خبراء التعليم الأجانب في دول الخليج: أسئلة وملاحظات
::cck::1824::/cck::
::introtext::
يحتل تطوير التعليم موقعاً مهماً في خطط التنمية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كافة، وإن اختلفت المسارات والمعالجات والخطوات المتخذة في هذا المجال وفقاً لظروف كل دولة على حدة. وحضور الخبراء الأجانب في العملية التعليمية بمختلف مستوياتها، أصبح ملحوظاًً في عدد من هذه الدول.
::/introtext::
::fulltext::
يحتل تطوير التعليم موقعاً مهماً في خطط التنمية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كافة، وإن اختلفت المسارات والمعالجات والخطوات المتخذة في هذا المجال وفقاً لظروف كل دولة على حدة. وحضور الخبراء الأجانب في العملية التعليمية بمختلف مستوياتها، أصبح ملحوظاًً في عدد من هذه الدول.
يحتل خبير أسترالي في البحرين منصب المدير التنفيذي للمشروع الوطني لتطوير التعليم، وفي قطر يوجد عضوان أجنبيان من بين تسعة أعضاء في المجلس الأعلى للتعليم، وهما سويدية وأسترالي. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة هناك مدير أجنبي يشغل موقع مدير مكتب السياسة والتخطيط في وزارة التربية والتعليم الاتحادية، وهناك كذلك عشرات ممن يحملون لقب خبير في (مدارس الغد) إحدى تجارب تطوير التعليم في دولة الإمارات.
إن الدول الثلاث، قطر والإمارات والبحرين، هي الدول التي تشهد بقوة محاولات حثيثة ومشروعات طموحة من بين دول مجلس التعاون الست، فجهود التطوير في الدول الثلاث الباقية من دول المجلس تسير بوتيرة أبطأ بكثير. ويعني ذلك أن وجود الخبراء الأجانب أصبح مُسلَّماً به، ويمكن أن نتوقع أن الدول الثلاث الباقية، أو الكويت وسلطنة عمان على الأقل، سوف تسلك الطريق نفسه حين تبدأ مشروعاتها لتطوير التعليم.
وتطلُّع دول الخليج إلى تجارب التعليم الناجحة أمر منطقي، وجلُّ هذه التجارب أو كلها غربي، فالتعليم في الدول العربية من دون استثناء دخل في طور الأزمة التي لا يُتوقع معها أن يكون نموذجاً يُغري باستلهام أفكاره ومنطلقاته، ناهيك عن أن الإدراك الخليجي للمشكلات التعليمية الحالية في دول الخليج يعود بها في جزء كبير منها إلى (استيراد) أنظمة تعليمية عربية تحمل نقاط ضعف جوهرية، أو أنها استنفدت على الأقل أغراضها منذ وقت طويل، ولم تعد لديها إيجابيات تغري بالاستمرار فيها.
وأصبحت الروابط والصلات بين دول الخليج والغرب أوثق وأمتن مع ثورة الاتصالات الهائلة التي يشهدها العالم، ومع دخول دول الخليج الثلاث- قطر والبحرين والإمارات- في موقع القلب من الحراك الاقتصادي العالمي، واتساع دائرة الاحتكاك بالدول الغربية بين مواطني هذه الدول في رحلات السياحة والعلاج والدراسة والنشاط الاقتصادي المتنامي لقطاعات واسعة منهم، إلى جانب الاهتمام بدراسة اللغة الإنكليزية باعتبارها لغة للتواصل العالمي، والزيادة الكبيرة في أعداد المتعلمين والحاصلين على شهادات دراسية عليا، القادرين على الاتصال أكثر بالعالم والإحساس بحضوره القوي في حياتهم. إضافة إلى ذلك فإن الفوائض النفطية الكبيرة خلال السنوات الأخيرة توفر التمويل الكافي لمشروعات التطوير، باعتبارها استثماراً طويل الأمد في ظل تنامي دور المعرفة في توليد الثروة وضمان استدامة الرخاء.
