نفط العرب.. والهجوم على المملكة العربية السعودية

::cck::1811::/cck::
::introtext::

تعرف السياسة الدولية على طول الزمان وعرضه بأنها شبكة متداخلة من الخيوط وطرق ومسالك متقاطعة من الخطوط، وربما يعلم الناظر من أين تبدأ ولكن لا يمكنه أن يدرك إلى أين تقود ومن ثم تنتهي لا سيما في أوقات الأزمة. والشاهد أن أزمة ارتفاع أسعار النفط مؤخراً فجّرت براكين من الغضب المتراكم لدواع أمنية منها ما هو اقتصادي يتعلق بأسعار النفط ذاتها ومنها ما هو سياسي يرتبط بفكرة الهيمنة الأمريكية على العالم، وبين هذه وتلك بدا وكأن على العرب والمسلمين عامة وعلى دول الخليج العربية وفيها المملكة العربية السعودية كالسويداء من القلب خاصة دفع ثمن خاص لأزمة لا ناقة لهم فيها ولا جمل وإنما ترتبط بسياسات اقتصادية دولية.

::/introtext::
::fulltext::

تعرف السياسة الدولية على طول الزمان وعرضه بأنها شبكة متداخلة من الخيوط وطرق ومسالك متقاطعة من الخطوط، وربما يعلم الناظر من أين تبدأ ولكن لا يمكنه أن يدرك إلى أين تقود ومن ثم تنتهي لا سيما في أوقات الأزمة. والشاهد أن أزمة ارتفاع أسعار النفط مؤخراً فجّرت براكين من الغضب المتراكم لدواع أمنية منها ما هو اقتصادي يتعلق بأسعار النفط ذاتها ومنها ما هو سياسي يرتبط بفكرة الهيمنة الأمريكية على العالم، وبين هذه وتلك بدا وكأن على العرب والمسلمين عامة وعلى دول الخليج العربية وفيها المملكة العربية السعودية كالسويداء من القلب خاصة دفع ثمن خاص لأزمة لا ناقة لهم فيها ولا جمل وإنما ترتبط بسياسات اقتصادية دولية.

غير أن هناك من وجد في الأمر فرصة ومدعاة للهجوم على العرب ونفطهم ووصل الأمر إلى التهديد سواء في ما يخص العلاقات السياسية الاستراتيجية أو الصفقات التسليحية ناهيك عن التهديد الأحدث بتدمير (أوبك) ذاتها.

والمؤكد أن القضية أوسع وأعرض من أن نحيط بها في مقال، إذ هي في حاجة إلى أوراق بحثية مستفيضة غير أنها في كل الأحوال محاولة لإلقاء قبس من الضوء في ما يختص بفيض من الصراعات غير المحدودة أو المسبوقة.. ماذا عن ذلك؟

السعودية في مواجهة عاصفة أمريكية

فجأة ومع ارتفاع أسعار النفط في العالم بأكمله كثف عدد من الديمقراطيين في مجلس الشيوخ هجماتهم على الدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، وهددوا بتعطيل مبيعات أسلحة بمليارات الدولارات لأعضاء مثل المملكة العربية السعودية إذا لم تتخذ هذه الدول إجراء لخفض أسعار النفط.

وفي هذا الصدد كان بيان للمشرعين من أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ وفي مقدمتهم (تشارلز شومر) من نيويورك و(بايرن دورجان) من ولاية شمال داكوتا يطالبون البيت الأبيض باستخدام نفوذه لإقناع أعضاء أوبك بزيادة إنتاجهم أو المخاطرة بأن يعطل الكونغرس صفقات سلاح ضخمة للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودول أخرى في المنطقة المنتجة للنفط، وفي مؤتمر صحفي لهم، كان شومر يصرح للصحفيين بالقول: يجب أن يدرك السعوديون أن هذا شارع له اتجاهان: عندهم الأسلحة.. وقواتنا توفر لهم الحماية.. وعندئذ يردون لنا الخير بالشر عندما يتعلق الأمر بالنفط.

تعرضت السعودية على وجه خاص لسلسلة من الهجمات من بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي

 أما المشهد الثاني في سلسلة الهجمات التي تتعرض لها المملكة على نحو خاص فقد جاء من خلال تصريح وكيل وزارة الخزانة الأمريكية ستيورات ليفي في جلسة اجتماع للجنة المالية لمجلس الشيوخ الأمريكي نهار الثلاثاء الأول من إبريل المنصرم، وفيه أشار إلى أن المملكة العربية السعودية قصرت في اتخاذ الخطوات الكافية لاستئصال تدفق الأموال إلى المنظمات الإرهابية أو في منع مواطنيها الأغنياء من تمويل التطرف من خلال المساهمات الخيرية.

وفي اتهام ينافي ويجافي الكثير من الحقائق التي مضت في طرقها المملكة لمحاربة الإرهاب كان ستيورات يضيف (أن السعودية تعتبر اليوم البلد الذي يقدم المزيد من الأموال إلى المنظمات الإرهابية أكثر من أي بلد في العالم لا سيما في ما يخص المجموعات الإرهابية السنية وإلى طالبان).

مشهد ثالث يوضح أن الأمر منهجي وليس عشوائياً، إذ قدمت النائبة الأمريكية (سو مريك) التي تمثل الحزب الجمهوري عن ولاية كارولينا الشمالية خطة للكونغرس من عشر نقاط لمحاسبة المملكة بسبب مناهجها التعليمية ومعاداتها للسامية والتحريض ضد إسرائيل، وتستهدف الخطة ضمن أهداف أخرى مطالبة مكتب محاسبة الحكومة وهو هيئة رقابية تابعة للكونغرس بأن يقوم بالتحقيق والتأكد من استثمارات صناديق الثروة في الولايات المتحدة التي تستثمر الدول العربية عائدات النفط فيها.

فيما التهديد الأحدث كان من نصيب السيناتورة هيلاري كلينتون المرشحة للرئاسة الأمريكية والتي صرحت بنواياها في تدمير منظمة (أوبك) حال فوزها برئاسة أمريكا، إذ لم يعد ممكناً على حد قولها السماح ببقاء هذه المنظمة كاحتكار يجتمع أعضاؤه مرة كل شهرين ليقدروا كم من النفط سينتجون وكم من الأموال سيتقاضون مقابله.

