البرنامج النووي الإيراني بين متطلبات الوكالة الدولية ومصالح الولايات المتحدة
::cck::1618::/cck::
::introtext::
لعل من نافلة القول الإشارة إلى أن سعي إيران إلى امتلاك برنامج نووي يأتي ضمن هدفها امتلاك مصادر طاقة بديلة عن المصادر التقليدية الآخذة بالنضوب وتحديداً النفط. بل يمكن القول إن كل شيء يتعلق بالصراع الدائر بين إيران والغرب والوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ملفها النووي هو صراع قام ويقوم على من له الحق في امتلاك التكنولوجيا الخاصة بإنتاج الطاقة؛ ذلك من دون أن نقلل من الأهداف السياسية والاقتصادية الأخرى التي يرمي إليها مختلف الأطراف من وراء التعامل مع الملف النووي الإيراني، وآثار ذلك في التوازن الإقليمي والدولي.
::/introtext::
::fulltext::
لعل من نافلة القول الإشارة إلى أن سعي إيران إلى امتلاك برنامج نووي يأتي ضمن هدفها امتلاك مصادر طاقة بديلة عن المصادر التقليدية الآخذة بالنضوب وتحديداً النفط. بل يمكن القول إن كل شيء يتعلق بالصراع الدائر بين إيران والغرب والوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ملفها النووي هو صراع قام ويقوم على من له الحق في امتلاك التكنولوجيا الخاصة بإنتاج الطاقة؛ ذلك من دون أن نقلل من الأهداف السياسية والاقتصادية الأخرى التي يرمي إليها مختلف الأطراف من وراء التعامل مع الملف النووي الإيراني، وآثار ذلك في التوازن الإقليمي والدولي.
لا يعد هذا الملف في حقيقته إلا جزءاً من الصراع الدولي على الطاقة والاستحواذ عليها؛ فمع ازدياد التكهنات والإحصائيات السلبية لنفاد الاحتياطيات النفطية في العالم؛ بحيث وصلت في إيران حداً لم تعد قادرة معه على الوفاء بالكمية المخصصة لها في (أوبك) لإنتاج النفط يومياً؛ بحيث انخفضت أرقام الإنتاج حداً كبيراً بموجب دراسات حديثة؛ كما قامت إيران منذ مطلع العام الماضي باتباع سياسة تقنين بيع النفط بما يؤشر إلى نفاد كمية المخزون النفطي لديها (تشير بعض الدراسات إلى نفادها في عام 2015)؛ وتشير بعض الإحصائيات إلى قيام إيران باستيراد ما مقداره خمسة مليارات من البنزين من السوق الخارجية في العام الماضي لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة؛ ولعل ارتفاع أسعار النفط العالمية وسياسة التعتيم الإعلامي التي تتبعها إيران أحد الأسباب الرئيسية وراء عدم كشف هذه التهديدات على بنية الاقتصاد الإيراني في المستقبل القريب. وتزداد خطورة نضوب النفط على الاقتصاد الإيراني كونها ذات اقتصاد استهلاكي بحيث لا يزال يشكل النفط المصدر الأساسي للدخل القومي بنسبة تصل إلى 88 في المائة.
ولذلك بدأت إيران السعي إلى امتلاك طاقة بديلة عن النفط؛ بحيث وجدت ضالتها في الطاقة النووية. ولم يكن الصراع بين إيران والمجتمع الدولي على الملف النووي الإيراني كون البرنامج يسعى إلى صنع القنبلة النووية بقدر ما كان رغبة الولايات المتحدة والغرب في امتلاك تكنولوجيا إنتاج الطاقة والحفاظ عليها، لتحقيق السيطرة الكاملة على كل مقدرات الطاقة، بيعاً وإنتاجاً وتسويقاً، لبيعها للدول الأخرى وخصوصاً تلك الدول (إيران ودول الخليج أو تحديداً أعضاء منظمة أوبك) التي امتلكت لقرن مضى المادة الأساسية لإنتاج الطاقة ألا وهي النفط. وهو ما تحاول إيران كسره عبر استكمال عجلة إنتاج اليورانيوم المخصب، الوقود الأساسي للمفاعلات الذرية المنتجة للطاقة؛ فإيران هي الأخرى تسعى إلى امتلاك هذه الطاقة لبيعها لدول الجوار التي أخذت احتياجاتها للطاقة في السنوات الأخيرة بالارتفاع.
واستكملت الولايات المتحدة مع حليفتها تركيا حلقتها على إيران والدول الأخرى في المنطقة الساعية نحو إنتاج طاقة بديلة عن النفط بأن بنت سلسلة من السدود المنتجة للطاقة -منذ القرن الماضي- على نهر الفرات؛ ضمن سعيها إلى إحكام الحصار على هذه الدول وهي إنما كانت تسعى (الولايات المتحدة) -التي مولت هذه المشاريع- إلى جعل دول المنطقة في المستقبل خاضعة لرغبات هذه الدول وحاجتها للطاقة.
قد تختلف قراءة الدول للملف النووي الإيراني، كل بحسب مصالحه واهتماماته؛ فإسرائيل تقرؤها من زاوية عسكرية وتهديداً لوجودها في زمن الحرب، وكسراً لاحتكارها للطاقة النووية في زمن السلم، في ظل مقاطعة ورفض واسع لها في المنطقة، لكن تأتي قراءة الولايات المتحدة للملف من زاوية اقتصادية بحتة.
ويأتي اهتمامنا بالقراءة الأمريكية للملف النووي الإيراني في ظل سعي هذه الورقة لاستعراض الجانب التاريخي للمشروع النووي لإيران، للدور الذي قامت فيه بتدشين البرنامج النووي في حقبة الستينات من القرن الماضي، ناهيك عن تصديها لإيران في أغلب المحافل الدولية تحت شعار المخاوف غير السلمية للمشروع النووي الإيراني في تهديد السلم والأمن الدوليين. ويمتاز تعامل الولايات المتحدة مع هذه الدولة بميزة فقدتها حين تعاملت مع العراق وذلك من خلال بوابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية بما يضمن زخماً وضغطاً ومصداقية أكثر لتعاملها مع إيران.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الورقة استعانت بعدد من الدراسات والتقارير المنشورة المستقاة من الانترنت والمجلات العلمية لإخراجها بهذه الصورة، بالإضافة إلى لقاءات تمت مع بعض المسؤولين الإيرانيين في الأردن.
