(لعبة القط والفأر) على حائط (التمييز العنصري) النووي!
::cck::1625::/cck::
::introtext::
كل التقارير والتقديرات المتداولة في الأروقة الخلفية لمباحثات إيران مع المجتمع الدولي بكافة تنوعاتها تشير إلى حقيقة واحدة مفادها أن الملف النووي الإيراني سيتم ترحيله إلى الإدارة الأمريكية المقبلة من دون أي شكل من أشكال الحسم العسكري أو غير العسكري. والسبب في ذلك بسيط جداً ألا وهو حاجة الطرفين الأمريكي والإيراني، وهما الأكثر استنفاراً من غيرهما بهذا الملف، إلى أوسع تعبئة ممكنة ومتاحة وبشكل استثنائي لجمهور الرأي العام الوطني لديهما لمثل هذه القضية الاستثنائية.
::/introtext::
::fulltext::
كل التقارير والتقديرات المتداولة في الأروقة الخلفية لمباحثات إيران مع المجتمع الدولي بكافة تنوعاتها تشير إلى حقيقة واحدة مفادها أن الملف النووي الإيراني سيتم ترحيله إلى الإدارة الأمريكية المقبلة من دون أي شكل من أشكال الحسم العسكري أو غير العسكري. والسبب في ذلك بسيط جداً ألا وهو حاجة الطرفين الأمريكي والإيراني، وهما الأكثر استنفاراً من غيرهما بهذا الملف، إلى أوسع تعبئة ممكنة ومتاحة وبشكل استثنائي لجمهور الرأي العام الوطني لديهما لمثل هذه القضية الاستثنائية.
أما الأوروبيون من جهتهم وهم العارفون أكثر من غيرهم بأن الملف ليس بيدهم حتى يحسموا أمره أو أمرهم تجاهه، فإنهم، ولكونهم الأكثر تضرراً من بين كافة الأطراف المهتمة بهذا الملف جراء أي تصعيد سياسياً كان أم اقتصادياً أم عسكرياً، أكثر الأطراف بحثاً عن حلول تسوية تؤمن الحد الأدنى من التراضي الذي يبقي باب الحوار مفتوحاً على مصراعيه بين الأطراف ولو إلى حين.
ولما كانت إيران غير متحمسة للحسم وفعلياً غير قادرة وإن أرادت، وهي غير حريصة أو راغبة أيضاً في تلبية شروط التسوية كيفما كانت وبأي ثمن كان لأن ذلك من شأنه أن يخسرها ورقة ثمينة جداً في كفاحها من أجل البقاء وانتزاع الاعتراف الدولي النهائي بها كقوة إقليمية مؤثرة، فقد ظلت تدير ما يسمى بـ (لعبة القط والفأر) مع الغرب حتى اللحظة بدراية قل نظيرها.
قد تكون ساعة الاقتراب من قطع نصف مسافة التسوية المرضية قد اقتربت في اجتماعات جنيف النووية الأخيرة والتي حضر فيها ولأول مرة مندوب أمريكي رفيع إلى جانب دول مجموعة الـ (5 + 1) ،لكنها مع ذلك لن تكون هي التسوية النهائية المطلوبة من قبل كل من واشنطن وطهران اللتين تبحثان من خلال قناة جنيف وقبلها قناة بغداد عن (محلل) ما لتطبيع العلاقات الثنائية بينهما أكثر من اهتمامهما بإيجاد صيغة للتفاهم حول النووي الإيراني أو مستقبل العراق.
لكن ما جرى من توافق غير رسمي وغير مكتوب في أروقة جنيف حول الملف النووي الإيراني كان أكثر من واضح وأيضاً أكثر من صريح بأن الحرب والخيار العسكري باتا وراءنا، إذ إن الأوروبيين استطاعوا أن يتوصلوا مع الإيرانيين قبلها إلى أشبه ما يسمى (خريطة طريق) تنقذ ماء وجه الجميع، ولكن من دون الرضوخ للشرط الأمريكي المتمثل في إعلان إيراني بوقف التخصيب أولاً قبل الدخول في أية مباحثات جدية، والذي كان في الواقع هو العقبة أمام أية تسوية تنزع فتيل الانفجار مع طهران.