والشاهد أن الحديث يطول وقائمة الاتهامات المزيفة تمتد اليوم إلى تساؤل جد خطير عما يدعيه البعض من طموحات السعودية النووية التي تقلق واشنطن ولهذا لم يكن غريباً أو مثيراً إعادة الحديث عن طرح قانون محاسبة السعودية في الكونغرس مؤخراً والتهديد بفرض عقوبات جسيمة عليها. والمقطوع به أن كل اتهام سابق مردود عليه غير أن الجزئية التي نركز عليها في هذا المقام: هل العرب مسؤولون عن زيادة أسعار النفط مما يطلق ضدهم هذه الحملة المسعورة؟ وتالياً من يقف وراء استهداف المملكة العربية السعودية متخفياً وراء ستار أسعار النفط؟

غير أن واقع الحال ربما يقتضي منا الإجابة قبل ذلك عن تساؤل أهم: هل أضحى نفط العرب أداة للهجوم ومدعاة لمواصلة إيجاد مبررات وأعذار للتيارات اليمينية الأمريكية للمضي قدماً في برامجها الإمبريالية تجاه الشرق الأوسط والخليج العربي؟

عوائد النفط وربط مزيف مع الديمقراطية

في أواخر فبراير من عام 2006 كان الرئيس بوش يؤكد أنه ينبغي على الولايات المتحدة لتعزيز أمنها القومي والاقتصادي أن تقلل اعتمادها على النفط الذي يستورد معظمه من مصادر غير جديرة بالثقة في الخارج بحسب النص. ورغم أنه لم يشر في ذلك مباشرة إلى تلك الدول إلا أنه وبعد مرور أيام قليلة على حديثه الأول كرر ثانية رغبة إدارته في خفض تبعية بلاده النفطية للشرق الأوسط بنسبة 75 في المائة حتى عام 2025.

الرؤية السائدة في واشنطن أن هناك تشابكاً بين خطوط عوائد النفط وإشكالية الإرهاب

وفي أعقاب موقف بوش كانت الهجمات تصب على العرب والمسلمين وعلى نفطهم، فنرى الكاتب الأمريكي توماس فريدمان (عراب العولمة الحديثة) يعبر وبجلاء عن التفكير المضاد عبر مقال بعنوان (نقمة النفط وأحلام نشر الديمقراطية) يقول فيه على صفحات (النيويورك تايمز) إنه كلما انخفضت أسعار النفط أرغمت الدول النفطية على تبني سياسات أكثر شفافية وأكثر حساسية تجاه انتقادات المعارضة وصوتها وكلما زاد تفاعلها وانفتاحها على العالم الخارجي، ازداد اهتمامها ببناء المؤسسات والهياكل القانونية والتعليمية.

ويرى أنصار هذا التيار أن هناك ضرراً كبيراً يمكن أن تلحقه الزيادة المفرطة في الموارد الاقتصادية على الإصلاح السياسي والاقتصادي في أي بلد ما، وهذه الوفرة المفرطة يطلق عليها (نقمة الموارد) وما أن تكون هذه النقمة خاصة بموارد النفط حتى تتضخم إلى أضعاف أضعافها، وعلى الرغم من العلم المسبق بتعدد العوامل المحددة لسياسات بلد ما فإن تلك الوفرة كما يذهب عدد وافر من محللي شؤون الطاقة والأمن في واشنطن تؤثر سلباً في تفاعل دولة ما مع بقية أرجاء العالم.

كما أن الرؤية السائدة اليوم في واشنطن تؤكد أن هناك تشابكاً بين خطوط عوائد النفط وإشكالية الإرهاب حول العالم، وفي هذا الإطار يقول ريتشارد آلان مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس ريجان إن الصلة السياسية وأموال النفط معروفة وتم التدليل على وجودها منذ وقت طويل فعندما تقترن الأموال المحصلة من بيع المصادر الطبيعية بالسلطة السياسية ذات النوايا السيئة فإن ذلك يكون له تأثير في علاقات أمريكا ومصالحها في العالم.

ومما لاشك فيه أن هذه الرؤية مغلوطة إلى أبعد حد ولا تخدم سوى أيديولوجية التيارات اليمينية، غير أنها ومن أسف شديد باتت تمثل الفلسفة التي تحكم التفكير في قضية الطاقة وعلاقتها بالسياسية الخارجية، ومن هنا العودة إلى حديث العلاقة بين العرب وأسعار النفط والمسؤولية المتبادلة بين الطرفين.

العرب غير مسؤولين عن زيادة الأسعار

ونبقى في مواجهة هذا التساؤل الجوهري هل العرب مسؤولون عن تلك الزيادة التي جرت لأسعار النفط وبشكل غير مسبوق لا سيما العام الماضي؟ الأمر يقتضي منا الرجوع إلى حالة الأسعار المتذبذبة منذ بدايات عام 2007 فقد هبطت أسعار النفط إلى ما دون الخمسين دولاراً للبرميل في بدايات شتاء عام 2007 ومع نهاية صيف 2007 كانت أسعار النفط تشهد ارتفاعاً قياسياً وصل في النصف الثاني من شهر أكتوبر إلى ما يزيد على تسعين دولاراً للبرميل وها هو بحلول صيف 2008 يكاد يقترب من 130 دولاراً للبرميل، ولا يستبعد محللون اقتصاديون أن يصل البرميل إلى 200 دولار في فترة ليست بعيدة، هذا من دون الحديث عن حرب جديدة في الشرق الأوسط.

والتساؤل المطروح ماذا يكون الحال عند اندلاع حرب مع إيران على سبيل المثال؟ نحيل الإجابة هنا إلى الدراسة الأمريكية الأكاديمية التي صدرت مؤخراً في واشنطن عن (مركز مراقبة الطاقة) الذي أشار إلى أن الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدّرة للطاقة أوبك لا يصلها إلا حوالي 35 في المائة في أحسن الحالات من السعر النهائي للنفط في الدول المستوردة لها، أما الباقي فهو ضرائب حكومية ومكاسب تجنيها مصانع التكرير في دول الغرب غالباً وشركات النقل وتجار الجملة والتجزئة، أي أن معظم الزيادة في سعر البنزين مثلاً تذهب لغير الدول المنتجة للنفط. والمؤكد إحصائياً أن دول الأوبك تقف على 75 في المائة من احتياطي النفط العالمي المعروف، ولكنها تنتج فقط 40 في المائة من النفط العالمي، أي أنها تنتج أقل من طاقتها القصوى، وتنتج الباقي دول نفطية غير أعضاء في أوبك مثل الولايات المتحدة نفسها وكندا والنرويج وبريطانيا والمكسيك والصين وروسيا وكازاخستان مع العلم أن تكلفة الإنتاج لديها أعلى منها لدى دول أوبك.