إن مبادرات تطوير التعليم في البحرين، على سبيل المثال، نموذج للتطلع إلى التجارب الغربية. فالشركاء الذين وقع عليهم الاختيار- من خلال مناقصات دولية- لتنفيذ مبادرات
قطر والإمارات والبحرين هي الدول التي تشهد بقوة محاولات حثيثة ومشروعات طموحة في مجال التعليم
التطوير، هم: المعهد الوطني للتعليم في سنغافورة للحصول على (تدريس ذي جودة عالية ومعلمين أفضل تأهيلاً وتدريباً)؛ ومؤسسة نورد أنجليا من بريطانيا لتأسيس هيئة ضمان الجودة وتقييم الممارسات التعليمية؛ ووزارة التعليم بولاية فيكتوريا في أستراليا لتطوير نظام التعليم الفني المهني؛ ومؤسسة بوليتكنيكس إنترناشيونال نيوزيلاند النيوزيلاندية لتأسيس كلية تقنية للتدريب الفني والتطبيقي؛ والهيئة الأسترالية لجودة التعليم الجامعي لتأسيس وحدة مراجعة التعليم الجامعي. وتجربة البحرين في هذا الصدد نموذج لتجربتي قطر والإمارات، فهناك دور كبير فيها لمثل هذه المؤسسات التعليمية المرموقة التي اشتهرت بأنها تقدم أفضل الممارسات التعليمية في العالم.
ومن المؤكد أن البحث عن (الأجود في العالم) بحثٌ محمودٌ في ذاته، لكن المشكلة المحتملة أو الكامنة فيه، هي هذا الخليط الكبير من التجارب التي يمثل كل منها قصة نجاح صُنعت في سياق بعينه. فحشد التجارب السنغافورية والأسترالية والكندية والنيوزيلاندية والأمريكية والبريطانية، أمر يزدحم به واقع دول صغيرة كالبحرين أو قطر أو الإمارات، إذ يضيق المناخ التعليمي بخليط التجارب التي تطوَّر كل منها في سياق بعينه. ومن الطبيعي أن تتمايز التجارب التعليمية في دول العالم المختلفة وتختلف وتتعارض أحياناً، مما يجعل كلاً منها يحمل وصفة نجاحاته الخاصة انطلاقاً من واقع سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي. وزحام الأصوات هذا في تجربة تعليمية تتحسس خطواتها بالكاد، ولا تمتلك أسساً راسخة خاصة بها في ظل المراجعات الجذرية والنقد العنيف لإنجازاتها، يمكن أن يزيد الواقع التعليمي ارتباكاً.

حين يكون الخبير الأجنبي قادماً لمهمة محددة في نظام تعليمي يمتلك رؤية وتصوراً وقدراً من العافية، فإنه يكون عامل تطوير، إذ يتم تقييم مقترحاته ورؤاه والتعامل معها قبولاً ورفضاً من منطلق توافقها مع الرؤية التعليمية أو ابتعادها عنها. أما إذا كان خبراءٌ متباينو الخلفيات والثقافات يأتون لإنشاء نظام (من العدم)، أو ليضعوا الأسس الأولية، فإن عملهم أقرب إلى أن يصبح مثيراً لأسئلة كثيرة حول جدواه. ففي مثل هذه الحالة تكون لدينا رؤى متعارضة أو مختلفة منذ اللحظة الأولى، لا تتحرك منسجمة أو متوافقة بحكم أنها تبدأ متوازية لا مندمجة.