فقد استطاع خافيير سولانا ممثلاً لمجموعة الدول الأوروبية أن يساوم الإيرانيين على الاقتصاد مقابل السياسة، وأن يباغت الأمريكيين بخريطة الطريق التي اتفق عليها مع الإيرانيين والتي تقضي بوقف التنمية المطردة لمشروع التخصيب الإيراني.
وهكذا دخل وليام بيرنز إلى الاجتماع وأمامه عمل منجز لا يملك سوى التجاوب معه حتى لا يصبح واحداً أمام خمسة، مفضلاً بالتالي أن يتحول على الفور إلى عضو نشط في مجموعة الـ (5 +1) ما دفعه عملياً إلى اتخاذ موقف إيجابي من ورقة سولانا غير المعلنة وموقف (ثقافي) حار تجاه الشعب الإيراني، تعويضاً عن الخيبة التي لحقت بواشنطن طوال فترة التحريض السابقة ضد طهران، الأمر الذي دفع بالرئيس أحمدي نجاد بالمقابل إلى اتخاذ الموقف المشجع والإيجابي تجاه المشاركة الأمريكية الأولى من نوعها في إطار البحث عن حلول سلمية وحوارية لملف إيران النووي.

إنها البدايات الطبيعية لكنها الطويلة والمتعرجة لمسيرة التطبيع بين طهران وواشنطن، والتي حاول سعيد جليلي أن يمررها في نهاية اجتماعات جنيف من خلال تعليقه المهذب والمبطن حول (فن حياكة السجاد الشاق لكنه الذي ينتج لوحة بديعة).
لكن الأمريكيين الذين يعيشون صراعاً داخلياً خفياً وكبيراً ومعقداً ومتشابكاً فيما بين الديمقراطيين والجمهوريين، إما أنهم لم يلتقطوا الإشارة جيداً أو أن الصراع الداخلي قد أعماهم عن رؤية التحول الحقيقي الذي أنجزه الأوروبيون بالتعاون مع الإيرانيين.
فوليام بيرنز قد تم توبيخه على ما يبدو، وكما تشير التقارير المتواترة لأنه (خرج من المولد بلا حمّص) كما يقول المثل، حتى اضطرت كونداليزا رايس إلى التلويح بمهلة الأسبوعين للإيرانيين في محاولة للتعويض عن إحباطات بيرنز، في الوقت الذي تعرف فيه جيداً بأن ما اتفق عليه سولانا وجليلي هو بالضبط ما تشير إليه هي من خلال مهلة الأسبوعين، أي الشروع بتطبيق خطة خريطة الطريق الآنفة الذكر بعد أسبوعين بالضبط من اجتماعات جنيف، ما يعني أن رايس إما أنها تريد وأد الخطة المذكورة لأنها تبلورت ونضجت بعيداً عن التأثير الأمريكي المباشر، أو أنها تريد التذاكي على الرأي العام الدولي والرأي العام الداخلي في أمريكا لتسويق مرشحها للرئاسة الأمريكي جون ماكين الذي يعدها بموقع نائب الرئيس، وذلك في إطار السباق الجاري بين الحزبين باتجاه فتح مغاليق الحوار مع طهران.
وهنا يبدو أحمدي نجاد وكأنه الرابح الأكبر في هذه الأثناء، إذ إنه من جهة استطاع أن يبدو بأنه الأقوى داخلياً عندما صمد رغم رسائل (الغزل) القوية من جانبه تجاه واشنطن، وأن يظهر خارجياً بمثابة الرجل الأكثر اعتدالاً وجرأة من غيره ممن سبقوه وهو المتهم بالراديكالية والتشدد وإعادة تصدير الثورة و.. إلخ والذي طالما قيل عنه إنه يخسر إيران في المجتمع الدولي.
أحمدي نجاد إذن استطاع كذلك أن يرمي الكرة في الملعب الأمريكي الداخلي، ويجعل التنافس حول الورقة الإيرانية بين الحزبين المتنافسين أكثر حدة وأكثر جدلاً.
