لتبوؤ مكانته الدولية والمتمثلة في إعلان موسكو نيتها التواجد عسكرياً في البحر الأبيض المتوسط، في إشارة إلى ميناء طرطوس السوري الذي سيصبح قاعدة عسكرية للبحرية الروسية. وهو ما يعني دخول روسيا بقوة إلى أتون أهم البؤر الساخنة دولياً، التي تشكّل أهم ساحة صراع مع الولايات المتحدة، ولا سيما في ظل تقديرات الحروب التي تدنو من المنطقة، سواء الولايات المتحدة مع إيران أو إسرائيل مع سوريا.
فقد أكد القائد العام للأسطول الحربي الروسي الأدميرال فلاديمير ماسورين أن الوجود العسكري الروسي سيتسع في منطقة البحر الأسود والبحر المتوسط لمواجهة المتغيرات المتسارعة في العالم، وأن أسطول البحر الأسود سيزداد قوة ليقيم نقاط ارتكاز في شرق المتوسط، وبينها ميناء طرطوس السوري. أما الهدف من ذلك فهو تنفيذ عمليات ميدانية على حدود دول في آسيا وإفريقيا وأوروبا، حيث تتشكل علاقات جديدة متناقضة، كما شرح القائد العام للأسطول الحربي الروسي.
وتقوم روسيا في الوقت الراهن بتعميق ميناء طرطوس السوري، حيث لديها هناك تسهيلات بحرية ومركز تجهيز تقني، ومن المحتمل أن تحظى التسهيلات والمركز التقني بمكانة القاعدة البحرية لأسطول البحر الأسود.
وأشارت مصادر في وزارة الدفاع الروسية إلى أن روسيا لديها بعض الخطط بعيدة المدى بالفعل، فمن المقرر تشكيل مجموعة من السفن تحت قيادة حاملة الصواريخ (موسكوفا سفينة قيادة أسطول البحر الأسود) في غضون السنوات الثلاث المقبلة.
وستتخذ هذه المجموعة محطة لها في البحر الأبيض المتوسط على شكل قاعدة دائمة، وسيكون من بين المهمات الأخرى لهذه المجموعة المشاركة في عمليات المناورات المضادة للإرهاب مع قوى حلف الناتو. ومن هنا جاءت ضرورة جعل ميناءي طرطوس واللاذقية قواعد تسهيلات جاهزة لاستقبال السفن الحربية (سفن أسطول البحر الأسود، ومن ثم سفن أسطول الشمال أيضاً) وسيستخدمون الأسطول الثاني لتعزيز المجموعة البحرية الروسية في البحر المتوسط عند الضرورة.
لكن مصدراً في القيادة البحرية الروسية قال إن إنشاء قاعدة متكاملة الوظائف في طرطوس قد يساعد روسيا على سحب سفنها الحربية وعطاءاتها من ميناء (سيباستبول) في القرم.
ومما لا شك فيه أن التواجد العسكري الروسي في البحر الأبيض المتوسط، يعتبر تحدياً مباشراً للأسطول السادس الأمريكي الذي يجوب مياه البحر، ويفرض سيطرته على حركة الملاحة في المياه الدولية.
من جانبها إسرائيل المعني الأبرز بهذا الحدث رأت في تلك التطورات أمراً سلبياً، حيث أكدت الصحف الإسرائيلية أن وضع العلم الروسي فوق الأراضي السورية له دلالات استراتيجية من الدرجة الأولى، حيث لم تعد لإسرائيل والولايات المتحدة الحرية في الاعتداء من البحر على سوريا أو لبنان. كما أن مجرد تواجد روسيا في سوريا يعني أنها (روسيا) ستشارك بشكل فعال في كل نزاع في الشرق الأوسط، وأن لها موقفها، ويجب أخذه بالحسبان.
وأكدت تلك الصحف أنه من المتوقع حصول تغيير في قواعد اللعبة في البحر الأبيض المتوسط بشكل عام، وقبالة السواحل السورية واللبنانية بشكل خاص، فمنذ مدة طويلة كانت حرية العمل متاحة للبحرية الإسرائيلية أما الآن فإن تلك الحرية أصبحت محدودة، حيث إن التواجد الروسي في طرطوس واللاذقية سيمنحان الروس قدرة على تنفيذ عمليات تجسس إلكترونية على إسرائيل.