بداية المشروع النووي الإيراني
لم تكن إيران بعيدة عن مشاريع الولايات المتحدة المتعلقة بإنتاج الطاقة وتسويقها لدول المنطقة لاحقاً؛ إذ كان للولايات المتحدة وحلفائها عامل السبق في ولادة المشروع النووي الإيراني في نهاية الستينات وبداية السبعينات، أي قبل نجاح ثورتها في عام 1979، بل كان لهم دور كبير في غزو إيران وعلمائها حقل بحوث وتطوير البرامج النووية في منتصف الستينات تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية ضمن إطار الاتفاقيات الثنائية الموقعة بين الطرفين؛ والتي أخذت حكومات الثورة تجني ثمارها في الوقت الراهن، حيث كان مركز طهران للبحوث النووية الذي أسس عام 1967 من أوائل المنشآت التي بنيت من قبل الشاه بتعاون أمريكي كامل ويدار من قبل مؤسسة الطاقة الذرية الإيرانية. ويحتوي هذا المركز على مفاعل بقدرة 5 ميغاوات تم تزويد إيران بهِ من قبل الولايات المتحدة؛ وللمفاعل القدرة على إنتاج 600 غرام من البلوتونيوم سنوياً.
وتشير وثيقة سرية نشرت في يونيو 2003 من قبل الحكومة الأمريكية تحت عنوان (النزاع النووي الإيراني مهمة الدكتور محمد البرادعي المستحيلة إلى إيران) إلى حجم التعاون الأمريكي-الإيراني في إنشاء المفاعلات النووية ففي منتصف السبعينات، حيث شجع الأمريكان حكومة الشاه على إيجاد مصادر طاقة بديلة غير نفطية، واقترحوا إنشاء مفاعلات نووية عدة للحصول على الطاقة الكهربائية. ومنح الشاه لاتحاد (كرافت فيرك) وهي شركة من شركات سيمنز الألمانية الغربية الترخيص لإنشاء مفاعلين بقدرة 1،200 ميغاوات في (بوشهر) وحدد تاريخ البدء بالعمل عام 1974. وفي عام 1975 قام معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بتوقيع عقد مع مركز طهران للبحوث النووية لتدريب أول كادر من المهندسين النووين في أصفهان في منتصف السبعينات بمساعدة فرنسية لتقديم التدريب المطلوب للأفراد العاملين في مفاعل بوشهر، وكان من المخطط شراء 8 مفاعلات من الولايات المتحدة الأمريكية من قبل حكومة الشاه في العاشر من يوليو 1978، أي قبل سبعة أشهر من انتصار الثورة الإسلامية في إيران).
ويشير السفير الإيراني السابق في الأردن محمد إيراني في محاضرة له بالمعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية بعمّان في يونيو 2006 إلى تاريخ البرنامج النووي الإيراني بالقول (في عام 1957 وقّعت إيران وأمريكا معاهدة تعاون في المجال الذري المدني بناء على اقتراح أيزنهاور، ومن ثم استلمت إيران كيلو غرامات عدة من اليورانيوم المخصب من جانب أمريكا، ووقّعت إيران في عام 1968 معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية مع الوكالة الدولية، ودخلت المعاهدة حيز التنفيذ في عام 1970. وقدمت إيران قرضاً قدره مليار دولار إلى مفوضية الطاقة الذرية الفرنسية، حيث استخدم لإنشاء مصنع أورديف لتخصيب اليورانيوم وفي المقابل شاركت إيران في 10 في المائة من أسهم المصنع، وفي عام 1974 توصلت كل من إيران وأمريكا إلى اتفاق على بناء محطتين نوويتين واستلام اليورانيوم المخصب، أما في عام 1977 فدفعت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية ملياري دولار لشركات فرنسية (فراماتوم – أسبي – ألستوم)، من أجل بناء محطة نووية في منطقة دارخوين). ويضيف السفير أنه (بعد انتصار الثورة الإسلامية في عام 1979 قامت فرنسا وألمانيا بإلغاء اتفاقهما مع إيران من جانب واحد، وغادرت شركاتهما إيران، ولغاية الآن هنالك مبالغ مالية ضخمة لا تزال لديهما ويجب أن يعيداها. وخلال حرب الثماني سنوات مع العراق، كانت هنالك مباحثات مع الجانب الروسي لإكمال محطة بوشهر للطاقة وبعد انتهاء الحرب بدأ الجانب الروسي بإتمام هذا المشروع بشكل جدي).
غير أن كل هذه المشاريع توقفت تماماً عندما اندلعت الثورة الإسلامية عام 1979 وبدء الحرب العراقية – الإيرانية؛ حيث توقفت كل أشكال التعاون النووي بل تم وقف تصدير كل المواد ذات الطابع النووي أو الاستخدام المزدوج إلى إيران؛ واشتركت مع الولايات المتحدة بعض الدول الأوروبية التي كان لها إسهام في البرنامج النووي مثل ألمانيا وفرنسا ثم روسيا بمرحلة لاحقة؛ فقد ألغى الكونغرس الأمريكي اتفاقية التعاون الفني والتقني المبرمة بين البلدين؛ وتوج منعه بإصدار قانون (داماتو) الذي حظر على إيران استيراد كافة المواد والمعدات التي تستخدم في المجالات الصناعية النووية، ومنع القانون الشركات الأمريكية والأجنبية من التعامل مع إيران، لكن سرعان ما استأنفت إيران نشاطاتها بانتهاء الحرب العراقية – الإيرانية بالتعاون مع روسيا والدول التي تأسست من رحم الاتحاد السوفييتي السابق (تحديداً أوكرانيا)، لكن سرعان أيضاً ما اتخذ الملف أشكالاً تصعيدية ضد إيران مع بروزها كقوة إقليمية بعد الغزو الأمريكي للعراق، بل أصبح ورقة ضغط متبادلة بين إيران وبقية الأطراف.

إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية
مع إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش في فبراير 2003 أن الولايات المتحدة لن تسمح مطلقاً لإيران بامتلاك السلاح النووي وتم تصنيفها من الدول الراعية للإرهاب الدولي أو من (دول محور الشر)؛ بدأ الملف النووي الإيراني يأخذ أبعاداً خطيرة ومتسارعة، وكانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مسرحاً للتجاذبات الدولية مع إيران، وازداد الأمر تعقيداً مع انتقال الملف إلى مجلس الأمن الدولي الذي فوّض الوكالة سلطة تقرير التزام إيران من عدمه بمقررات المجلس؛ وتتجلى خطورة الموضوع أن القرارات التي تصدر تأتي ضمن سياق البند السابع لميثاق الأمم المتحدة؛ حيث يتيح هذا الفصللمجلس الأمن فرض عقوبات غير عسكرية، مثل قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصاديةجزئياً أو كلياً، فضلاً عن عقوبات في ميدان النقل والاتصال.
الملف النووي الإيراني في حقيقته ما هو إلا جزء من الصراع الدولي على الطاقة والاستحواذ عليها
ففي 16 يونيو 2003 وخلال مناقشات الوكالة الدولية للطاقة الذرية الملف النووي الإيراني فاجأ الاتحاد الأوروبي الجميع باتخاذ موقف يقضي باستخدام القوة ضد إيران حينما تفشل الدبلوماسية في معالجة التهديدات من أسلحة الدمار الشامل؛ وقد تمت قراءة هذا التصريح ضمن منظومة التأثير في موقف الوكالة الدولية بل والرأي العام الدولي؛ حيث أعلن محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن طهران أخفقت في الالتزام بالواجبات المنصوص عليها في معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. وهو ما سرع من وتيرة نقل الملف إلى الأمم المتحدة.
وفي 26 أغسطس 2003 أعلنت الوكالة الدولية أنها عثرت على آثار يورانيوم مخصب من الدرجة المستخدمة في منشأة (ناتانز)؛ وهو ما فسر بأن إيران تقوم بشكل سري بتخصيب اليورانيوم لاستخدامه في صنع الأسلحة النووية؛ وازدادت الضغوط على إيران حتى رضخت لطلبات الوكالة بالتوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي، حيث أعلن (خرازي) في 29 سبتمبر 2003 قبول بلاده للتوقيع على البروتوكول الإضافي؛ وقبلت إيران بدخول مفتشي الوكالة إلى طهران في أكتوبر 2003 للقيام بجولة من التفتيش في المواقع الإيرانية؛ وكذلك إجراء مباحثات مع المسؤولين الإيرانيين بهذا الشأن. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل ألزمت الوكالة إيران بضرورة تقديم إثباتات لعدم امتلاكها أسلحة نووية، وأعطت مهلة لذلك نهاية أكتوبر 2003؛ الأمر الذي أثار إيران وجعلها تعلن عن نيتها تخفيض تعاونها مع الوكالة الدولية، مهددة بالانسحاب من اتفاقية منع الانتشار النووي. وحاول الأوروبيونإسعاف الوضع بزيارة ممثلين عن بريطانيا وألمانيا وفرنسا إلى إيران، وتم الاتفاق على تقديم المساعدة لطهران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وأيضاً تقديم كل المساعدات التقنية والفنية في هذا الاتجاه، مقابل أن توقف طهران كل برامج تخصيب اليورانيوم، وكذلك القبول بالتفتيش المفاجئ لمفتشي الوكالة الدولية.
وبالفعل وافق الطرفان على هذه الصيغة، وترتب عليها توقيع إيران للبروتوكول الإضافي في ديسمبر 2003، إلا أن إيران احتفظت بحقها في إعادة النظر بهذا الموقف مستقبلاً، إن حدثت متغيرات دولية في هذا الشأن؛ وهو ما حدث لاحقاً عندما شرعت إيران باستئناف أنشطة الأبحاث في مجال تخصيب اليورانيوم، رافضة اقتراح التسوية الروسي بإجراء عمليات تخصيب اليورانيوم الإيراني في روسيا؛ وتتذرع إيران بحاجتها إلى التكنولوجيا النووية لتوليد الكهرباء، وقامت بإزالة أختام الأمم المتحدة على منشآت أبحاث تخصيب اليورانيوم، منتهكة اتفاق باريس الذي توصلت إليه الأطراف الأوروبية وإيران في نوفمبر 2004 ، وهو الاتفاق الذي قامت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على أثره بوضع أختام على معدات حساسة في منشأة تحويل اليورانيوم في أصفهان ومحطة تخصيب اليورانيوم في ناتانز. واتهمت إيران الدول الأوروبية بعدم التزامها باتفاق باريس عندما تعهدت بالاعتراف بحق إيران في ممارسة نشاطات تحويل اليورانيوم وتخصيبه، وأن المفاوضات التي عقدتها مع الأوروبيين طوال ثمانية أشهر أسفرت (عن القليل إن لم يكن لا شيء)، على حد تعبير المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية.