الملاحظ في هذه الأثناء هو بروز محور فرنسي – ألماني مواز للمحور الروسي – الصيني ينادي بشدة بضرورة مقاومة أي خيار عسكري قد تفكر فيه واشنطن، حيث ثمة أخبار وتقارير متواترة يتم تداولها هنا بأن السفيرين الألماني والفرنسي في طهران يتسابقان إلى وزارة الخارجية الإيرانية لإبلاغها بالموقف المعارض لأي ضربة عسكرية سواء من جانب أمريكا أو إسرائيل، وهو ما لجأ إليه مؤخراً الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نفسه عندما حمّل مثل هذه الرسالة الواضحة للرئيس السوري بشار الأسد أثناء لقائه به في باريس على هامش أعياد يوليو الفرنسية، وهو ما دفع القيادة الإيرانية لإرسال الوزير منوشهر متكي إلى العاصمة السورية للاستماع إليها بعناية. والأمر نفسه أبلغته سويسرا عبر رئيسة وزرائها كما يتردد هنا في طهران.

أما وزير الخارجية الروسي الذي دخل على خط جنيف بقوة فندد بمقولة (المهل غير اللازمة وغير المثمرة والتي لا داعي لها) وقال إنها تجعل الموقف الأمريكي أكثر حراجة من أي وقت مضى، في وقت تقوي فيه المفاوض الإيراني وتجعله يمتلك اليد العليا في المفاوضات.
ولكن ما هي خطة (خريطة الطريق) التي تم الاتفاق عليها بين سولانا وجليلي والتي دفعت بالأمريكيين ليقعوا في مثل هذا الاضطراب؟
أولاً: تجاوز مقولة وقف التخصيب التي أصبحت من الماضي كما يردد الجانب الإيراني اليوم.
ثانياً: الاعتراف والإذعان بدور إقليمي أساسي لإيران في كل التسويات التي تتعلق بقضايا المنطقة.
ثالثاً: السعي لأخذ ضمانات من مجموع قوى المجتمع الدولي بالاعتراف النهائي بالنظام الإيراني وعدم العمل على زعزعة استقراره أو إسقاطه أو التحريض ضده.
كل ذلك مقابل وقف إيران لبرنامج تنمية المشروع النووي وليس وقف التخصيب، أي عدم التقدم مؤقتاً باتجاه التخصيب الصناعي، وعدم الانحراف مطلقاً باتجاه التسلح العسكري.
وهنا ثمة من يقول مجدداً إن المفاوض الإيراني استطاع عملياً أن يحصل على ما يريده من خلال سياسة حافة الهاوية التي كانت تظهر القدرة والقوة الإيرانية باستمرار وسط عالم لا يعرف إلا لغة القوة، بينما خسر الغرب مجتمعاً الرهان على وسائل وأساليب التهويل والتهديد سواء بتشديد العقوبات أو التلويح بالقوة العسكرية.
وأخيراً وليس آخراً ثمة من لخص الأمر بأن طهران استطاعت عملياً بأن تجعل الزمن يجري وراءها، وأن تجعل دول الروم الحديثة تتفرق على أبواب بلاد فارس من جديد من خلال دبلوماسية حياكة السجاد الطويلة النفس، لكنها المضمونة النتائج (لوحة فارسية بامتياز) كما يقول المتتبعون للعبة القط والفأر الآنفة الذكر!
ومع ذلك فإن الملف النووي الإيراني سيأخذ جولات وجولات من النقاش والمباحثات في أكثر من عاصمة وعلى أكثر من مستوى، والجولات التي يبدو أن إيران قد ربحتها حتى الآن قد لا تضمن الهدف الأساسي الذي لا تزال طهران تسعى من أجله ألا وهو انتزاع حق تصنيع الوقود النووي أو ما بات يعرف بـ (توطين) التكنولوجيا النووية وهي التكنولوجيا التي يفضل الغرب ومعه حتى الصين وروسيا أن تظل حكراً على الدول الكبرى التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية والتي تمنع على غير (الكبار) دخول هذا النادي حتى الآن.
إن هذا المنع من دخول هذا النادي هو ما تسعى طهران إلى كسره عبر إملاء تسوية أمر واقع على الغرب مجتمعاً بما فيه أمريكا من خلال مشروع الخطوة خطوة أي فرض مبدأ حق التخصيب أولاً ومن ثم التقدم رويداً رويداً باتجاه التحول إلى دولة مخصبة لليورانيوم بكميات صناعية كافية بما يجعلها قادرة على اجتياز ما تسميه حاجز (التمييز العنصري النووي).