وما لم يُتح لخبراء التعليم الأجانب في دول الخليج العمل كفريق واحد يُعدُّ خطة متكاملة تسري فيها روح واحدة، وتنبني خطواتها بعضها على بعض، وتقود كل منها إلى الأخرى، فإننا سنكون في النهاية أمام مجموعة من (المقالات) أو الدراسات المترجمة في علوم التربية والمناهج وطرائق التدريس لا ينتمي أيٌّ منها إلى الآخر. وبمراجعة قائمة المؤسسات المرموقة التي تُنفِّذ مشروعات التطوير في البحرين (وهي مجرد مثال) يكون السؤال التالي وارداً: هل توجد الجهة القادرة على قيادة وتنسيق عمل هذه المؤسسات وضبط إيقاعه؟ هل توجد الخبرات والكفاءات التربوية المحلية القادرة على الدخول في حوار علمي وتعديل المسارات البحثية لهذه المؤسسات وفقاً لمتطلبات الواقع التعليمي الخليجي؟ وهل تمتلك تلك الكوادر القدرة على الخروج من أسر الأسماء الرنانة للمؤسسات الأجنبية، وإنضاج تصورات نقدية ووضع معايير لما ستنجزه؟
ويتعلق بهذه الملاحظة ملاحظة أخرى، إذ يرصد المتتبع للقضية في الدول الثلاث إشارات إلى (استبعاد) لدور الخبير المواطن، وقد تساءل عضو سابق في المجلس الوطني الاتحادي في دولة الإمارات، ورئيس سابق للجنة شؤون التربية والتعليم قائلاً: هل يُعقل عدم وجود خبير وطني واحد بعد مرور ستة وثلاثين عاماً على قيام الدولة؟ وفي مايو 2007، أشار أعضاء في المجلس الوطني الاتحادي الحالي إلى أنه من الضروري عدم الاعتماد (كلية) على الخبراء الأجانب.
وفي السياق نفسه فإن كليات التربية في هذه الدول لا تجد لها مكاناً لائقاً في مخططات تطوير التعليم، وربما يعود ذلك إلى تحميلها جزءاً من المشكلة التعليمية الحالية، غير أن هذه النظرة تُغفل نقاطاً أساسية، أولها أن العملية التعليمية تتم في سياقات أوسع وأعقد من أن تكون كليات التربية هي صاحبة الدور الأهم في سوء أوضاعها. النقطة الثانية أن الاعتراف بوجود مشكلات في كليات التربية شيء وكفاءات وقدرات الأكاديميين والخبراء الوطنيين شيء آخر، فالجامعات الأجنبية تزدحم بخبراء عرب لم يكونوا ليحققوا الإنجازات التي حققوها في الخارج وهم يعملون في أوطانهم. بعبارة أخرى، فإن قدرات الأفراد يجب أن يجري تقييمها بمعزل عن أداء المؤسسات. النقطة الثالثة أن الخبرة نتاج لتراكم التجارب، ومن شأن استبعاد كليات التربية الوطنية أو تهميش دورها إهدار التجارب المتراكمة للكوادر المحلية، وحرمانها من الاحتكاك والتفاعل مع أفكار ومدارس واتجاهات تربوية جديدة يعبِّر عنها الخبراء الأجانب والمؤسسات التعليمية العالمية المرموقة.
إن هذا التهميش للكليات والمؤسسات التربوية المحلية يخلق مناخاً من العداء أو على الأقل عدم الارتياح، فيما تحتاج التجربة إلى حشد للتأييد الوطني، وإقناع قطاعات واسعة من الناس بأهميتها من أجل المستقبل. وعلى الرغم من أن ردود الفعل تبقى هادئة ومنضبطة في الدول الثلاث، فإن المناخ غير المُرحِّب يكون أقرب إلى وضع أي تعثر أو خلل أو تراجع محدود في مجريات عملية التطوير تحت مجهر النقد الحاد، والتشكيك في جهود التطوير ومشروعاته، بل التشكيك في جدوى فكرة التطوير من أساسها، وهو أخطر ما في الأمر.