لا يزال الوضع بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران عرضة أكثر للتصعيد وقد يصل إلى عمل مسلح
ولذلك أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قراراً يتناول الإجراءات التي ستتخذها ضد إيران كرد على استئناف الأخيرة نشاطها النوويوذلك بدعوة من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بعد فشل مفاوضاتها وجاء في القرار (أنه يجب على إيران أن تعود إلى التعليق الكامل لكافة الأنشطة المرتبطة بدورة الوقود النووي)، ويرى مجلس الحكام ضرورة قيام إيران بتعليق كل النشاطات المرتبطة بتخصيب اليورانيوم، كما عبّر مجلس الحكام (عن قلقه العميق من قرار إيران استئناف نشاطات تحويل اليورانيوم) في أصفهان. ورافق ذلك تشكيك دولي بنوايا إيران، وتفاقم الوضع مع تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد المتعلقة بإزالة إسرائيل من الوجود؛ بحيث أخذت إيران تشعر بخطر إحالة ملفها النووي إلى الأمم المتحدة؛ ولذلك أعلنت أنها تأمل بتفادي الإحالة إلى مجلس الأمن بعد أن سلمت المزيد من الوثائق، وسمحت لمفتشي الوكالة بإجراء المزيد من عمليات التفتيش. وللتخفيف من ذلك سمحت طهران للمرة الثانية للمفتشين بزيارة موقع (بارشين) العسكري الذي يوصف بـ (الحساس) وهو ما جعل الوكالة الدولية تعرب عن سعادتها. إلا أنه وإزاء التشدد الأمريكي بالدرجة الأولى وعدم الثقة بإيران بالدرجة الثانية، وتهديد الدول الأوروبية بإيقاف أو الانسحاب من مفاوضاتها مع إيران، بعد أن رفضت الأخيرة سياسة العصا والجزرة التي اتبعتها الترويكا الأوروبية في مفاوضاتها خلال السنوات الماضية، رفضت إيران عرضاً للاتحاد الأوروبي بمنحها حوافز سياسية واقتصادية مقابل التخلي عن برنامجها النووي لاعتقادها بأن الملف النووي يستخدم من قبل الولايات المتحدة عبر الدول الأوروبية لتمرير أجندات خاصة (سواء في العراق أو لصالح أمن إسرائيل) مما يحرم إيران من الاستفادة من الطاقة النووية؛ فالإيرانيون يطلبون من الدول الأوروبية بديلاً مقبولاً عن تخليها عن حق مشروع ويتمثل في تزويدها بالتكنولوجيا النووية، إلا أن التجربة العملية أثبتت للإيرانيين أن الأوروبيين غير مستعدين للإستجابة لهذا الطلب الإيراني، وهو ما يعطيهم دليلاً واضحاً للمعايير الأوروبية المزدوجة في التعامل مع الملفات النووية، ويكشف عن حقيقة الدور الأمريكي الرئيسي؛ حيث إن الولايات المتحدة هي القادرة على تقديم الاتفاقيات والتكنولوجيا التي تحتاجها إيران.
كل هذه المواقف دفعت المجتمع الدولي إلى تقديم الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن في ظل تشكيك من جانب الصين وروسيا من جدوى هذه الخطوة التي ستدفع إيران إلى مزيد من التشدد. وسبق هذه الخطوة إعلان البرادعي أنه بعد ثلاث سنوات من التحقيقات المكثفة فإنه (ليس بإمكاني بعد إصدار حكم حول الطبيعة السلمية للبرنامج)، مضيفاً أن (الدبلوماسية ليست مجرد كلام فقط ولكنها بحاجة أيضاً إلى وسائل ضغط وفي أسوأ الأحوال إلى القوة)، مشيراً إلى عدم استعداد الوكالة الدولية لتمديد الفترة التي منحت لإيران بغرض إظهار تعاونها مع الوكالة. ولذلك كانت هذه المقدمات التي أسفرت عن تناول مجلس الأمن للملف النووي الإيراني.
وحسمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في اجتماعها الاستثنائي الشكوك (5-2-2006)، فأصدر مجلس محافظيها قراراً بالأغلبية لتنتقل أزمة الملف إلى مجلس الأمن في شهر مارس من العام نفسه؛ واتخذ مجلس الأمن الدولي أربعة قرارات بشأن إيران ثلاثة منها مرفقة بعقوبات تدعو إلى تعليق تخصيب اليورانيوم، لكنه لم يأذن بالقيام بأي عمل عسكري. ولا يزال الوضع بين الوكالة وإيران عرضة أكثر للتصعيد قد ينتقل فيه الوضع إلى استخدام العمل المسلح ضد إيران.
وأخيراً يمكن اختصار تاريخ المشروع النووي الإيراني مع الوكالة الدولية للطاقة بحاجة إيران إلى مصادر بديلة عن الطاقة الناضبة (النفط) وهي حاجة طبيعية ترتبط بوجود وبقاء الدول وصيرورتها، وتكون أكثر أهمية إذا استطاعت الحفاظ على بقائها بعيداً عن السيطرة السياسية للدول الأخرى وخصوصاً منتجي الطاقة. فالدول في سعيها للبقاء تبحث عن مصادر تؤمن وجودها وبقاءها؛ والتاريخ مليء بالشواهد والصراعات التي تعبر عن حاجة الدول للبقاء من جهة، وحاجتها للاستقلال عن السيطرة الخارجية من جهة أخرى؛ وتجسدت هذه المعادلة -على سبيل المثال- بتأميم رئيس وزراء إيران محمد مصدق للنفط في عام 1953 كتعبير عن حاجة إيران للبقاء أكثر من كونه استقلالاً، لكن فشل التأميم فيما بعد إنما جاء ليعبر عن السيطرة الخارجية نتيجة للضغوط الغربية والأمريكية تحديداً. ولعل التاريخ القريب في العراق وسيطرة الولايات المتحدة على نفطه دلالة على حجم الصراع على الطاقة أياً كان نوعها، صناعية (نووية، الطاقة الناتجة عن السدود) أو طبيعية (النفط والغاز)، ويأتي تعامل الغرب والولايات المتحدة مع الملف النووي الإيراني تجسيداً آخر لطرفي المعادلة.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1618::/cck::
::introtext::
لعل من نافلة القول الإشارة إلى أن سعي إيران إلى امتلاك برنامج نووي يأتي ضمن هدفها امتلاك مصادر طاقة بديلة عن المصادر التقليدية الآخذة بالنضوب وتحديداً النفط. بل يمكن القول إن كل شيء يتعلق بالصراع الدائر بين إيران والغرب والوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ملفها النووي هو صراع قام ويقوم على من له الحق في امتلاك التكنولوجيا الخاصة بإنتاج الطاقة؛ ذلك من دون أن نقلل من الأهداف السياسية والاقتصادية الأخرى التي يرمي إليها مختلف الأطراف من وراء التعامل مع الملف النووي الإيراني، وآثار ذلك في التوازن الإقليمي والدولي.