::/fulltext::
|
Getting your Trinity Audio player ready...
|
::cck::1625::/cck::
::introtext::
كل التقارير والتقديرات المتداولة في الأروقة الخلفية لمباحثات إيران مع المجتمع الدولي بكافة تنوعاتها تشير إلى حقيقة واحدة مفادها أن الملف النووي الإيراني سيتم ترحيله إلى الإدارة الأمريكية المقبلة من دون أي شكل من أشكال الحسم العسكري أو غير العسكري. والسبب في ذلك بسيط جداً ألا وهو حاجة الطرفين الأمريكي والإيراني، وهما الأكثر استنفاراً من غيرهما بهذا الملف، إلى أوسع تعبئة ممكنة ومتاحة وبشكل استثنائي لجمهور الرأي العام الوطني لديهما لمثل هذه القضية الاستثنائية.
::/introtext::
::fulltext::
كل التقارير والتقديرات المتداولة في الأروقة الخلفية لمباحثات إيران مع المجتمع الدولي بكافة تنوعاتها تشير إلى حقيقة واحدة مفادها أن الملف النووي الإيراني سيتم ترحيله إلى الإدارة الأمريكية المقبلة من دون أي شكل من أشكال الحسم العسكري أو غير العسكري. والسبب في ذلك بسيط جداً ألا وهو حاجة الطرفين الأمريكي والإيراني، وهما الأكثر استنفاراً من غيرهما بهذا الملف، إلى أوسع تعبئة ممكنة ومتاحة وبشكل استثنائي لجمهور الرأي العام الوطني لديهما لمثل هذه القضية الاستثنائية.
أما الأوروبيون من جهتهم وهم العارفون أكثر من غيرهم بأن الملف ليس بيدهم حتى يحسموا أمره أو أمرهم تجاهه، فإنهم، ولكونهم الأكثر تضرراً من بين كافة الأطراف المهتمة بهذا الملف جراء أي تصعيد سياسياً كان أم اقتصادياً أم عسكرياً، أكثر الأطراف بحثاً عن حلول تسوية تؤمن الحد الأدنى من التراضي الذي يبقي باب الحوار مفتوحاً على مصراعيه بين الأطراف ولو إلى حين.
ولما كانت إيران غير متحمسة للحسم وفعلياً غير قادرة وإن أرادت، وهي غير حريصة أو راغبة أيضاً في تلبية شروط التسوية كيفما كانت وبأي ثمن كان لأن ذلك من شأنه أن يخسرها ورقة ثمينة جداً في كفاحها من أجل البقاء وانتزاع الاعتراف الدولي النهائي بها كقوة إقليمية مؤثرة، فقد ظلت تدير ما يسمى بـ (لعبة القط والفأر) مع الغرب حتى اللحظة بدراية قل نظيرها.
قد تكون ساعة الاقتراب من قطع نصف مسافة التسوية المرضية قد اقتربت في اجتماعات جنيف النووية الأخيرة والتي حضر فيها ولأول مرة مندوب أمريكي رفيع إلى جانب دول مجموعة الـ (5 + 1) ،لكنها مع ذلك لن تكون هي التسوية النهائية المطلوبة من قبل كل من واشنطن وطهران اللتين تبحثان من خلال قناة جنيف وقبلها قناة بغداد عن (محلل) ما لتطبيع العلاقات الثنائية بينهما أكثر من اهتمامهما بإيجاد صيغة للتفاهم حول النووي الإيراني أو مستقبل العراق.
لكن ما جرى من توافق غير رسمي وغير مكتوب في أروقة جنيف حول الملف النووي الإيراني كان أكثر من واضح وأيضاً أكثر من صريح بأن الحرب والخيار العسكري باتا وراءنا، إذ إن الأوروبيين استطاعوا أن يتوصلوا مع الإيرانيين قبلها إلى أشبه ما يسمى (خريطة طريق) تنقذ ماء وجه الجميع، ولكن من دون الرضوخ للشرط الأمريكي المتمثل في إعلان إيراني بوقف التخصيب أولاً قبل الدخول في أية مباحثات جدية، والذي كان في الواقع هو العقبة أمام أية تسوية تنزع فتيل الانفجار مع طهران.