ولا يستطيع الخبير الأجنبي، حتى في حال تميُّز قدراته العلمية والبحثية وخبراته التربوية، منذ اللحظة الأولى لوجوده في دولة خليجية أن يضع يده على المشكلات الحقيقية للتعليم. وبديهي أن هذا الخبير يحتاج إلى معايشة الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي ومنظومة القيم التي تمثل إطاراً لا غنى عنه لتطوير التعليم، وهي عملية تستلزم قضاء سنوات من الملاحظة والمراقبة، ومعايشة العملية التعليمية من مختلف جوانبها، ودراسة واقع الطلاب والمعلمين والمناهج والمنشآت التعليمية وطرائق التدريس، قبل إصدار الأحكام التي تقوم عليها مشروعات التطوير ومؤسساته. والسؤال هو هل سيتاح لهؤلاء الخبراء أن يقضوا في دول الخليج الوقت الكافي لفهم الفضاء الذي يتحركون فيه، أم أن طبيعة المهمة يمكن أن تقود إلى إعداد تصورات لم يكتمل نضجها؟
إن إصلاح التعليم عملية تتطلب وقتاً، وهي تتحرك ببطء، وليس من السهل الحكم على نتائجها قبل وقت طويل، وربما يثبت أن المشروعات التي تم تطبيقها فيها ما يحتاج إلى تعديل للمسار، حسب ما سيتمخض عنه التقييم من نتائج. وفي هذه الحالة فإن الجهة التي بدأت التطوير تكون الأقدر على تعديل المسار والاستفادة من الأخطاء السابقة وتجنبها، وتعزيز ما يظهر من جوانب إيجابية والبناء عليها. لذا فإن الشراكات مع المؤسسات التربوية الأجنبية والخبراء الأجانب ينبغي أن يكون فيها ما يضمن استدامتها واستمرارها فترة تكفي للحكم عليها. وهذه الحقيقة تمثل بدورها تحدِّياً آخر في الاستعانة بالخبراء الأجانب.
ويلاحظ المتابعون لسوق العمل في الدول الخليجية سرعة دوران العمالة فيها، وينطبق ذلك على الخبراء المرموقين في تخصصات مطلوبة عالمياً. ويعني ذلك أنه ليس هناك ما يضمن بقاء الخبراء الأجانب لمتابعة المشروعات والتجارب وقياس نتائجها وتعديل مساراتها. وتبقى العقود مع المؤسسات الدولية، حتى المرموقة منها، عرضة لاختلاف التفسيرات ووجهات النظر حول شؤون فنية أو مالية، وتشهد متغيرات مستمرة لا تجعل الرهان على استمرارها لفترة طويلة حكيماً. وترتبط التقلبات وتغييرات المناصب والمواقع في المؤسسات التربوية الخليجية عادة بإعادة النظر في التعاقدات والشركاء السابقين، واختيار شركاء جدد. ولكن العناصر السابقة جميعها تحول دون توفير الوقت اللازم لإنضاج التجارب التعليمية الجديدة ودراسة مخرجاتها بما يضمن الاستفادة الحقيقية منها.
والضمانة الأكيدة لاحتواء هذه السلبيات الممكنة هي توافر العنصر الوطني الكفء، والقادر على أن يكون حلقة الربط والوصل حتى لو اختلفت المؤسسات وتغير الخبراء. وهذه الكوادر الوطنية ستكون مرآة حقيقية يستطيع الخبراء الأجانب فيها رؤية الأرض التي يتحركون فوقها، وإدراك خصوصياتها ومميزاتها وعيوبها، والاسترشاد بتجارب سابقة حققت قدراً من النجاح أو الفشل، كما أن تأهيل الكوادر التربوية الوطنية مهمة يجب أن تسير جنباً إلى جنب مع الاستعانة بخبراء التعليم الأجانب، لأن وجود الخبير الوطني هو ما يضمن أن يكون جهد الخبير الأجنبي إضافة حقيقية وفي المكان الصحيح.