إذاً ـ بحسب هذه الصحف ـ فإن أي عملية عسكرية مقبلة من قبل إسرائيل ضد سوريا في المستقبل يجب أن تأخذ في الاعتبار الوجود الروسي الذي لن يكون محايداً بالضرورة، خاصة أن هذا الوجود العسكري الروسي يأتي في سياق تعاون عسكري أكبر مع دمشق يتمثل في بنود عديدة أبرزها موافقة روسيا على إمداد سوريا بنظام متقدم للدفاع الجوي على أساس الصواريخ البعيدة المدى المضادة للطائرات (س – 300 ب م أو – 2)، والاتفاق كذلك على أن تقوم روسيا بتحديث وتطوير نظام الدفاع الجوي السوري القائم الذي يستخدم الصواريخ المتوسطة المدى (س – 125)، وتسلمت سوريا هذه الصواريخ في ثمانينات القرن الماضي.
ومعروف أن سوريا لا تمتلك من الأنظمة الحديثة الآن سوى أنظمة (ستريليتس) القريبة المدى التي تستخدم صواريخ (إيغلا) المضادة للطائرات والتي سلمتها موسكو إلى دمشق في العام الماضي. وأيضاً التوقيع على عقد لتحديث ألف دبابة من نوع (T-72) حيث أكدت وكالة أخبار (تاس) الروسية نجاح التجارب على دبابات T-90C في بلد شرق أوسطي (سوريا)، وتجري المفاوضات لبيعها.
إضافة إلى ذلك هنالك المحادثات العسكرية الروسية – السورية الجارية لبيع غواصتين وعدد من المقاتلات من نوع (اس يو-30 م ك أي)، (وياك-130)، وتحديث طائرات (ميغ -29)، وتطمح سوريا إلى الحصول على شحنة من آخر نظم الدفاع الجوي (بانتسر- سي 1) المصممة في (تولا).
ومن المؤكد أن إنشاء قاعدة في طرطوس والتقدم السريع في التعاون التقني العسكري مع دمشق يجعلان سوريا رأس حربة للقوة الروسية العائدة بقوة إلى الساحة الدولية، وكذلك حليفاً مهماً لها في الشرق الأوسط، وهو ما سيؤدي بالتأكيد إلى إعادة صياغة علاقات القوى في المنطقة لصالح سوريا في مواجهة ألد أعدائها إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة، ويخفف من وقع الحصار الدولي الذي تقوده تلك الأخيرة ضدها منذ الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003 ووقوف سوريا ضد هذا الاحتلال، والذي اشتد عقب مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري الذي اتخذته الإدارة الأمريكية وسيلة لابتزاز القيادة السورية للامتثال لإرادتها في المساعدة على تنفيذ المشروع الأمريكي في المنطقة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1736::/cck::
::introtext::
خطت روسيا خطوات كبيرة على صعيد استعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي السابق، كان أبرزها قيام غواصة نووية روسية بإطلاق صاروخ تجريبي عابر للقارات من نوع جديد في عمق المياه الدولية في المحيط الهادئ بعد سنوات طوال من الركود العسكري الروسي خارج حدود روسيا ومياهها الإقليمية، وكذلك تجميد العمل باتفاقية الحد من انتشار الأسلحة التقليدية في أوروبا، والذي جاء رداً على إعلان الولايات المتحدة سعيها إلى نشر درع صاروخية في تشيكيا وبولونيا.
::/introtext::
::fulltext::
خطت روسيا خطوات كبيرة على صعيد استعادة أمجاد الاتحاد السوفييتي السابق، كان أبرزها قيام غواصة نووية روسية بإطلاق صاروخ تجريبي عابر للقارات من نوع جديد في عمق المياه الدولية في المحيط الهادئ بعد سنوات طوال من الركود العسكري الروسي خارج حدود روسيا ومياهها الإقليمية، وكذلك تجميد العمل باتفاقية الحد من انتشار الأسلحة التقليدية في أوروبا، والذي جاء رداً على إعلان الولايات المتحدة سعيها إلى نشر درع صاروخية في تشيكيا وبولونيا.