فقد استطاع خافيير سولانا ممثلاً لمجموعة الدول الأوروبية أن يساوم الإيرانيين على الاقتصاد مقابل السياسة، وأن يباغت الأمريكيين بخريطة الطريق التي اتفق عليها مع الإيرانيين والتي تقضي بوقف التنمية المطردة لمشروع التخصيب الإيراني.
وهكذا دخل وليام بيرنز إلى الاجتماع وأمامه عمل منجز لا يملك سوى التجاوب معه حتى لا يصبح واحداً أمام خمسة، مفضلاً بالتالي أن يتحول على الفور إلى عضو نشط في مجموعة الـ (5 +1) ما دفعه عملياً إلى اتخاذ موقف إيجابي من ورقة سولانا غير المعلنة وموقف (ثقافي) حار تجاه الشعب الإيراني، تعويضاً عن الخيبة التي لحقت بواشنطن طوال فترة التحريض السابقة ضد طهران، الأمر الذي دفع بالرئيس أحمدي نجاد بالمقابل إلى اتخاذ الموقف المشجع والإيجابي تجاه المشاركة الأمريكية الأولى من نوعها في إطار البحث عن حلول سلمية وحوارية لملف إيران النووي.

إنها البدايات الطبيعية لكنها الطويلة والمتعرجة لمسيرة التطبيع بين طهران وواشنطن، والتي حاول سعيد جليلي أن يمررها في نهاية اجتماعات جنيف من خلال تعليقه المهذب والمبطن حول (فن حياكة السجاد الشاق لكنه الذي ينتج لوحة بديعة).
لكن الأمريكيين الذين يعيشون صراعاً داخلياً خفياً وكبيراً ومعقداً ومتشابكاً فيما بين الديمقراطيين والجمهوريين، إما أنهم لم يلتقطوا الإشارة جيداً أو أن الصراع الداخلي قد أعماهم عن رؤية التحول الحقيقي الذي أنجزه الأوروبيون بالتعاون مع الإيرانيين.
فوليام بيرنز قد تم توبيخه على ما يبدو، وكما تشير التقارير المتواترة لأنه (خرج من المولد بلا حمّص) كما يقول المثل، حتى اضطرت كونداليزا رايس إلى التلويح بمهلة الأسبوعين للإيرانيين في محاولة للتعويض عن إحباطات بيرنز، في الوقت الذي تعرف فيه جيداً بأن ما اتفق عليه سولانا وجليلي هو بالضبط ما تشير إليه هي من خلال مهلة الأسبوعين، أي الشروع بتطبيق خطة خريطة الطريق الآنفة الذكر بعد أسبوعين بالضبط من اجتماعات جنيف، ما يعني أن رايس إما أنها تريد وأد الخطة المذكورة لأنها تبلورت ونضجت بعيداً عن التأثير الأمريكي المباشر، أو أنها تريد التذاكي على الرأي العام الدولي والرأي العام الداخلي في أمريكا لتسويق مرشحها للرئاسة الأمريكي جون ماكين الذي يعدها بموقع نائب الرئيس، وذلك في إطار السباق الجاري بين الحزبين باتجاه فتح مغاليق الحوار مع طهران.
وهنا يبدو أحمدي نجاد وكأنه الرابح الأكبر في هذه الأثناء، إذ إنه من جهة استطاع أن يبدو بأنه الأقوى داخلياً عندما صمد رغم رسائل (الغزل) القوية من جانبه تجاه واشنطن، وأن يظهر خارجياً بمثابة الرجل الأكثر اعتدالاً وجرأة من غيره ممن سبقوه وهو المتهم بالراديكالية والتشدد وإعادة تصدير الثورة و.. إلخ والذي طالما قيل عنه إنه يخسر إيران في المجتمع الدولي.
أحمدي نجاد إذن استطاع كذلك أن يرمي الكرة في الملعب الأمريكي الداخلي، ويجعل التنافس حول الورقة الإيرانية بين الحزبين المتنافسين أكثر حدة وأكثر جدلاً.