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1824::/cck::
::introtext::
يحتل تطوير التعليم موقعاً مهماً في خطط التنمية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كافة، وإن اختلفت المسارات والمعالجات والخطوات المتخذة في هذا المجال وفقاً لظروف كل دولة على حدة. وحضور الخبراء الأجانب في العملية التعليمية بمختلف مستوياتها، أصبح ملحوظاًً في عدد من هذه الدول.
::/introtext::
::fulltext::
يحتل تطوير التعليم موقعاً مهماً في خطط التنمية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية كافة، وإن اختلفت المسارات والمعالجات والخطوات المتخذة في هذا المجال وفقاً لظروف كل دولة على حدة. وحضور الخبراء الأجانب في العملية التعليمية بمختلف مستوياتها، أصبح ملحوظاًً في عدد من هذه الدول.
يحتل خبير أسترالي في البحرين منصب المدير التنفيذي للمشروع الوطني لتطوير التعليم، وفي قطر يوجد عضوان أجنبيان من بين تسعة أعضاء في المجلس الأعلى للتعليم، وهما سويدية وأسترالي. وفي دولة الإمارات العربية المتحدة هناك مدير أجنبي يشغل موقع مدير مكتب السياسة والتخطيط في وزارة التربية والتعليم الاتحادية، وهناك كذلك عشرات ممن يحملون لقب خبير في (مدارس الغد) إحدى تجارب تطوير التعليم في دولة الإمارات.
إن الدول الثلاث، قطر والإمارات والبحرين، هي الدول التي تشهد بقوة محاولات حثيثة ومشروعات طموحة من بين دول مجلس التعاون الست، فجهود التطوير في الدول الثلاث الباقية من دول المجلس تسير بوتيرة أبطأ بكثير. ويعني ذلك أن وجود الخبراء الأجانب أصبح مُسلَّماً به، ويمكن أن نتوقع أن الدول الثلاث الباقية، أو الكويت وسلطنة عمان على الأقل، سوف تسلك الطريق نفسه حين تبدأ مشروعاتها لتطوير التعليم.
وتطلُّع دول الخليج إلى تجارب التعليم الناجحة أمر منطقي، وجلُّ هذه التجارب أو كلها غربي، فالتعليم في الدول العربية من دون استثناء دخل في طور الأزمة التي لا يُتوقع معها أن يكون نموذجاً يُغري باستلهام أفكاره ومنطلقاته، ناهيك عن أن الإدراك الخليجي للمشكلات التعليمية الحالية في دول الخليج يعود بها في جزء كبير منها إلى (استيراد) أنظمة تعليمية عربية تحمل نقاط ضعف جوهرية، أو أنها استنفدت على الأقل أغراضها منذ وقت طويل، ولم تعد لديها إيجابيات تغري بالاستمرار فيها.
وأصبحت الروابط والصلات بين دول الخليج والغرب أوثق وأمتن مع ثورة الاتصالات الهائلة التي يشهدها العالم، ومع دخول دول الخليج الثلاث- قطر والبحرين والإمارات- في موقع القلب من الحراك الاقتصادي العالمي، واتساع دائرة الاحتكاك بالدول الغربية بين مواطني هذه الدول في رحلات السياحة والعلاج والدراسة والنشاط الاقتصادي المتنامي لقطاعات واسعة منهم، إلى جانب الاهتمام بدراسة اللغة الإنكليزية باعتبارها لغة للتواصل العالمي، والزيادة الكبيرة في أعداد المتعلمين والحاصلين على شهادات دراسية عليا، القادرين على الاتصال أكثر بالعالم والإحساس بحضوره القوي في حياتهم. إضافة إلى ذلك فإن الفوائض النفطية الكبيرة خلال السنوات الأخيرة توفر التمويل الكافي لمشروعات التطوير، باعتبارها استثماراً طويل الأمد في ظل تنامي دور المعرفة في توليد الثروة وضمان استدامة الرخاء.