أزمة ارتفاع أسعار النفط فجّرت براكين الغضب لدواع أمنية منها ما هو اقتصادي وما هو سياسي

وفي كل الأحوال فإن هناك عدة مشاهد موضوعية تقود وتؤكد أن ارتفاع الأسعار ليس إنكار جميل من العرب يتوجب التهديد بتدمير (أوبك).

وفي مقدمة تلك الأسباب يأتي تراجع سعر الدولار على المستوى العالمي أمام عملات رئيسية أخرى مما ساعد على تعزيز عمليات الشراء في مختلف السلع الأولية، وقد نال ضعف العملة الأمريكية من القدرة الشرائية لإيرادات أوبك وزاد القدرة الشرائية لبعض المستهلكين الذين تسعّر وارداتهم بعملات أخرى غير الدولار.

وقد ألمح وزراء النفط في أوبك إلى أنه رغم ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات اسمية قياسية إلا أن التضخم والدولار خففا من تأثير ذلك.

ومن الأسباب كذلك أنه منذ خفض مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) أسعار الفائدة في منتصف أغسطس الماضي وقيام بنوك مركزية بضخ مليارات الدولارات في الأسواق المالية لتخفيف أزمة الائتمان، صعدت أسعار النفط والذهب، وفي هذه الأثناء كانت تدفقات الاستثمارات تزدهر من صناديق معاشات التقاعد والتحوط على السلع الأولية ومن بينها النفط وكذلك المضاربات.

لكن هل من أسباب أخرى تبعد شبهة تآمر العرب والمسلمين ودول الخليج على الغرب؟

نعم، فهناك الطلب المتزايد على النفط، ففي حين كانت الارتفاعات السابقة في الأسعار تنتج عن اضطرابات في الإمدادات فإن الطلب من دول مثل الصين والولايات المتحدة يبقى المحرك الرئيسي للزيادات الراهنة.

كما أن انخفاض إمدادات النفط الخام لنيجيريا ثامن أكبر بلد مصدّر للنفط في العالم منذ فبراير 2006 بسبب هجمات متشددين على صناعة النفط في البلاد قد أوقف إنتاج ما نحوه 547 ألف برميل يومياً من إنتاج نيجيريا بسبب الهجمات وعمليات التخريب والنتيجة المترتبة على ذلك معروفة مسبقاً.

والمقطوع به أن الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى نحو خاص إدارة بوش، مسؤولة عن هذا الارتفاع لا سيما في ما يتعلق بمحوري العراق وإيران… ماذا عن ذلك؟

منذ الغزو الأمريكي للعراق وصناعة النفط هناك تشهد تدهوراً ملحوظاً وانخفاضاًً كبيراً في إنتاج العراق، من جراء أعمال المقاومة التي تجزم بأنها لن تدع الاحتلال الأمريكي يهنأ بنفط البلاد، تلك الثروة التي كانت وراء الغزو، ومهما تتخفى وراء أقنعة مثل أسلحة الدمار الشامل وغيرها.

وبحسب المراقبين للأوضاع المضطربة في العراق فإنه ليس مرجحاً أن تستقيم الأمور النفطية مما سيؤثر في الارتفاع المتزايد للأسعار.

أما المحور الثاني، أي إيران، ففيه يشعر مستهلكو النفط بالقلق بشأن تعطل إمدادات النفط من إيران رابع أكبر مصدر له في العالم والمنخرطة بصراع مع الغراب بسبب برنامجها النووي.

وبديهي أنه كلما ازدادت حالة التوتر والتهديدات باشتعال حرب جديدة أو توجيه ضربة عسكرية لإيران شهدت الأسعار ارتفاعاً بسبب زيادة الطلب خوفاً من أن يحدث نقص في الأسواق إذا عطلت إيران إمدادات النفط للعالم الخارجي عبر مضيق هرمز.

وللمرة الثانية نؤكد أن كل ما تقدم ليس إلا غيضاً من فيض، وأن كل جزئية في حاجة إلى مزيد من الشرح الوافي والتحليل الشافي، غير أن ما تقدم يقودنا إلى إشكالية التهديد بوقف صفقات التسلح لدول الخليج وهنا تتبدى الأيادي الخفية التي تهيج الإدارة الأمريكية ضد دول الخليج والسعودية على نحو خاص فماذا عن ذلك؟

صفقات الأسلحة.. من يحتاج الآخر أكثر؟

عودة من جديد إلى التهديد الذي أطلقه أعضاء مجلس الشيوخ في بيانهم وفيه ربط بين مبيعات الأسلحة إلى دول الخليج وأسعار النفط المرتفعة، وهنا يحلو لنا أن نطرح تساؤلاً بديهياً قبل أن ننحو جهة الآراء الأمريكية في هذا الشأن، والتساؤل هو من يحتاج الآخر أكثر؟ هل الولايات المتحدة التي تعاني عجزاً اقتصادياً غير مسبوق؟ أم دول الخليج التي تتوافر لها أسواق مختلفة لشراء السلاح شرقاً وغرباً والمتمتعة بوفرة مالية من جراء العوائد النفطية؟

الإجابة من دون تطويل ممل ولا اختصار مخل هي أن عجلة المصانع العسكرية الأمريكية هي الأكثر حاجة إلى المليارات العائدة من نفط العرب لتدوير الاقتصاد الأمريكي حتى لو كان المقابل الذي ستحصل عليه دول الخليج هو صفقات أسلحة لن تستخدم لا داخلياً ولا خارجياً وكثيراً ما كانت صفقات تحت الضغط الأمريكي وكشرط للدخول في حروب عسكرية كما جرى في حرب العراق الأولى والثانية على التوالي؟

والتساؤلات فلسفياً كثيراً ما تكون أهم من الأجوبة؟ ولذلك نتركها مفتوحة ليستنتج القارئ بنفسه ماذا هناك من إجابة ولنعد سوياً إلى الداخل الأمريكي وشهادات غير مجروحة في هذا السياق.

يقول سكوت ستانزل المتحدث باسم البيت الأبيض إن خطة المشرعين هي (تصرف خاطئ عندما يتعلق الأمر بأمننا الوطني وطاقتنا) ويضيف أن مبيعات الأسلحة لحلفائنا تتم لأنها في مصلحة أمننا القومي وليس لأنها ورقة مساومة.