::/introtext::
::fulltext::
لعل من نافلة القول الإشارة إلى أن سعي إيران إلى امتلاك برنامج نووي يأتي ضمن هدفها امتلاك مصادر طاقة بديلة عن المصادر التقليدية الآخذة بالنضوب وتحديداً النفط. بل يمكن القول إن كل شيء يتعلق بالصراع الدائر بين إيران والغرب والوكالة الدولية للطاقة الذرية حول ملفها النووي هو صراع قام ويقوم على من له الحق في امتلاك التكنولوجيا الخاصة بإنتاج الطاقة؛ ذلك من دون أن نقلل من الأهداف السياسية والاقتصادية الأخرى التي يرمي إليها مختلف الأطراف من وراء التعامل مع الملف النووي الإيراني، وآثار ذلك في التوازن الإقليمي والدولي.
لا يعد هذا الملف في حقيقته إلا جزءاً من الصراع الدولي على الطاقة والاستحواذ عليها؛ فمع ازدياد التكهنات والإحصائيات السلبية لنفاد الاحتياطيات النفطية في العالم؛ بحيث وصلت في إيران حداً لم تعد قادرة معه على الوفاء بالكمية المخصصة لها في (أوبك) لإنتاج النفط يومياً؛ بحيث انخفضت أرقام الإنتاج حداً كبيراً بموجب دراسات حديثة؛ كما قامت إيران منذ مطلع العام الماضي باتباع سياسة تقنين بيع النفط بما يؤشر إلى نفاد كمية المخزون النفطي لديها (تشير بعض الدراسات إلى نفادها في عام 2015)؛ وتشير بعض الإحصائيات إلى قيام إيران باستيراد ما مقداره خمسة مليارات من البنزين من السوق الخارجية في العام الماضي لتلبية احتياجاتها المتزايدة من الطاقة؛ ولعل ارتفاع أسعار النفط العالمية وسياسة التعتيم الإعلامي التي تتبعها إيران أحد الأسباب الرئيسية وراء عدم كشف هذه التهديدات على بنية الاقتصاد الإيراني في المستقبل القريب. وتزداد خطورة نضوب النفط على الاقتصاد الإيراني كونها ذات اقتصاد استهلاكي بحيث لا يزال يشكل النفط المصدر الأساسي للدخل القومي بنسبة تصل إلى 88 في المائة.
ولذلك بدأت إيران السعي إلى امتلاك طاقة بديلة عن النفط؛ بحيث وجدت ضالتها في الطاقة النووية. ولم يكن الصراع بين إيران والمجتمع الدولي على الملف النووي الإيراني كون البرنامج يسعى إلى صنع القنبلة النووية بقدر ما كان رغبة الولايات المتحدة والغرب في امتلاك تكنولوجيا إنتاج الطاقة والحفاظ عليها، لتحقيق السيطرة الكاملة على كل مقدرات الطاقة، بيعاً وإنتاجاً وتسويقاً، لبيعها للدول الأخرى وخصوصاً تلك الدول (إيران ودول الخليج أو تحديداً أعضاء منظمة أوبك) التي امتلكت لقرن مضى المادة الأساسية لإنتاج الطاقة ألا وهي النفط. وهو ما تحاول إيران كسره عبر استكمال عجلة إنتاج اليورانيوم المخصب، الوقود الأساسي للمفاعلات الذرية المنتجة للطاقة؛ فإيران هي الأخرى تسعى إلى امتلاك هذه الطاقة لبيعها لدول الجوار التي أخذت احتياجاتها للطاقة في السنوات الأخيرة بالارتفاع.
واستكملت الولايات المتحدة مع حليفتها تركيا حلقتها على إيران والدول الأخرى في المنطقة الساعية نحو إنتاج طاقة بديلة عن النفط بأن بنت سلسلة من السدود المنتجة للطاقة -منذ القرن الماضي- على نهر الفرات؛ ضمن سعيها إلى إحكام الحصار على هذه الدول وهي إنما كانت تسعى (الولايات المتحدة) -التي مولت هذه المشاريع- إلى جعل دول المنطقة في المستقبل خاضعة لرغبات هذه الدول وحاجتها للطاقة.
قد تختلف قراءة الدول للملف النووي الإيراني، كل بحسب مصالحه واهتماماته؛ فإسرائيل تقرؤها من زاوية عسكرية وتهديداً لوجودها في زمن الحرب، وكسراً لاحتكارها للطاقة النووية في زمن السلم، في ظل مقاطعة ورفض واسع لها في المنطقة، لكن تأتي قراءة الولايات المتحدة للملف من زاوية اقتصادية بحتة.
ويأتي اهتمامنا بالقراءة الأمريكية للملف النووي الإيراني في ظل سعي هذه الورقة لاستعراض الجانب التاريخي للمشروع النووي لإيران، للدور الذي قامت فيه بتدشين البرنامج النووي في حقبة الستينات من القرن الماضي، ناهيك عن تصديها لإيران في أغلب المحافل الدولية تحت شعار المخاوف غير السلمية للمشروع النووي الإيراني في تهديد السلم والأمن الدوليين. ويمتاز تعامل الولايات المتحدة مع هذه الدولة بميزة فقدتها حين تعاملت مع العراق وذلك من خلال بوابة الوكالة الدولية للطاقة الذرية بما يضمن زخماً وضغطاً ومصداقية أكثر لتعاملها مع إيران.
وتجدر الإشارة إلى أن هذه الورقة استعانت بعدد من الدراسات والتقارير المنشورة المستقاة من الانترنت والمجلات العلمية لإخراجها بهذه الصورة، بالإضافة إلى لقاءات تمت مع بعض المسؤولين الإيرانيين في الأردن.