كان هناك أيضاً الإعلان الروسي عن استئناف الرحلات طويلة المدى لقاذفاتها الاستراتيجية، لتحلق فوق مناطق تجوبها قوات حلف شمال الأطلسي (ناتو) والولايات المتحدة، معيدة بذلك ممارسات كانت سائدة خلال حقبة الحرب الباردة، وفي الوقت نفسه إرسالها فريقاً من علمائها إلى منطقة القطب الشمالي مع بداية شهر أغسطس الماضي، في محاولة لإثبات ما تقول إنه حقوقها في قاع المحيط المتجمد الشمالي الذي يحتوي على مكامن هائلة للنفط والغاز.
هذه الخطوات بدأت مع تسلم الرئيس فلاديمير بوتين مقاليد السلطة في العام 2000 الذي حاول معالجة الأخطاء التي وقع فيها سلفه الرئيس يلتسين، فقام بانتهاج طريق الإصلاح التدريجي الهادئ، لكن مع استمراره في علاقات الشراكة نفسها التي انتهجها سلفه يلتسين مع الولايات المتحدة، حيث لم يكن يسعى في ذلك الوقت لافتعال مواجهات مع الولايات المتحدة، لإعادة مكانة روسيا على الساحة الدولية، فقد كان يدرك جيداً أن بلاده لم تكن مؤهلة بعد للاستقلال بشكل كامل في قرارها الدولي.
بل أكثر من ذلك فقد دخل في التحالف الذي شكلته الولايات المتحدة بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 في إطار الحرب العالمية التي بدأتها واشنطن ضد الإرهاب، وسمح للأمريكيين بنشر جيوشهم وأسلحتهم في بعض بلدان آسيا الوسطى المحاذية لروسيا، حيث كان يريد استغلال الفرصة ليستكمل مشروع الهيمنة على الشيشان وتسوية بعض مشكلاته الداخلية.
وفي الحرب على أفغانستان تخطت العلاقة الأمريكية – الروسية مستوى الشراكة الاستراتيجية لتصل إلى التعاون والتنسيق المباشرين، لكن في حمأة الاستعدادات الأمريكية لشن الحرب على العراق بدأت هذه العلاقة بالتراجع وصولاً إلى انضمام روسيا إلى ما سمي (معسكر السلام) الرافض لشن الحرب على العراق، مع إمكانية استخدامها حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن ضد قرار يخول واشنطن شن الحرب. وأدارت واشنطن ظهرها للأمم المتحدة وذهبت إلى الحرب التي لم تدم سوى أسابيع معدودة.
في هذا الوقت كان بوتين قد نجح إلى حد كبير في ترسيخ سلطته في الداخل، واستفاد من ارتفاع أسعار النفط لإخراج روسيا من أزمتها الاقتصادية، وتدريجياً راح (المارد الروسي) يستعيد عافيته ويهم بالعودة إلى الساحة الدولية.
وكان من مؤشرات هذه العودة تغير الخطاب الروسي على الساحة الدولية وخاصة في مواجهة الولايات المتحدة، ففي بداية شهر مايو من العام الماضي شن نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني حملة على روسيا منتقداً (نقص الديمقراطية) فيها واستخدامها مواردها من الطاقة (كوسائل ابتزاز) حيال الجمهوريات السوفييتية السابقة. فجاء الرد الروسي عليه قوياً بدرجة لم تكن متوقعة حتى من قبل تشيني نفسه، وبطريقة أقنعت المراقبين بأن روسيا باتت مختلفة كلياً اليوم، فهي (استعادت سيادتها الحقيقية في الكثير من المجالات وتسلك طريقاً في العالم يستجيب أساساً لمصالحها الوطنية)، كما أكد ذلك رئيس لجنة العلاقات مع الجمهوريات السوفييتية السابقة في مجلس الدوما الروسي.