أما جاك لافت المدير المشارك لمعهد تحليل الأمن العالمي فيرى أن الولايات المتحدة تحتاج إلى نفط أوبك أكثر من حاجة أعضاء المنظمة للأسلحة الأمريكية، ويضيف أن هذه الأسلحة بالنسبة للسعوديين سلع رفاهية، أما النفط بالنسبة للأمريكيين فهو مسألة بقاء وطني.

ونبقى مع تحذير فرانك فيراسترو الخبير في مجال الطاقة في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية الدولية والذي حذر من أن ربط أسعار النفط بمبيعات الأسلحة قد يدفع دولاً منتجة للنفط في الشرق الأوسط لعقد اتفاقيات أسلحة مقابل النفط مع دول مثل روسيا والصين، الأمر الذي يضر بالمصالح الأمنية الأمريكية.

والشاهد أن هناك أطرافاً لا تغيب عن الناظر للمشهد لا يهمها الأمن القومي الأمريكي بقدر ما يهمها خدمة أغراضها هذه هي التي تقف وبحق وراء ذلك الهجوم الذي تتعرض له المنطقة.. ماذا يعني ذلك؟

إسرائيل وعرقلة صفقات سلاح العرب

مع تكشف فضيحة التجسس الإسرائيلية الأخيرة على الولايات المتحدة الأمريكية والتي اتهم فيها الإسرائيلي الأمريكي كاديش بن عامي بسرقة أسرار عسكرية أمريكية ونقلها لإسرائيل كانت أبعاد إسرائيلية تجسسية جديدة على أمريكا تتكشف للملأ ومنها ما أشار إليه المحقق السابق في البحرية الأمريكية رون تاوليف عن بعض الجوانب الإضافية في قضية الجاسوس الإسرائيلي ومنها أن مهمة كاديش كانت تتركز على محاولة سرقة وثائق تتعلق بأسلحة أرسلت إلى المملكة العربية السعودية في الثمانينات من القرن الماضي ولا سيما طائرات (F15) التي زودت آنذاك بأنظمة تسلح متطورة بالقياس إلى الطائرات المقاتلة في العالم في ذلك الوقت.

هذا الخبر يقودنا إلى حالة من الرفض المطلق التي سادت في أوساط إسرائيل غداة الإعلان عن الصفقة التسليحية الأمريكية لدول الخليج العام الماضي، فقد كتبت صحيفة (يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية مشيرة إلى أن اعتراضات إسرائيل على الصفقة أدت إلى تأجيلها بسبب القول إنها ستخل بالميزان العسكري بين العرب وإسرائيل.

وفي هذا الصدد كانت (النيويورك تايمز) تشير إلى أن عدداً من المسؤولين الإسرائيليين وفي مقدمتهم وزير الدفاع السابق شاؤول موفاز قد زاروا واشنطن مؤخراً لعرض وجهة نظرهم ضد أجزاء من الصفقة لا سيما تلك التي تتعلق بنقل تكنولوجيا الأسلحة الموجهة بالأقمار الاصطناعية والتي ستمنح الطائرات التي ستحويها الصفقة مزيداً من الدقة في ضرب الأهداف، والشاهد أن وزير الدفاع الإسرائيلي وقتها عمير بيرتس طلب إلى وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس وقف هذه الصفقة وكل صفقة مشابهة، أما السبب فهو العودة إلى الشعار القديم لإسرائيل (لا أسلحة للأعداء العرب).

وهنا يخطر لنا تساؤل هل هذا المشهد الانقلابي ضد دول الخليج والذي يتذرع بأسعار النفط في جزء أصيل منه يأتي ضمن حرمان العرب من التكنولوجيا العسكرية الأمريكية الجديدة؟

 مهما يكن من شأن الإجابة فإن الأهم هو الوقوف على ناصية العلاقات السعودية-الأمريكية في الحال والاستقبال… فماذا عن هذا؟

من الرياض إلى واشنطن.. علاقات استراتيجية

وتبقى قبل الانصراف هذه الجزئية الحيوية والتي نظلمها كثيراً إذا حاولنا اختزالها في سطور قليلة، بمعنى لا شك أن العلاقات السعودية-الأمريكية هي علاقات استراتيجية منذ زمان، وأن المحاولات الفردية وحتى شبه الجماعية لا يمكن أن تؤثر فيها ذلك لأنها، وبحسب تعبير الدكتورة راشيل برونسون فإنها علاقات أثقل من النفط (Thicker than oil) وبهذا تتجاوز النفط إلى توازنات استراتيجية إقليمية ودولية تتسق ومصالح الأمن القومي الأمريكي عبر نصف القرن المنصرم وتمتد إلى عقود طويلة.

ولعل هذا المنطلق هو الذي دعا جريج بريدي المحلل السياسي لدى مؤسسة (أوراسيا جروب) للقول إنه من المرجح أن يستخدم البيت الأبيض حق الاعتراض على الجهود التي تربط بين مبيعات الأسلحة إلى الشرق الأوسط بأسعار النفط.

إن الناظر لمشهد العلاقات الأمريكية-السعودية بعين حيادية يدرك أنها قائمة على مسارات ثابتة لم ولن تتمكن (الفئة الضالة) على الجانبين من التأثير فيها لا سيما أنها حزمة أخلاقية تسمو فوق الخلافات والصراعات النسبية، حزمة عمادها الاحترام المتبادل والتعاون المشترك والتفاهم الصادق من أجل مصلحة البلدين، هذه المصلحة التي تلقي بعيداً عنها النسق البراغماتي الأحادي للبلدين فقط لتهتم كذلك بمصالح المنطقة العربية والعالم بأسره.

والحاصل أن صحوة صحية، إن جاز التعبير، تعيشها العلاقات السعودية-الأمريكية منذ زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى الولايات المتحدة في إبريل 2005، تلك الزيارة التي نتج عنها المزيد من التعاون والتنسيق والذي امتد بنجاح حتى زيارة نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني الأخيرة والتقدير الطيب الذي لاقاه في المملكة.

ولعل تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل عن الأطر والركائز التي تقوم عليها العلاقات السعودية-الأمريكية تؤكد أن تلك المحاولات التآمرية لا شك في أنها ستفشل في مواجهة الخطوط والخيوط الأساسية الممتدة من الرياض إلى واشنطن والتي عمادها الحرب على الإرهاب والنفط والتجارة واستقرار الشرق الأوسط والتعاون العسكري والعلاقات الشخصية العريقة بين الشعبين.

::/fulltext::

Getting your Trinity Audio player ready...