بداية المشروع النووي الإيراني
لم تكن إيران بعيدة عن مشاريع الولايات المتحدة المتعلقة بإنتاج الطاقة وتسويقها لدول المنطقة لاحقاً؛ إذ كان للولايات المتحدة وحلفائها عامل السبق في ولادة المشروع النووي الإيراني في نهاية الستينات وبداية السبعينات، أي قبل نجاح ثورتها في عام 1979، بل كان لهم دور كبير في غزو إيران وعلمائها حقل بحوث وتطوير البرامج النووية في منتصف الستينات تحت رعاية الولايات المتحدة الأمريكية ضمن إطار الاتفاقيات الثنائية الموقعة بين الطرفين؛ والتي أخذت حكومات الثورة تجني ثمارها في الوقت الراهن، حيث كان مركز طهران للبحوث النووية الذي أسس عام 1967 من أوائل المنشآت التي بنيت من قبل الشاه بتعاون أمريكي كامل ويدار من قبل مؤسسة الطاقة الذرية الإيرانية. ويحتوي هذا المركز على مفاعل بقدرة 5 ميغاوات تم تزويد إيران بهِ من قبل الولايات المتحدة؛ وللمفاعل القدرة على إنتاج 600 غرام من البلوتونيوم سنوياً.
وتشير وثيقة سرية نشرت في يونيو 2003 من قبل الحكومة الأمريكية تحت عنوان (النزاع النووي الإيراني مهمة الدكتور محمد البرادعي المستحيلة إلى إيران) إلى حجم التعاون الأمريكي-الإيراني في إنشاء المفاعلات النووية ففي منتصف السبعينات، حيث شجع الأمريكان حكومة الشاه على إيجاد مصادر طاقة بديلة غير نفطية، واقترحوا إنشاء مفاعلات نووية عدة للحصول على الطاقة الكهربائية. ومنح الشاه لاتحاد (كرافت فيرك) وهي شركة من شركات سيمنز الألمانية الغربية الترخيص لإنشاء مفاعلين بقدرة 1،200 ميغاوات في (بوشهر) وحدد تاريخ البدء بالعمل عام 1974. وفي عام 1975 قام معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بتوقيع عقد مع مركز طهران للبحوث النووية لتدريب أول كادر من المهندسين النووين في أصفهان في منتصف السبعينات بمساعدة فرنسية لتقديم التدريب المطلوب للأفراد العاملين في مفاعل بوشهر، وكان من المخطط شراء 8 مفاعلات من الولايات المتحدة الأمريكية من قبل حكومة الشاه في العاشر من يوليو 1978، أي قبل سبعة أشهر من انتصار الثورة الإسلامية في إيران).
ويشير السفير الإيراني السابق في الأردن محمد إيراني في محاضرة له بالمعهد العربي للبحوث والدراسات الاستراتيجية بعمّان في يونيو 2006 إلى تاريخ البرنامج النووي الإيراني بالقول (في عام 1957 وقّعت إيران وأمريكا معاهدة تعاون في المجال الذري المدني بناء على اقتراح أيزنهاور، ومن ثم استلمت إيران كيلو غرامات عدة من اليورانيوم المخصب من جانب أمريكا، ووقّعت إيران في عام 1968 معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية مع الوكالة الدولية، ودخلت المعاهدة حيز التنفيذ في عام 1970. وقدمت إيران قرضاً قدره مليار دولار إلى مفوضية الطاقة الذرية الفرنسية، حيث استخدم لإنشاء مصنع أورديف لتخصيب اليورانيوم وفي المقابل شاركت إيران في 10 في المائة من أسهم المصنع، وفي عام 1974 توصلت كل من إيران وأمريكا إلى اتفاق على بناء محطتين نوويتين واستلام اليورانيوم المخصب، أما في عام 1977 فدفعت منظمة الطاقة الذرية الإيرانية ملياري دولار لشركات فرنسية (فراماتوم – أسبي – ألستوم)، من أجل بناء محطة نووية في منطقة دارخوين). ويضيف السفير أنه (بعد انتصار الثورة الإسلامية في عام 1979 قامت فرنسا وألمانيا بإلغاء اتفاقهما مع إيران من جانب واحد، وغادرت شركاتهما إيران، ولغاية الآن هنالك مبالغ مالية ضخمة لا تزال لديهما ويجب أن يعيداها. وخلال حرب الثماني سنوات مع العراق، كانت هنالك مباحثات مع الجانب الروسي لإكمال محطة بوشهر للطاقة وبعد انتهاء الحرب بدأ الجانب الروسي بإتمام هذا المشروع بشكل جدي).
غير أن كل هذه المشاريع توقفت تماماً عندما اندلعت الثورة الإسلامية عام 1979 وبدء الحرب العراقية – الإيرانية؛ حيث توقفت كل أشكال التعاون النووي بل تم وقف تصدير كل المواد ذات الطابع النووي أو الاستخدام المزدوج إلى إيران؛ واشتركت مع الولايات المتحدة بعض الدول الأوروبية التي كان لها إسهام في البرنامج النووي مثل ألمانيا وفرنسا ثم روسيا بمرحلة لاحقة؛ فقد ألغى الكونغرس الأمريكي اتفاقية التعاون الفني والتقني المبرمة بين البلدين؛ وتوج منعه بإصدار قانون (داماتو) الذي حظر على إيران استيراد كافة المواد والمعدات التي تستخدم في المجالات الصناعية النووية، ومنع القانون الشركات الأمريكية والأجنبية من التعامل مع إيران، لكن سرعان ما استأنفت إيران نشاطاتها بانتهاء الحرب العراقية – الإيرانية بالتعاون مع روسيا والدول التي تأسست من رحم الاتحاد السوفييتي السابق (تحديداً أوكرانيا)، لكن سرعان أيضاً ما اتخذ الملف أشكالاً تصعيدية ضد إيران مع بروزها كقوة إقليمية بعد الغزو الأمريكي للعراق، بل أصبح ورقة ضغط متبادلة بين إيران وبقية الأطراف.

إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية
مع إعلان الرئيس الأمريكي جورج بوش في فبراير 2003 أن الولايات المتحدة لن تسمح مطلقاً لإيران بامتلاك السلاح النووي وتم تصنيفها من الدول الراعية للإرهاب الدولي أو من (دول محور الشر)؛ بدأ الملف النووي الإيراني يأخذ أبعاداً خطيرة ومتسارعة، وكانت الوكالة الدولية للطاقة الذرية مسرحاً للتجاذبات الدولية مع إيران، وازداد الأمر تعقيداً مع انتقال الملف إلى مجلس الأمن الدولي الذي فوّض الوكالة سلطة تقرير التزام إيران من عدمه بمقررات المجلس؛ وتتجلى خطورة الموضوع أن القرارات التي تصدر تأتي ضمن سياق البند السابع لميثاق الأمم المتحدة؛ حيث يتيح هذا الفصللمجلس الأمن فرض عقوبات غير عسكرية، مثل قطع العلاقات الدبلوماسية والاقتصاديةجزئياً أو كلياً، فضلاً عن عقوبات في ميدان النقل والاتصال.
الملف النووي الإيراني في حقيقته ما هو إلا جزء من الصراع الدولي على الطاقة والاستحواذ عليها
ففي 16 يونيو 2003 وخلال مناقشات الوكالة الدولية للطاقة الذرية الملف النووي الإيراني فاجأ الاتحاد الأوروبي الجميع باتخاذ موقف يقضي باستخدام القوة ضد إيران حينما تفشل الدبلوماسية في معالجة التهديدات من أسلحة الدمار الشامل؛ وقد تمت قراءة هذا التصريح ضمن منظومة التأثير في موقف الوكالة الدولية بل والرأي العام الدولي؛ حيث أعلن محمد البرادعي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن طهران أخفقت في الالتزام بالواجبات المنصوص عليها في معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية. وهو ما سرع من وتيرة نقل الملف إلى الأمم المتحدة.
وفي 26 أغسطس 2003 أعلنت الوكالة الدولية أنها عثرت على آثار يورانيوم مخصب من الدرجة المستخدمة في منشأة (ناتانز)؛ وهو ما فسر بأن إيران تقوم بشكل سري بتخصيب اليورانيوم لاستخدامه في صنع الأسلحة النووية؛ وازدادت الضغوط على إيران حتى رضخت لطلبات الوكالة بالتوقيع على البروتوكول الإضافي لمعاهدة حظر الانتشار النووي، حيث أعلن (خرازي) في 29 سبتمبر 2003 قبول بلاده للتوقيع على البروتوكول الإضافي؛ وقبلت إيران بدخول مفتشي الوكالة إلى طهران في أكتوبر 2003 للقيام بجولة من التفتيش في المواقع الإيرانية؛ وكذلك إجراء مباحثات مع المسؤولين الإيرانيين بهذا الشأن. ولم يقتصر الأمر على ذلك بل ألزمت الوكالة إيران بضرورة تقديم إثباتات لعدم امتلاكها أسلحة نووية، وأعطت مهلة لذلك نهاية أكتوبر 2003؛ الأمر الذي أثار إيران وجعلها تعلن عن نيتها تخفيض تعاونها مع الوكالة الدولية، مهددة بالانسحاب من اتفاقية منع الانتشار النووي. وحاول الأوروبيونإسعاف الوضع بزيارة ممثلين عن بريطانيا وألمانيا وفرنسا إلى إيران، وتم الاتفاق على تقديم المساعدة لطهران في الاستخدام السلمي للطاقة النووية، وأيضاً تقديم كل المساعدات التقنية والفنية في هذا الاتجاه، مقابل أن توقف طهران كل برامج تخصيب اليورانيوم، وكذلك القبول بالتفتيش المفاجئ لمفتشي الوكالة الدولية.
وبالفعل وافق الطرفان على هذه الصيغة، وترتب عليها توقيع إيران للبروتوكول الإضافي في ديسمبر 2003، إلا أن إيران احتفظت بحقها في إعادة النظر بهذا الموقف مستقبلاً، إن حدثت متغيرات دولية في هذا الشأن؛ وهو ما حدث لاحقاً عندما شرعت إيران باستئناف أنشطة الأبحاث في مجال تخصيب اليورانيوم، رافضة اقتراح التسوية الروسي بإجراء عمليات تخصيب اليورانيوم الإيراني في روسيا؛ وتتذرع إيران بحاجتها إلى التكنولوجيا النووية لتوليد الكهرباء، وقامت بإزالة أختام الأمم المتحدة على منشآت أبحاث تخصيب اليورانيوم، منتهكة اتفاق باريس الذي توصلت إليه الأطراف الأوروبية وإيران في نوفمبر 2004 ، وهو الاتفاق الذي قامت الوكالة الدولية للطاقة الذرية على أثره بوضع أختام على معدات حساسة في منشأة تحويل اليورانيوم في أصفهان ومحطة تخصيب اليورانيوم في ناتانز. واتهمت إيران الدول الأوروبية بعدم التزامها باتفاق باريس عندما تعهدت بالاعتراف بحق إيران في ممارسة نشاطات تحويل اليورانيوم وتخصيبه، وأن المفاوضات التي عقدتها مع الأوروبيين طوال ثمانية أشهر أسفرت (عن القليل إن لم يكن لا شيء)، على حد تعبير المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية.