إن مبادرات تطوير التعليم في البحرين، على سبيل المثال، نموذج للتطلع إلى التجارب الغربية. فالشركاء الذين وقع عليهم الاختيار- من خلال مناقصات دولية- لتنفيذ مبادرات
قطر والإمارات والبحرين هي الدول التي تشهد بقوة محاولات حثيثة ومشروعات طموحة في مجال التعليم
التطوير، هم: المعهد الوطني للتعليم في سنغافورة للحصول على (تدريس ذي جودة عالية ومعلمين أفضل تأهيلاً وتدريباً)؛ ومؤسسة نورد أنجليا من بريطانيا لتأسيس هيئة ضمان الجودة وتقييم الممارسات التعليمية؛ ووزارة التعليم بولاية فيكتوريا في أستراليا لتطوير نظام التعليم الفني المهني؛ ومؤسسة بوليتكنيكس إنترناشيونال نيوزيلاند النيوزيلاندية لتأسيس كلية تقنية للتدريب الفني والتطبيقي؛ والهيئة الأسترالية لجودة التعليم الجامعي لتأسيس وحدة مراجعة التعليم الجامعي. وتجربة البحرين في هذا الصدد نموذج لتجربتي قطر والإمارات، فهناك دور كبير فيها لمثل هذه المؤسسات التعليمية المرموقة التي اشتهرت بأنها تقدم أفضل الممارسات التعليمية في العالم.
ومن المؤكد أن البحث عن (الأجود في العالم) بحثٌ محمودٌ في ذاته، لكن المشكلة المحتملة أو الكامنة فيه، هي هذا الخليط الكبير من التجارب التي يمثل كل منها قصة نجاح صُنعت في سياق بعينه. فحشد التجارب السنغافورية والأسترالية والكندية والنيوزيلاندية والأمريكية والبريطانية، أمر يزدحم به واقع دول صغيرة كالبحرين أو قطر أو الإمارات، إذ يضيق المناخ التعليمي بخليط التجارب التي تطوَّر كل منها في سياق بعينه. ومن الطبيعي أن تتمايز التجارب التعليمية في دول العالم المختلفة وتختلف وتتعارض أحياناً، مما يجعل كلاً منها يحمل وصفة نجاحاته الخاصة انطلاقاً من واقع سياسي واقتصادي واجتماعي وثقافي. وزحام الأصوات هذا في تجربة تعليمية تتحسس خطواتها بالكاد، ولا تمتلك أسساً راسخة خاصة بها في ظل المراجعات الجذرية والنقد العنيف لإنجازاتها، يمكن أن يزيد الواقع التعليمي ارتباكاً.

حين يكون الخبير الأجنبي قادماً لمهمة محددة في نظام تعليمي يمتلك رؤية وتصوراً وقدراً من العافية، فإنه يكون عامل تطوير، إذ يتم تقييم مقترحاته ورؤاه والتعامل معها قبولاً ورفضاً من منطلق توافقها مع الرؤية التعليمية أو ابتعادها عنها. أما إذا كان خبراءٌ متباينو الخلفيات والثقافات يأتون لإنشاء نظام (من العدم)، أو ليضعوا الأسس الأولية، فإن عملهم أقرب إلى أن يصبح مثيراً لأسئلة كثيرة حول جدواه. ففي مثل هذه الحالة تكون لدينا رؤى متعارضة أو مختلفة منذ اللحظة الأولى، لا تتحرك منسجمة أو متوافقة بحكم أنها تبدأ متوازية لا مندمجة.