::cck::1811::/cck::
::introtext::

تعرف السياسة الدولية على طول الزمان وعرضه بأنها شبكة متداخلة من الخيوط وطرق ومسالك متقاطعة من الخطوط، وربما يعلم الناظر من أين تبدأ ولكن لا يمكنه أن يدرك إلى أين تقود ومن ثم تنتهي لا سيما في أوقات الأزمة. والشاهد أن أزمة ارتفاع أسعار النفط مؤخراً فجّرت براكين من الغضب المتراكم لدواع أمنية منها ما هو اقتصادي يتعلق بأسعار النفط ذاتها ومنها ما هو سياسي يرتبط بفكرة الهيمنة الأمريكية على العالم، وبين هذه وتلك بدا وكأن على العرب والمسلمين عامة وعلى دول الخليج العربية وفيها المملكة العربية السعودية كالسويداء من القلب خاصة دفع ثمن خاص لأزمة لا ناقة لهم فيها ولا جمل وإنما ترتبط بسياسات اقتصادية دولية.

::/introtext::
::fulltext::

تعرف السياسة الدولية على طول الزمان وعرضه بأنها شبكة متداخلة من الخيوط وطرق ومسالك متقاطعة من الخطوط، وربما يعلم الناظر من أين تبدأ ولكن لا يمكنه أن يدرك إلى أين تقود ومن ثم تنتهي لا سيما في أوقات الأزمة. والشاهد أن أزمة ارتفاع أسعار النفط مؤخراً فجّرت براكين من الغضب المتراكم لدواع أمنية منها ما هو اقتصادي يتعلق بأسعار النفط ذاتها ومنها ما هو سياسي يرتبط بفكرة الهيمنة الأمريكية على العالم، وبين هذه وتلك بدا وكأن على العرب والمسلمين عامة وعلى دول الخليج العربية وفيها المملكة العربية السعودية كالسويداء من القلب خاصة دفع ثمن خاص لأزمة لا ناقة لهم فيها ولا جمل وإنما ترتبط بسياسات اقتصادية دولية.

غير أن هناك من وجد في الأمر فرصة ومدعاة للهجوم على العرب ونفطهم ووصل الأمر إلى التهديد سواء في ما يخص العلاقات السياسية الاستراتيجية أو الصفقات التسليحية ناهيك عن التهديد الأحدث بتدمير (أوبك) ذاتها.

والمؤكد أن القضية أوسع وأعرض من أن نحيط بها في مقال، إذ هي في حاجة إلى أوراق بحثية مستفيضة غير أنها في كل الأحوال محاولة لإلقاء قبس من الضوء في ما يختص بفيض من الصراعات غير المحدودة أو المسبوقة.. ماذا عن ذلك؟

السعودية في مواجهة عاصفة أمريكية

فجأة ومع ارتفاع أسعار النفط في العالم بأكمله كثف عدد من الديمقراطيين في مجلس الشيوخ هجماتهم على الدول الأعضاء في منظمة البلدان المصدرة للنفط (أوبك)، وهددوا بتعطيل مبيعات أسلحة بمليارات الدولارات لأعضاء مثل المملكة العربية السعودية إذا لم تتخذ هذه الدول إجراء لخفض أسعار النفط.

وفي هذا الصدد كان بيان للمشرعين من أعضاء الحزب الديمقراطي في مجلس الشيوخ وفي مقدمتهم (تشارلز شومر) من نيويورك و(بايرن دورجان) من ولاية شمال داكوتا يطالبون البيت الأبيض باستخدام نفوذه لإقناع أعضاء أوبك بزيادة إنتاجهم أو المخاطرة بأن يعطل الكونغرس صفقات سلاح ضخمة للمملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ودول أخرى في المنطقة المنتجة للنفط، وفي مؤتمر صحفي لهم، كان شومر يصرح للصحفيين بالقول: يجب أن يدرك السعوديون أن هذا شارع له اتجاهان: عندهم الأسلحة.. وقواتنا توفر لهم الحماية.. وعندئذ يردون لنا الخير بالشر عندما يتعلق الأمر بالنفط.

تعرضت السعودية على وجه خاص لسلسلة من الهجمات من بعض أعضاء الكونغرس الأمريكي

 أما المشهد الثاني في سلسلة الهجمات التي تتعرض لها المملكة على نحو خاص فقد جاء من خلال تصريح وكيل وزارة الخزانة الأمريكية ستيورات ليفي في جلسة اجتماع للجنة المالية لمجلس الشيوخ الأمريكي نهار الثلاثاء الأول من إبريل المنصرم، وفيه أشار إلى أن المملكة العربية السعودية قصرت في اتخاذ الخطوات الكافية لاستئصال تدفق الأموال إلى المنظمات الإرهابية أو في منع مواطنيها الأغنياء من تمويل التطرف من خلال المساهمات الخيرية.

وفي اتهام ينافي ويجافي الكثير من الحقائق التي مضت في طرقها المملكة لمحاربة الإرهاب كان ستيورات يضيف (أن السعودية تعتبر اليوم البلد الذي يقدم المزيد من الأموال إلى المنظمات الإرهابية أكثر من أي بلد في العالم لا سيما في ما يخص المجموعات الإرهابية السنية وإلى طالبان).

مشهد ثالث يوضح أن الأمر منهجي وليس عشوائياً، إذ قدمت النائبة الأمريكية (سو مريك) التي تمثل الحزب الجمهوري عن ولاية كارولينا الشمالية خطة للكونغرس من عشر نقاط لمحاسبة المملكة بسبب مناهجها التعليمية ومعاداتها للسامية والتحريض ضد إسرائيل، وتستهدف الخطة ضمن أهداف أخرى مطالبة مكتب محاسبة الحكومة وهو هيئة رقابية تابعة للكونغرس بأن يقوم بالتحقيق والتأكد من استثمارات صناديق الثروة في الولايات المتحدة التي تستثمر الدول العربية عائدات النفط فيها.

فيما التهديد الأحدث كان من نصيب السيناتورة هيلاري كلينتون المرشحة للرئاسة الأمريكية والتي صرحت بنواياها في تدمير منظمة (أوبك) حال فوزها برئاسة أمريكا، إذ لم يعد ممكناً على حد قولها السماح ببقاء هذه المنظمة كاحتكار يجتمع أعضاؤه مرة كل شهرين ليقدروا كم من النفط سينتجون وكم من الأموال سيتقاضون مقابله.