الملاحظ في هذه الأثناء هو بروز محور فرنسي – ألماني مواز للمحور الروسي – الصيني ينادي بشدة بضرورة مقاومة أي خيار عسكري قد تفكر فيه واشنطن، حيث ثمة أخبار وتقارير متواترة يتم تداولها هنا بأن السفيرين الألماني والفرنسي في طهران يتسابقان إلى وزارة الخارجية الإيرانية لإبلاغها بالموقف المعارض لأي ضربة عسكرية سواء من جانب أمريكا أو إسرائيل، وهو ما لجأ إليه مؤخراً الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي نفسه عندما حمّل مثل هذه الرسالة الواضحة للرئيس السوري بشار الأسد أثناء لقائه به في باريس على هامش أعياد يوليو الفرنسية، وهو ما دفع القيادة الإيرانية لإرسال الوزير منوشهر متكي إلى العاصمة السورية للاستماع إليها بعناية. والأمر نفسه أبلغته سويسرا عبر رئيسة وزرائها كما يتردد هنا في طهران.

أما وزير الخارجية الروسي الذي دخل على خط جنيف بقوة فندد بمقولة (المهل غير اللازمة وغير المثمرة والتي لا داعي لها) وقال إنها تجعل الموقف الأمريكي أكثر حراجة من أي وقت مضى، في وقت تقوي فيه المفاوض الإيراني وتجعله يمتلك اليد العليا في المفاوضات.
ولكن ما هي خطة (خريطة الطريق) التي تم الاتفاق عليها بين سولانا وجليلي والتي دفعت بالأمريكيين ليقعوا في مثل هذا الاضطراب؟
أولاً: تجاوز مقولة وقف التخصيب التي أصبحت من الماضي كما يردد الجانب الإيراني اليوم.
ثانياً: الاعتراف والإذعان بدور إقليمي أساسي لإيران في كل التسويات التي تتعلق بقضايا المنطقة.
ثالثاً: السعي لأخذ ضمانات من مجموع قوى المجتمع الدولي بالاعتراف النهائي بالنظام الإيراني وعدم العمل على زعزعة استقراره أو إسقاطه أو التحريض ضده.
كل ذلك مقابل وقف إيران لبرنامج تنمية المشروع النووي وليس وقف التخصيب، أي عدم التقدم مؤقتاً باتجاه التخصيب الصناعي، وعدم الانحراف مطلقاً باتجاه التسلح العسكري.
وهنا ثمة من يقول مجدداً إن المفاوض الإيراني استطاع عملياً أن يحصل على ما يريده من خلال سياسة حافة الهاوية التي كانت تظهر القدرة والقوة الإيرانية باستمرار وسط عالم لا يعرف إلا لغة القوة، بينما خسر الغرب مجتمعاً الرهان على وسائل وأساليب التهويل والتهديد سواء بتشديد العقوبات أو التلويح بالقوة العسكرية.
وأخيراً وليس آخراً ثمة من لخص الأمر بأن طهران استطاعت عملياً بأن تجعل الزمن يجري وراءها، وأن تجعل دول الروم الحديثة تتفرق على أبواب بلاد فارس من جديد من خلال دبلوماسية حياكة السجاد الطويلة النفس، لكنها المضمونة النتائج (لوحة فارسية بامتياز) كما يقول المتتبعون للعبة القط والفأر الآنفة الذكر!
ومع ذلك فإن الملف النووي الإيراني سيأخذ جولات وجولات من النقاش والمباحثات في أكثر من عاصمة وعلى أكثر من مستوى، والجولات التي يبدو أن إيران قد ربحتها حتى الآن قد لا تضمن الهدف الأساسي الذي لا تزال طهران تسعى من أجله ألا وهو انتزاع حق تصنيع الوقود النووي أو ما بات يعرف بـ (توطين) التكنولوجيا النووية وهي التكنولوجيا التي يفضل الغرب ومعه حتى الصين وروسيا أن تظل حكراً على الدول الكبرى التي انتصرت في الحرب العالمية الثانية والتي تمنع على غير (الكبار) دخول هذا النادي حتى الآن.
إن هذا المنع من دخول هذا النادي هو ما تسعى طهران إلى كسره عبر إملاء تسوية أمر واقع على الغرب مجتمعاً بما فيه أمريكا من خلال مشروع الخطوة خطوة أي فرض مبدأ حق التخصيب أولاً ومن ثم التقدم رويداً رويداً باتجاه التحول إلى دولة مخصبة لليورانيوم بكميات صناعية كافية بما يجعلها قادرة على اجتياز ما تسميه حاجز (التمييز العنصري النووي).
::/fulltext::
::cck::1625::/cck::