وفي العاشر من الشهر نفسه أكد الرئيس الروسي هذا التوجه الجديد، ففي خطاب عاصف صفق له الحضور سبعاً وأربعين مرة أعلن عزمه على الاستمرار في تقوية بلاده على كافة الصعد ومنها التكنولوجية والنووية والحفاظ على موقعها الدولي وزيادة ميزانيتها العسكرية لجعلها قادرة على (مواجهة نزاع عالمي ونزاع إقليمي ونزاعات محلية عدة في آن واحد)، معتبراً أنه من المبكر الحديث عن انتهاء سباق التسلح، موجهاً أعنف الانتقادات للولايات المتحدة بشأن موازنتها العسكرية واصفاً إياها بــ (الذئب الذي لا يستمع لأحد) وساخراً من ادعاءاتها المتعلقة بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

روسيا بدأت تلعب أدواراً متقدمة في قضايا دولية لم يكن مسموحاً لها التدخل فيها من قبل
واندفعت روسيا بعد ذلك للعب أدوار متقدمة في عدد من القضايا الدولية التي كان ممنوعاً عليها التدخل فيها من قبل، ومن ذلك استقبالها خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لحركة حماس الفلسطينية بعد فوز الحركة في الانتخابات التشريعية العام الماضي ووقوعها تحت حصار دولي شديد بعد قيامها بتشكيل حكومتها. وكذلك الموقف الروسي المتصلب حيال تشديد العقوبات على إيران بسبب برنامجها النووي، ورفضها مشروع القرار الدولي لاستقلال إقليم كوسوفو عن صربيا.
ثم جاءت الخطوة الأكثر جرأة في طريق (الدب الروسي) لتبوؤ مكانته الدولية والمتمثلة في إعلان موسكو نيتها التواجد عسكرياً في البحر الأبيض المتوسط، في إشارة إلى ميناء طرطوس السوري الذي سيصبح قاعدة عسكرية للبحرية الروسية. وهو ما يعني دخول روسيا بقوة إلى أتون أهم البؤر الساخنة دولياً، التي تشكّل أهم ساحة صراع مع الولايات المتحدة، ولا سيما في ظل تقديرات الحروب التي تدنو من المنطقة، سواء الولايات المتحدة مع إيران أو إسرائيل مع سوريا.
فقد أكد القائد العام للأسطول الحربي الروسي الأدميرال فلاديمير ماسورين أن الوجود العسكري الروسي سيتسع في منطقة البحر الأسود والبحر المتوسط لمواجهة المتغيرات المتسارعة في العالم، وأن أسطول البحر الأسود سيزداد قوة ليقيم نقاط ارتكاز في شرق المتوسط، وبينها ميناء طرطوس السوري. أما الهدف من ذلك فهو تنفيذ عمليات ميدانية على حدود دول في آسيا وإفريقيا وأوروبا، حيث تتشكل علاقات جديدة متناقضة، كما شرح القائد العام للأسطول الحربي الروسي.
وتقوم روسيا في الوقت الراهن بتعميق ميناء طرطوس السوري، حيث لديها هناك تسهيلات بحرية ومركز تجهيز تقني، ومن المحتمل أن تحظى التسهيلات والمركز التقني بمكانة القاعدة البحرية لأسطول البحر الأسود.
وأشارت مصادر في وزارة الدفاع الروسية إلى أن روسيا لديها بعض الخطط بعيدة المدى بالفعل، فمن المقرر تشكيل مجموعة من السفن تحت قيادة حاملة الصواريخ (موسكوفا سفينة قيادة أسطول البحر الأسود) في غضون السنوات الثلاث المقبلة.
وستتخذ هذه المجموعة محطة لها في البحر الأبيض المتوسط على شكل قاعدة دائمة، وسيكون من بين المهمات الأخرى لهذه المجموعة المشاركة في عمليات المناورات المضادة للإرهاب مع قوى حلف الناتو. ومن هنا جاءت ضرورة جعل ميناءي طرطوس واللاذقية قواعد تسهيلات جاهزة لاستقبال السفن الحربية (سفن أسطول البحر الأسود، ومن ثم سفن أسطول الشمال أيضاً) وسيستخدمون الأسطول الثاني لتعزيز المجموعة البحرية الروسية في البحر المتوسط عند الضرورة.
لكن مصدراً في القيادة البحرية الروسية قال إن إنشاء قاعدة متكاملة الوظائف في طرطوس قد يساعد روسيا على سحب سفنها الحربية وعطاءاتها من ميناء (سيباستبول) في القرم.