والشاهد أن الحديث يطول وقائمة الاتهامات المزيفة تمتد اليوم إلى تساؤل جد خطير عما يدعيه البعض من طموحات السعودية النووية التي تقلق واشنطن ولهذا لم يكن غريباً أو مثيراً إعادة الحديث عن طرح قانون محاسبة السعودية في الكونغرس مؤخراً والتهديد بفرض عقوبات جسيمة عليها. والمقطوع به أن كل اتهام سابق مردود عليه غير أن الجزئية التي نركز عليها في هذا المقام: هل العرب مسؤولون عن زيادة أسعار النفط مما يطلق ضدهم هذه الحملة المسعورة؟ وتالياً من يقف وراء استهداف المملكة العربية السعودية متخفياً وراء ستار أسعار النفط؟

غير أن واقع الحال ربما يقتضي منا الإجابة قبل ذلك عن تساؤل أهم: هل أضحى نفط العرب أداة للهجوم ومدعاة لمواصلة إيجاد مبررات وأعذار للتيارات اليمينية الأمريكية للمضي قدماً في برامجها الإمبريالية تجاه الشرق الأوسط والخليج العربي؟

عوائد النفط وربط مزيف مع الديمقراطية

في أواخر فبراير من عام 2006 كان الرئيس بوش يؤكد أنه ينبغي على الولايات المتحدة لتعزيز أمنها القومي والاقتصادي أن تقلل اعتمادها على النفط الذي يستورد معظمه من مصادر غير جديرة بالثقة في الخارج بحسب النص. ورغم أنه لم يشر في ذلك مباشرة إلى تلك الدول إلا أنه وبعد مرور أيام قليلة على حديثه الأول كرر ثانية رغبة إدارته في خفض تبعية بلاده النفطية للشرق الأوسط بنسبة 75 في المائة حتى عام 2025.

الرؤية السائدة في واشنطن أن هناك تشابكاً بين خطوط عوائد النفط وإشكالية الإرهاب

وفي أعقاب موقف بوش كانت الهجمات تصب على العرب والمسلمين وعلى نفطهم، فنرى الكاتب الأمريكي توماس فريدمان (عراب العولمة الحديثة) يعبر وبجلاء عن التفكير المضاد عبر مقال بعنوان (نقمة النفط وأحلام نشر الديمقراطية) يقول فيه على صفحات (النيويورك تايمز) إنه كلما انخفضت أسعار النفط أرغمت الدول النفطية على تبني سياسات أكثر شفافية وأكثر حساسية تجاه انتقادات المعارضة وصوتها وكلما زاد تفاعلها وانفتاحها على العالم الخارجي، ازداد اهتمامها ببناء المؤسسات والهياكل القانونية والتعليمية.

ويرى أنصار هذا التيار أن هناك ضرراً كبيراً يمكن أن تلحقه الزيادة المفرطة في الموارد الاقتصادية على الإصلاح السياسي والاقتصادي في أي بلد ما، وهذه الوفرة المفرطة يطلق عليها (نقمة الموارد) وما أن تكون هذه النقمة خاصة بموارد النفط حتى تتضخم إلى أضعاف أضعافها، وعلى الرغم من العلم المسبق بتعدد العوامل المحددة لسياسات بلد ما فإن تلك الوفرة كما يذهب عدد وافر من محللي شؤون الطاقة والأمن في واشنطن تؤثر سلباً في تفاعل دولة ما مع بقية أرجاء العالم.

كما أن الرؤية السائدة اليوم في واشنطن تؤكد أن هناك تشابكاً بين خطوط عوائد النفط وإشكالية الإرهاب حول العالم، وفي هذا الإطار يقول ريتشارد آلان مستشار الأمن القومي الأسبق للرئيس ريجان إن الصلة السياسية وأموال النفط معروفة وتم التدليل على وجودها منذ وقت طويل فعندما تقترن الأموال المحصلة من بيع المصادر الطبيعية بالسلطة السياسية ذات النوايا السيئة فإن ذلك يكون له تأثير في علاقات أمريكا ومصالحها في العالم.

ومما لاشك فيه أن هذه الرؤية مغلوطة إلى أبعد حد ولا تخدم سوى أيديولوجية التيارات اليمينية، غير أنها ومن أسف شديد باتت تمثل الفلسفة التي تحكم التفكير في قضية الطاقة وعلاقتها بالسياسية الخارجية، ومن هنا العودة إلى حديث العلاقة بين العرب وأسعار النفط والمسؤولية المتبادلة بين الطرفين.

العرب غير مسؤولين عن زيادة الأسعار

ونبقى في مواجهة هذا التساؤل الجوهري هل العرب مسؤولون عن تلك الزيادة التي جرت لأسعار النفط وبشكل غير مسبوق لا سيما العام الماضي؟ الأمر يقتضي منا الرجوع إلى حالة الأسعار المتذبذبة منذ بدايات عام 2007 فقد هبطت أسعار النفط إلى ما دون الخمسين دولاراً للبرميل في بدايات شتاء عام 2007 ومع نهاية صيف 2007 كانت أسعار النفط تشهد ارتفاعاً قياسياً وصل في النصف الثاني من شهر أكتوبر إلى ما يزيد على تسعين دولاراً للبرميل وها هو بحلول صيف 2008 يكاد يقترب من 130 دولاراً للبرميل، ولا يستبعد محللون اقتصاديون أن يصل البرميل إلى 200 دولار في فترة ليست بعيدة، هذا من دون الحديث عن حرب جديدة في الشرق الأوسط.

والتساؤل المطروح ماذا يكون الحال عند اندلاع حرب مع إيران على سبيل المثال؟ نحيل الإجابة هنا إلى الدراسة الأمريكية الأكاديمية التي صدرت مؤخراً في واشنطن عن (مركز مراقبة الطاقة) الذي أشار إلى أن الدول الأعضاء في منظمة الدول المصدّرة للطاقة أوبك لا يصلها إلا حوالي 35 في المائة في أحسن الحالات من السعر النهائي للنفط في الدول المستوردة لها، أما الباقي فهو ضرائب حكومية ومكاسب تجنيها مصانع التكرير في دول الغرب غالباً وشركات النقل وتجار الجملة والتجزئة، أي أن معظم الزيادة في سعر البنزين مثلاً تذهب لغير الدول المنتجة للنفط. والمؤكد إحصائياً أن دول الأوبك تقف على 75 في المائة من احتياطي النفط العالمي المعروف، ولكنها تنتج فقط 40 في المائة من النفط العالمي، أي أنها تنتج أقل من طاقتها القصوى، وتنتج الباقي دول نفطية غير أعضاء في أوبك مثل الولايات المتحدة نفسها وكندا والنرويج وبريطانيا والمكسيك والصين وروسيا وكازاخستان مع العلم أن تكلفة الإنتاج لديها أعلى منها لدى دول أوبك.