وما لم يُتح لخبراء التعليم الأجانب في دول الخليج العمل كفريق واحد يُعدُّ خطة متكاملة تسري فيها روح واحدة، وتنبني خطواتها بعضها على بعض، وتقود كل منها إلى الأخرى، فإننا سنكون في النهاية أمام مجموعة من (المقالات) أو الدراسات المترجمة في علوم التربية والمناهج وطرائق التدريس لا ينتمي أيٌّ منها إلى الآخر. وبمراجعة قائمة المؤسسات المرموقة التي تُنفِّذ مشروعات التطوير في البحرين (وهي مجرد مثال) يكون السؤال التالي وارداً: هل توجد الجهة القادرة على قيادة وتنسيق عمل هذه المؤسسات وضبط إيقاعه؟ هل توجد الخبرات والكفاءات التربوية المحلية القادرة على الدخول في حوار علمي وتعديل المسارات البحثية لهذه المؤسسات وفقاً لمتطلبات الواقع التعليمي الخليجي؟ وهل تمتلك تلك الكوادر القدرة على الخروج من أسر الأسماء الرنانة للمؤسسات الأجنبية، وإنضاج تصورات نقدية ووضع معايير لما ستنجزه؟
ويتعلق بهذه الملاحظة ملاحظة أخرى، إذ يرصد المتتبع للقضية في الدول الثلاث إشارات إلى (استبعاد) لدور الخبير المواطن، وقد تساءل عضو سابق في المجلس الوطني الاتحادي في دولة الإمارات، ورئيس سابق للجنة شؤون التربية والتعليم قائلاً: هل يُعقل عدم وجود خبير وطني واحد بعد مرور ستة وثلاثين عاماً على قيام الدولة؟ وفي مايو 2007، أشار أعضاء في المجلس الوطني الاتحادي الحالي إلى أنه من الضروري عدم الاعتماد (كلية) على الخبراء الأجانب.
وفي السياق نفسه فإن كليات التربية في هذه الدول لا تجد لها مكاناً لائقاً في مخططات تطوير التعليم، وربما يعود ذلك إلى تحميلها جزءاً من المشكلة التعليمية الحالية، غير أن هذه النظرة تُغفل نقاطاً أساسية، أولها أن العملية التعليمية تتم في سياقات أوسع وأعقد من أن تكون كليات التربية هي صاحبة الدور الأهم في سوء أوضاعها. النقطة الثانية أن الاعتراف بوجود مشكلات في كليات التربية شيء وكفاءات وقدرات الأكاديميين والخبراء الوطنيين شيء آخر، فالجامعات الأجنبية تزدحم بخبراء عرب لم يكونوا ليحققوا الإنجازات التي حققوها في الخارج وهم يعملون في أوطانهم. بعبارة أخرى، فإن قدرات الأفراد يجب أن يجري تقييمها بمعزل عن أداء المؤسسات. النقطة الثالثة أن الخبرة نتاج لتراكم التجارب، ومن شأن استبعاد كليات التربية الوطنية أو تهميش دورها إهدار التجارب المتراكمة للكوادر المحلية، وحرمانها من الاحتكاك والتفاعل مع أفكار ومدارس واتجاهات تربوية جديدة يعبِّر عنها الخبراء الأجانب والمؤسسات التعليمية العالمية المرموقة.
إن هذا التهميش للكليات والمؤسسات التربوية المحلية يخلق مناخاً من العداء أو على الأقل عدم الارتياح، فيما تحتاج التجربة إلى حشد للتأييد الوطني، وإقناع قطاعات واسعة من الناس بأهميتها من أجل المستقبل. وعلى الرغم من أن ردود الفعل تبقى هادئة ومنضبطة في الدول الثلاث، فإن المناخ غير المُرحِّب يكون أقرب إلى وضع أي تعثر أو خلل أو تراجع محدود في مجريات عملية التطوير تحت مجهر النقد الحاد، والتشكيك في جهود التطوير ومشروعاته، بل التشكيك في جدوى فكرة التطوير من أساسها، وهو أخطر ما في الأمر.