ومما لا شك فيه أن التواجد العسكري الروسي في البحر الأبيض المتوسط، يعتبر تحدياً مباشراً للأسطول السادس الأمريكي الذي يجوب مياه البحر، ويفرض سيطرته على حركة الملاحة في المياه الدولية.
من جانبها إسرائيل المعني الأبرز بهذا الحدث رأت في تلك التطورات أمراً سلبياً، حيث أكدت الصحف الإسرائيلية أن وضع العلم الروسي فوق الأراضي السورية له دلالات استراتيجية من الدرجة الأولى، حيث لم تعد لإسرائيل والولايات المتحدة الحرية في الاعتداء من البحر على سوريا أو لبنان. كما أن مجرد تواجد روسيا في سوريا يعني أنها (روسيا) ستشارك بشكل فعال في كل نزاع في الشرق الأوسط، وأن لها موقفها، ويجب أخذه بالحسبان.
وأكدت تلك الصحف أنه من المتوقع حصول تغيير في قواعد اللعبة في البحر الأبيض المتوسط بشكل عام، وقبالة السواحل السورية واللبنانية بشكل خاص، فمنذ مدة طويلة كانت حرية العمل متاحة للبحرية الإسرائيلية أما الآن فإن تلك الحرية أصبحت محدودة، حيث إن التواجد الروسي في طرطوس واللاذقية سيمنحان الروس قدرة على تنفيذ عمليات تجسس إلكترونية على إسرائيل.
إذاً ـ بحسب هذه الصحف ـ فإن أي عملية عسكرية مقبلة من قبل إسرائيل ضد سوريا في المستقبل يجب أن تأخذ في الاعتبار الوجود الروسي الذي لن يكون محايداً بالضرورة، خاصة أن هذا الوجود العسكري الروسي يأتي في سياق تعاون عسكري أكبر مع دمشق يتمثل في بنود عديدة أبرزها موافقة روسيا على إمداد سوريا بنظام متقدم للدفاع الجوي على أساس الصواريخ البعيدة المدى المضادة للطائرات (س – 300 ب م أو – 2)، والاتفاق كذلك على أن تقوم روسيا بتحديث وتطوير نظام الدفاع الجوي السوري القائم الذي يستخدم الصواريخ المتوسطة المدى (س – 125)، وتسلمت سوريا هذه الصواريخ في ثمانينات القرن الماضي.
ومعروف أن سوريا لا تمتلك من الأنظمة الحديثة الآن سوى أنظمة (ستريليتس) القريبة المدى التي تستخدم صواريخ (إيغلا) المضادة للطائرات والتي سلمتها موسكو إلى دمشق في العام الماضي. وأيضاً التوقيع على عقد لتحديث ألف دبابة من نوع (T-72) حيث أكدت وكالة أخبار (تاس) الروسية نجاح التجارب على دبابات T-90C في بلد شرق أوسطي (سوريا)، وتجري المفاوضات لبيعها.
إضافة إلى ذلك هنالك المحادثات العسكرية الروسية – السورية الجارية لبيع غواصتين وعدد من المقاتلات من نوع (اس يو-30 م ك أي)، (وياك-130)، وتحديث طائرات (ميغ -29)، وتطمح سوريا إلى الحصول على شحنة من آخر نظم الدفاع الجوي (بانتسر- سي 1) المصممة في (تولا).
ومن المؤكد أن إنشاء قاعدة في طرطوس والتقدم السريع في التعاون التقني العسكري مع دمشق يجعلان سوريا رأس حربة للقوة الروسية العائدة بقوة إلى الساحة الدولية، وكذلك حليفاً مهماً لها في الشرق الأوسط، وهو ما سيؤدي بالتأكيد إلى إعادة صياغة علاقات القوى في المنطقة لصالح سوريا في مواجهة ألد أعدائها إسرائيل وحليفتها الولايات المتحدة، ويخفف من وقع الحصار الدولي الذي تقوده تلك الأخيرة ضدها منذ الاحتلال الأمريكي للعراق في العام 2003 ووقوف سوريا ضد هذا الاحتلال، والذي اشتد عقب مقتل رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري الذي اتخذته الإدارة الأمريكية وسيلة لابتزاز القيادة السورية للامتثال لإرادتها في المساعدة على تنفيذ المشروع الأمريكي في المنطقة.
::/fulltext::
::cck::1736::/cck::