أزمة ارتفاع أسعار النفط فجّرت براكين الغضب لدواع أمنية منها ما هو اقتصادي وما هو سياسي

وفي كل الأحوال فإن هناك عدة مشاهد موضوعية تقود وتؤكد أن ارتفاع الأسعار ليس إنكار جميل من العرب يتوجب التهديد بتدمير (أوبك).

وفي مقدمة تلك الأسباب يأتي تراجع سعر الدولار على المستوى العالمي أمام عملات رئيسية أخرى مما ساعد على تعزيز عمليات الشراء في مختلف السلع الأولية، وقد نال ضعف العملة الأمريكية من القدرة الشرائية لإيرادات أوبك وزاد القدرة الشرائية لبعض المستهلكين الذين تسعّر وارداتهم بعملات أخرى غير الدولار.

وقد ألمح وزراء النفط في أوبك إلى أنه رغم ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات اسمية قياسية إلا أن التضخم والدولار خففا من تأثير ذلك.

ومن الأسباب كذلك أنه منذ خفض مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأمريكي) أسعار الفائدة في منتصف أغسطس الماضي وقيام بنوك مركزية بضخ مليارات الدولارات في الأسواق المالية لتخفيف أزمة الائتمان، صعدت أسعار النفط والذهب، وفي هذه الأثناء كانت تدفقات الاستثمارات تزدهر من صناديق معاشات التقاعد والتحوط على السلع الأولية ومن بينها النفط وكذلك المضاربات.

لكن هل من أسباب أخرى تبعد شبهة تآمر العرب والمسلمين ودول الخليج على الغرب؟

نعم، فهناك الطلب المتزايد على النفط، ففي حين كانت الارتفاعات السابقة في الأسعار تنتج عن اضطرابات في الإمدادات فإن الطلب من دول مثل الصين والولايات المتحدة يبقى المحرك الرئيسي للزيادات الراهنة.

كما أن انخفاض إمدادات النفط الخام لنيجيريا ثامن أكبر بلد مصدّر للنفط في العالم منذ فبراير 2006 بسبب هجمات متشددين على صناعة النفط في البلاد قد أوقف إنتاج ما نحوه 547 ألف برميل يومياً من إنتاج نيجيريا بسبب الهجمات وعمليات التخريب والنتيجة المترتبة على ذلك معروفة مسبقاً.

والمقطوع به أن الولايات المتحدة الأمريكية، وعلى نحو خاص إدارة بوش، مسؤولة عن هذا الارتفاع لا سيما في ما يتعلق بمحوري العراق وإيران… ماذا عن ذلك؟

منذ الغزو الأمريكي للعراق وصناعة النفط هناك تشهد تدهوراً ملحوظاً وانخفاضاًً كبيراً في إنتاج العراق، من جراء أعمال المقاومة التي تجزم بأنها لن تدع الاحتلال الأمريكي يهنأ بنفط البلاد، تلك الثروة التي كانت وراء الغزو، ومهما تتخفى وراء أقنعة مثل أسلحة الدمار الشامل وغيرها.

وبحسب المراقبين للأوضاع المضطربة في العراق فإنه ليس مرجحاً أن تستقيم الأمور النفطية مما سيؤثر في الارتفاع المتزايد للأسعار.

أما المحور الثاني، أي إيران، ففيه يشعر مستهلكو النفط بالقلق بشأن تعطل إمدادات النفط من إيران رابع أكبر مصدر له في العالم والمنخرطة بصراع مع الغراب بسبب برنامجها النووي.

وبديهي أنه كلما ازدادت حالة التوتر والتهديدات باشتعال حرب جديدة أو توجيه ضربة عسكرية لإيران شهدت الأسعار ارتفاعاً بسبب زيادة الطلب خوفاً من أن يحدث نقص في الأسواق إذا عطلت إيران إمدادات النفط للعالم الخارجي عبر مضيق هرمز.

وللمرة الثانية نؤكد أن كل ما تقدم ليس إلا غيضاً من فيض، وأن كل جزئية في حاجة إلى مزيد من الشرح الوافي والتحليل الشافي، غير أن ما تقدم يقودنا إلى إشكالية التهديد بوقف صفقات التسلح لدول الخليج وهنا تتبدى الأيادي الخفية التي تهيج الإدارة الأمريكية ضد دول الخليج والسعودية على نحو خاص فماذا عن ذلك؟

صفقات الأسلحة.. من يحتاج الآخر أكثر؟

عودة من جديد إلى التهديد الذي أطلقه أعضاء مجلس الشيوخ في بيانهم وفيه ربط بين مبيعات الأسلحة إلى دول الخليج وأسعار النفط المرتفعة، وهنا يحلو لنا أن نطرح تساؤلاً بديهياً قبل أن ننحو جهة الآراء الأمريكية في هذا الشأن، والتساؤل هو من يحتاج الآخر أكثر؟ هل الولايات المتحدة التي تعاني عجزاً اقتصادياً غير مسبوق؟ أم دول الخليج التي تتوافر لها أسواق مختلفة لشراء السلاح شرقاً وغرباً والمتمتعة بوفرة مالية من جراء العوائد النفطية؟

الإجابة من دون تطويل ممل ولا اختصار مخل هي أن عجلة المصانع العسكرية الأمريكية هي الأكثر حاجة إلى المليارات العائدة من نفط العرب لتدوير الاقتصاد الأمريكي حتى لو كان المقابل الذي ستحصل عليه دول الخليج هو صفقات أسلحة لن تستخدم لا داخلياً ولا خارجياً وكثيراً ما كانت صفقات تحت الضغط الأمريكي وكشرط للدخول في حروب عسكرية كما جرى في حرب العراق الأولى والثانية على التوالي؟

والتساؤلات فلسفياً كثيراً ما تكون أهم من الأجوبة؟ ولذلك نتركها مفتوحة ليستنتج القارئ بنفسه ماذا هناك من إجابة ولنعد سوياً إلى الداخل الأمريكي وشهادات غير مجروحة في هذا السياق.

يقول سكوت ستانزل المتحدث باسم البيت الأبيض إن خطة المشرعين هي (تصرف خاطئ عندما يتعلق الأمر بأمننا الوطني وطاقتنا) ويضيف أن مبيعات الأسلحة لحلفائنا تتم لأنها في مصلحة أمننا القومي وليس لأنها ورقة مساومة.