ولا يستطيع الخبير الأجنبي، حتى في حال تميُّز قدراته العلمية والبحثية وخبراته التربوية، منذ اللحظة الأولى لوجوده في دولة خليجية أن يضع يده على المشكلات الحقيقية للتعليم. وبديهي أن هذا الخبير يحتاج إلى معايشة الواقع الثقافي والاجتماعي والسياسي ومنظومة القيم التي تمثل إطاراً لا غنى عنه لتطوير التعليم، وهي عملية تستلزم قضاء سنوات من الملاحظة والمراقبة، ومعايشة العملية التعليمية من مختلف جوانبها، ودراسة واقع الطلاب والمعلمين والمناهج والمنشآت التعليمية وطرائق التدريس، قبل إصدار الأحكام التي تقوم عليها مشروعات التطوير ومؤسساته. والسؤال هو هل سيتاح لهؤلاء الخبراء أن يقضوا في دول الخليج الوقت الكافي لفهم الفضاء الذي يتحركون فيه، أم أن طبيعة المهمة يمكن أن تقود إلى إعداد تصورات لم يكتمل نضجها؟
إن إصلاح التعليم عملية تتطلب وقتاً، وهي تتحرك ببطء، وليس من السهل الحكم على نتائجها قبل وقت طويل، وربما يثبت أن المشروعات التي تم تطبيقها فيها ما يحتاج إلى تعديل للمسار، حسب ما سيتمخض عنه التقييم من نتائج. وفي هذه الحالة فإن الجهة التي بدأت التطوير تكون الأقدر على تعديل المسار والاستفادة من الأخطاء السابقة وتجنبها، وتعزيز ما يظهر من جوانب إيجابية والبناء عليها. لذا فإن الشراكات مع المؤسسات التربوية الأجنبية والخبراء الأجانب ينبغي أن يكون فيها ما يضمن استدامتها واستمرارها فترة تكفي للحكم عليها. وهذه الحقيقة تمثل بدورها تحدِّياً آخر في الاستعانة بالخبراء الأجانب.
ويلاحظ المتابعون لسوق العمل في الدول الخليجية سرعة دوران العمالة فيها، وينطبق ذلك على الخبراء المرموقين في تخصصات مطلوبة عالمياً. ويعني ذلك أنه ليس هناك ما يضمن بقاء الخبراء الأجانب لمتابعة المشروعات والتجارب وقياس نتائجها وتعديل مساراتها. وتبقى العقود مع المؤسسات الدولية، حتى المرموقة منها، عرضة لاختلاف التفسيرات ووجهات النظر حول شؤون فنية أو مالية، وتشهد متغيرات مستمرة لا تجعل الرهان على استمرارها لفترة طويلة حكيماً. وترتبط التقلبات وتغييرات المناصب والمواقع في المؤسسات التربوية الخليجية عادة بإعادة النظر في التعاقدات والشركاء السابقين، واختيار شركاء جدد. ولكن العناصر السابقة جميعها تحول دون توفير الوقت اللازم لإنضاج التجارب التعليمية الجديدة ودراسة مخرجاتها بما يضمن الاستفادة الحقيقية منها.
والضمانة الأكيدة لاحتواء هذه السلبيات الممكنة هي توافر العنصر الوطني الكفء، والقادر على أن يكون حلقة الربط والوصل حتى لو اختلفت المؤسسات وتغير الخبراء. وهذه الكوادر الوطنية ستكون مرآة حقيقية يستطيع الخبراء الأجانب فيها رؤية الأرض التي يتحركون فوقها، وإدراك خصوصياتها ومميزاتها وعيوبها، والاسترشاد بتجارب سابقة حققت قدراً من النجاح أو الفشل، كما أن تأهيل الكوادر التربوية الوطنية مهمة يجب أن تسير جنباً إلى جنب مع الاستعانة بخبراء التعليم الأجانب، لأن وجود الخبير الوطني هو ما يضمن أن يكون جهد الخبير الأجنبي إضافة حقيقية وفي المكان الصحيح.
::/fulltext::
::cck::1824::/cck::