لا يزال الوضع بين الوكالة الدولية للطاقة الذرية وإيران عرضة أكثر للتصعيد وقد يصل إلى عمل مسلح
ولذلك أصدرت الوكالة الدولية للطاقة الذرية قراراً يتناول الإجراءات التي ستتخذها ضد إيران كرد على استئناف الأخيرة نشاطها النوويوذلك بدعوة من ألمانيا وفرنسا وبريطانيا بعد فشل مفاوضاتها وجاء في القرار (أنه يجب على إيران أن تعود إلى التعليق الكامل لكافة الأنشطة المرتبطة بدورة الوقود النووي)، ويرى مجلس الحكام ضرورة قيام إيران بتعليق كل النشاطات المرتبطة بتخصيب اليورانيوم، كما عبّر مجلس الحكام (عن قلقه العميق من قرار إيران استئناف نشاطات تحويل اليورانيوم) في أصفهان. ورافق ذلك تشكيك دولي بنوايا إيران، وتفاقم الوضع مع تصريحات الرئيس الإيراني أحمدي نجاد المتعلقة بإزالة إسرائيل من الوجود؛ بحيث أخذت إيران تشعر بخطر إحالة ملفها النووي إلى الأمم المتحدة؛ ولذلك أعلنت أنها تأمل بتفادي الإحالة إلى مجلس الأمن بعد أن سلمت المزيد من الوثائق، وسمحت لمفتشي الوكالة بإجراء المزيد من عمليات التفتيش. وللتخفيف من ذلك سمحت طهران للمرة الثانية للمفتشين بزيارة موقع (بارشين) العسكري الذي يوصف بـ (الحساس) وهو ما جعل الوكالة الدولية تعرب عن سعادتها. إلا أنه وإزاء التشدد الأمريكي بالدرجة الأولى وعدم الثقة بإيران بالدرجة الثانية، وتهديد الدول الأوروبية بإيقاف أو الانسحاب من مفاوضاتها مع إيران، بعد أن رفضت الأخيرة سياسة العصا والجزرة التي اتبعتها الترويكا الأوروبية في مفاوضاتها خلال السنوات الماضية، رفضت إيران عرضاً للاتحاد الأوروبي بمنحها حوافز سياسية واقتصادية مقابل التخلي عن برنامجها النووي لاعتقادها بأن الملف النووي يستخدم من قبل الولايات المتحدة عبر الدول الأوروبية لتمرير أجندات خاصة (سواء في العراق أو لصالح أمن إسرائيل) مما يحرم إيران من الاستفادة من الطاقة النووية؛ فالإيرانيون يطلبون من الدول الأوروبية بديلاً مقبولاً عن تخليها عن حق مشروع ويتمثل في تزويدها بالتكنولوجيا النووية، إلا أن التجربة العملية أثبتت للإيرانيين أن الأوروبيين غير مستعدين للإستجابة لهذا الطلب الإيراني، وهو ما يعطيهم دليلاً واضحاً للمعايير الأوروبية المزدوجة في التعامل مع الملفات النووية، ويكشف عن حقيقة الدور الأمريكي الرئيسي؛ حيث إن الولايات المتحدة هي القادرة على تقديم الاتفاقيات والتكنولوجيا التي تحتاجها إيران.
كل هذه المواقف دفعت المجتمع الدولي إلى تقديم الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن في ظل تشكيك من جانب الصين وروسيا من جدوى هذه الخطوة التي ستدفع إيران إلى مزيد من التشدد. وسبق هذه الخطوة إعلان البرادعي أنه بعد ثلاث سنوات من التحقيقات المكثفة فإنه (ليس بإمكاني بعد إصدار حكم حول الطبيعة السلمية للبرنامج)، مضيفاً أن (الدبلوماسية ليست مجرد كلام فقط ولكنها بحاجة أيضاً إلى وسائل ضغط وفي أسوأ الأحوال إلى القوة)، مشيراً إلى عدم استعداد الوكالة الدولية لتمديد الفترة التي منحت لإيران بغرض إظهار تعاونها مع الوكالة. ولذلك كانت هذه المقدمات التي أسفرت عن تناول مجلس الأمن للملف النووي الإيراني.
وحسمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في اجتماعها الاستثنائي الشكوك (5-2-2006)، فأصدر مجلس محافظيها قراراً بالأغلبية لتنتقل أزمة الملف إلى مجلس الأمن في شهر مارس من العام نفسه؛ واتخذ مجلس الأمن الدولي أربعة قرارات بشأن إيران ثلاثة منها مرفقة بعقوبات تدعو إلى تعليق تخصيب اليورانيوم، لكنه لم يأذن بالقيام بأي عمل عسكري. ولا يزال الوضع بين الوكالة وإيران عرضة أكثر للتصعيد قد ينتقل فيه الوضع إلى استخدام العمل المسلح ضد إيران.
وأخيراً يمكن اختصار تاريخ المشروع النووي الإيراني مع الوكالة الدولية للطاقة بحاجة إيران إلى مصادر بديلة عن الطاقة الناضبة (النفط) وهي حاجة طبيعية ترتبط بوجود وبقاء الدول وصيرورتها، وتكون أكثر أهمية إذا استطاعت الحفاظ على بقائها بعيداً عن السيطرة السياسية للدول الأخرى وخصوصاً منتجي الطاقة. فالدول في سعيها للبقاء تبحث عن مصادر تؤمن وجودها وبقاءها؛ والتاريخ مليء بالشواهد والصراعات التي تعبر عن حاجة الدول للبقاء من جهة، وحاجتها للاستقلال عن السيطرة الخارجية من جهة أخرى؛ وتجسدت هذه المعادلة -على سبيل المثال- بتأميم رئيس وزراء إيران محمد مصدق للنفط في عام 1953 كتعبير عن حاجة إيران للبقاء أكثر من كونه استقلالاً، لكن فشل التأميم فيما بعد إنما جاء ليعبر عن السيطرة الخارجية نتيجة للضغوط الغربية والأمريكية تحديداً. ولعل التاريخ القريب في العراق وسيطرة الولايات المتحدة على نفطه دلالة على حجم الصراع على الطاقة أياً كان نوعها، صناعية (نووية، الطاقة الناتجة عن السدود) أو طبيعية (النفط والغاز)، ويأتي تعامل الغرب والولايات المتحدة مع الملف النووي الإيراني تجسيداً آخر لطرفي المعادلة.
::/fulltext::
::cck::1618::/cck::