أما جاك لافت المدير المشارك لمعهد تحليل الأمن العالمي فيرى أن الولايات المتحدة تحتاج إلى نفط أوبك أكثر من حاجة أعضاء المنظمة للأسلحة الأمريكية، ويضيف أن هذه الأسلحة بالنسبة للسعوديين سلع رفاهية، أما النفط بالنسبة للأمريكيين فهو مسألة بقاء وطني.

ونبقى مع تحذير فرانك فيراسترو الخبير في مجال الطاقة في مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية الدولية والذي حذر من أن ربط أسعار النفط بمبيعات الأسلحة قد يدفع دولاً منتجة للنفط في الشرق الأوسط لعقد اتفاقيات أسلحة مقابل النفط مع دول مثل روسيا والصين، الأمر الذي يضر بالمصالح الأمنية الأمريكية.

والشاهد أن هناك أطرافاً لا تغيب عن الناظر للمشهد لا يهمها الأمن القومي الأمريكي بقدر ما يهمها خدمة أغراضها هذه هي التي تقف وبحق وراء ذلك الهجوم الذي تتعرض له المنطقة.. ماذا يعني ذلك؟

إسرائيل وعرقلة صفقات سلاح العرب

مع تكشف فضيحة التجسس الإسرائيلية الأخيرة على الولايات المتحدة الأمريكية والتي اتهم فيها الإسرائيلي الأمريكي كاديش بن عامي بسرقة أسرار عسكرية أمريكية ونقلها لإسرائيل كانت أبعاد إسرائيلية تجسسية جديدة على أمريكا تتكشف للملأ ومنها ما أشار إليه المحقق السابق في البحرية الأمريكية رون تاوليف عن بعض الجوانب الإضافية في قضية الجاسوس الإسرائيلي ومنها أن مهمة كاديش كانت تتركز على محاولة سرقة وثائق تتعلق بأسلحة أرسلت إلى المملكة العربية السعودية في الثمانينات من القرن الماضي ولا سيما طائرات (F15) التي زودت آنذاك بأنظمة تسلح متطورة بالقياس إلى الطائرات المقاتلة في العالم في ذلك الوقت.

هذا الخبر يقودنا إلى حالة من الرفض المطلق التي سادت في أوساط إسرائيل غداة الإعلان عن الصفقة التسليحية الأمريكية لدول الخليج العام الماضي، فقد كتبت صحيفة (يديعوت أحرونوت) الإسرائيلية مشيرة إلى أن اعتراضات إسرائيل على الصفقة أدت إلى تأجيلها بسبب القول إنها ستخل بالميزان العسكري بين العرب وإسرائيل.

وفي هذا الصدد كانت (النيويورك تايمز) تشير إلى أن عدداً من المسؤولين الإسرائيليين وفي مقدمتهم وزير الدفاع السابق شاؤول موفاز قد زاروا واشنطن مؤخراً لعرض وجهة نظرهم ضد أجزاء من الصفقة لا سيما تلك التي تتعلق بنقل تكنولوجيا الأسلحة الموجهة بالأقمار الاصطناعية والتي ستمنح الطائرات التي ستحويها الصفقة مزيداً من الدقة في ضرب الأهداف، والشاهد أن وزير الدفاع الإسرائيلي وقتها عمير بيرتس طلب إلى وزير الدفاع الأمريكي روبرت غيتس وقف هذه الصفقة وكل صفقة مشابهة، أما السبب فهو العودة إلى الشعار القديم لإسرائيل (لا أسلحة للأعداء العرب).

وهنا يخطر لنا تساؤل هل هذا المشهد الانقلابي ضد دول الخليج والذي يتذرع بأسعار النفط في جزء أصيل منه يأتي ضمن حرمان العرب من التكنولوجيا العسكرية الأمريكية الجديدة؟

 مهما يكن من شأن الإجابة فإن الأهم هو الوقوف على ناصية العلاقات السعودية-الأمريكية في الحال والاستقبال… فماذا عن هذا؟

من الرياض إلى واشنطن.. علاقات استراتيجية

وتبقى قبل الانصراف هذه الجزئية الحيوية والتي نظلمها كثيراً إذا حاولنا اختزالها في سطور قليلة، بمعنى لا شك أن العلاقات السعودية-الأمريكية هي علاقات استراتيجية منذ زمان، وأن المحاولات الفردية وحتى شبه الجماعية لا يمكن أن تؤثر فيها ذلك لأنها، وبحسب تعبير الدكتورة راشيل برونسون فإنها علاقات أثقل من النفط (Thicker than oil) وبهذا تتجاوز النفط إلى توازنات استراتيجية إقليمية ودولية تتسق ومصالح الأمن القومي الأمريكي عبر نصف القرن المنصرم وتمتد إلى عقود طويلة.

ولعل هذا المنطلق هو الذي دعا جريج بريدي المحلل السياسي لدى مؤسسة (أوراسيا جروب) للقول إنه من المرجح أن يستخدم البيت الأبيض حق الاعتراض على الجهود التي تربط بين مبيعات الأسلحة إلى الشرق الأوسط بأسعار النفط.

إن الناظر لمشهد العلاقات الأمريكية-السعودية بعين حيادية يدرك أنها قائمة على مسارات ثابتة لم ولن تتمكن (الفئة الضالة) على الجانبين من التأثير فيها لا سيما أنها حزمة أخلاقية تسمو فوق الخلافات والصراعات النسبية، حزمة عمادها الاحترام المتبادل والتعاون المشترك والتفاهم الصادق من أجل مصلحة البلدين، هذه المصلحة التي تلقي بعيداً عنها النسق البراغماتي الأحادي للبلدين فقط لتهتم كذلك بمصالح المنطقة العربية والعالم بأسره.

والحاصل أن صحوة صحية، إن جاز التعبير، تعيشها العلاقات السعودية-الأمريكية منذ زيارة خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز إلى الولايات المتحدة في إبريل 2005، تلك الزيارة التي نتج عنها المزيد من التعاون والتنسيق والذي امتد بنجاح حتى زيارة نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني الأخيرة والتقدير الطيب الذي لاقاه في المملكة.

ولعل تصريحات وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل عن الأطر والركائز التي تقوم عليها العلاقات السعودية-الأمريكية تؤكد أن تلك المحاولات التآمرية لا شك في أنها ستفشل في مواجهة الخطوط والخيوط الأساسية الممتدة من الرياض إلى واشنطن والتي عمادها الحرب على الإرهاب والنفط والتجارة واستقرار الشرق الأوسط والتعاون العسكري والعلاقات الشخصية العريقة بين الشعبين.

::/fulltext::
::cck::1811::/cck::

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *